لبنان يصارع أزماته: صيف 2014 بلا رئيس ومياه وكهرباء وسياح.. ومليونا لاجئ سوري

الجفاف يضرب البلاد.. والأعباء الاقتصادية ترفع منسوب التوتر حيال النازحين

لبنان يصارع أزماته: صيف 2014 بلا رئيس ومياه وكهرباء وسياح.. ومليونا لاجئ سوري
TT

لبنان يصارع أزماته: صيف 2014 بلا رئيس ومياه وكهرباء وسياح.. ومليونا لاجئ سوري

لبنان يصارع أزماته: صيف 2014 بلا رئيس ومياه وكهرباء وسياح.. ومليونا لاجئ سوري

لم تأت تباشير الصيف اللبناني كما اشتهاها اللبنانيون الذين كانوا يأملون بصيف واعد في السياحة والأمن والاقتصاد. فموسم الاصطياف ضربته التفجيرات الأخيرة، والأزمات الحياتية تضرب البلاد بشكل غير مسبوق، مما أطاح كل الآمال المعقودة على الصيف الحالي الذي كانت تباشيره جيدة مع تأليف حكومة ائتلافية بين طرفي الأزمة، وإنجازات هذه الحكومة في ملف الأمن، وفي الملفات الإدارية.
ولم يكف اللبنانيين التفجيرات الأخيرة التي حصلت وأدت إلى إلغاء الحجوزات، حتى ضربتهم أزمة الكهرباء وانقطاعها القياسي، خلافا لوعود حكومية سابقة بتأمين التيار الكهربائي على مدار الساعة بدءا من العام المقبل، وتخفيض التقنين بشكل كبير بدءا من هذا الصيف. ثم أتتهم أزمة الجفاف التي كان الجميع يتوقعها بسبب الشتاء الدافئ جدا، لكن لم يجر التحضير لها، فأصبحت المياه «عزيزة» على اللبنانيين يشترونها من بائعين غير شرعيين، كعادتهم كل صيف، لكن الطلب الكبير جعل هذا الصيف مميزا إلى درجة رفعت أسعار المياه إلى درجة غير مسبوقة.
ويقول غندور، ناطور أحد الأبنية في بيروت، إن البائعين رفعوا الأسعار بنسبة كبيرة هذا العام، وإنهم قد يعمدون إلى رفعها أكثر في الفترة المقبلة بسبب شح المياه وكثرة الطلب. ويشير إلى أن صهريج الماء سعة 150 برميلا، أصبح ثمنه 200 ألف ليرة (133 دولار) بعد أن كان يبلغ العام الماضي في موسم الجفاف نحو 150 ألفا (100 دولار)، موضحا أن المبنى الذي يعمل فيه بات يستهلك ما قيمته 400 دولار شهريا.
ويقول رئيس مصلحة الزراعة في الجنوب المهندس حسن صولي، إن لبنان وحتى الأمس القريب كان يعد من أقل بلدان الشرق الأوسط فقرا بالمياه، فقد كان معدل مياهه السنوي يتجاوز بفعل تساقط الأمطار 800 مليون متر مكعب مما يساعد في الحفاظ على أكثر من 2000 ينبوع خلال موسم الجفاف الذي يمتد سبعة أشهر. إلا أن هذا المنسوب بدأ يتراجع بطريقة تطرح علامات استفهام حول مستقبل لبنان المائي. ومع تراجع نسبة هطول الأمطار المتلاحقة سنويا وتوزعها على مدار العام وصلت إلى حدود الخطر خلال السنتين الماضيتين والإنذار في هذا العام.
وأوضح أن كميات المياه الجوفية سجلت تراجعا بنسبة كبيرة بلغت ثلث الكمية التي كانت تخزن العام الماضي. وقال: «استنادا لدراسات علمية وخبراء في هذا المجال فإن عدد الأيام الممطرة قد تقلص من 90 إلى 80 يوما في السنة في منطقة المتوسط قبل 20 عاما وإلى 70 يوما في السنة في أيامنا هذه مقابل ارتفاع شدة هطول الأمطار من جهة أخرى»، مؤكدا أن «تراجع نسبة تساقط الثلوج سنويا وانخفاض كثافتها سيؤدي إلى تناقص في كمية المياه التي تتجمع بفعل ذوبانها».
وأعلن أن «تناقص منسوب المياه بفعل قلة تساقط الأمطار والثلوج سيؤثر على الثروة المائية، وهذا وضع مخيف، ولبنان بدأ هذا العام يتأثر بالتغيير المناخي الذي سيترافق مع ارتفاع درجات الحرارة عاما بعد عام ويتبعه ارتفاع في نسبة تبخر المياه الجوفية والمتساقطة، وفي المقابل يتزايد الطلب على المياه بسبب شدة الحر، مما سيوصلنا إلى صحراء حقيقية قبل منتصف القرن الحالي، بحيث لن تنحصر التأثيرات بندرة المياه، بل ستمتد إلى الزراعة والأمن الغذائي وسيشهد لبنان ارتفاعا حادا بأسعار المياه والغذاء في آن، والفقراء هم أكثر المتضررين».
وأكد صولي أن «القطاع الزراعي هو الأكثر تضررا من أزمة الجفاف، يليه الأمن الغذائي»، لافتا إلى أن بوادر الأزمة أخذت تظهر في الجنوب عبر تساقط حبوب الزيتون ويباس شتول الخضار قبل نضوجها. وقال: «منذ عشرين عاما، كان المزارع يستطيع الحصول على المياه من الآبار على عمق عشرة أمتار، أما اليوم فغالبا ما يصل عمق الآبار إلى 40 وكحد أقصى إلى 100 متر، وبالتالي فإن التراجع الكبير بنسبة المياه سيرتد سوءا على الكثير من القطاعات الإنتاجية الزراعية التي ترتكز على المياه الجوفية للري في مواسم الصيف».
ويلعب وجود النازحين السوريين في لبنان كعامل ضغط إضافي على الموارد الطبيعية. وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنه وعلى الرغم من أن إمدادات المياه هي في لبنان «وفيرة نسبيا»، فقد أصبح الآن من «الصعب جدا» حتى هنا الحفاظ على جودة الماء وتوفرها بعد عدة سنوات من انخفاض معدلات سقوط الأمطار وانتشار اللاجئين السوريين في كل أجزاء البلاد.
وينافس السوريون الذين تخطى عددهم الإجمالي بين لاجئين وعمال مقيمين، المليونين، أهالي البلد في مجمل المجالات مما دفع بنحو 170 ألفا منهم إلى ما دون خط الفقر، في بلد لا تستوعب بناه التحتية حتى عدد سكانه (أربعة ملايين نسمة)، وهي حاليا على وشك الانهيار مع ما يقارب ستة ملايين شخص.
ويرى مستشار شؤون التخطيط في وزارة الصحة اللبنانية بهيج عربيد، أن «لبنان ليس على أبواب انفجار، بل في قلب الانفجار»، لافتا إلى أن «الأمور خرجت من أيدي المعنيين والحكومة اللبنانية التي تشكلت على أساس أن تشرف على إجراء الانتخابات الرئاسية، فإذا بكل أزمات البلد المتراكمة تحل عليها دفعة واحدة وهي غير قادرة على التعاطي مع أي منها».
وقال عربيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن لبنان «يدفع حاليا ثمن ضعف نظامه السياسي وعدم قدرة الحكام فيه على الحسم، مما يؤدي لتفاقم الأزمات»، واصفا الوضع العام اللبناني بـ«الخيالي، وهو يعود إلى قدرة اللبنانيين على التحمل والتكيف مع الأزمات»، مؤكدا أنه لو حصل ما يحدث في لبنان في أي بلد آخر في العالم «لكان انهار كليا».
وأوضح عربيد، أن «الخسائر التي تتكبدها البلاد نتيجة ملف اللجوء السوري لم تتكبدها دولة في العالم»، متسائلا: «هل تستطيع الولايات المتحدة الأميركية أن تستقبل 60 مليون إنسان خلال عامين أم فرنسا أن تستضيف 30 مليونا؟»، في إشارة إلى استضافة لبنان ما يوازي نصف عدد سكانه من اللاجئين السوريين في السنوات الثلاث الماضية.
وتوقعت مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين في لبنان، أن يصل عدد اللاجئين السوريين في المنطقة بنهاية 2014 إلى 3.6 مليون مقابل 2.5 مليون مسجلين حاليا في لبنان وتركيا والأردن والعراق. وقدرت المفوضية إجمالي عدد اللاجئين السوريين في لبنان بحلول نهاية العام الحالي بـ1.5 مليون، أي ثلث عدد سكان لبنان، علما بأن بيانات الأمم المتحدة تفيد بتدفق 38 في المائة من اللاجئين السوريين على لبنان ليكون صاحب النصيب الأكبر من هؤلاء اللاجئين.
ويشكو عدد من البلديات في المناطق اللبنانية التي تؤوي نازحين سوريين من ضعف المساعدات المخصصة لتحسين البنى التحتية والخدمات، على ضوء الضغط الكبير الذي يرتبه الوجود السوري المتزايد. ويكرر رؤساء بلديات عدة مقولة أن البلديات، وهي عبارة عن مجالس محلية ينتخبها السكان لإدارة شؤونهم المحلية مرة كل ست سنوات، باتت بلديات لتسيير شؤون النازحين السوريين وتأمين احتياجاتهم الملحة، أكثر من الاهتمام بالسكان اللبنانيين.
ولم يكن الضغط الذي طال شبكة الكهرباء اللبنانية مفاجئا، باعتبار أنها تعاني أصلا وقبل وصول اللاجئين من مشكلات جمة، وأوضح وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، أن «لبنان يدفع شهريا لاستجرار الكهرباء من سوريا نحو 35 مليون دولار في حين أنه يقدم الكهرباء مجانا للاجئين بقيمة 100 مليون دولار».
وأعلنت مؤسسة «كهرباء لبنان» أخيرا أنها ستعمد إلى تحديد القدرة الإنتاجية الموضوعة على شبكة الكهرباء بما يؤمن نحو 13 ساعة تغذية يوميا في جميع المناطق اللبنانية. وإذ أسفت إلى اضطرارها لاتخاذ الإجراءات، تمنت المؤسسة على المواطنين «تفهم ضرورة تحقيق التوازن بين توفير التغذية بالتيار الكهربائي والوضع الدقيق للمالية العامة»، مؤكدة أنها تسعى قدر الإمكان لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار على الشبكة، كما أنها ستبذل كل جهد ممكن وضمن الإمكانيات المتاحة لتأمين التيار الكهربائي للمواطنين خلال شهر رمضان في فترتي الإفطار والسحور.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.