ماتيلدا فرج الله: الصدفة قادتني إلى الإعلام.. ومارست الصحافة بأنواعها

معدة ومقدمة برنامج «هن» في تلفزيون الحرة تقول إن القنوات اليوم تبحث عن الشكل وليس المضمون

ماتيلدا فرج الله
ماتيلدا فرج الله
TT

ماتيلدا فرج الله: الصدفة قادتني إلى الإعلام.. ومارست الصحافة بأنواعها

ماتيلدا فرج الله
ماتيلدا فرج الله

إذا كانت الصدفة تقود بعض الأشخاص لاتجاهات حياتية معينة، وقد لا يجد غالبيتهم نجاحهم في هذه الاتجاهات، فإن الصدفة التي كانت على موعد مع الإعلامية اللبنانية المعروفة ماتيلدا فرج الله، معدة ومقدمة برنامج هن في تلفزيون الحرة، قد فتحت أمامها أبواب النجاح بفضل الموهبة التي تتمتع بها وشخصيتها وإصرارها على أن تحقق كل ما تطمح به من طموحات في مجال عملها.
ماتيلدا لم تكن تخطط لأن تدخل هذا العالم، عالم الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية، بل كانت ماضية بدراستها للأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية عندما دعيت للعمل الإعلامي، تقول «الإعلام كان صدفة في حياتي، كنت ما أزال طالبة أدرس الأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية عندما فاتحني مدير إذاعة لبنان الحر، وكان جارنا، حدث ذلك في مرحلة الحرب الأهلية في لبنان، وبالضبط سنة 1992، قال لي أشعر بأن شخصيتك تتناسب والعمل الإعلامي وأنك قادرة على خوض العمل الصحافي وأنا مدير إذاعة وتعالي لنجرب}.
تستطرد ماتيلدا في حديثها لـ{الشرق الأوسط} التي التقتها في بيروت، قائلة {هكذا دخلت الإذاعة كمعدة ومقدمة برامج وصرت أتدرج من قسم لآخر، وجربت العمل في التغطيات السياسية والثقافية والأخبار لكني وجدت نفسي كمحاورة في البرامج السياسية». تعود ذاكرتها إلى سنوات البداية وتتحدث «كان من أبرز ما قدمته برنامج (الإنسان في السياسة) وكانت لهذا البرنامج قصة، حيث اقترحت أن نختار شخصيات سياسية لبنانية ونحاورها عن خلفياتها الثقافية والاجتماعية إضافة إلى السياسة ليعرف المستمع الصور المتعددة لكل من يتعاطى في العمل السياسي، وهذا يعني إجراء حوارات مع وزراء ونواب وقادة سياسيين، وعندما طرحت الفكرة على مدير الإذاعة وافق وقال جربي، وكأن لسان حاله يقول من من السياسيين سيجري حوارا مع مقدمة شابة غير معروفة، وبالفعل حاولت وجربت واتصلت ولم يرد علي أحد، كنت بالنسبة لهم نكرة ولا يعرفونني ولم يكن هناك تجاوب من أي سياسي مهما كانت درجته في سلم السياسة، وبعد ثلاثة أشهر من العناء وعدم النجاح كنت على حافة الاستسلام ووصلت إلى شبه قناعة بأني غير قادرة على أن التقي بأي شخصية سياسية».
لكن شخصية طموحة مثل ماتيلدا لا تعرف اليأس والاستسلام، لم تتراجع بل مضت في مشوارها، تقول «في يوم كان هناك احتفال بحضور رئيس الحكومة وقتذاك شفيق الوزان، ولا أدري كيف تمتعت بالجرأة وتقدمت له وأنا أشعر بالقلق وقلت له إن حلمي يتوقف على موافقتك بإجراء حديث معك وأرجو أن تمنحني هذه الفرصة لأن الجميع سوف يتحدث معي إذا أنت تحدثت، وبالفعل وافق وأجريت معه الحديث، وبعد ذلك صارت كل الشخصيات السياسية توافق على الحوار في برنامجي بعد موافقة الرئيس الوزان}. وتشخص هذه الإعلامية التي عرفت بجرأتها في البرامج الإذاعية والتلفزيونية مشكلة تعامل السياسيين العرب عامة واللبنانيين خاصة مع الإعلاميين الشباب، تقول {إن الطبقة السياسية أو الثقافية في لبنان لا تتجاوب مع إعلامي صاعد أو شاب في أول الطريق، حتى وإن كانت أو كان هذا الصحافي يعمل في مؤسسة مهمة، فالسياسيون يفضلون الحديث لأسماء بارزة في الإعلام، ولذلك الشباب يواجهون حتى اليوم مثل هذه المشكلة، أنا يأتيني صحافيون من كلا الجنسين من الشباب أو الذين يتدربون وأفتح لهم المجال وأتحدث إليهم وهم يشكون من صدود السياسيين بل وحتى الإعلاميين من مقابلتهم لأغراض إنجاز مشاريع تخرجهم وعدم منحهم أي فرصة لكني أتعاطى معهم لأنني أتذكر بداياتي الصحافية وكيف منحني الرئيس الوزان فرصة الحوار معه}.
طموحات ماتيلدا قادتها إلى العمل التلفزيوني على الرغم من أنها لم تترك الإذاعة، توضح {بعد أربع سنوات من العمل الإذاعي انتقلت إلى التلفزيون مع قناة الأوربت وكانت مشفرة وعملت برامج اجتماعية وسياسية، ثم بدأت مشاويري مع القنوات اللبنانية حيث عملت ست سنوات مع (إن بي إن) ثم قناة المرأة العربية ومن ثم انتقلت لتلفزيون المستقبل حيث كنت أعد وأقدم برنامج سياسي}، وفي وضعها أمام مقارنة بين العمل الإذاعي والتلفزيوني وأيهما الأقرب إليها، تقول «أجد أن العمل الإذاعي أهم ن ذلك لأن ديكورات التلفزيون والإكسسوارات وحتى شكل المقدمة ومكياجها وأزياؤها تأخذ من جوهر ومضمون المقدمة عند المتلقي وينشغل بتفاصيل بعيدة ربما عن جوهر الفكرة المطروحة، بينما في الإذاعة هناك الصوت والمضمون والإحساس الذي يصل إلى المستمع ويشدة وإذا لا تمتلك هذه المؤهلات فسوف تخسر المتلقي، لهذا أنا قدمت على مدى 15 سنة برنامجا سياسيا (على مسؤوليتك) على الهواء صباح كل يوم سبت لإذاعة لبنان الحر، وكان عبارة عن لقاءات مع سياسيين، وتركت منذ تسعة أشهر فقط، لكني عندما عملت في قناة الحرة كان شرطهم أن أتفرغ للعمل معهم كمعدة ومقدمة برنامج (هن)».
وتصف ماتيلدا تجربتها الجديدة مع قناة الحرة، قائلة «العمل مع الحرة تجربة مختلفة حيث خرجت من الملفات الداخلية اللبنانية إلى ملفات عربية من خلال زاوية المرأة ومناقشة عناوين مهمة مثل الثورات العربية والاقتصاد والثقافة والمشكلات الاجتماعية التي تعيشها المرأة العربية}، مشيرة إلى أن «هذه التجربة أكثر صعوبة من سابقاتها حيث كانت اللقاءات مع ضيوف أعرفهم ويعرفونني، والعمل ضمن ملفات لبنانية أعرفها، أما اليوم باعتباري معدة ومقدمة التقي بضيوف مختلفين من جميع أنحاء العالم العربي وخارجه، ضيوف ألتقيهم للمرة الأولى ونناقش معهم ملفات معقدة، والبرنامج يتطلب عملا يوميا للاتصال بمندوبي البرنامج في مختلف الدول العربية لاختيار الضيوف وإيصالهم إلى بيروت حيث يقترح المندوبون المواضيع التي يمكن مناقشتها وبدورنا ندرسها لنرشح أهم هذه المواضيع ونرسلها للإدارة في واشنطن وبعد الموافقة عليها أبدأ بكتابة نصوص الحلقة، ثم عملية اختيار الضيوف المؤهلين لمناقشة هذه الملفات واستضافتهم في البرنامج هنا في بيروت}.
تستطرد قائلة «في برنامجنا (هن) نناقش ملفات اجتماعية حساسة، مثل التحرش الجنسي والاغتصاب وتعنيف المرأة وآراء رجال الدين، ومثل هذه المواضيع كان من الصعب مناقشتها أما اليوم فالكل يبدو مستعدا لأن يتحدث فيها ومناقشة الملفات التي تبدو من المحرمات في المجتمعات العربية}. توضح «المسألة هنا هي القصة أو القضية التي نختارها في البرنامج ومع (الحرة) ممنوع اختراع قضية بل يجب أن تكون هناك قضية واقعية وموجودة في المجتمع العربي وندعو ضيوفا من دول عربية مختلفة مثل اليمن ومصر والمغرب والعراق ليناقشوا هذه القضية أو تلك، كل حسب منطلقه والباقي متروك للمشاهد ليقرر فدورنا كإعلاميين ليس تغيير الواقع بل تسليط الضوء وتأشير أماكن الخلل، نحن لا نملك تغيير المجتمعات أو الأنظمة السياسية أو الفتاوى الدينية أو ذكورية المجتمع}.
ماتيلدا خاضت غمار العمل الصحافي بكل جوانبه المهمة، الكتابة والإذاعة والتلفزيون، تقول «أنا بدأت بالكتابة ثم الإذاعة والتلفزيون، التلفزيون يجمع بين الكتابة وإعداد البرامج والصوت وحضور المقدم، والمهم عندي كان وما يزال الجوهر، مضمون العمل، مضمون الرسالة الإعلامية التي أريد إيصالها إلى المتلقي}، منبهة إلى أنه «في التسعينات عندما بدأت العمل مع التلفزيون لم يكن الأمر مثلما هو اليوم، كانت عندنا رسالة نريد إيصالها للمشاهد عبر الشاشة، وكنا نمارس الكتابة ونعتمد على ثقافة ومضمون عميق لتقديم برنامج ذات جوهر غني وليس مجرد لغة جسد وأزياء وماكياج وشهرة مثلما يحدث اليوم حيث اختلفت الطموحات ورأس المال وسوق العمل}. وتأسف ماتيلدا كون «مقاييس العمل التلفزيوني اليوم اختلفت فأصبحت جمالية بحتة ثم يأتي موضوع الكفاءة، هذا لم يكن موجودا في التسعينات حيث كانت الكفاءة هي الأصل}، وتشير إلى الخلل بقولها «صارت الإعلانات تتحكم بالقنوات، والإعلان يريد أجسادا ولا يهمه كفاءات، تحول الإعلام إلى صناعة استهلاكية خاضعة لمعايير السوق ولم يعد رسالة، اليوم يبحثون عن برامج ربحية ومثيرة حتى في البرامج السياسية تحولت إلى برامج إثارة وأكشن ويسعى المقدم لأن يضرب الضيف خصمه يضاف إلى هذا أنه ليس هناك شيء جديد في هذه البرامج وغالبيتها مستوردة من البرامج الغربية، ولم تعد مهمة التلفزيونات الارتقاء بالمشاهد بل المهم الإعلان أي برنامج مهما كان مستواه هابطا و(يجيب) إعلان فهو الأفضل وبعكس ذلك لا يعرض البرنامج مهما كانت أهميته}.
بعيدا وقريبا عن التلفزيون فإن لماتيلدا مشروعها الصحافي الخاص، فهي ترأس مجلس إدارة مجلة «سينيه» اللبنانية، تتحدث عنها قائلة «قررت أن يكون لي مشروعي الصحافي الخاص لأحقق حلمي الإعلامي من خلاله، فالمجلة تعني ببصمة أي سياسي أو مثقف أو مبدع ترك بصمته في مجاله المعين اجتماعيا، لهذا سميتها (سينيه) أي التوقيع أو البصمة}، مشيرة إلى أن «هذه المجلة تصدر منذ أكثر من خمس سنوات وتوزع في لبنان وخارجه، وعادة نحتفل بمن ترك بصمته على الغلاف مع صدور أي عدد، إذ احتفلنا بشخصيات لبنانية وعربية كثيرة وهذا تقليد خاص بنا}.



ما دور الإعلام ومواقع التواصل في النزاعات؟

ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
TT

ما دور الإعلام ومواقع التواصل في النزاعات؟

ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf

نظمّت صحيفة «لا ستامبا» الإيطالية، الصادرة في مدينة تورينو، ندوة حول دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في النزاعات السياسية والاجتماعية، شارك فيها عدد كبير من المتخصّصين في علم الاجتماع السياسي وممثّلون عن المنصات الرقمية الضخمة، وعن المؤسسات الأوروبية المعنية بشؤون الصحافة وتنظيم نشاط شبكات التواصل في بلدان «الاتحاد الأوروبي». وجاء في الدعوة إلى عقد هذه الندوة: «إن الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام بات حاسماً وبالغ الأهمية في تكوين الإدراك العام وتطوّر النزاعات الاجتماعية والسياسية، وأصبح من العوامل الأساسية التي تحرك هذه النزاعات وتتطور على وقعها، وتحدّد في كثير من الأحيان مآلها وإفرازاتها».

من وسيلة نقل إلى فاعل أساسي

الكاتب والصحافي الإيطالي ماسيمو جيانيني، المدير السابق لـ«لا ستامبا» والمعلّق السياسي في «لا ريبوبليكا»، قال إن «وسائل الإعلام اليوم لم تعد مجرد وسيلة تقليدية أو رقمية، سمعية أو بصرية، لنقل الأخبار حول النزاعات الدائرة في العالم والمواجهات السياسية، المحلية والإقليمية والدولية، بل أصبحت فاعلاً أساسياً في هذه النزاعات والمواجهات، عبرها يتم التركيز والإضاءة على جوانب معينة منها، وتوجيه الرأي العام نحو تلك التي تقرّر، وفقاً لمصالح الجهات التي تقف وراءها وتموّلها، أنها هي التي تستحق الاهتمام وتستدعي التعبئة، أو العكس».

أما الفنلندية هينا فيركونين ، النائب التنفيذي لرئيسة «المفوضية الأوروبية» والمكلفة حقيبة السيادة التكنولوجية والأمن السيبراني والديمقراطية - التي تشرف أيضاً على نشاط التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي -، فترى أن «مقاربة وسائل الإعلام للنزاعات، ومنها طريقة تناولها وعرضها للجهات المعنية بهذه النزاعات، من شأنها أن تولّد تعاطفاً مع هذه الجهات أو رفضاً لها ونفوراً منها، بغضّ النظر عن دورتها ومسؤوليتها في النزاعات».

وتنبّه فيركونين إلى أن «السردية الإعلامية السائدة يمكن أن تُضفي شرعية على بعض المواقف، أو تنزعها عن أخرى؛ ما يؤدي في واقع الحال إلى التأثير في مجرى النزاع». ومن ثم، فهي ترى «أن وسائل الإعلام التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المكتوبة ما زالت تلعب دوراً محورياً... لكن المنصّات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي أحدثت بالفعل تغييراً جذرياً في ديناميكية النزاعات، من خلال النقل المباشر للوقائع والأحداث، واتساع دائرة الانتشار، والمشاركة المباشرة للجمهور؛ ما أدّى إلى تغيير أشكال التفاوض حول النزاعات ونقلها إلى الرأي العام وتحديد مواقفه منها».

انتشار الأخبار المزيّفة

معظم المحاضرين المشاركين في الندوة، توقّفوا عند الانتشار الواسع للأخبار المزيّفة التي باتت أدوات فاعلة جداً للتأثير في الرأي العام. ولفتوا إلى صعوبة التحقّق من صحتها قبل فوات الأوان، بعدما بلغت درجة عالية من الإتقان. وضربوا أمثلة كثيرة على حالات تسببت فيها هذه الأخبار المزيّفة بزيادة التوتّر في النزاعات ومفاقمة الأزمات الاجتماعية.

ووفق المساهمات، تجلّت «القدرة على التلاعب» بالأخبار وسرعة تداولها، بشكل خاص إبّان «الربيع العربي» والاحتجاجات الصاخبة التي عمّت الولايات المتحدة إدانةً لتعرّض السكان السود للعنف المفرط على يد الشرطة.

كذلك، عاد البعض إلى نزاعات بعضها أقدم عهداً من ظهور المنصّات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مثل «حرب فيتنام» و«الصراع في البقان» و«أزمة الانفصاليين في إقليم كاتالونيا (قطالونية) الإسباني»؛ للتدليل على أن التغطية الإعلامية التقليدية لعبت دوراً أساسياً في التأثير على الإدراك الدولي والمحلي لهذه النزاعات.

شبكات التواصل

وحقاً، في السنوات الأخيرة أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أدوات بالغة التأثير في مجرى الأحداث السياسية والاجتماعية على امتداد العالم؛ إذ سهّلت تحشيد الجماهير وتنظيم الاحتجاجات، وأعادت تشكيل الأنماط التي من خلالها يتفاعل المواطنون ويعبّرون عن مطالبهم. ومن مزايا شبكات التواصل قدرتها على إتاحة الفرصة أمام أعداد كبيرة من الناس للإعراب عن آرائها، بعكس وسائل الإعلام التقليدية التي تكون عادة في خدمة الجهات التي تموّلها وتتماهى مع توجهاتها ومصالحها.

أيضاًً، تتيح هذه الشبكات الرقمية تبادل الآراء والمعلومات بشكل مباشر؛ الأمر الذي يساعد في حالات كثيرة على تسليط الضوء على مظالم اجتماعية، ويكشف عن حالات سوء المعاملة، ويحفّز مجموعات متباعدة جغرافياً على التلاقي في الدفاع عن قضايا مشتركة.

وبالفعل، يشهد العالم منذ سنوات حالات احتجاجية تضافرت فيها مجتمعات عدّة بفضل شبكات مثل «تويتر (إكس)» و«فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك»، مكّنت المحتجين من تنسيق تحركاتهم، وسرد الأحداث من زوايا بديلة، عادة ما تغضّ الوسائل الكبرى الطرف عنها أو تختار إسكاتها.

ورغم الانتقادات التي تُوجّه إلى شبكات التواصل لترويجها الأخبار المزيّفة، فإنها سهّلت للأجيال الشابة مشاركة نشطة في الحياة السياسية والاجتماعية، وأعطت الحركات الناشئة منابر عالمية، وأصبحت التحدّيات المحلية تطلّ على العالم عبر الحدود الجغرافية وتستقطب التضامن الدولي والضغط من أجل التغيير.

هينا فيكونين، النائب التنفيذي لرئيسة «المفوضية الأوروبية» (المفوضية الأوروبية)

دور المؤثّرين

ومن المواضيع الأخرى التي ناقشتها الندوة، دور «المؤثّرين» الذين أصبحوا في هذا العصر الرقمي لاعبين أساسيين في عالم التواصل والثقافة الشعبية، ويمارسون تأثيراً واسع النطاق وعميقاً في أوساط الرأي العام. ولقد أسهمت هذه الظاهرة بشكل كبير في انتشار الحركات الاجتماعية عبر المؤثّرين الذين يتمتعون بشعبية واسعة في أوساط الرأي العام، ويحظون بثقته من خلال صحة المعلومات التي يقدمون والتفاعل الدائم. وثمة حالات كثيرة شهدت انتشاراً سريعاً، وتضامناً واسع النطاق، لمجرد أن أحد المؤثّرين تبناها أو دافع عنها.

يضاف إلى ذلك أن المؤثرين يضفون ديناميكية وابتكاراً على التواصل، كما أن لغتهم المبسطة تسمح لهم بطرح المشاكل الاجتماعية بأسلوب في متناول كثيرين، خاصة الشبّان وأولئك الذين سئموا الخطاب الأكاديمي أو السياسي.

لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة، هو أن ما يحفّز المؤثرين على دعم قضايا معينة أو تبنيها، قد يكون مدفوعاً بمصالح تجارية تستغل هذه القضايا وشعبية المؤثرين الذين يتحوّلون، بالتالي، عملاء أو وسطاء لأصحاب هذه المصالح. يضاف إلى ذلك أن الانتشار الواسع للقضايا من دون وضعها في الإطار العملي المناسب، قد يؤدي إلى مشاركة سلبية تكتفي بتأييد الفكرة على شبكات التواصل من غير التزام فعلي بالقضية.

سياسات وضوابط أوروبية

هنا، عرضت هينا فيركونين السياسات والضوابط التي وضعها «الاتحاد الأوروبي» لمراقبة وتنظيم نشاطات المنصّات الرقمية، حمايةً لحقوق المستخدمين، وتعزيزاً المنافسة وضمان الشفافية. ومن بين هذه السياسات: قانون الخدمات الرقمية الذي اعتمده «المجلس الأوروبي» عام 2022 بعد جولات من المناقشات المكثفة، والذي فتح جبهة مواجهة عريضة مع الولايات المتحدة ما زالت تحتدم من حين إلى آخر على وقع تهديدات واشنطن بفرض رسوم جمركية على الصادرات الأوروبية في حال تضييق الخناق على المنصات الرقمية والشركات التكنولوجية الكبرى.

وللعلم، تُلزِم أحكام هذا القانون المنصّات بتحمّل مسؤولية المضامين غير القانون أو المضرّة التي تنشرها في الاتحاد الأوروبي عبر خدماتها. ويلحظ هذا القانون التزام المنصات بالشفافية، وآليات للمقاضاة، وتدابير لمكافحة المعلومات والأخبار المُضلِّلة. وتنطبق أحكام هذا القانون على جميع المنصّات وشبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث.

هذا، وكان «الاتحاد» قد وضع منذ سنوات مجموعة من اللوائح العامة لحماية البيانات ليست موجهة بالتحديد لمراقبة نشاط المنصات، لكنها تلعب دوراً أساسياً في ضبط وتنظيم معالجة البيانات الشخصية، وتفرض التزامات صارمة على الشركات التي تعالجها. وأبرمت «المفوضية الأوروبية» اتفاقات ثنائية طوعية مع عدد من المنصّات لمكافحة الأخبار المزيّفة والتحريض على الحقد، فضلاً عن التنسيق الدائم مع الهيئات الوطنية التي تشرف على تطبيق القوانين المرعية في الاتحاد.

شعار «إ‘نستغرام» (رويترز)

عقوبات اتحادية

ولإظهار مدى جدّية «الاتحاد» في تطبيق هذه السياسات رغم الضغوط الهائلة التي يتعرّض لها من الإدارة الأميركية، وأيضاً من الصين؛ ضرب أحد المسؤولين الأوروبيين أمثلة عن بعض العقوبات التي فرضتها «المفوضية» في السنوات الأخيرة على المنصّات الرقمية بسبب انتهاكها القواعد الناظمة لنشاطها في البلدان الأعضاء، ومنها: فرضها عام 2022 غرامة مالية مقدارها 8 مليارات يورو على «غوغل»، وتكرارها ثلاث مرات؛ بسبب سوء استخدام الوضع المهيمن تحقيقاً لمكاسب غير قانونية عبر الإعلانات ونظام التشغيل «آندرويد».

أيضاً، كانت أجهزة «المفوضية» فتحت تحقيقات واسعة منذ سنتين حول نشاطات منصة «أمازون»، وفرضت عليها عقوبات بسبب ممارسات من شأنها الترويج بشكل غير قانوني لمنتجاتها عبر المنصّة على حساب أطراف ثالثة. ومع أن الاتحاد لم يفرض رسمياً بعد أي غرامة مالية على هذه المنصة، فإنه حذّر من عواقب وخيمة في حال رفضها الامتثال للضوابط وانتهاكها.

ومن جهتها، فرضت الحكومة الآيرلندية أخيراً غرامات على «ميتا» تجاوزت 200 مليون يورو بسبب مخالفات تتعلق بحماية البيانات الشخصية. وكانت هيئات أوروبية عدة ناظمة لأنشطة المنصات الرقمية قد فرضت عقوبات وتدابير قسرية على منصة «تيك توك» لقلة التزامها تدابير حماية القاصرين والتلاعب بالبيانات الشخصية.

معظم المشاركين توقّفوا عند الانتشار الواسع للأخبار المزيّفة التي باتت أدوات فاعلة للتأثير في الرأي العام


تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات

تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات
TT

تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات

تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات

تحدثت مؤشرات جديدة عن أن «المستخدمين قد يمضون وقتاً أطول على تطبيقات الأخبار المصممة للهاتف المحمول، ورغم ذلك فلا يزال الناشرون يفشلون في جذب انتباههم عبر الإشعارات الفورية»؛ ما يثير تساؤلات حول كيفية استغلال ميزة اهتمام الجمهور بتطبيقات الأخبار من خلال تقديم خدمات تدفعهم لمزيد من التفاعل والبقاء.

ووفقاً لتقرير أجرته «بيغ بيدج» (وهي شركة بريطانية متخصصة في بناء منصات النشر الرقمي)، نُشر في أغسطس (آب) الحالي، فإن «متوسط استخدام الجمهور لتطبيقات الأخبار قد ارتفع مقارنة بالعام الماضي، كما أن عدد الدقائق التي يقضيها المستخدمون داخل تطبيقات الأخبار قد ارتفعت أيضاً».

التقرير أرجع هذا الارتفاع إلى «تطوير تطبيقات الأخبار التي باتت أكثر ثراءً وتفاعلية؛ ما يشجع المستخدمين على البقاء مدة أطول». ووجد أن التفاعل مع تطبيقات الأخبار مدفوع بما يُعْرف بـ«المستخدمين الخارقين» وهم يمثلون نحو 20 في المائة فقط من المستخدمين النشطين شهرياً، لكنهم مسؤولون عما يعادل 3 أرباع إجمالي جلسات الاستخدام. وتمتلك معظم منصات الأخبار الكبرى نسخة تطبيق خاصة بها، حيث تتصدر صحيفتا «التايمز» و«الديلي ميل» الترتيب من حيث معدلات التفاعل، وفقاً للتقرير.

ويستند التقرير إلى بيانات تحليلية مستقاة من أكثر من 440 تطبيقاً معظمها تنشر أخباراً يومية وموجهة أساساً للموبايل، وتسعة من كل عشرة منها تعمل بنظام اشتراك مدفوع، بينما يأتي الجزء الأكبر من إيراداتها من القراء والإعلانات.

ويُعد محتوى الأخبار العاجلة والحديثة أكبر عامل جذب للتفاعل بين القراء بحسب التقرير، تليه الألغاز والألعاب، ثم النسخ الرقمية من الصحف المطبوعة. وسجلت التطبيقات التي تنشر أخباراً يومية معدلات تفاعل أعلى كثيراً من تلك التي تركز على محتوى استهلاكي أو تجاري.

وتتمتع التطبيقات التي تحتوي على ألعاب أو فيديو أو محتوى صوتي بمعدل تفاعل أعلى في المتوسط، فمستخدمو الألعاب يفتحون التطبيق بمعدل 2.7 ضعف أكثر من غيرهم ممن لا يلعبون، أما مشاهدو الفيديو فيقضون وقتاً أطول بمعدل 3.3 ضعف شهرياً داخل التطبيق، بينما يقضي مستمعو المحتوى الصوتي وقتاً أطول بمعدل 2.5 ضعف، وفق ما ذكره التقرير.

وأشار إلى أنه على الرغم من الارتفاع السنوي في معدلات التفاعل، فلا يزال الناشرون يواجهون صعوبة في جذب المستخدمين بفتح التطبيق عبر الإشعارات الفورية، فأكثر بقليل من نصف التطبيقات المشمولة في التقرير لديها مستخدمون يفعلون خدمة الإشعارات، لكن ثلث المستخدمين تقريباً فقط هم من يفتحون التطبيق شهرياً عبر إشعار فوري.

المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، حاتم الشولي يرى أن كمية المحتوى المعروضة عبر منصات التواصل الاجتماعي باتت مزعجة بكل تأكيد، لا سيما بالنسبة للجمهور الباحث عن عالم الأخبار تحديداً، والتي أصبحت شبه معدومة في تدفقات «التايم لاين» خصوصاً عند غياب التغطيات الكبرى. ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الجمهور مع الوقت بات يشعر أن ما يبحث عنه لم يعد موجوداً في المنصات التي يستهلكها يومياً، وهو ما يدفعه لتغيير عاداته والاتجاه نحو المنصات المتخصصة أو التطبيقات المحددة».

بشأن ما إذا كان طول مدة بقاء المستخدم داخل التطبيق مؤشراً كافياً على نجاحه، يلفت الشولي إلى أن الأمر «نسبي ومتغير بحسب الأولوية»، ويقول: «إذا كان الهدف تطبيق أخبار يدخل إليه الجمهور، ويطلع على الأخبار ثم يغادر، فإن ذلك يُعد نجاحاً في حد ذاته. أما إذا كان الهدف إطالة زمن بقاء الجمهور على التطبيق، فهذا شيء مختلف، خصوصاً إذا كان يفعل شيئاً آخر غير قراءة الأخبار، وفي النهاية مهما قضى من الوقت فلن يُحسب أنه استهلك المحتوى».

كما يشير إلى «المسألة تحتاج نقاشاً أوسع حول الهدف الحقيقي من بقاء الجمهور داخل المنصة وطبيعة استهلاكه للمحتوى».

عن احتمال اتجاه الجمهور مستقبلاً نحو منصات إخبارية متخصصة، يرى الشولي أن التكهن أمر صعب، «نحتاج قراءة أرقام وتقارير أكثر من دول متعددة لبناء صورة أوسع»، ويوضح أن «عمل المنصات وتعاطيها مع الجمهور يتغير بشكل مستمر بحسب نتائج استهلاك المحتوى، وأنه من الصعب التخمين بناءً على جزئية واحدة».

ومع ذلك، لم يستبعد أن يكون هناك تيار عام يتجه نحو المنصات المتخصصة بحسب قلة المعروض من اهتمامات الجمهور في المنصات العامة.

أما خالد عبد الراضي، خبير إدارة وتحليل بيانات السوشيال ميديا في مصر والسعودية، فقد عدّ بناء الولاء بين الجمهور والتطبيقات الإخبارية ليس بالمهمة السهلة، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «تكراراً لحديث عام حول ضرورة تقديم التطبيق مزايا حصرية ومحتوى تفاعلياً؛ إلا أنه عند التنفيذ قد لا تبدو الأمور بهذه السهولة، لا سيما في ظل وجود منصات التواصل الاجتماعي، فمجرد توفير الأخبار عبر تطبيق خاص بكل ناشر قد لا يحقق دائماً النتائج المتوقعة».

ويضيف أن منافسة منصات التواصل الاجتماعي التي تجمع مختلف الصحف والشخصيات العامة والمؤثرين تجعل مهمة ربط الجمهور بتطبيق خاص بشكل يومي واعتيادي «أمراً يتطلب تقديم خدمات أكثر خصوصية للمستخدم، ليس أخباراً أو ألعاباً أو ترفيهاً فحسب، بل خدمات حقيقية». ويعبر عبد الراضي عن أمله في أن تظهر تطبيقات تقدم بالفعل مزايا حصرية قادرة على ربط جمهورها بها يومياً وباستمرار، ويشير إلى أن ذلك «يحتاج مجهوداً كبيراً في إعداد التطبيق ومحتواه، ومجهوداً أكبر في استمرارية هذا التطبيق ودعمه»، بحيث يظل محدثاً باستمرار وجاذباً للجمهور، بما يدفعه للبقاء وقتاً أطول عليه.


معركة ترمب والإعلام... أين ينتهي التنظيم وتبدأ الرقابة؟

 بريندان كار (رويترز)
بريندان كار (رويترز)
TT

معركة ترمب والإعلام... أين ينتهي التنظيم وتبدأ الرقابة؟

 بريندان كار (رويترز)
بريندان كار (رويترز)

لم تعد معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ولايته الثانية، مع الإعلام سجالاً يومياً حول تغطية سلبية، أو سؤال مزعج، بل تحوّلت إلى نهج تتقاطع فيه صلاحيات الوكالات الفيدرالية، وتجديد تراخيص البث، وإتاحة الوصول إلى المعلومات، والدعاوى القضائية.

حتى ظهور ترمب الأول بصفته رئيساً في عشاء مراسلي البيت الأبيض، يوم 24 يوليو (تموز)، جمع الرئيس بين المزاح وإعادة ترديد اتهاماته المعتادة للصحافة، في مفارقة عكستها مناسبة مخصّصة للاحتفاء بالحرّيات التي يكفلها التعديل الأول للدستور. إذ أكد أنه يتيح للصحافيين وصولاً واسعاً إليه، لكنه واصل في الوقت نفسه مهاجمة مؤسسات إعلامية بعينها، واتهامها بقلة النزاهة.

كار يعيد تعريف الوكالة

مقابلة رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، بريندان كار، الذي عينه ترمب لقيادتها مع صحيفة «بوليتيكو»، تكشف أن ما يجري ليس سلسلة ردود فعل عابرة، بل إعادة تعريف معلنة لدور وكالة ظلت بعيدة نسبياً عن الصدامات السياسية. ويقدّم كار نهجه بوصفه مزيجاً من اتجاهين: إلغاء واسع للقيود التنظيمية... يقول إنه أزال بموجبه أكثر من ألفي قاعدة، وتدخّل أكثر حزماً في قطاع البث الأرضي.

كار، وهو محامٍ متخصص في الاتصالات، وتدرّج في المناصب داخل الوكالة على مرّ السنين، بنى علاقة قوية مع ترمب، وانخرط بحماس في مواجهة خصوم الرئيس في وسائل الإعلام سعياً لإخضاعهم. واليوم، حجة كار الأساسية أن محطات التلفزيون والإذاعة ليست كالصحف، أو شبكات الكابل، ومنصات البث الرقمي؛ فهي تستخدم ترددات عامة بموجب تراخيص حكومية، ولذلك يتوجّب عليها العمل وفق «المصلحة العامة». وهو هنا يصر على أن اللجنة ليست «شرطة للكلام»، لكنها مسؤولة عن تطبيق «قواعد تكافؤ الفرص» بين المرشحين، و«منع التضليل المتعمد» في الأخبار، ومحاسبة المحطات عند تجديد تراخيصها.

غير أن المقابلة أظهرت أيضاً مدى التطابق السياسي بينه وبين ترمب. إذ أشاد كار بمواجهة الرئيس «الإعلام التقليدي». وقال إن على المؤسسات الإعلامية أن تجري «تصحيحاً للمسار». كذلك امتنع عن اعتبار توجيه الرئيس اللجنة للتحقيق مع محطة ما أمراً غير ملائم، ورفض الإفصاح عن اتصالاته بالبيت الأبيض. أما الكوب الموضوع على مكتبه، ويصوره على هيئة «كلب حراسة» لترمب في مواجهة الإعلام، فإنه يختصر الصورة التي لا يبدو كار منزعجاً منها.

سلطة حقيقية وحدود دستورية

يمتلك كار، في الواقع، جزءاً مهماً من السند القانوني الذي يستند إليه. فقانون الاتصالات يكلّف اللجنة التأكد من خدمة المحطّات المرخّصة «المصلحة العامة، والملاءمة، والضرورة»، والمحكمة العليا أقرّت تاريخياً تنظيماً أوسع للبث الأرضي بسبب ندرة التردّدات. وخلال مايو (أيار) ذكّرت اللجنة المحطات بأنها تستخدم مورداً عاماً، وأن تراخيصها لا تضعها في الموقع القانوني نفسه للصحف، أو خدمات الإنترنت.

بيد أن هذه السلطة ليست تفويضاً مفتوحاً لضبط التوجّهات السياسية. ذلك أن قانون الاتصالات نفسه يمنع اللجنة من الرقابة، أو من التدخل في حرية التعبير. وأيضاً تؤكد إرشاداتها أن الحكومة لا تستطيع حظر بث وجهة نظر معينة. وحتى قاعدة «الفرص المتساوية» تتضمّن استثناءات للبرامج الإخبارية، والمقابلات الإخبارية الحقيقية، ما يجعل تصنيف برامج مثل «ذا فيو» الذي تقدّمه مجموعة من المذيعات، من بينهن ووبي غولدبرغ وجوي بيهار، أو البرامج الليلية مسألة قانونية قابلة للنزاع، وليست حكماً سياسياً يصدره رئيس اللجنة منفرداً.

من جهة ثانية، لا يكفي اتهام محطة بالانحياز لتطبيق سياسة «تحريف الأخبار»؛ إذ يتطلب ذلك عادةً أدلة على تعمّد تشويه تقرير وقائعي بشأن حدث مهم. ومن هنا تنشأ المخاوف من أن يتحوّل مفهوم «المصلحة العامة»، إذا ما استُخدِم بانتقائية، من معيار لحماية الجمهور إلى أداة لمعاقبة خيارات تحريرية محميّة دستورياً.

ترمب يلقي كلمته في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض (رويترز)

العقوبة ليست الشرط الوحيد

أوضحُ تطبيقٍ لهذا النهج هو الأمر الذي أصدره كار بإخضاع تراخيص ثماني محطات تملكها «ديزني–إيه بي سي» لمراجعة مبكّرة، مع أن مواعيد التجديد لا تبدأ قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2028. وجاء القرار بعد يوم من مطالبة ترمب الشبكة بطرد جيمي كيميل الذي يقدّم برنامجاً ليلياً ساخراً. لكن كار يقول إن التوقيت مصادفة، وإن الإجراء نتج من تحقيق بدأ في مارس (آذار) 2025 بشأن احتمال انطواء سياسات التنوّع والتوظيف في «ديزني» على تمييز غير قانوني، ومن عدم تعاون الشركة بصورة كافية مع طلبات اللجنة.

وكالة «رويترز» ذكرت أن المراجعة المُبكرة، وهي الأولى من نوعها منذ أكثر من نصف قرن، دفعت مسؤولين سابقين في اللجنة من الإدارتين الجمهورية والديمقراطية إلى وصفها بأنها تهديد لحرّية التعبير يرتدي ثوباً تنظيمياً. وتقول شبكة «إيه بي سي» إن الهدف هو جعل المؤسسات الإعلامية تخشى العقاب الرسمي، مشيرة إلى تقديم أكثر من 150 ألف تعليق إلى اللجنة، أيّد أكثر من 95 في المائة منها تجديد تراخيص محطاتها.

الخطر، بالتالي، لا يقتصر على احتمال سحب ترخيص، وهو إجراء نادر جداً، وقد لا يصمد قضائياً. فمجرد فتح تحقيق أو التلويح بمراجعة الترخيص يمكن أن يؤثر في قرارات الشركات التي لديها صفقات اندماج، أو مصالح تنظيمية معلقة. وهذا هو «الأثر الردعي» الذي حذر منه حتى جمهوريون، بينهم السيناتور تيد كروز، الذي شبّه تحذير كار لكيميل بلغة أفلام «المافيا»، محذّراً من أن السلطة نفسها قد تُستخدم مستقبلاً ضد الإعلام المحافظ.

مقاومة مفتوحة وصدارة متراجعة

الواقع أن النزاع يمتد إلى ما وراء لجنة الاتصالات. فقد فرض «البنتاغون» (وزارة الحرب) قيوداً على حركة الصحافيين، وأغلق مساحة عملهم التقليدية، واشترط مرافقتهم داخل المبنى، بعدما أبطلت محكمة سياسة سابقة كانت تسمح باعتبار من يسعى إلى معلومات غير مصرح بها «خطراً أمنياً». ودافع «البنتاغون» عن الإجراءات باعتبارات الأمن القومي، بينما أعادتها المؤسسات الصحافية إلى القضاء.

لذلك قد تنجح الإدارة في دفع بعض الشركات إلى الحذر، أو التسوية، أو الرقابة الذاتية، لكنها لا تملك حتى الآن قدرة كاملة على «تطويع» الإعلام. فالمحاكم، والمؤسسات الصحافية، والانقسام داخل «الحزب الجمهوري»، فضلاً عن خروج «الكابل» والمنصّات الرقمية من نطاق تراخيص اللجنة، كلها تشكل قيوداً جدية على هذا المشروع.

بالتوازي، قد تكون ريادة أميركا في حرية الصحافة قد تضرّرت بالفعل، إذ وضعها مؤشر «مراسلون بلا حدود» لعام 2026 في المرتبة الرابعة والستين، بتراجع سبع مراتب. لكنه مؤشر على تآكل المكانة أكثر من كونه إعلاناً عن زوال الحماية الدستورية. والخلاصة أنه لا دليل على «خطّة سرّية» أبعد مما هو معلن: استخدام أدوات الوصول والتنظيم والترخيص لدفع الإعلام إلى تغيير سلوكه. وستتحدّد النتيجة بقدرة المؤسسات على مقاومة الضغط قبل أن يتحوّل الاستثناء التنظيمي الخاص بالبث إلى سابقة سياسية دائمة.

قانون الاتصالات يكلّف «لجنة الاتصالات الفيدرالية» التأكد من خدمة المحطّات المرخّصة «المصلحة العامة والملاءمة والضرورة»