الجفاف يضرب لبنان.. ويوتر العلاقة مع السوريين

أسعار السوق السوداء للمياه ارتفعت 33 في المائة الشهر الماضي

الجفاف يضرب لبنان.. ويوتر العلاقة مع السوريين
TT

الجفاف يضرب لبنان.. ويوتر العلاقة مع السوريين

الجفاف يضرب لبنان.. ويوتر العلاقة مع السوريين

لم تأت تباشير الصيف اللبناني كما اشتهاها اللبنانيون الذين كانوا يأملون بصيف واعد في السياحة والأمن والاقتصاد. فموسم الاصطياف ضربته التفجيرات الأخيرة، والأزمات الحياتية تضرب البلاد بشكل غير مسبوق، مما أطاح كل الآمال المعقودة على الصيف الحالي الذي كانت تباشيره جيدة مع تأليف حكومة ائتلافية بين طرفي الأزمة، وإنجازات هذه الحكومة في ملف الأمن، وفي الملفات الإدارية.
ولم يكف اللبنانيين التفجيرات الأخيرة التي حصلت وأدت إلى إلغاء الحجوزات، حتى ضربتهم أزمة الكهرباء وانقطاعها القياسي، خلافا لوعود حكومية سابقة بتأمين التيار الكهربائي على مدار الساعة بدءا من العام المقبل، وتخفيض التقنين بشكل كبير بدءا من هذا الصيف. ثم أتتهم أزمة الجفاف التي كان الجميع يتوقعها بسبب الشتاء الدافئ جدا، لكن لم يجر التحضير لها، فأصبحت المياه «عزيزة» على اللبنانيين يشترونها من بائعين غير شرعيين، كعادتهم كل صيف، لكن الطلب الكبير جعل هذا الصيف مميزا إلى درجة رفعت أسعار المياه إلى درجة غير مسبوقة.
ويقول غندور، ناطور أحد الأبنية في بيروت، إن البائعين رفعوا الأسعار بنسبة كبيرة هذا العام، وإنهم قد يعمدون إلى رفعها أكثر في الفترة المقبلة بسبب شح المياه وكثرة الطلب. ويشير إلى أن صهريج الماء سعة 150 برميلا، أصبح ثمنه 200 ألف ليرة (133 دولار) بعد أن كان يبلغ العام الماضي في موسم الجفاف نحو 150 ألفا (100 دولار)، موضحا أن المبنى الذي يعمل فيه بات يستهلك ما قيمته 400 دولار شهريا.
ويقول رئيس مصلحة الزراعة في الجنوب المهندس حسن صولي، إن لبنان وحتى الأمس القريب كان يعد من أقل بلدان الشرق الأوسط فقرا بالمياه، فقد كان معدل مياهه السنوي يتجاوز بفعل تساقط الأمطار 800 مليون متر مكعب مما يساعد في الحفاظ على أكثر من 2000 ينبوع خلال موسم الجفاف الذي يمتد سبعة أشهر. إلا أن هذا المنسوب بدأ يتراجع بطريقة تطرح علامات استفهام حول مستقبل لبنان المائي. ومع تراجع نسبة هطول الأمطار المتلاحقة سنويا وتوزعها على مدار العام وصلت إلى حدود الخطر خلال السنتين الماضيتين والإنذار في هذا العام.
وأوضح أن كميات المياه الجوفية سجلت تراجعا بنسبة كبيرة بلغت ثلث الكمية التي كانت تخزن العام الماضي. وقال: «استنادا لدراسات علمية وخبراء في هذا المجال فإن عدد الأيام الممطرة قد تقلص من 90 إلى 80 يوما في السنة في منطقة المتوسط قبل 20 عاما وإلى 70 يوما في السنة في أيامنا هذه مقابل ارتفاع شدة هطول الأمطار من جهة أخرى»، مؤكدا أن «تراجع نسبة تساقط الثلوج سنويا وانخفاض كثافتها سيؤدي إلى تناقص في كمية المياه التي تتجمع بفعل ذوبانها».
وأعلن أن «تناقص منسوب المياه بفعل قلة تساقط الأمطار والثلوج سيؤثر على الثروة المائية، وهذا وضع مخيف، ولبنان بدأ هذا العام يتأثر بالتغيير المناخي الذي سيترافق مع ارتفاع درجات الحرارة عاما بعد عام ويتبعه ارتفاع في نسبة تبخر المياه الجوفية والمتساقطة، وفي المقابل يتزايد الطلب على المياه بسبب شدة الحر، مما سيوصلنا إلى صحراء حقيقية قبل منتصف القرن الحالي، بحيث لن تنحصر التأثيرات بندرة المياه، بل ستمتد إلى الزراعة والأمن الغذائي وسيشهد لبنان ارتفاعا حادا بأسعار المياه والغذاء في آن، والفقراء هم أكثر المتضررين».
وأكد صولي أن «القطاع الزراعي هو الأكثر تضررا من أزمة الجفاف، يليه الأمن الغذائي»، لافتا إلى أن بوادر الأزمة أخذت تظهر في الجنوب عبر تساقط حبوب الزيتون ويباس شتول الخضار قبل نضوجها. وقال: «منذ عشرين عاما، كان المزارع يستطيع الحصول على المياه من الآبار على عمق عشرة أمتار، أما اليوم فغالبا ما يصل عمق الآبار إلى 40 وكحد أقصى إلى 100 متر، وبالتالي فإن التراجع الكبير بنسبة المياه سيرتد سوءا على الكثير من القطاعات الإنتاجية الزراعية التي ترتكز على المياه الجوفية للري في مواسم الصيف».
ويلعب وجود النازحين السوريين في لبنان كعامل ضغط إضافي على الموارد الطبيعية. وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنه وعلى الرغم من أن إمدادات المياه هي في لبنان «وفيرة نسبيا»، فقد أصبح الآن من «الصعب جدا» حتى هنا الحفاظ على جودة الماء وتوفرها بعد عدة سنوات من انخفاض معدلات سقوط الأمطار وانتشار اللاجئين السوريين في كل أجزاء البلاد.
وينافس السوريون الذين تخطى عددهم الإجمالي بين لاجئين وعمال مقيمين، المليونين، أهالي البلد في مجمل المجالات مما دفع بنحو 170 ألفا منهم إلى ما دون خط الفقر، في بلد لا تستوعب بناه التحتية حتى عدد سكانه (أربعة ملايين نسمة)، وهي حاليا على وشك الانهيار مع ما يقارب ستة ملايين شخص.
ويرى مستشار شؤون التخطيط في وزارة الصحة اللبنانية بهيج عربيد، أن «لبنان ليس على أبواب انفجار، بل في قلب الانفجار»، لافتا إلى أن «الأمور خرجت من أيدي المعنيين والحكومة اللبنانية التي تشكلت على أساس أن تشرف على إجراء الانتخابات الرئاسية، فإذا بكل أزمات البلد المتراكمة تحل عليها دفعة واحدة وهي غير قادرة على التعاطي مع أي منها».
وقال عربيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن لبنان «يدفع حاليا ثمن ضعف نظامه السياسي وعدم قدرة الحكام فيه على الحسم، مما يؤدي لتفاقم الأزمات»، واصفا الوضع العام اللبناني بـ«الخيالي، وهو يعود إلى قدرة اللبنانيين على التحمل والتكيف مع الأزمات»، مؤكدا أنه لو حصل ما يحدث في لبنان في أي بلد آخر في العالم «لكان انهار كليا».
وأوضح عربيد، أن «الخسائر التي تتكبدها البلاد نتيجة ملف اللجوء السوري لم تتكبدها دولة في العالم»، متسائلا: «هل تستطيع الولايات المتحدة الأميركية أن تستقبل 60 مليون إنسان خلال عامين أم فرنسا أن تستضيف 30 مليونا؟»، في إشارة إلى استضافة لبنان ما يوازي نصف عدد سكانه من اللاجئين السوريين في السنوات الثلاث الماضية.
وتوقعت مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين في لبنان، أن يصل عدد اللاجئين السوريين في المنطقة بنهاية 2014 إلى 3.6 مليون مقابل 2.5 مليون مسجلين حاليا في لبنان وتركيا والأردن والعراق. وقدرت المفوضية إجمالي عدد اللاجئين السوريين في لبنان بحلول نهاية العام الحالي بـ1.5 مليون، أي ثلث عدد سكان لبنان، علما بأن بيانات الأمم المتحدة تفيد بتدفق 38 في المائة من اللاجئين السوريين على لبنان ليكون صاحب النصيب الأكبر من هؤلاء اللاجئين.
ويشكو عدد من البلديات في المناطق اللبنانية التي تؤوي نازحين سوريين من ضعف المساعدات المخصصة لتحسين البنى التحتية والخدمات، على ضوء الضغط الكبير الذي يرتبه الوجود السوري المتزايد. ويكرر رؤساء بلديات عدة مقولة أن البلديات، وهي عبارة عن مجالس محلية ينتخبها السكان لإدارة شؤونهم المحلية مرة كل ست سنوات، باتت بلديات لتسيير شؤون النازحين السوريين وتأمين احتياجاتهم الملحة، أكثر من الاهتمام بالسكان اللبنانيين.
ولم يكن الضغط الذي طال شبكة الكهرباء اللبنانية مفاجئا، باعتبار أنها تعاني أصلا وقبل وصول اللاجئين من مشكلات جمة، وأوضح وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، أن «لبنان يدفع شهريا لاستجرار الكهرباء من سوريا نحو 35 مليون دولار في حين أنه يقدم الكهرباء مجانا للاجئين بقيمة 100 مليون دولار».
وأعلنت مؤسسة «كهرباء لبنان» أخيرا أنها ستعمد إلى تحديد القدرة الإنتاجية الموضوعة على شبكة الكهرباء بما يؤمن نحو 13 ساعة تغذية يوميا في جميع المناطق اللبنانية. وإذ أسفت إلى اضطرارها لاتخاذ الإجراءات، تمنت المؤسسة على المواطنين «تفهم ضرورة تحقيق التوازن بين توفير التغذية بالتيار الكهربائي والوضع الدقيق للمالية العامة»، مؤكدة أنها تسعى قدر الإمكان لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار على الشبكة، كما أنها ستبذل كل جهد ممكن وضمن الإمكانيات المتاحة لتأمين التيار الكهربائي للمواطنين خلال شهر رمضان في فترتي الإفطار والسحور.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.