ندوة منتدى أصيلة الأولى تبحث معوقات اندماج أفريقيا وأعطابه

عدت تعطل اتحاد المغرب العربي من بين أبرز أسبابها

جانب من الندوة الأولى لمنتدى أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة الأولى لمنتدى أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)
TT

ندوة منتدى أصيلة الأولى تبحث معوقات اندماج أفريقيا وأعطابه

جانب من الندوة الأولى لمنتدى أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة الأولى لمنتدى أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)

عد مشاركون في ندوة بأصيلة عدم إشراك الشعوب في اتخاذ القرار، وتعطيل اتحاد المغرب العربي، و«تبخيس الثقافة» من طرف السياسيين، من أبرز الأعطاب والمعوقات التي عانت منها قضية الاندماج الأفريقي.
واستعرضت الندوة مختلف المراحل التي قطعها مشروع الاندماج الأفريقي، منذ إطلاق الفكرة منتصف القرن الماضي من طرف زعماء النضال الوطني من أجل الاستقلال، وظهور تيارين مختلفين حول سبيل تحقيق الهدف المنشود: تيار الدار البيضاء الذي يقوده المغرب والصومال، والذي كان يدعو إلى المضي رأساً صوب تحقيق الوحدة الأفريقية؛ وتيار منروفيا الذي كان يرى أن الوحدة يجب أن تأتي على مراحل، وهو الموقف الذي انتصر وتبنته منظمة الوحدة الأفريقية.
بيد أن هذه المبادرة الأولى أعطت كثيراً من النتائج الإيجابية، وعلى رأسها استكمال استقلال الدول الأفريقية، والقضاء على التمييز العنصري، وإرساء قواعد المجموعات الاقتصادية الإقليمية، إلا أنه عانى من كثير من المعوقات والأعطاب التي جعلت من الاندماج الأفريقي هدفاً بعيد المنال.
وقال جان دو ديو صومدا، الممثل الخاص لرئيس نادي الساحل نائب الرئيس السابق للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، إن تقييم نتائج النسخة الأولى لمنظمة الوحدة الأفريقية جعلت القادة الأفارقة يعيدون النظر في الوسائل والأهداف، ويقررون في 1999 التوجه نحو إنشاء سوق مشتركة في أفق 2025. وأضاف المسؤول الأفريقي السابق: «غير أنني أعتقد أن تحقيق هذا الهدف لن يكون ممكناً. فالطريق إليه الذي يمر عبر تعزيز وتوطيد الاتحادات الاقتصادية الإقليمية التي أنشأت في مختلف مناطق أفريقيا تتخلله كثير من العقبات، ومنها على الخصوص التفاوت الكبير في تطور اندماج هذه الاتحادات الإقليمية»، مشيراً على وجه الخصوص إلى حالة الجمود التي يعرفها اتحاد المغرب العربي.
وأضاف صومدا: «في مارس (آذار) الماضي، قطع القادة الأفارقة خطوة جديدة على طريق تحقيق حلم الاندماج عبر التوقيع على اتفاقية منطقة التجارة الحرة الأفريقية، غير أن هذه الخطوة لم تكتمل بسبب انسحاب نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر (قبل أن تراجع هذه الأخيرة موقفها، وتوقع على الاتفاقية). ونظراً للوزن الاقتصادي لهاتين الدولتين، فإن مشروع منطقة التجارة الحرة الأفريقية ينطلق وهو مثقل بمعوقات جادة».
وتساءل صومدا: لماذا على مدى خمسين سنة والأفارقة يعودون كل مرة إلى نقطة البداية، ومناقشة المواضيع نفسها، وقال: «الجواب هو أن كل هذه المشاريع كانت تقرر من القمة، من دون إشراك القاعدة».
ويشاطر الباحث السياسي النيجيري أوكي أونييكي صومدا الرأي نفسه، ويرى أن سبب انسحاب بلده من اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية التي أبرمت في مارس الماضي راجع إلى طابعها الفوقي، لكن كثيراً من الفعاليات الاقتصادية والمجتمعية في بلده فوجئت بهذه الاتفاقية، وتخوفت من أن تكون لها انعكاسات سلبية عليها.
وأضاف: «لو أشرك الجميع منذ البداية وتم التهيؤ بشكل جيد لما كانت هناك مشكلات»، ودعا الباحث النيجيري الخبير لدى اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لأفريقيا إلى إشراك المجتمع المدني في إعداد القرارات والخطط، كما دعا إلى مراجعة الأبعاد الثقافية والفلسفية والآيديولوجية لمشروع الاندماج الأفريقي.
من جانبه، عبر يوسف العمراني، المكلف بهذه المهمة لدى الديوان الملكي المغربي، عن امتعاضه من واقع اتحاد المغرب العربي، وقال: «وضعية المجموعة الإقليمية التي أعيش فيها تبعث على القلق. فالاتحاد المغاربي خبت جذوته للأسباب التي نعرفها. وبالتالي، فهو راكد لا يتطور ولا يساهم في التقدم وخلق النمو، ولا في تحقيق أهداف وانتظارات القارة الأفريقية في التنمية والرفاهية المشتركة».
ودعا العمراني إلى ضرورة رفع التحديات التي تواجه أفريقيا، وقال إن على الأفارقة أن يحددوا لأنفسهم أهدافاً قوية، وأن تتوفر الإرادة السياسية، مع العمل والتخطيط المشترك، من أجل بلوغها. وبخصوص هدف تحقيق الاندماج، أوضح العمراني أن الوسائل المؤدية لذلك معروفة، وسبق أن طورتها مناطق أخرى في العالم، كالاتحاد الأوروبي، ومنها التقارب في التشريعات والسياسة الجمركية، والتوجه نحو تحقيق سوق مشتركة أفريقية، وقال: «علينا العمل على المدى البعيد من أجل بناء اقتصاد قوي، و بناء دول ديمقراطية تحتل فيها الشفافية والحكامة موقعاً أساسياً لأنه لا يمكن من دونها أن نتقدم، وأن نحقق النمو، ونستجيب لانتظارات ومطالب الشباب».
وأشار العمراني إلى أن العاهل المغربي يتوفر على رؤية رائدة للاندماج الأفريقي، التي وفر لها كل الوسائل للمضي بها قدماً.
بدوره، تأسف أنخيل لوسادا فرنانديز، السفير الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لدى دول الساحل، على واقع جمود اتحاد المغرب العربي، وانعكاساته السلبية على الاندماج القاري والإقليمي، وقال: «هناك مقولة صحراوية تفيد بأن القافلة تسير دائماً بسرعة الجمل الأبطأ سيراً. وفي هذه المنطقة، لدينا جملان: الساحل والاتحاد المغاربي، وهما يسيران بسرعتين متفاوتتين، ولكي نتقدم علينا أن نجد حلاً لهذه المشكلة».
وأضاف لوسادا: «في منطقة الساحل، لدينا كل التحديات التي يمكن تصورها، سياسية واقتصادية وأمنية، لدينا مشكلات الهجرة والتنمية والإرهاب. ومواجهة هذه التحديات تتطلب تحقيق الاندماج وتضافر الجهود والإمكانيات، ونسج الشراكات مع أفريقيا، وأيضاً مع أوروبا»، وأضاف أن هناك مبادرة لم يتحدث عنها أحد «مبادرة أطلقتها خمس دول من منطقة الساحل، التي تعد من أفقر الدول في العالم».
وأوضح لوسادا أن هذه الدول اتحدت في إطار مجموعة 5 الساحل حول مبدأ «الأمن والتنمية»، مشيراً إلى أنها توصلت إلى تحقيق هدف إنشاء جيش مشترك، وهو ما لم يستطع الاتحاد الأوروبي إنجازه.
ودعا لوسادا إلى ضرورة إعادة النظر في الاستراتيجيات والمبادرات الأفريقية باتجاه المزيد من التنسيق والتكامل، وأشار إلى أن المبادرات الاستراتيجية الموجهة حالياً إلى منطقة الساحل وحدها تناهز 17 مبادرة، غير أن العلاقات بين هذه المبادرات يسودها التنافس والتسابق، بدل التكامل والتظاهر والتنسيق.
من جانبه، يرى السفير المصري أحمد حجاج (منظمة الاتحاد الأفريقي) أن مفهومي التكامل والتنسيق يعتبران من المفاتيح الرئيسية للاندماج الأفريقي، وأضاف أن التنسيق والتكامل ضعيف جداً في سياسات الدول الأفريقية في مجال تشجيع الاستثمارات، مشيراً إلى أن كل دولة توجه سياستها لجلب الاستثمارات إلى خارج القارة الأفريقية، بدل استهداف استقطاب الأموال والاستثمارات الأفريقية، الشيء الذي سيعزز الاندماج والتكامل القاري.
وأوصى حجاج بضرورة وضع سياسات أفريقية - أفريقية لتحفيز وضمان الاستثمار، كما أوصى بتشجيع السياحة الأفريقية والتقارب الثقافي عبر ترجمة الكتب والأفلام الأفريقية.
وشدد خالد الشكراوي، الباحث بمعهد الدراسات الأفريقية بالرباط، على أن الاندماج الأفريقي «لا يتم فقط عبر المستويات السياسية والاقتصادية، وإنما أيضاً عبر الثقافات»، مشيراً إلى أن الموسيقى الأفريقية تطرب جميع الأفارقة، سواء من الشمال أو من جنوب القارة، وتجعلهم يرقصون بغض النظر عن لغاتهم وثقافاتهم، وقال: «الثقافي يمكن أن يكون عنصر تقارب واندماج، غير أن السياسي هو الذي يتخذ القرار في نهاية المطاف».
وأضاف الشكراوي أن إشكالية الأفارقة هي الجهل بالذات والآخر، وهو أمر يرتبط بالثقافة، مشيراً إلى أن الأفارقة يجهلون أنفسهم لأنهم يكتشفونها في مرآة صنعت في قارة أخرى، وتابع أن نجاح مشروع الاندماج الأفريقي يتطلب أخذ دور المرأة في المجتمعات الأفريقية بعين الاعتبار، مؤكداً أن المفاوضات والاتفاقيات يبرمها رجال، في حين أن المرأة هي سيدة الموقف داخل الخيمة في كثير من المجتمعات الأفريقية.
كما أكد الشكراوي على أهمية ثقافات مجتمعات المناطق الحدودية، خصوصاً الأحواض المائية المشتركة بين عدة دول أفريقية، التي يمكن أن تكون عامل تقارب واندماج، بدل أن تكون عناصر لتغذية النزاعات والصراعات. والثقافات المناطق الحدودية والأحواض المائية المشتركة بين عدة دول، التي يمكن أن تشكل مجالات للاندماج، بدل الصراع والنزاعات.
ويرى الشاعر والموسيقي ماريو لوسيو سوسا، وزير الثقافة سابقاً في جمهورية الرأس الأخضر، أن «الثقافة هي الموضوع الوحيد الذي يمكن أن ينقد أفريقيا»، مشيراً إلى أن كل مشكلات أفريقيا ناتجة عن حدوث قطيعة تاريخية بسبب الغزو الأوروبي، التي أوقفت مسار القارة الأفريقية وجعلتها تابعة، وقال إن تاريخ أفريقيا قد طمس، وفصل يومها عن أمسها، مشيراً إلى أن التاريخ الحالي لأفريقيا تحكيه قارة أخرى، وفق منظورها، وبلغتها الخاصة.
ودعا لوسيو الأفارقة إلى استرجاع تراثهم الثقافي التاريخي لما قبل المرحلة الاستعمارية، بما في ذلك الطب التقليدي والمعمار والحرف والدين، وقال: «الكثير من الأفارقة لا يعرفون أن أفريقيا أعطت إمبراطورين لروما، و4 باباوات للفاتيكان، لأن التاريخ الذي يحكي لنا عن أفريقيا بدأ قبل قرون فقط مع المرحلة الاستعمارية، في حين أن تاريخنا وثقافتنا تمتد عميقاً إلى 65 ألف سنة».
وختم محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، الندوة بالتأكيد على دور الثقافة في تحقيق الاندماج الأفريقي، وتأسف بن عيسى على وزن الثقافة في السياسات الحكومية، وقال إن المثقف شكل دوماً مصدر قلق بالنسبة للسلطات والسياسيين، باعتباره كثير الأسئلة والتحفظات، وتابع: «عندما أطلقت موسم أصيلة الثقافي في 1978، استدعيت من طرف الشرطة».
وبخصوص الاندماج الأفريقي، أشار بن عيسى إلى أنه يفضل الحديث عن التكامل، بدل الوحدة أو الاتحاد، مشيراً إلى أنه حتى داخل البلد الواحد توجد خصوصيات جهوية، وأن الاختلاف مصدر ثراء وتنوع وغنى، ومصدر تقارب وتعارف وتبادل.



تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.


حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
TT

حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

واصلت قوات «درع الوطن» اليمنية تعزيز حضورها الأمني في ساحل ووادي حضرموت، ضمن تحركات ميدانية واسعة تستهدف ضبط السلاح غير المرخص، وملاحقة محال بيعه، ومنع حمله والتجول به داخل المدن والمناطق السكنية، في إطار مساعٍ متواصلة لترسيخ الاستقرار، وفرض هيبة النظام، وتوسيع مظلة الأمن في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية أهمية على المستويين الأمني والاقتصادي.

تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة أمنية متكاملة تستند إلى الانتشار الميداني، وتكثيف الحملات التفتيشية، ومداهمة المواقع المشبوهة، إلى جانب إحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، في رسالة واضحة بأن السلطات الأمنية ماضية في إنهاء مظاهر التسلح العشوائي، وتجفيف منابع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر.

وفي وادي حضرموت، نفَّذ اللواء الثاني التابع للفرقة الثانية في قوات درع الوطن حملة أمنية واسعة لمنع حمل السلاح غير المرخص ومصادرته بشكل كامل، شملت المدن الرئيسية والثانوية، وذلك بناءً على توجيهات قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء فهد بامؤمن.

قوات «درع الوطن» اليمنية عززت قبضتها الأمنية في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

ووفقاً لما أعلنته قيادة الحملة، فإن الأطقم العسكرية تواصل انتشارها الميداني في مختلف مدن ومناطق الوادي، حيث تنفذ عمليات مداهمة للمحال المخالفة، وتضبط حاملي السلاح غير المرخص، وتصادر المضبوطات، تمهيداً لإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.

وأكدت قيادة الحملة أن الهدف الرئيسي يتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار، وفرض هيبة النظام، وحماية السكان من تداعيات انتشار السلاح داخل الأحياء السكنية، مشددةً على أن حمل السلاح داخل المدن بات يمثل تجاوزاً مرفوضاً وخطاً أحمر لن يكون هناك أي تهاون في التعامل معه، مع تأكيد التعامل بحزم مع كل من يخالف التعليمات أو يحاول الالتفاف عليها.

ملاحقة تجارة السلاح

في امتداد لهذه الحملة، واصل اللواء الخامس في الفرقة الثانية بقيادة العقيد عماد الحدادي تنفيذ عملياته الأمنية في مدينة سيئون، حيث أعلن ضبط ومصادرة عدد من الأسلحة غير المرخصة، وإحالة المضبوطين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

كما كانت الفرقة الثانية، بقيادة مساعد القائد الرائد أحمد الديني، ورئيس عمليات اللواء الثاني المقدم صادق المنهالي، قد نفَّذت حملة أمنية واسعة استهدفت مديريتي القطن وحوره، وشملت مداهمة مواقع مشبوهة، إلى جانب محال تبيع الأسلحة والذخائر بصورة غير قانونية.

وأسفرت تلك الحملة عن مصادرة كميات من الأسلحة والذخائر، وإغلاق عدد من المحال المخالفة التي تمارس تجارة السلاح دون تراخيص، في خطوة تعكس توجهاً أمنياً واضحاً نحو ضرب شبكات الاتجار بالسلاح عند منابعها، وليس فقط الاكتفاء بضبط حامليه في الشوارع والمدن.

إجراءات تفتيش دقيقة لمنع تهريب الأسلحة والذخائر في وادي حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

وأوضحت قيادة الفرقة الثانية أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية محكمة لاجتثاث ظاهرة حمل السلاح العشوائي، والقضاء على أوكار تجار السلاح، ومنع المظاهر المسلحة التي تشكل تهديداً مباشراً لأمن المديريات واستقرارها، مؤكدة استمرار الحملات خلال الأيام المقبلة لملاحقة كل من يعبث بالأمن العام.

وبالتوازي مع هذه الحملات، واصلت الأجهزة الأمنية في وادي حضرموت تعزيز حضورها المؤسسي في مواجهة الجرائم المنظمة والجنائية، حيث أحالت الإدارة العامة للأمن والشرطة 15 متهماً إلى النيابة الجزائية المتخصصة، على ذمة قضايا جنائية جسيمة جرى ضبطها والتحقيق فيها خلال الشهر الحالي والذي سبقه.

وشملت القضايا المحالة ستة متهمين في قضايا مخدرات، وستة آخرين في قضايا اختطاف، إضافة إلى متهمين في قضية تتعلق بالإضرار بالاقتصاد الوطني، إلى جانب مطلوب للنيابة العامة، وذلك بعد استكمال التحقيقات وجمع الاستدلالات، وتسليم ملفات القضايا مع المضبوطات وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.

رفع الجاهزية

في ساحل حضرموت، دشن قائد لواء «الريان» العميد الركن خالد التميمي، الدورة التنشيطية الأولى لمنتسبي اللواء ضمن الخطة التدريبية للعام الحالي، في خطوة تستهدف توحيد المفاهيم العسكرية، وتعزيز الجاهزية والانضباط، ورفع كفاءة الأداء الميداني.

وأكد التميمي خلال افتتاح الدورة أهمية ترسيخ المفاهيم العسكرية الصحيحة، ورفع مستوى الحس الأمني لدى الأفراد، والالتزام بالتفتيش الدقيق للمركبات، واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، بوصفها أدوات أساسية في حفظ الأمن ومنع أي تهديدات محتملة.

كما شدد على أهمية العمل بروح الفريق الواحد، وتعزيز روح الزمالة والانضباط بين الأفراد، بوصف ذلك أحد المرتكزات الأساسية لنجاح الوحدات العسكرية في أداء مهامها بكفاءة ومسؤولية، مع التعهد بمواصلة البرامج التدريبية بما يضمن رفع جاهزية القوات لمواجهة مختلف التحديات.

خفر السواحل اليمني في مبادرة لتنظيف حوض ميناء المكلا (الإعلام العسكري اليمني)

في سياق متصل، نفذت قوات خفر السواحل مبادرة ميدانية لتنظيف حوض ميناء المكلا، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي، بهدف إزالة المخلفات البحرية من قاع الحوض، والحفاظ على البيئة البحرية وصون نظافة السواحل والموانئ.

وأكدت قيادة خفر السواحل أن ما تحقق من تطوير في قدراتها، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية، من خلال تزويدها بزوارق حديثة ومنظومات اتصالات متطورة، أسهم في تعزيز قدرتها على تأمين السواحل وحماية الأمن البحري، إلى جانب توسيع مساهمتها في المبادرات البيئية والخدمية المرتبطة بالمصلحة العامة.

Your Premium trial has ended


تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».