القمة الأميركية ـ الروسية: كثير من الملفات... قليل من التوقعات

TT

القمة الأميركية ـ الروسية: كثير من الملفات... قليل من التوقعات

تتجه أنظار العالم إلى ما سيجري في لقاء الرئيسين الأميركي والروسي، غداً (الاثنين)، في العاصمة الفنلندية هلسنكي، وكيف سيسير الرئيسان بين خطوط النار المتشابكة وهما يناقشان العديد من الملفات والقضايا التي تشعل الجدل والتوتر والخلافات بين واشنطن وموسكو. وإذا كانت هناك ملفات كثيرة يُتوقع أن يناقشها الرئيسان دونالد ترمب وفلاديمير بوتين، إلا أن محللين يقولون إنه ليس هناك أمل كبير بالوصول إلى اتفاقات حول كثير من الموضوعات التي ستكون مطروحة على طاولة النقاش.
وقبل انعقاد القمة، قال الرئيس ترمب خلال المؤتمر الصحافي مع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، أول من أمس: «سنمضي أقوياء، وسنتكلم حول أوكرانيا وسوريا والشرق الأوسط، ونزع أسلحة الدمار الشامل، وهذه التكنولوجيات المدمرة، وبالطبع سنتحدث عن التدخل الروسي في الانتخابات». وأوضح ترمب أنه سيتحدث مع بوتين «عن سوريا والخط الأحمر وقد نخرج بأمور مفاجئة، لكن العلاقة مع روسيا مهمة».
ويُتوقع أن تتناول المناقشات قضايا الأمن القومي والقلق الأميركي من الانتهاكات الروسية لمعاهدة الأسلحة النووية الروسية المعنية بخفض الأسلحة والحد من حجم الترسانة النووية الأميركية والروسية والتي تسمح لكل من واشنطن وموسكو بمراقبة البرامج النووية لكل منهما من خلال عمليات تفتيش صارمة. وبالطبع ستخيِّم قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية على القمة بشكل كبير بعد إعلان الادعاء الأميركي توجيه اتهامات إلى 12 ضابطاً في المخابرات الروسية بالتجسس واختراق شبكات البريد الإلكتروني لحملة هيلاري كلينتون وأعضاء اللجنة الوطنية في الحزب الديمقراطي. وإثر هذه الاتهامات، طالب قادة الحزب الديمقراطي في الكونغرس الرئيس ترمب بإعلان إلغاء القمة مع بوتين أو وضع قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية كأولوية في النقاشات.
وأوضح السفير الأميركي لدى روسيا جون هانتسمان، للصحافيين أن ملف الأمن القومي يتصدر الأهمية في هذه القمة. وقال: «الرئيس ترمب يؤمن بأن علاقات قوية مع روسيا ستكون أمراً جيداً ويأمل أن توقف روسيا تصرفاتها». وتابع: «سنذهب إلى القمة وأعيننا مفتوحة لتحميل روسيا المسؤولية في التدخل في الانتخابات الأميركية وفي منطقة البلقان».
وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن ملف الصراع السوري وتقليص نفوذ إيران في سوريا ما بعد إنهاء الحرب سيكون أحد الأهداف الاستراتيجية المهمة في القمة، لافتين إلى أن كلاً من روسيا والولايات المتحدة لديهما مصلحة في العمل معاً في الملف السوري. وأشار جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي، في مقابلة مع شبكة إخبارية، إلى أن إيران وليس رئيس النظام بشار الأسد هي القضية الاستراتيجية، مضيفاً أن «هناك احتمالات للقيام بمفاوضات أكبر حول المساعدة في إخراج القوات الإيرانية من سوريا وعودتها إلى إيران، وهذا الأمر سيكون خطوة مهمة إلى الأمام».
ويقول مسؤول رفيع في إدارة الرئيس ترمب لـ«الشرق الأوسط»، إن تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الأسبوع الماضي بأنه لا يتوقع انسحاباً كاملاً لإيران من سوريا توحي بأن هناك استعداداً لقبول انسحاب جزئي، وأن هذه التصريحات قد تؤدي إلى القبول بحل توافقي. ويوضح أن فريق المستشارين المرافق للرئيس ترمب لديه رؤية لسيناريو أحد الاحتمالات في هذا الشأن، وهو أن يتوصل الرئيسان الأميركي والروسي إلى اتفاق حول نشر قوات حكومية سورية على طول الحدود مع الجانب الإسرائيلي من مرتفعات الجولان، وانسحاب القوات الإيرانية و«حزب الله» من المنطقة. وتابع أنه رغم أن روسيا تدّعي أنها لا تستطيع ضمان امتثال إيران «فإنها تمتلك قوة كافية لإقناع طهران بالابتعاد عن الحدود مع إسرائيل وتقليل عدد القواعد ومصانع الصواريخ والمستشارين الذين يوجدون في سوريا».
ويقول المسؤول الأميركي إن إيران تواجه عقوبات أميركية صارمة في أعقاب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي ولا يمكنها تحمّل خسارة الدعم الروسي ولن تكون قادرة على تزويد الأسد بنفس القدر من الدعم الذي قدمته سابقاً. ويقول مسؤولون في البيت الأبيض إن مستشار الأمن القومي، جون بولتون، يريد الإصرار على أن تؤدي أي صفقة تتعلق بسوريا إلى انسحاب إيراني كامل وليس بشكل جزئي من سوريا.
ويرى محللون أن النقاشات حول سوريا قد تخرج بتوافقات عامة لكن من المرجح أنها ستركز في الأساس على الحد من النفوذ الإيراني، ويتشككون في إمكانية إنهاء الوجود الإيراني في سوريا بشكل كامل. ويشيرون إلى أن ترمب بإعلانه عن هدفه بسحب القوات الأميركية من سوريا، وتجميده بعض المساعدات الأميركية في سوريا، أضعف موقفه التفاوضي.
وأشارت سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي سابقاً، في مقال صحافي، الجمعة، إلى أن هناك الكثير الذي يمكن خسارته والقليل من الكسب في قمة ترمب - بوتين، محذرةً من مخاطر كثيرة واحتمالات نتائج عكسية. وتتخوف رايس من أن يعترف ترمب لروسيا بضم شبه جزيرة القرم، وتخفيف العقوبات مقابل تعهد روسيا بالحد من النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة.
ويقول نيل غاردنر، الباحث بمعهد «هيرتيدج» الأميركي، إن الرئيس بوتين سيسعى من عقد هذه القمة إلى تحسين صورته وكسر ستار العزلة المفروضة عليه بعد ضمه شبه جزيرة القرم، ولذا سيحرص على الخروج منتصراً من اللقاء مع الرئيس ترمب. أما مايكل مكفول، السفير الأميركي السابق لدى روسيا، فيقول إن بوتين يعرف ما الذي يسعى إلى تحقيقه ويعرف نقاط القوة والضعف لدى الأشخاص الذين يتحدث معهم ومن المحتمل أنه يخطط للإطراء على ترمب لكسب وده. كذلك يلفت ويليام بوميرانز، الباحث في الشؤون الروسية بمعهد «وودرو ولسون»، إلى أن بوتين لديه سجل حافل بالتلاعب بالناس للحصول على ما يريده.
ويرى لوك كوفي، الباحث المتخصص في الشرق الأوسط بمؤسسة «هيرتيدج» بواشنطن، أنه ينبغي أن يدخل ترمب في اجتماعات قمة هلسنكي بعيون مفتوحة على مصراعيها لأن بوتين منذ توليه السلطة عام 1999 لم يثبت أنه يمكن أن يكون شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة وانتهج سياسات تقوض مصالح أميركا الوطنية ومصالح أقرب شركائها، حسب رأيه. ويطالب كوفي الفريق الأميركي ومستشاري الرئيس ترمب بالخروج من هذه القمة ببيان واضح يؤكد أن الولايات المتحدة لن تعترف بشرعية المطالب الروسية بضم شبه جزيرة القرم، وإجبار روسيا على سحب قواتها والوفاء بالالتزامات التي قطعتها في اتفاق «مينسك» لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، والضغط على بوتين لإنهاء دعمه للرئيس السوري، والعمل مع المجتمع الدولي لوضع نهاية سياسية للحرب الأهلية السورية.
ويقول السفير فريدريك هوف، بمركز «أتلانتيك»، إن واشنطن تضغط على موسكو لوقف المساندة الروسية للأسد في هجومه على جنوب غربي سوريا، وفي الوقت نفسه تريد موسكو من واشنطن التخلي عن المناطق في شمال سوريا التي تم تحريرها من قبضة «داعش» وأدت إلى تقوية عناصر المعارضة، ولذا قد تحاول روسيا إغراء الولايات المتحدة لإبرام صفقة من شأنها أن تعزز المساندة للأسد وإيران أو أن تخرج القمة دون صفقة واضحة حول سوريا وإنما توافقات عامة. ويؤكد السفير الأميركي المخضرم أن بوتين يريد أن يظل ممسكاً بخيوط اللعب وبقاء الأسد مرتبطاً بحماية روسيا إلى أجل غير مسمى، لكنّ التحدي أمامه هو منع الإيرانيين من القيام بأعمال «غبية» في الجنوب الغربي. ويقول: «سيحاول بوتين تحويل الوضع المتقلب إلى ميزة للأسد، حيث سينصحه بتهدئة الأوضاع على المدى القصير لمنحه فرصة العمل مع نظيره الأميركي لأن أكثر شيء تخشاه روسيا هو انتصار أميركي شامل على (داعش) في الشمال الشرقي من سوريا بما يمكن أن يخلق بديلاً يؤدي لإزاحة عائلة الأسد». ويتوقع هوف أن يقوم بوتين خلال لقائه مع ترمب بالتأكيد أن الأسد سيُنهي هجومه على الجنوب الغربي وأنه سيرسل القوات الروسية لفرض منطقة تهدئة، وفي المقابل سيطلب من ترمب سحب القوات الأميركية من سوريا سريعاً وهو ما سيسمح لبوتين بالإعلان عن انتصارات روسية في سوريا بمجرد إخراج الأميركيين من الصورة.
ويشير ستيفن سيستانوفيتش الباحث في إدارة الدراسات الروسية بمجلس العلاقات الخارجية، إلى أن هناك أربع قضايا سيكون لها موقع بارز في القمة وهي: التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، وأوكرانيا، وسوريا، ومراقبة الأسلحة النووية. ويرى أن المسؤولين الأميركيين والروس لم يحققوا أي تقدم في التوصل إلى ملامح رئيسية لاتفاق في ما يتعلق بالوضع في أوكرانيا وكيفية مراقبة الأسلحة النووية. ويتوقع أن تتطرق النقاشات إلى ملف النفط، حيث يسعى البيت الأبيض إلى دفع روسيا لزيادة إنتاجها من النفط في إطار الجهود الأميركية للتعاطي مع تداعيات سياسة تقييد قدرة إيران على تصدير النفط.
وفي خصوص سباق التسلح، يوضح الباحث في الشأن الروسي بمجلس العلاقات الخارجية بواشنطن أن هذا هو الملف الذي يمكن أن يحقق فيه الرئيسان بوتين وترمب إنجازاً سهلاً في إعلان تمديد معاهدة «ستارت» لمدة خمس سنوات أخرى.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.