رجال دين وسياسيون رحبوا بقرار العاهل المغربي منع أئمة المساجد من السياسة

أصدر أربعة قوانين جديدة في إطار سياسته لإصلاح الشأن الديني

(من اليمين الى اليسار) حسن الكتاني،  محمد كرين،  آمنة ماء العينين،  محمد خليدي
(من اليمين الى اليسار) حسن الكتاني، محمد كرين، آمنة ماء العينين، محمد خليدي
TT

رجال دين وسياسيون رحبوا بقرار العاهل المغربي منع أئمة المساجد من السياسة

(من اليمين الى اليسار) حسن الكتاني،  محمد كرين،  آمنة ماء العينين،  محمد خليدي
(من اليمين الى اليسار) حسن الكتاني، محمد كرين، آمنة ماء العينين، محمد خليدي

رحب رجال دين وسياسيون مغاربة بالقرار الذي أصدره العاهل المغربي الملك محمد السادس، بصفته أميرا للمؤمنين، والمتمثل في الظهير (مرسوم) الملكي الذي يمنع الأئمة والخطباء طيلة مدة أدائهم لوظائفهم من ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، أو اتخاذ أي موقف يكتسي صبغة سياسية أو نقابية، أو القيام بأي عمل من شأنه وقف أو عرقلة أداء الشعائر الدينية، كما أكد على ضرورة التزام الخطباء والأئمة والمؤذنين بأصول المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، وتجنب أي عمل يتنافى مع طبيعة مهامهم.
وقال محمد خليدي، الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة ذي المرجعية الإسلامية، إن هناك بالفعل خطباء ومرشدين دينيين لديهم انتماءات سياسية، لكنه تساءل: «كيف يمكن تطبيق هذا الحظر على أرض الواقع، مع الاحتفاظ للعلماء بمكانتهم اللائقة في المجتمع، خاصة أن عالم الدين لعب عبر التاريخ دور الموجه والمصلح الذي يدافع عن الأخلاق والقيم».
وأوضح أن هذا المرسوم جاء، ربما، بعد أن تبين للمصالح المختصة اختراق عدد من المساجد من قبل أئمة لديهم انتماءات سياسية لا يفصحون عنها، وأضاف أن هناك خشية من استغلال المساجد بهدف توجيه الناس سياسيا، لا سيما أن المغرب مقبل على استحقاقات انتخابية.
وأشار محفوظ السعيدي، الباحث المغربي في السياسة الدينية، إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يمنع فيها القيمون الدينيون في المغرب من «ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، أو اتخاذ أي موقف يكتسي صبغة سياسية أو نقابية»، بنص قانوني. وأضاف: «هذا البند، الذي استأثر باهتمام المتتبعين، له ما يبرره، بالنظر إلى أن رسالة القيِّم الديني يفترض أن تجري في إطار من الحياد، بعيدا عن أي تأثير سياسي أو أي مذهب آيديولوجي من شأنه أن يفرغ الإرشاد الديني من محتواه».
ويرى السعيدي أن هذا القانون «دشن مرحلة جديدة في عمل القيم الديني، من خلال تحديد المهام التي يتعين عليه التقيد بها في تدخلاته الدينية، وهي مسألة جديدة في تدبير الشأن الديني، إذ أصبح المغرب يتوفر، لأول مرة، على نص قانوني يحدد مهام القيم الديني بشكل واضح، ويترتب على الإخلال بها إجراءات قد تصل إلى منعه من مزاولة المهام المنوطة به».
من جهته، قال المرتضى إعمراشي، وهو إمام وخطيب من مدينة الحسيمة (شمال المغرب)، بخصوص صدور القانون الذي ينظم عمل القيمين الدينيين: «يستمر المغرب في تحقيق الاستثناء بين الدول العربية والإسلامية، وإصلاح مؤسساته، مستفيدا من الأخطاء التي وقعت فيها دول أخرى، حيث شاهدنا تداخل اختصاصات رجل الدين بالسياسي في مصر، الذي جرّ أكبر دولة عربية إلى العنف الديني». وأضاف إعمراشي: «بهذه المبادرة الملكية، التي تحتاج إلى مجهود من طرف المجالس العلمية لمراقبة تنفيذها، كما أمر الملك، تكون بلادنا قد قطعت الطريق أمام أي فصيل سياسي لاستغلال العاطفة الدينية للمغاربة، ولتحصيل مكاسب سياسية».
ويرى حساين اختو، الأستاذ بدار الحديث الحسنية، أن «مهمة القيم الديني هي تأطير الناس وتكوينهم في المجال الديني. لهذا فعندما نتحدث عن الجانب السياسي علينا أن نميز بين الحالة التي يعالج فيها القيم الديني موضوعا سياسيا بتجرد، وبهدف نشر الوعي والمعرفة وتنوير عقول الناس، وبين الشخص الذي يستغل منابر المساجد لأغراض مصالح سياسية ضيقة، أو لنشر الفتنة والبلبلة وزعزعة الاستقرار».
بيد أن حسن الكتاني، أحد شيوخ السلفية المغاربة المفرج عنهم، عد حظر ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي على الأئمة والخطباء، تضييقا عليهم، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه يرى أن هناك تضييقا على الدعاة في هذه البلاد منذ أكثر من عشر سنوات، في إطار ما سمي بتأهيل الحقل الديني.
من جهته، رأى النائب الروداني الشرقاوي، المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة المعارض، أن مواجهة تغلغل الأفكار المتطرفة والتكفيرية أصبحت تقتضي تأطير الحقل الديني، والحرص على وضع مسؤوليته بين أياد أمينة من أجل تحصينه من الاختراقات وحماية الأمن الروحي للمغاربة، وقال إنه إذا كانت «السياسة بمقارباتها وأفكارها من اختصاص السياسيين، فإن أمور الدين بفتاواها وفقهها يجب أن تكون من اختصاص رجال الدين. ويجب أن لا نخلط بين هذه الأمور، ويكفي أن ننظر إلى تجارب دول قريبة منا لنأخذ العبرة من المشاكل أو المصائب التي يمكن أن تحدث بسبب هذا الخلط».
وأضاف الشرقاوي: «حقق المغرب نجاحا كبيرا في مجال الإصلاح الديني لأنه اختار مقاربة عقلانية وتدريجية لهيكلة الحقل الديني، انطلاقا من تكوين المرشدين، ووضع خريطة للمساجد وتأهيل وترقية دورها في المجتمع».
ويرى محمد كرين، القيادي في حزب التقدم والاشتراكية اليساري، أن المرسوم الذي ينص على منع الخطباء وأئمة المساجد من ممارسة العمل السياسي «جاء ليحمي الدين من السياسة؛ لأن الخطباء والقيمين على المساجد ينبغي أن يظلوا بعيدين كل البعد عن السياسة ونزاعاتها حتى نضمن للمسلمين تأدية شعائرهم داخل المساجد بهدوء، وبعيدا عن أي تأثيرات قد تخلق التشنج وتؤثر سلبا على الطمأنينة داخل بيوت الله».
وعد كرين المرسوم الملكي مبادرة إيجابية تكرس روح الدستور المغربي الذي جعل الشأن الديني من اختصاص الملك، باعتباره أمير المؤمنين، وذلك حتى يبعد الدين عن الصراعات السياسية، وتأسيس تجربة مغربية متميزة تضمن فصل الدين عن السياسة، لا سيما في الحملات الانتخابية.
وأضاف المسؤول الحزبي أن المرسوم الملكي لم يأت إلا لتوضيح الأدوار؛ «فإما أن تكون إماما أو قيما على مسجد، أو تختار الانتماء إلى حزب سياسي»، موضحا أنه لا يمكن أن ندخل المشترك الديني للأمة والمجتمع في لعبة السياسة، التي تعتمد أساسا على التناوب والتداول وتغيير برامج ببرامج أخرى، بينما الدين مبني على ثوابت لا تتغير.
من جانبه، قال النائب عبد الصمد الإدريسي، القيادي في حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية (متزعم الائتلاف الحكومي)، إن المرسوم «ليس سوى تكريس لأمر واقع. فحسب الممارسة والعرف السائد، فإن الخطباء المغاربة لا يخوضون فيما هو سياسي. والسياق الذي جاء فيه القرار سياق عادي، بيد أنه يمكن ربطه بكون المغرب مقبلا على تنظيم الاستحقاقات الانتخابية العام المقبل».
من جهتها، عدت آمنة ماء العينين، النائبة عن حزب العدالة والتنمية، القرار أمرا طبيعيا لأنه يفترض بالقيمين على المجال الديني التزام الحياد، واتخاذ نفس المسافة من مختلف الاتجاهات السياسية، حماية لأماكن العبادة من التوظيف السياسي والانتخابي، وهو ما قد يزيغ بها عن رسالتها الأصلية، وأشارت إلى أن الخوض في القضايا السياسية ينبني على تقديرات الأشخاص، في حين ينظر الناس إلى الأئمة على أنهم وعاظ يبنون مواقفهم على أسس شرعية لا تقبل المناقشة، ولذلك وجب تحييد القائمين على المجال الديني، وفصل وظيفتهم عن التوجيه السياسي والنقابي، حسب رأيها.
يشار إلى أن العاهل المغربي كان قد أصدر أربعة قوانين أساسية جديدة، في إطار مواصلة سياسته لإصلاح وهيكلة الشأن الديني بالبلاد، ويتعلق القانون الأول بوضع برنامج لمحو الأمية بالمساجد، والثاني بإحداث جائزة محمد السادس لبرنامج محو الأمية بالمساجد، والثالث بإحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، والرابع بتنظيم مهام القيمين الدينيين من أئمة وخطباء ومؤذنين، وتحديد وضعياتهم وحقوقهم والتزاماتهم. وصدرت القوانين الثلاثة مباشرة عن الملك في شكل ظهائر (مراسيم ملكية) من دون المرور من البرلمان، اعتبارا للصلاحيات التي يخولها دستور البلاد للملك، باعتباره أميرا للمؤمنين والمسؤول الأول عن تدبير وصيانة الحقل الديني.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.