محمد عزو حلوب.. الطفل الذي كبر ليخون قريته

كان يتصل ببعض شباب القرية لإقناعهم بالانضمام إليه مع وعود بإغداق المال عليهم

محمد عزو حلوب.. الطفل الذي كبر ليخون قريته
TT

محمد عزو حلوب.. الطفل الذي كبر ليخون قريته

محمد عزو حلوب.. الطفل الذي كبر ليخون قريته

كان محمد عزو حلوب، الذي نشأ وترعرع في قرية «علوك» الواقعة في شمال شرقي سوريا، شابا محترما بكل المقاييس. وقد عرفه أهل القرية منذ نعومة أظفاره، ثم شاهدوه وهو يكبر ليصبح مدرسا بإحدى مدارس القرية، ثم ليتحول في ما بعد إلى مهنة المحاماة. كان محمد رب أسرة في الثلاثين من عمره، وكان يعول ثلاثة أطفال. يقول عبد الرحمن وهو يهز رأسه في حزن «لقد اعتقدنا أنه مهذب ومتحضر». وكان هناك شيء واحد يميزه عن باقي شباب القرية، يضيف عبد الرحمن «كنا نعرف أن والده كان رجلا متشددا في تدينه، لكن لم يخطر ببالنا أبدا أن يسير محمد على خطاه».

ولم يعد محمد يعيش في «علوك» حتى يروي لنا وجهة نظره في تلك الوقائع. لكن المقاتلين مجهولي الهوية الذين يتجمعون حول مائدة معدنية، تظهر عليها رسوم قلوب حب وشعار «وحدات حماية الشعب» الكردية، في ظهيرة مشمسة من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) يقولون إن محمد هو المسؤول عن الهجوم المدمر الذي شنته جماعة «جبهة النصرة» الإسلامية المتشددة ضد قريته قبل شهرين.

لكن عبد الرحمن، وهو رجل ممتلئ الجسم ذو شارب كثيف، تكفل بسرد تفاصيل الواقعة، بينما كان الشبان، الذين معه، يعلقون على تلك التفاصيل. يقول عبد الرحمن والشبان إن محمد لم يبد أبدا أي اهتمام بالسياسة حتى بداية الثورة السورية. وحالما بدأت الثورة أخذ محمد في الحديث عن ازدرائه للنظام وعن ذلك البديل الذي يرى أنه ينبغي أن يحل محل ذلك النظام. يضيف عبد الرحمن «بعد أن اشتعلت الثورة بدأ محمد في إظهار أفكاره الإسلامية المتشددة، معتقدا أن ذلك هو السبيل الوحيد لمواجهة النظام. وترسخ في ذهنه أن الدولة الإسلامية سوف تكون البديل الأمثل لذلك النظام عندما يسقط».

بحلول شهر سبتمبر (أيلول)، كان شبح الدولة الإسلامية يقترب بشدة من قرية «علوك». فعلى بعد كيلومترات قليلة جهة الغرب من «علوك»، كان نصف مدينة «رأس العين» قد وقع تحت سيطرة «جبهة النصرة» بعد هجوم استغرق أياما قليلة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني). وفي الأشهر الأولى من عام 2013، كان وجود «وحدات حماية الشعب» هو الذي منع تقدم الإسلاميين في المناطق الكردية. وتسيطر «وحدات حماية الشعب» على معظم مناطق الشمال في سوريا.

غير أن وجود «وحدات حماية الشعب» في قرية «علوك» كان أكثر تعقيدا من المدن والقرى الأخرى المجاورة التي كانت تتمركز فيها، ويرجع ذلك إلى خصوصية قرية «علوك» العربية التي تقع وسط أراض كردية. وكثير من القرى العربية في تلك المنطقة هي صنيعة نظام حزب البعث في سوريا. ففي سبعينات القرن الماضي منح الرئيس حافظ الأسد، والد الرئيس السوري الحالي بشار الأسد، منازل وقطع أراض في الإقليم الكردي لعائلات عربية من خارج ذلك الإقليم. ويعتقد الكثيرون من سكان الإقليم أن تلك الخطوة كانت تهدف إلى استباق أي محاولة للانفصال من جانب الأكراد، بيد أن قرية «علوك» تمثل حالة مختلفة. يقول أحد سكان القرية «لقد عشت في هذه القرية منذ عام 1958. لقد وُلدت فيها وولد فيها أيضا والدي. نحن أهل هذه الأرض، ولسنا منقولات يستخدمها الدخلاء».

وقد جرى الهجوم بالفعل على إحدى نقاط التفتيش التابعة لـ«وحدات حماية الشعب» المتمركزة خارج القرية قبل الهجوم الذي حدث في سبتمبر (أيلول)، ويعتقد مقاتلو «وحدات حماية الشعب» أن يكون رفاق محمد هم الذين قاموا بذلك الهجوم. يعلق عبد الرحمن على ذلك الهجوم قائلا «لقد كانت لديهم معلومات لوجيستية عن نقطة التفتيش، فقد علموا عدد الأشخاص الذين كانوا يقومون بحراسة تلك النقطة. كما أن بعض أصدقاء محمد يكنون مواقف عدائية ضد وحدات حماية الشعب، وقد صرحوا كثيرا بأنه لا ينبغي أن تكون نقطة التفتيش في ذلك الموقع».

في غضون ذلك، لم يشاهد أحد محمد في قرية «علوك» على مدى عدة أسابيع. وعندما استيقظ سكان القرية على أصوات إطلاق النار في الساعات الأولى من صباح الرابع عشر من سبتمبر (أيلول)، أصيب عبد الرحمن بصدمة كبيرة عندما شاهد محمد بين عناصر «جبهة النصرة» التي شنت الهجوم على القرية. يقول عبد الرحمن «لقد رأيته بأم عيني، ولم أصدق ذلك في بداية الأمر، فقد كان أحد أبناء تلك القرية، وله أصدقاء وأبناء عمومة وأقارب كثيرون هنا».

لقد كان هو نفس الشخص الذي عرفه عبد الرحمن على مدى ثلاثين عاما - طويلا، ممشوق القوام، ذا شعر أسود - لكن كان هناك تغيير واحد في صفاته الجسدية، فقد أطلق لحيته على الطريقة الإسلامية، التي يعلق عليها عبد الرحمن بقوله «كان قد أطلق لحيته، لكنه أزال شاربه. لقد غير من شكله كثيرا عندما انضم لجبهة النصرة».

ولم يعرف أحد على وجه الدقة متى ولماذا قرر محمد الانضمام للإسلاميين. يقول بعض المقاتلين الشباب إنه كان يتصل ببعض شباب القرية، محاولا إقناعهم بالانضمام إليه مع وعود بإغداق المال عليهم إذا ما انضموا إليه بالفعل. وتناهى إلى سمع آخرين أنه كان يعمل في محكمة تطبق الشريعة الإسلامية تديرها «جبهة النصرة» في مدينة «رأس العين». بيد أنه لم يشك أحد في أن محمد هو من قام بتنسيق الهجوم الذي شنته «جبهة النصرة» ضد قرية «علوك».

ويصف عبد الرحمن حالة محمد حينما حانت ساعة الهجوم بأنه «بدا فخور ومتباهيا بنفسه لدرجة كبيرة». وخاطب أهل القرية قائلا «لن يستغرق الأمر وقتا طولا، سوف نقوم بتطهير القرية ونطرد منها وحدات حماية الشعب». وأضاف أن «هناك دبابات قادمة للمعاونة».

ولم يمكث أهل القرية في «علوك» حتى يعرفوا ماذا تعني كلمة «تحرير» على طريقة «جبهة النصرة»، فقد فر معظمهم إلى المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في «رأس العين»، ولم يعد الكثير منهم حتى الآن إلى «علوك». وما زالت الآثار التي خلفها هجوم «جبهة النصرة» في الرابع عشر من سبتمبر (أيلول) باقية شاهدة على ذلك الهجوم.

وفي صوت تملؤه الكراهية، يصف «حسن منير الشهاب»، أحد المدرسين العاملين في مدرسة القرية، كيف أطلق الإسلاميون، لدى دخولهم القرية، قذائف دبابتهم التي اخترقت جدران المدرسة قبل خمسة أيام فقط من بداية العام الدراسي الجديد. ويضيف حسن «كان هناك أكثر من ثلاثمائة مقاتل من جبهة النصرة يحاصرون القرية، دخل نحو ثلاثين منهم المدرسة على ظهر إحدى الدبابات». ويعتقد حسن أنهم كانوا يحاولون الاستيلاء على المبنى حتى يستخدموه كثكنة وقاعدة عسكرية في القرية.

وعندما اندلع القتال، فر حسن هاربا من القرية، وعندما عاد اكتشف أن منزله قد جرى تدميره هو الآخر. ممسكا بيده بعض الصور لعائلته التي أرانا إياها وقد بدت عليها علامات الاحتراق، يصف حسن تدمير منزله بقوله «لقد دخلوا منزلي وقاموا بإحراق صور جدي وأولادي». ويمضي حسن قائلا «يقولون إنه من الخطأ وإثم محرم شرعا أن يقوم احد بتعليق صور البشر على الجدران، وفي المقابل لا يعتبرون ما يقومون به من قتل وحرق من الآثام المحرمة شرعا».

ويتشارك حسن وعبد الرحمن في وجهة النظر القائلة بأن الإسلاميين الذين هاجموا قريتهم ليسوا سوريين، بل أجانب. يقول حسن «لقد كانوا مقاتلين من ماليزيا وأفغانستان وباكستان. قالوا إنهم جاءوا هنا ليعلمونا أصول ديننا. لكني أعتقد أنهم ليست لهم علاقة ببلدنا، لقد جاءوا فقط لتدميرها».

استغرق الهجوم على «علوك» خمسة عشر يوما. وبحلول الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، استطاعت «وحدات حماية الشعب» طرد الإسلاميين من القرية، وأعاد حسن فتح المدرسة. يقول حسن «حاولنا إصلاح بعض الفصول حتى يتمكن الطلبة من استئناف الدراسة. وقد أتلف الإسلاميون بعض كتب المدرسة أثناء الهجوم أيضا. وقد عاد نحو نصف طلبة المدرسة إلى أحد المباني حيث تخترق الرياح الثقوب التي أحدثتها قذائف الدبابات وتصدر صفيرا شديدا.

في غضون ذلك، راح الأطفال يمرحون في شوارع «علوك» ويلعبون بطلقات الخرطوش المتناثرة في الطرقات والتي جرى استخدامها أثناء الهجوم، لتبقى تلك الطلقات راسخة في أذهانهم وشاهدة على معركة شرسة جرت على أرض قريتهم.

ويبدو سكان قرية علوك الآن مجمعين على دعمهم لوجود «وحدات حماية الشعب» في قريتهم. ويخبرنا أحد سكان القرية، الذي رفض ذكر اسمه، عن الطريقة التي أحرق بها المقاتلون الإسلاميون منزله انتقاما منه بعد علمهم بأنه ساعد اثنين من مقاتلي «وحدات حماية الشعب» المصابين في الوصول إلى المستشفى وقد تخفوا في ملابس نسائية. يقول هذا الرجل «منذ البداية تجمعنا علاقة جيدة بوحدات حماية الشعب، والآن أنا أثق بهم أكثر من ثقتي بشقيقي، فهم يواجهون الموت من أجل حمايتنا، وبينما نخلد نحن للنوم، يقومون هم بحماية قريتنا».

ومنذ هجوم «جبهة النصرة، انضم كثير من رجال القرية مثل عبد الرحمن ورفاقه إلى الميليشيات الكردية للقتال معهم. يقول عبد الرحمن «انضم الكثير من أهل القرية إلى وحدات حماية الشعب لأننا وجدنا أن ذلك هو السبيل الوحيد لنبقى آمنين». ويرى أهل قرية «علوك» أن الوضع الحالي ليس حربا بين الأكراد والعرب أو حتى صراعا من أجل أو ضد النظام. هم يرون أنه ببساطة صراع من أجل منازلهم وعائلاتهم وأمنهم، وهذا الأخير لا يوفره لهم الوقت الحاضر إلا «وحدات حماية الشعب».

وقد اختفى محمد مع عائلته من قرية علوك، وجرى اتهام أصدقائه بمساعدة «جبهة النصرة» في هجومهم على نقطة التفتيش وجرى القبض علهم وإيداعهم سجون «وحدات حماية الشعب». وعندما طلبنا من المقاتلين إن كان باستطاعتنا مقابلتهم، كان ردهم سريعا وحاسما، قالوا لنا «مستحيل». ولم تكن هناك محاكمات أو اعتراف بالذنب، لكن هنا في قرية «علوك» شُوهت سمعة محمد عزو حلوب وأصبح ذلك أمرا حتميا مثل مصيره المحتوم الذي سيلقاه إذا حدث وعاد للقرية. يقول عبد الرحمن «إذا عاد سوف نذبحه».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.