المعارضة تنقل اشتباكات القلمون إلى عدرا لقطع خطوط الإمداد عن دمشق

سوريان يمران وسط الأنقاض التي غطتها الثلوج في مدينة حمص المحاصرة أمس (رويترز)
سوريان يمران وسط الأنقاض التي غطتها الثلوج في مدينة حمص المحاصرة أمس (رويترز)
TT

المعارضة تنقل اشتباكات القلمون إلى عدرا لقطع خطوط الإمداد عن دمشق

سوريان يمران وسط الأنقاض التي غطتها الثلوج في مدينة حمص المحاصرة أمس (رويترز)
سوريان يمران وسط الأنقاض التي غطتها الثلوج في مدينة حمص المحاصرة أمس (رويترز)

أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان أن القوات الحكومية السورية حققت، أمس، «تقدما بسيطا» في حملتها العسكرية التي بدأتها أول من أمس لاستعادة السيطرة على منطقة عدرا العمالية شمال شرقي دمشق، مشيرا إلى أن «الاشتباكات مستمرة على طريق رئيس مؤد إلى العاصمة». وتزامنت الحملة العسكرية في عدرا، مع إعلان ناشطين سوريين أن الحكومة السورية تتفاوض مع فصائل معارضة من أجل إطلاق سراح 12 راهبة احتجزن في معلولا شمال دمشق، مقابل الإفراج عن مئات السوريات المعتقلات في سجون النظام.
ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن متحدث باسم «كتيبة الحبيب المصطفى» قوله إن المسؤولين السوريين «يرفضون حتى الآن الاستجابة لطلب إطلاق السجينات السوريات». وكشف المتحدث الذي عرف نفسه بـ«أبو نضال» عن أن المفاوضات بين الطرفين «جرت من خلال وسيط»، مشيرا إلى أن «كتائب (المصطفى) لم تخض المفاوضات بنفسها بل تزودت بالمعلومات من مقاتلين آخرين».
وفي السياق نفسه، أكد ناشط سوري معارض، طلب عدم الكشف عن هويته، المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين. ونقلت الوكالة عنه قوله إن «المفاوضات انطلقت فور الإعلان عن اختطاف الراهبات في دير مارتقلا ببلدة معلولا».
ونقلت المعارضة السورية معركة القلمون إلى طرفها الجنوبي، بسيطرتها على مدينة عدرا، وفتح ميدان اشتباك جديد مع القوات النظامية، تمثل بدفعها بتعزيزات إلى المنطقة، بهدف استعادتها، بينما تراجع مستوى القتال في الطرف الشمالي في القلمون، وتحديدا في جسر ريما على أطراف يبرود، بعد استعادة النظام السوري مدينة النبك الأسبوع الماضي.
وقال ناشطون سوريون إن القوات النظامية «دفعت بتعزيزات إلى مدينة عدرا شمال شرقي الغوطة الشرقية بريف دمشق، بهدف استعادتها». وقال عضو مجلس قيادة الثورة في ريف دمشق إسماعيل داراني لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات النظامية «حشدت ما يقارب 1500 مقاتل من قواتها إلى المنطقة، معززة بمدرعات وآليات عسكرية، بينما سجل وصول المئات من عناصر الميليشيات المقاتلة إلى جانب النظام السوري إلى المنطقة، وتجمعوا من مواقع عسكرية على مداخل المدينة»، مشيرا إلى أن المعارك «لم تشهد اشتباكات واسعة، بسبب رداءة الطقس مما يعطل فعالية سلاح الجو السوري». وكانت قوات المعارضة سيطرت على مدينة عدرا العمالية، المتاخمة لدوما في ريف دمشق، الأربعاء الماضي. وغداة إعلان السيطرة عليها، قالت وسائل إعلام مؤيدة للنظام السوري إن القوات الحكومية بدأت عمليات عسكرية في المدينة.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان باستمرار الاشتباكات العنيفة بين القوات النظامية مدعمة بقوات جيش الدفاع الوطني من جهة ومقاتلي الكتائب الإسلامية المقاتلة في مدينة عدرا العمالية من جهة أخرى، مشيرا إلى وقوع خسائر بشرية في صفوف الطرفين.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر أمني سوري قوله إن العملية التي أطلقتها القوات النظامية الخميس «مستمرة»، مشيرا إلى أن الجيش «أعلن تطويق المنطقة وبدأ اقتحام المناطق والأوكار التي يتحصن فيها الإرهابيون». وأضاف المصدر أن العملية «نوعية وتنفذ بدقة وتأن لأن المنطقة مأهولة بالسكان، وبطبيعة الحال يحاول الإرهابيون اتخاذ دروع بشرية منهم، والجيش يتعامل مع هذا الوضع». ويشارك في معارك عدرا بشكل مباشر مقاتلو «الجبهة الإسلامية» التي تضم عدة كتائب معارضة كبيرة في سوريا، وشاركت بقوة كبيرة، فضلا عن مقاتلين إسلاميين تابعين لجبهة «النصرة» و«تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام».
ورغم سيطرة المعارضة على المدينة، لم يصدر أي بيان رسمي من قيادة الجيش الحر أو الألوية المقاتلة بصفوفه عن اقتحام عدرا، التي قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن مقاتلين إسلاميين أعدموا 15 مدنيا من أبناء الطائفتين العلوية والدروز فيها. وقال داراني أمس، إن «الإعلان الرسمي من قيادة المعركة في عدرا، يحتاج إلى 48 ساعة، وسيتضمن معلومات مهمة عن أبرز إنجازات السيطرة على عدرا، ونقل المواجهة إلى الخطوط الأمامية للغوطة الشرقية، بما يمنع القوات النظامية عن استهداف دوما والمناطق الملاصقة لها».
وتعد عدرا من أبرز المواقع الحيوية بالنسبة للنظام السوري، لكونها تقع على بداية أوتوستراد دمشق – حمص الدولي الذي أعادت القوات النظامية تأمينه بسيطرتها الأسبوع الماضي على النبك. وتصل هذه المنطقة القلمون بريف دمشق، لكونها تقع آخر مدينة في الغوطة الشرقية الملاصقة لصيدنايا، كما تفصل عدة كيلومترات بينها وبين منطقة القطيفة التي تقول المعارضة إنها تتضمن أكبر قواعد عسكرية للنظام السوري، بينها مقرات إطلاق صاروخي. وتقع المدينة على بعد نحو عشرين كيلومترا شمال شرقي دمشق، ويقطنها نحو مائة ألف شخص هم خليط من السنة والعلويين والدروز والمسيحيين.
وتعد المدينة العصب التجاري للنظام السوري، نظرا لأنها تتضمن مخازن الوقود والمحروقات التي تغذي العاصمة السورية، وتقع في المدينة الصناعية في عدرا التي لا تزال القوات الحكومية تسيطر عليها، كما تتضمن صوامع الحبوب وإهراءات القمح التي تشكل المخازن الاحتياطية للغذاء لدمشق وريفها، وقد سيطرت عليها المعارضة، بعد الدخول إلى عدرا العمالية وعدرا البلد التي تتضمن أيضا مطاحن ومنطقة حرة وأسواقا تجارية، أبرزها معارض السيارات الحديثة والشركات التجارية. ويقول معارضون سوريون إن عدم السيطرة عليها في السابق، حال دونه الخط الصحراوي الذي يصلها بالغوطة الشرقية من الشرق، وهي ما تعد، في العلوم العسكرية، منطقة مكشوفة ومنعدمة الأهمية، فضلا عن أنها تتضمن مساكن عدرا، وهي منطقة يسكنها الضباط وكبار الموظفين من مختلف الطوائف السورية، ومعظمها مؤيدة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. غير أن المعركة فيها عدت «امتدادا لمعارك الغوطة الشرقية، ونقلة نوعية في المعركة وضربة صاعقة للنظام»، بحسب داراني الذي أوضح أن افتتاح هذه المعركة «شغل القوات الحكومية عن الاستمرار في معارك القلمون شمال ريف دمشق، ومنعه من شن حملة عسكرية واسعة على يبرود، آخر حصون المعارضة في القلمون».
من جهة أخرى، انضمت العواصف وشدة البرد إلى جملة أسباب الموت في سوريا، إذ قال ناشطون إن 12 طفلا على الأقل «قضوا بسبب البرد الشديد في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام». وأفاد ناشطون بالعثور على «جثماني شابين كانا قد فقدا خلال العاصفة الثلجية لدى توجههما من منطقة الحولة (في ريف حمص) إلى قرية حربنفسه في ريف حماه الجنوبي»، من دون أن يحدد ما إذا كانا مقاتلين أم مدنيين.
وفي مدينة الميادين التابعة لمحافظة دير الزور التي أعلن فيها عن وفاة طفل بعمر سبع سنوات بسبب البرد، قال ناشطون في دير الزور إن هناك الكثير من حالات المرض الشديد يعاني منها الأطفال في دير الزور جراء البرد والافتقاد لأبسط مقومات الحياة. وفي حي الحجر الأسود جنوب العاصمة دمشق، أفاد المكتب الإعلامي في الحجر الأسود بوفاة طفلين جراء نقص الغذاء والدواء وموجة البرد التي تجتاح المنطقة. كما أفاد المرصد بوفاة قائد ميداني في «ألوية صقور الشام» بسبب البرد القارس الذي ضرب البلاد خلال الأيام الماضية، وذلك أثناء انتقاله من محافظة إدلب إلى حمص لـ«مساندة المقاتلين» فيها.



تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.


غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.