مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

{ديمقراطية} إيران وإسرائيل.. إقصائية > بداية عمل «النهضة» كانت بعيدة عن السياسة

الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله
الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله
الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله

بعد جلساتي التوثيقية مع حمادي الجبالي، خطر على بالي، وفي عدة مناسبات، أنه لو لم يكن إسلاميا، أو سياسيا، فماذا يمكن أن يكون.
هو مهندس، مهتم بالقطاعات العلمية وبمجال الطاقة، ولم تخلُ جلسة من جلساتنا من إطلاعي على أحد برامجه التي يطلعني عليها بكل شغف وتطلع لإنجازها، والجملة الحاضرة دائما أن ضيق الوقت هو المانع، مشاريع مصغرة قد تبدأ من ضيعات أو مصانع بسيطة، لكن الطموح هو تطبيقها على مستوى كل البلاد، وحتى خارجها.
آيديولوجيا، وبعد أن حدثني عن شغفه في شبابه بالبحث، وجدت في كلامه ما توقعت، فقد تحدث عن ميله العاطفي إلى اليسار الفرنسي لدى إقامته في فرنسا، وبحثه في أي تجربة ثورية يمكن أن تتطابق مع محيطه الاجتماعي لبعث تنظيم، وكان في الوقت نفسه يبحث عن تنظيم يمكن أن يستوعب أفكاره وحماسه الشبابي، وفي هذه الحلقة، لم أجد أجوبة، بل تساؤلات بقيت مفتوحة، وهي: لو لم ينضم الجبالي إلى النهضة، لو لم يكن إسلاميا، فماذا يمكن أن يكون؟

* الانضمام إلى النهضة

* البداية مع التوجه الإسلامي كانت في باريس، بعدما اتصلت بنا المجموعة في تونس، وكانوا من الطلبة خريجي الجامعات، مثل صالح كركر، راشد الغنوشي، محمد صالح النيفر، ومجموعة من الطلبة الذين بدأوا الحركة الإسلامية، وفي ذلك الوقت كانوا في المرحلة الأولى من تنظيم أنفسهم، وكانت مرحلة التجميع والتنظيم والبحث عن هيكلية مناسبة للعمل.
ولم يكن التوجه هو البحث عن نخبة، لكن الأمور جاءت بطبيعتها، حيث لم يكن البحث عن العمال خاصة بالنسبة للموجودين في فرنسا.
وعملنا في البداية على مستوى النخبة والطلاب الذين نعرفهم، وهذه المجموعة كانت الرابط مع تونس، وهي التي ستسهم في بناء التنظيم، في ذلك الوقت كثفنا لقاءاتنا، وأصبحنا نلتقي تقريبا مرة في الأسبوع، في أوقات الصلاة، ونتقابل أيام الأحد، ولم تكن لدينا رؤية واضحة حول ما نريد.
عند بدأ فكرة التنظيم بدأت في 1974، مجموعة في باريس، وبعد ذلك الطلبة ينضمون إلينا، كانوا كلهم من التونسيين، في عدة مدن فرنسية، مثل رانس وليل، وفي بلدان أخرى فرنكوفونية مثل بلجيكا، وحتى في الشرق، بدأت هذه المجموعات تتزايد، وبدأ نوع من التنظيمات مواز للتنظيم في تونس يتكون.
ورغم أن علاقتنا مع الجماعة بدأت في تونس، لم أنقطع عن العمل في فرنسا، بل توسعت، ولم أقطع علاقتي بالمسلمين الفرنسيين، ولا بـ«الجامع الكبير» في باريس، ولا بجمعية حميد الله الذي كان يعمل على تعزيز الحوار مع الكنيسة أيضا، كان منفتحا جدا على الآخرين، وحدد مهمته في نقل الإسلام للمسيحيين، وحتى لرجال الكنيسة.
كانت كل الحوارات تدور باللغة الفرنسية، وكنت أحضر وأقدم محاضرات في عدة أماكن وحتى في «المسجد الكبير» في الدائرة الخامسة، ولكن كما سبق لي الذكر، المشكلة أنهم لم يقبلوا دمج الجانب السياسي بالدين على الإطلاق، وأثيرت هذه المسألة مع الأستاذ حميد الله، لكنه كان واعيا بأن ما يقدمه هو الإسلام الذي يريده المجتمع الفرنسي، وطريقة عمله ذكرتني بجماعة التبليغ، الذين أرادوا أن يقدموا الإسلام على أنه صلاة وعمامة، كانوا، كما يقول حميد الله، لا يريدون صدم الآخر، وهذا يدخل في فقه الدعوة، وحرصا على عدم تنفير الشبان الغربيين من الإسلام، خاصة بعد أحداث تفجيرات قطار الأنفاق في مدريد، وما أثير بعدها من قضايا، مثل الجهاد في أوروبا.
أنا أرى أن الأحزاب الإسلامية، خاصة العربية التي عملت في فرنسا، لم تقدم الإسلام بالشكل الذي ينتظره الآخرون، بل صدموا الآخرين ونفروهم، كما أن خلافاتنا، مثل قضية التركيز على الآذان، وعلى أن تكون المئذنة طويلة، وغيرها من الأمور الشكلية، هذا مثلا يزعجهم، حتى في مجال الهندسة المعمارية،.والمشكلة كانت فعلا الصدمة التي أصبنا بها المجتمع الغربي، بتقديم نموذج غريب عنه، ومحاولة فرضه عليه.

* ما تعلمته من تجربتي في فرنسا
* لقد استفدت كثيرا من تلك الفترة، وتعلمت فيها العديد من الأشياء، خاصة القضايا الخاصة بالحريات والممارسة والحياة السياسية والأحزاب، و الحياة السياسية الفرنسية، خاصة اليسار وميتيران وجوسبان، وفهمت اليمين وتوجهاته العنصرية، ووجدت في اليسار العدالة الاجتماعية والحريات ومناصرة الشعوب المستضعفة، فكنت أميل عاطفيا إلى اليسار، ليس للشيوعية، لكن اليسار الفرنسي.
كانت تجربتي في فرنسا عبارة عن مرحلة تدريبية، أو تحضيرية، خاصة عبر حضور اجتماعات والمشاركة في الحياة السياسية للأحزاب. وهذا ما أثر على طريقة تفكيري وعملي في ما بعد في حركة النهضة.
رأيت في فرنسا كل شيء منظما، ويبدأ عملهم بتكوين وتأهيل الكوادر، ولديهم ديمقراطية في أخذ القرار، وشبابهم يتمتع بالروح النضالية والحماس، ما ساعدهم في حملاتهم؛ سواء التأسيسية للأحزاب، أو الانتخابية، التي شاهدتها عن قرب، وعبر شاشة التلفزيون، لقد تأثرت جدا بطريقة عملهم، وفي الوقت نفسه، كنت أرى أن هذا ليس بغريب علينا، وأن الإسلام يتضمن هذا المفهوم للحريات،.هذه المرحلة التي كانت بين سبع وثماني سنوات أحدثت نقلة نوعية في حياتي، خاصة في مسألة المنهج في العمل السياسي وقضية القيم وحريات الصحافة، وكانت عندي قناعات بأن الإسلام جاء بالحريات، وقضية الانفتاح وحقوق المرأة.
وهنا قررت قطع عملي مع جماعات التبليغ، التي تعتمد أساليب التنفير من الدين الإسلامي، وتقتصر على كونه كلام طقوس وصورا خارجية تنحصر في العمامة وشكل المئذنة. ونفرت من عنف الخطاب الذي يقدمه المسلمون وقتها في الغرب، واقتنعت بأن الأوروبي سيسعى للبحث في البوذية وأديان أخرى، أو أساليب تمنحه الراحة الروحية، التي يريد، وليس في خطابنا العنيف وأصواتنا المرتفعة وخلافاتنا التي لا تنتهي.كانت قناعاتي بشمولية التصور الإسلامي، لكن ما رأيته في ذلك الوقت أن الإسلام كان يقطع إربا إربا، وبعيدا عن المجالات العلمية وعن الاقتصاد، ويمكنني القول إن أهم ما أخذته من الفكر الإسلامي هو شمولية الإسلام، وهنا يجب التنبه إلى الفارق بين شمولية التصور وشمولية التنزيل (يعني التبليغ)، وهنا أقصد أنه لم يكن من الضروري اتباع المنهج نفسه في التبليغ، بل اتباع المرونة التي تناسب المجتمعات.
ليس بالضرورة أن نقدم كل شيء في الوقت نفسه، فهناك سلم أولويات، وهذا السلم أيضا غير ثابت، بل تتغير الأولويات فيه حسب البيئة والمناخ الذي تعمل فيه، مثلا في فرنسا لا يمكن أن نبدأ بإقناع الفرنسيين وتلقينهم دروسا حول قضايا الحريات والديمقراطية وهم متشبعون بها. هنا يمكن أن يكون من الأنجع العمل معهم على الجانب الروحي، وعلى التوازن النفسي الذي يحققه الإسلام والعلاقة بالأسرة، مثلا يجب النظر إلى ما ينقصهم، والعمل على هذا المجال.
في تونس ،مثلا، الوضع كان مختلفا عنه في باكستان، وكان مختلفا جدا وقتها عن الفكر الإسلامي في مصر.
إذا أخذنا فكرة الانتخابات ببساطة، فستعود كلمة الفصل، إما لرئيس يتسلط، أو لشعب يختار النواب ويتسلط كذلك عبرهم، هنا تتداخل قضية الفكر السياسي وقضية الحريات، وهل الأحزاب التي لا تؤمن بالإسلام لها حرية التعبير أو ستتعرض للإقصاء ونقول عنهم: ملحدون ما يوصف ب»الديموقراطية» في ايران واسرائيل، لا تعطي الحرية لأحزاب تتناقض مع مبادئ المجتمع الإسرائيلي، والدليل ان الأحزاب االعربية في إسرائيل ليست لها الحرية. التعددية اذا يجب أن تكون ضمن المنظومة الفقهية.
رجعت إلى تونس متشبعا بالأفكار التي اكتسبتها من تجربتي في فرنسا، بعد أن أتممت دراستي وعدت وفتحت مكتب دراسات مختصا بمجال الطاقة، وبعد الاستقرار في تونس قمنا بإنجاز مشاريع كبيرة في مجموعة من الفنادق والمستشفيات، وانضممت في الوقت نفسه إلى الحركة الإسلامية في تونس، التي بدأت تتكون وقتها، وكان اسمها الجماعة الإسلامية، التي بدأت ملامحها تتضح منذ عام1971، وحتى قبل ذلك بقليل، وتطورت الأفكار لتتحول إلى اجتماعات كانت تعقد بين راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو ومحمد صالح النيفر، وصلاح الدين الجورشي، وصالح كركر، وصالح بن عبد الله. كان هؤلاء الأوائل المكونين لحركة الجماعة الإسلامية.
لم يهتموا بمسألة التسمية في البداية كثيرا، وعندما تواصلت معهم في البداية، رأيت أن الجانب السياسي لم يكن محور اهتمامهم، بل كانوا مهتمين أكثر بالجانب الدعوي، ولهذا اختاروا اسم «الجماعة»،
وكانت الدروس أساسا في المساجد ونشاطا في الجماعة، وحتى في الجامعة كان التركيز على ما يسمى بناء الفكر العقائدي.

* عمل «النهضة» في البداية

* في البداية كانت طريقة «الجماعة» تعتمد على الدعوة والإقبال من طرف شرائح مختلفة من الناس وليس الطلبة فقط، وبدأ عمل الغنوشي، و مورو، خاصة من على المنابر، بتقديم الدروس والحلقات، والملة القرآنية، خاصة التركيز على التفسير، لأن أفراد «الجماعة» وقتها كانوا يعتقدون أنه لا بد من تحقيق الصحوة الإسلامية التي ماتت، والتي بقيت فقط في مشايخ الزيتونة.
وعاد الشباب بقوة للصلاة وللإقبال على المساجد، لكن الكل كان يجب أن يصلي ويترك، والأئمة كانوا موجودين لكن خطبهم بعيدة كل البعد عن الواقع في المجتمع، والفهم العصري للدعوة الإسلامية.
ولأن أغلب الشباب لم يكن جامعيا، حرصنا على تقديم دروس نسميها بالحلقات الأسبوعية تلم الشباب، ولكن هناك جمهورا بدوا خائفين، أغلبهم كان من التلامذة وبعض الحرفيين.

البداية كانت بعيدة عن السياسة
كانت تونس في بداية عقد السبعينات تعيش كبتا سياسيا كبيرا، وكانت سياسة الحزب الواحد طاغية على المجتمع، وكان الحزب الشيوعي محظورا منذ بداية الستينات، وبالتالي ممارسة السياسة كانت ممنوعة.
الدستور كان يقول إن هناك حرية، لكن فعليا لم تكن موجودة، ورأينا كيف تصرف النظام مع اليسار، وما تعرض له اليساريون من سجن وتشريد ومحاكمات، لهذا توصلنا لقناعة أن العمل يجب ألا يبدأ سياسيا، بل عبر الدعوة التي تبدأ من الجانب الفردي ثم الأسرة ثم الحي الذي تسكن فيه، لكن هذا لم يمنع أنه دارت كثير من النقاشات والجدل داخل «الجماعة» حول كيفية بداية العمل.
فكانت منا مجموعة تدعو إلى تجنب توخي أسلوب التصادم مع الدولة، وتدعو الى تحاشي التعجل وتقول بضرورة تأطير الشباب ودعوتهم، من دون فتح جبهات، لأن هذه المجموعة كانت تريد تجنب قمع الدولة والسجن وغيره وقتها، وكانت غالبية المجموعة من الكهول والكبار نسبيا في السن.
وفي المقابل كان النفس الآخر طلابيا شبابيا تأثر بالبعد الآيديولوجي لـ«الجماعة»، والبعد الاجتماعي، لأن المسألة تخص قضية العدالة الاجتماعية والعمال والنقابات، وبدأت في ذلك الوقت قوى شبابية تتشكل، وانتقلت من الجامعة إلى الحياة العامة.

* محمد صالح النيفر

* محمد صالح النيفر من مؤسسي حركة الاتجاه الإسلامي عام 1981، ولد في المرسى عام 1902، ودرس بالمعاهد الزيتونية، وارتقى إلى جميع مستوياتها، إلى أن تحصل على شهادة التطويع. أدار النيفر الفرع الزيتوني للبنات، وساهم في بعث جمعية الشبان المسلمين، أواخر العشرينات من القرن الماضي، بزعامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
واهتم كذلك بالأطفال اللقطاء المهملين، وأحدث لفائدتهم دار الرضيع، وكان الشيخ النيفر مقصد عدد من الشخصيات الوطنية السياسية والنقابية، على غرار الزعيم النقابي فرحات حشاد، والزعيم الوطني الحبيب بورقيبة، وقدم عليه كثير من أعلام العالم، مثل الحاج أمين الحسيني مفتي القدس، وعبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائرية، وضباط مصر مثل أنور السادات وحسين الشافعي لدعوته للتوسط في الأزمة بين بورقيبة وعبد الناصر، في بداية استقلال تونس.
ولقد عاش الشيخ محمد الصالح النيفر ثلاث مراحل حياتية لم تخل جميعها من التضييقات السياسية، وأولها مرحلة الصراع مع بورقيبة باني دولة الاستقلال، التي انتهت بتضييق الخناق عليه، وهجرته الإجبارية إلى الجزائر، التي تزامنت مع استقلالها. وخلال وجوده في الجزائر، مارس الشيخ محمد صالح النيفر التدريس في جامعة قسنطينة وقدم دروسا في المساجد والإذاعة، وكذلك في جمعية الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي. لكن هذا الأمر أحرج الرئيس الجزائري هواري بومدين، فاختار الشيخ العودة إلى تونس. وتعد هذه المرحلة الثالثة من حياته، وهي التي توّجها بتأسيس حركة الاتجاه الإسلامي سنة 1981، لكنه، بسبب المرض، انسحب من النشاط السياسي، وواصل متابعة الأوضاع السياسية إلى أن وافته المنية في فبراير (شباط) 1993.

* صالح كركر

* يعد صالح كركر من القيادات الأولى لحركة النهضة الإسلامية في تونس، ولد يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1948، بقرية صغيرة في الساحل التونسي.
أسس عام1981 مع راشد الغنوشي حركة الاتجاه الإسلامي، التي أصبحت، منذ سنة 1989، تحمل اسم «حركة النهضة».
نفت سلطات النظام التونسي السابق كركر لمدة 18 سنة في فرنسا، وبقي فيها قيد الإقامة الجبرية، ولكنه تُرك حرا لكونه يحمل صفة «اللاجئ السياسي».
رفعت عنه السلطات الفرنسية قرار النفي والإقامة الجبرية في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، بعد شهرين من الثورة التونسية، وعاد الى تونس يوم 19 يونيو (حزيران) 2012 وشارك في المؤتمر التاسع لحركة النهضة. يحمل كركر درجة ثالثة من الدراسات المعمقة في الاقتصاد، وشهادة الدكتوراه في الإحصاء، وهو مؤلف عدة كتب علمية، من بينها كتاب «نظرية القيمة» و«النظام الاقتصادي في الإسلام».

* «الجماعة».. «الاتجاه الإسلامي» ثم «النهضة»

* قبل أن تبرز الجماعات المتشددة والتنظيمات المسلحة التي تنتسب إلى «الإسلام السياسي» في تونس، كان غالبية الإسلاميين التونسيين منذ مطلع السبعينات في القرن الماضي، ينتسبون مباشرة أو غير مباشرة إلى «الجماعة»، أو «الجماعة الإسلامية»، التي أسسها عشرات من الخطباء والوعاظ في الدين وخريجي جامع الزيتونة والجامعات التونسية العصرية عام 1972. وكان من بين أبرز «المؤسسين» بعض أساتذة الفلسفة والفكر الإسلامي والعلوم الشرعية، مثل راشد الغنوشي واحميدة النيفر وعبد الفتاح مورو وعبد القادر سلامة ومحمد الصالح النيفر.
لكن «الجماعة» ظلت تتأرجح في مرجعياتها الفكرية بين أدبيات علماء ومصلحين تونسيين ومغاربيين، مثل محمد الطاهر بن عاشور ونجله محمد الفاضل بن عاشور ومحمد الشاذلي النيفر ومحمد الحبيب المستاوي ومحمد بالحاج ومحمود الباجي، ورموز «الإسلام السياسي» في المشرق العربي، خاصة في مصر وسوريا ودول الخليج، مثل محمد الغزالي ومحمد قطب.
كما استفاد قادة «الجماعة الإسلامية» من انتشار كتب الإخوان المسلمين في تونس، بسبب خلافات الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر، في النصف الثاني من الستينات، ومن معارضة بورقيبة لقرار إعدام زعماء الإخوان المسلمين، خاصة سيد قطب، الذي سمح بورقيبة خاصة بترويج كتابه «في ظلال القرآن».
لكن تأثير «الجماعة الإسلامية» بقي محدودا جدا، ومتمركزا حول الأنشطة الثقافية والدينية، إلى نهاية السبعينات، بسبب ثلاثة عوامل:
الأول: سماح بورقيبة بهامش كبير من حرية التعبير، مما سمح ببروز منظمات حقوقية واجتماعية مستقلة وصحف وأحزاب معارضة «ليبرالية» وأخرى «يسارية».. بما أدخل ديناميكية على البلاد ساهمت في دفع قيادات «الجماعة الإسلامية» نحو الشأن العام، ومحاولة المشاركة في الأحداث السياسية والنقابية الوطنية.
الثاني: ظهور تيار شبابي مسيَّس في الجامعة أطلق على نفسه «الاتجاه الإسلامي» نجح بسرعة في استقطاب غالبية عموم الطلبة حول خطاب «أكثر انفتاحا» انتقد «القراءات التقليدية» للإسلام، وبينها مدرسة الإخوان المسلمين.
وانتعش هذا التيار أكثر، أواخر السبعينات، بعد تزايد نفوذ «أقصى اليسار الماركسي الثوري» في الجامعة، ونجاح «الثورة الإسلامية ضد الاحتلال السوفياتي في أفغانستان»، و«الثورة الشعبية في إيران».
الثالث: بروز مراجعات فكرية وسياسية داخل قيادات «الجماعة»، أواخر السبعينات، ومطلع الثمانينات.. وتعالي أصوات في القيادة المركزية (بينها احميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي)، وخارجها تمسكت بخيار «التجديد والإصلاح والتميز عن مدرسة الإخوان المسلمين».
الرابع: الكشف في ديسمبر (كانون الأول) 1980 عن القيادة السرية لتنظيم «الجماعة الإسلامية» التي تأسست عام 1972 بزعامة راشد الغنوشي وعن كل المشاركين في هياكل الجماعة مركزيا وجهويا.. وقد دعم ذلك المستجد أنصار تقنين وضعية الحركة وتطويرها من «جماعة» إلى حزب سياسي قانوني ومدني، على غرار الأحزاب الليبرالية واليسارية، التي أعلنت عن نفسها رسميا.
لكن الإعلان الرسمي عن تأسيس حزب حركة الاتجاه الإسلامي في 6 يونيو (حزيران) 1981 لم يوقف مسار المحاكمات السياسية لقيادات الحركة وأنصارها، بدءا من محاكمة «القيادة التاريخية» في سبتمبر (أيلول)، وأكتوبر (تشرين الأول) 1981، بأحكام بلغت الـ11 عاما سجنا.
وأفرج بورقيبة في أغسطس (آب) 1984 عن تلك القيادة، لكنه عاد إلى تنظيم محاكمات شاملة ضدهم في 1987، بينها أحكام بالإعدام والمؤبد.
شاركت الحركة في انتخابات 1989 ضمن قوائم مستقلة بعد أن غيرت اسمها الى حركة النهضة.
لكن مواجهات جديدة اندلعت بين بن علي وقيادات «النهضة» مطلع التسعينات، كانت حصيلة حملة شاملة لاستئصالهم، وأحكاما بالإعدام والسجن شملت نحو عشرة آلاف من عناصر الحركة.
وبعد ثورة يناير 2011 عادت قيادات النهضة من منافيها إلى تونس، وأعادت مع قيادات الداخل تأسيس حزب قانوني في مارس (آذار) 2011 شارك في انتخابات أكتوبر 2011، التي دخلت بعدها الحركة إلى البرلمان الانتقالي والحكومة بالاشتراك مع اثنين من الأحزاب العلمانية.
لكن الأوضاع الإقتصادية والاجتماعية الصعبة، والأستقطاب السياسي وبروز العنف المسلح أدت الى استقالة الحكومة الأولى برئاسة حمادي الجبالي.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.