ماكرون... جهود 14 شهراً تنتظر الثمار

متاعب المنافسين الأوروبيين أتاحت إطلاق سياسة فرنسية ديناميكية وطموحة

ماكرون... جهود 14 شهراً تنتظر الثمار
TT

ماكرون... جهود 14 شهراً تنتظر الثمار

ماكرون... جهود 14 شهراً تنتظر الثمار

قبل 14 شهراً، وصل إيمانويل ماكرون إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية قالبا المعايير والموازين السياسية ومتخطيا اليمين واليسار وحاملا رؤية وخطة. في الداخل، أعرب عن عزمه على نفض الغبار عن المؤسسات التي أرساها الجنرال ديغول «مهندس الجمهورية الخامسة» وإطلاق حملة إصلاحية تذهب حتى مداها الأخير بحيث لا تتوقف في منتصف الطريق كما فعل من سبقه إلى قصر الإليزيه. وفي الخارج، أراد الرئيس الشاب أن يعيد فرنسا إلى واجهة المسرح الدولي بعد أن ضمر دورها داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه. وبعد مرور ما يزيد على العام، حان الوقت لوقفة متفحصة لإنجازاته وإخفاقاته على المسرح الخارجي.

في عام واحد، قطع الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون ما يزيد على 190 ألف كلم، وزار 46 بلدا متنقلا بين القارات وقافزا من قمة إلى لقاء ثنائي. إذ قام بزيارة دولة للولايات المتحدة الأميركية وبعدها بأقل من شهر بزيارة مماثلة لروسيا. ولم ينس الصين أو الهند وكندا وأستراليا. أما زياراته الأوروبية فشبه دائمة ولقاءاته مع المستشارة الألمانية تشكل علامات ثابتة على أجندته الشهرية. ولم ينس العالم العربي الذي زار منه المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر وبلدان المغرب العربي.
وبالطبع، أفريقيا كانت دوما على أجندته ولا عجب في ذلك لأنها تشكل أول دائرة للنفوذ الفرنسي خارج القارة الأوروبية. وبحر هذا الأسبوع المنتهي وبعد أن كان ضيف البابا فرنسيس في الفاتيكان، حل ضيفا على القمة الأفريقية التي عقدت في موريتانيا واستفاد من حضور القادة الأفارقة ليعقد قمة موازية ضمت بلدان «الساحل» الخمس أي موريتانيا ومالي وتشاد والنيجر وبوركينافاسو، التي يسعى ماكرون لتسهيل قيام قوتها المشتركة المسماة «مجموعة الخمس» G5 وتوفير التمويل لها، وخصوصاً، دفع الأفارقة للعمل معا من أجل محاربة الإرهاب الذي يضرب دورياً في هذا البلد أو ذاك. أما رغبة ماكرون الخفية فهي سعيه للتخفيف من الأعباء العسكرية والمالية التي تترتب على القوات الفرنسية المرابطة في بلدان الساحل الأفريقية.

- سنة دبلوماسية نشطة
ولا تشكل الزيارات الخارجية إلا جزءا من نشاطات الرئيس الدبلوماسية. ذلك أن قصر الإليزيه تحول إلى مقصد لقادة العالم... من دونالد ترمب إلى فلاديمير بوتين ومن أنجيلا ميركل إلى تيريزا ماي والزعيم الصيني شي جينبينغ إلى منافسه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. ومن محمود عباس إلى بنيامين نتنياهو والعشرات الآخرين.
ثم إن ماكرون يهوى المؤتمرات الخاصة التي يكون هو «مهندسها» الأول من أجل إيجاد حلول للأزمات المستعصية: من ليبيا التي كرّس لها في عام واحد مؤتمرين دوليين، إلى سوريا وفلسطين واليمن ولبنان، ناهيك من القمة العالمية للمحافظة على المناخ والعشرات غيرها من المؤتمرات والاجتماعات التي يجهد دبلوماسيو القصر الرئاسي والخارجية في ملاحقتها. باختصار، ماكرون يريد أن يفرض فرنسا التي لا ينظر إليها على المستوى العالمي إلا كـ«لاعب متوسط الحج» طرفاً رئيسياً في إدارة شؤون العالم وإيجاد حلول لأزماته. هذا هو «الدينامو» الذي يحرك الرئيس الفرنسي.

- ماكرون لا يعرف الكلل أو الملل
يوجه رسائله النصية إلى أقرب معاونيه طيلة ساعات الليل والنهار. مدمن على العمل وعازم على السير ببرنامجه الإصلاحي حتى خواتيمه مهما تكاثرت الصعوبات الاجتماعية أو الاقتصادية أو تهاوي شعبيته في الداخل.
يبدو غير آبه بأن يطلق عليه لقب «رئيس الأغنياء» بعدما ألغى الضريبة على الثروة والضريبة على الميسورين الذين اختاروا الرحيل عن فرنسا إلى بلد آخر... ولا يهتز أو يرف له جفن.
يُنتقَد لأنه وزوجته بريجيت أوصيا على أوان منزلية للقصر الرئاسي ستكلف دافع الضرائب الفرنسي نصف مليون يورو، وحجته أن ما يملكه القصر «متهالك» ويتعين تجديده... لا بل يرى في ذلك بابا لإبراز مهارات مشاغل البورسلين الفرنسية الشهيرة الموجودة في بلدة سيفر القريبة من باريس. ويُعاب عليه أنه طلب بناء مسبح في مقر الاصطياف الصيفي لرؤساء فرنسا المُسمى «حصن بريغونسون» المطل على الشاطئ المتوسطي، فيرد على ذلك بأنه لا يريد أن يفعل ما فعله الرؤساء السابقون بالحلول ضيفاً على الأصدقاء الأغنياء. وأن المسبح الخاص، بعكس الشاطئ المفتوح، يوفر الحماية للرئيس ويبقيه بعيداً عن الأعين.

- رئيس خدمته الظروف
باختصار، يعتبر ماكرون أنه رئيس غير الرؤساء وله رؤية مختلفة لمهامه ومنصبه. وحقيقة الأمر أن «الظروف» أسدت له خدمات جليلة: أولاً من حيث إنها سهلت انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية قبل أن يصل إلى سن الأربعين متخطيا أحزابا متجذرة في المشهد السياسي مثل اليمين المعتدل وارث الحزب الديغولي أو الحزب الاشتراكي الذي تربع اثنان منه - فرنسوا ميتران وفرنسوا هولاند - على عرش الإليزيه طيلة 18 سنة.
كذلك، فإن الظروف السياسية الخارجية تبدو وكأنها «جُندّت» لخدمة ماكرون. إذ أن وصوله إلى الرئاسة ترافق مع تكاثر الصعوبات بوجه القوتين «المنافستين» الأكبر في غرب أوروباً... ألمانيا وبريطانيا.
فمن جهة، المستشارة الألمانية ميركل كانت، عند تبوئه منصبه الرئاسي، منشغلة بانتخاباتها التشريعية التي شهدت تراجعاً دراماتيكيا لشعبيتها وللمقاعد التي فاز بها حزبها. وخلال أربعة أشهر، انصب همّ ميركل على تشكيل حكومة لم تصل إلى إيقافها على قدميها إلا بشق الأنفس... وها هي تتمزّق أو تكاد بسبب أزمة الهجرات واللاجئين، وتجد نفسها في موقع سياسي ضعيف للغاية... لا بل ثمة من يراهن على عجزها عن إكمال ولايتها الرابعة في قصر المستشارية بالعاصمة برلين.
أما المنافسة الأخرى، رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، فليس مصيرها أفضل حالا من مصير ميركل إذ أنها ورثت صعوبات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عن سلفها ديفيد كاميرون، وفقد حزبها المحافظ الأكثرية في الانتخابات المبكرة التي فرضتها عليه. وهي تجهد بكثير من الصعوبة في المحافظة على شيء من الانتظام داخل حكومتها وحزبها لتقود بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي بأقل قدر ممكن من الخسائر.
وأما بقية الأوروبيين فحدث ولا حرج: إسبانيا غارقة في أزمة كتالونيا ورئيس حكومتها السابق نحي بسبب الفساد. وإيطاليا تعيش أزمات سياسية متلاحقة في ظل حكومات متعاقبة قصيرة العمر. وآخر مستجداتها حكومة مشكلة من تحالف اليمين المتطرف والشعبويين. وبقية أعضاء الاتحاد، فكل منهم لديه مشاكله: يمين متطرف صاعد في النمسا والدنمارك. ويمين متشدد في المجر وبولندا وتشيكيا وسلوفاكيا وصراعات فجّرتها أزمة الهجرات المتدفقة على أوروبا.....

- أوروبا... ملعبه و«ورشته»
هذه ملامح «الديكور» الأوروبي عند وصول إيمانويل ماكرون إلى الإليزيه مكللاً بهالة انتصاره على مارين لوبن، مرشحة الجبهة اليمينية المتطرفة في فرنسا.
الرئيس ماكرون انتخب على أساس برنامج أوروبي واضح ولديه خطة لإنهاض أوروبا وإصلاح مؤسساتها. إنه، بمعنى ما، لبس ثياب «المنقذ» وخطاباته المختلفة التي خصّصها للبناء الأوروبي وأهمها ثلاثة واضحة وقوية وثابتة: خطاب جامعة السوربون في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وخطاب تسلمه إحدى أهم الجوائز الأوروبية في ألمانيا، ثم خطابه الأخير أمام البرلمان الأوروبي... كلها تدل على عزم لا يلين.
أوروبا ورشته الأولى وذلك لسببين: لأنها أولا العرين الأوسع الذي يحتاج إليه، والثاني لأنها يمكن أن تكون الرافعة للنفوذ الفرنسي في العالم. بيد أن حلم ماكرون الأوروبي آخذ بالتحول إلى كابوس. فها هي أوروبا تترنح نحن وطأة أزمة لا تعرف، بسبب انقساماتها العميقة، كيف تتعامل معها.
ما كان ماكرون رئيساً عندما تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين عبر «ممرّ البلقان» باتجاه وسط وغرب أوروبا. غير أن ذلك لا يغير من واقع الحال شيئا بعدما أعيد «تشغيل» ممرّ وسط البحر الأبيض، هو الطريق الأقصر الذي يربط الشاطئ الأفريقي للمتوسط بالسواحل الأوروبية. ورغم تسلم ماكرون بالأرقام للتدليل على أن موجة الهجرات إلى أوروبا قد تراجعت ومعها طلبات اللجوء، فإن الأرقام لا تبدو كافية لإقناع مَن لا يريد الاقتناع كالمستشار النمساوي الشاب سباستيان كورتز أو وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني ونظيره الألماني هورست زيهوفر الذي يشكل تهديداً سياسيا رئيسيا لميركل. وباستثناء إسبانيا التي عادت قيادتها بالمصادفة إلى الاشتراكيين، لم يعد يجد ماكرون حليفا قويا له داخل الاتحاد الأوروبي للسير بخططه. القادة الإيطاليون اليمينيون يتهمونه بـ«العجرفة» وقادة «مجموعة فيزغراد» المشكلة من المجر وبولندا وتشيكيا وسلوفاكيا يرفضون الخضوع لـ«الديكتاتورية الأوروبية» التي لها رأسان ظاهران: ميركل وماكرون، والتي يتهمها يمينيو «فيزغراد» بأنها تريدهم أن يستقبلوا حصصهم من اللاجئين إلى أوروبا، كما وزعتها المفوضية الأوروبية، وهم متمسكون برفضهم. وماكرون يريد اندماجا أكبر لمنطقة اليورو مع ميزانية خاصة ووزير مالية. وبعد كم من اللقاءات، وافقت المستشارة الألمانية على «الحد الأدنى» من مقترحاته. وحتى الآن، لم تتحول هذه المقترحات إلى نصوص وقوانين وإجراءات بل ما زالت تدور في فلك المشاريع الضائعة بين الأخذ والرد.

- أزمات الشرق الأوسط
على صعيد آخر، أثبتت أزمات وحروب الشرق الأوسط أن دون نجاح الإليزيه في تحيق اختراقات مصاعب لا يجوز الاستهانة بها. فبالإضافة إلى سوريا والعراق، سعت باريس لأن يكون لها صوت في الملف الفلسطيني، وجاء الرئيس محمود عباس مرتين إلى باريس لمقابلة ماكرون. لكنه في كل مرة سمع الجواب نفسه: لا اعتراف أحاديا بالدولة الفلسطينية وأن الحل هو سياسي وتفاوضي مع إسرائيل. وبينما يسعى فريق الرئيس الأميركي دونالد ترمب لـ«صفقة القرن» تجد باريس نفسها على الهامش.
أما في ليبيا، فقد سعى ماكرون لإيجاد مخارج من حروب الميليشيات والعصابات في هذا البلد بالنظر لأهميته لاستقرار شمال أفريقيا وبلدان الساحل واحتواء الهجرات ومحاربة الإرهاب. ولذا بذل جهداً في الصيف الماضي مع رئيس «حكومة الوفاق» فائز السراج وقائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، واعتبر أن الجمع بين «الشرعية السياسية (ممثلة بالسراج) والشرعية العسكرية (ممثلة بحفتر)» كفيل بإيجاد المخارج. وبالفعل، اجتمع الرجلان مرة أولى برعاية ماكرون ومرة ثانية برعاية دولية وبحضور المبعوث الدولي غسان سلامة، ولكن، في المرتين خرجا ببيانات وتعهدات لم يطبق منها شيء، ولا أحد يرى اليوم إلى أين يوجد المخرج من هذه الأزمة بالنظر لتعدد المصالح والتدخلات الخارجية.
كذلك، سعى ماكرون إلى التقارب مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، فدعاه إلى باريس واستقبله في قصر الإليزيه. ويعي ماكرون أنه بحاجة لتعاون إردوغان في ملفّي اللاجئين والإرهاب، وخاصة، المتطرفين الفرنسيين الساعين للعودة إلى فرنسا. ولكن عندما قرّر إردوغان اجتياح عفرين، بشمال سوريا، لم تنفع معه النصائح الفرنسية... الأمر الذي دفع باريس وواشنطن إلى إرسال وحدات عسكرية إلى مدينة منبج لردع أنقرة عن اجتياحها. ومثلما، لم تنجح نصائح ماكرون لإردوغان، كذلك أخفقت مع مسعود بارزاني الذي حثته باريس على صرف النظر عن الاستفتاء على الانفصال عن العراق، إذ صمّ بارزاني أذنيه مع أن باريس «صديقة» للأكراد منذ ثمانينات القرن الماضي، وهكذا، تبين أن «صرف» هذه الصداقة سياسيا صعب.
وحول سوريا، بالذات، لم يعط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الفرنسي شيئا. فقط اتفق معه على إيجاد «آلية تنسيق» بين «مجموعة أستانة» (روسيا وإيران وتركيا) وبين «المجموعة المصغّرة» (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والمملكة العربية السعودية والأردن) لإيجاد السبل لحل سياسي في سوريا. لكن هذه الآلية يصعب العثور على وجود أي دور لها، كما أن روسيا ما زالت اللاعب الأول والأكثر تأثيراً في المسار السوري، في حين لم تعثر فرنسا على دور حقيقي لها رغم مشاركتها في الضربات الصاروخية مع واشنطن ولندن ردا على استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي.
والجدير بالذكر، هنا أن ماكرون كان مهتماً ببناء علاقة قوية مع بوتين الذي دعاه إلى قصر فرساي التاريخي، ثم زاره في مدينة بطرسبرج عاصمة الإمبراطورية الروسية. وكان «أمل» ماكرون أن يلعب دور «الوسيط» بينه وبين ترمب، وأن يكون «محاوره» الأوروبي تطبيقا لمبدأ رئيسي في سياسته الخارجية أنه «يتعين الحديث إلى الجميع».

- أفكار كثيرة... تنتظر ثماراً
هكذا تبدو محصلة سياسة ماكرون الخارجية: كثير من الأفكار والتحركات لكن النتائج العملية والفعلية ما زالت قيد الانتظار. صحيح أن معه عادت فرنسا حاضرة على المسرح الدولي: في الشرق الأوسط وأفريقيا وفي علاقاتها مع الدول الكبرى. لكن الصرح الأوروبي ما زال هشاً و«الصديق الأميركي» لا يطبق من السياسات الخارجية إلا ما يفيده داخلياً، ونظيره الروسي مستمر في إعادة الاعتبار لموسكو عبر صواريخها وطائراتها في سوريا.
يعترف الفرنسيون بفضل رئيسهم على المستوى الخارجي. لكن داخليا، للأمور مظهر آخر. ويدل آخر استطلاع للرأي أن شعبية ماكرون تراجعت بحدة الشهر الماضي وهبطت إلى 34 في المائة بحيث خسر ست نقاط في شهر واحد. وقد يكون هذا الرقم نذيرا بأن الحراك الخارجي لا يمكن أن يكون بديلا عن سياسة داخلية عادلة تأخذ بعين الاعتبار مصالح الجميع، وتُسقِط عن ماكرون صفة «رئيس الأغنياء».

- ليّ أذرع مع دونالد ترمب
بعد أقل من شهر على انتخاب إيمانويل ماكرون، جاءت قمتا الحلف الأطلسي في بروكسل و«مجموعة الدول السبع» في صقلية (إيطاليا) لتوفر الفرصة للرئيس الفرنسي أن يلتقي سريعا جدا كبار زعماء العالم. وما لصق بأذهان الفرنسيين من لقائه الأول مع الرئيس دونالد ترمب هي المصافحة الرجولية المطولة بين الاثنين التي خرج منها ماكرون «رابحا» لأنه الأخير الذي سحب قبضته.
كثيرون رأوا فيها دلالات رمزية لوجود رئيس قوي لا ينمسح ولا ينسحب. ونجح ماكرون، في لقاءاته مع ترمب في بناء أولى وشائج علاقة يريدها حميمة وشخصية الأمر الذي ترسخ بدعوة «سيد» البيت الأبيض كضيف شرف إلى باريس يومي 13 و14 يوليو (تموز) بمناسبة العيد الوطني الفرنسي. وأعجب ترمب بالعرض العسكري على جادة الشانزلزيه، وأبلغ ماكرون أنه يريد مثله في واشنطن.
وفي الليلة السابقة، دعا إيمانويل وبريجبت ماكرون الزوجي الأميركي إلى عشاء في مطعم فاخر قائم داخل برج إيفل والغرض من كل التكريم التقريب بين إيمانويل ودونالد أملا بأن تلعب فرنسا دور «المؤثر» على خيارات ترمب السياسية. ورد ترمب التحية بأفضل منها فدعا الرئيس الفرنسي أبريل (نيسان) الماضي، إلى زيارة دولة كثرت فيها المصافحات والمجاملات أمام عدسات التلفزة. ولكن ما الحصيلة السياسية؟
قد يكون الجواب صادما ببساطته.
ماكرون لم يجن شيئا من التقارب مع واشنطن. وذهب الرئيس الفرنسي في أحد مؤتمراته الصحافية بعد اندلاع الأزمة مع إيران إلى القول إن ترمب «ينفذ سياسة خارجية نزولا عند دواع داخلية» أي عمليا لإرضاء قاعدته الانتخابية من المحافظين والمتشددين. وفلسفة ترمب السياسية التي يلخصها شعاره «أميركا أولاً» تتعارض جذريا مع فلسفة ماكرون الذي يريد إدارة جماعية متعددة الأطراف لشؤون العالم.
كثيرة خيبات ماكرون من صديقه دونالد: فالأخير نفذ تهديده وانسحب من اتفاقية المناخ التي جاهدت فرنسا للتوصل إليها نهاية العام 2015 لأن ترمب يعتبر أن ارتفاع حرارة الأرض مزحة سمجة، ولا دور للإنسان في ذلك.
وأتبع ترمب خروجه من اتفاقية المناخ بالانسحاب من اليونيسكو التي اختارت مديرة عامة لها الخريف الماضي الوزيرة الفرنسية السابقة أودري آزولاي. وبعدها كرت الخيبات الفرنسية: ترمب ضرب عرض الحائط تمنيات ماكرون ومعه غالبية القادة الأوروبيين بألا يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وألا ينقل إليها سفارة بلاده. وهنا أيضا، سعى ترمب لإرضاء مجموعات الضغط اليهودية الموالية لإسرائيل والمسيحيين المحافظين وطيف من الشرائح الانتخابية التي تريد التماهي بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وبعد ذلك، خلال مايو (أيار) الماضي، ورغم الرفض الفرنسي والأوروبي، أعلن ترمب تمزيق الاتفاقية النووية مع إيران. وأتبعت الإدارة الأميركية ذلك بالإعلان عن إعادة فرض عقوبات اقتصادية ومالية على طهران، وخصوصاً التهديد باتخاذ عقوبات بحق كل دولة أو شركة تتعامل مع طهران أو تستثمر فيها. وفي حين أعلنت الدول الأوروبية، وكذلك روسيا والصين، تمسكها بالاتفاقية، فإنها تسعى في الوقت نفسه لتشكيل جبهة مواجهة مع ترمب من أجل إقناع إيران بألا تخرج من الاتفاقية. وأخيرا، جاءت الصدمة الأميركية الكبرى لفرنسا وعنوانها «الحرب التجارية» التي أعلنها ترمب من خلال فرض رسوم على الألمنيوم والصلب الأوروبيين.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.