ندوة منتدى أصيلة الأولى تبحث معوقات اندماج أفريقيا وأعطابه

عدت تعطل اتحاد المغرب العربي من بين أبرز أسبابها

جانب من الندوة الأولى لمنتدى أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة الأولى لمنتدى أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)
TT

ندوة منتدى أصيلة الأولى تبحث معوقات اندماج أفريقيا وأعطابه

جانب من الندوة الأولى لمنتدى أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة الأولى لمنتدى أصيلة أمس («الشرق الأوسط»)

عد مشاركون في ندوة بأصيلة عدم إشراك الشعوب في اتخاذ القرار، وتعطيل اتحاد المغرب العربي، و«تبخيس الثقافة» من طرف السياسيين، من أبرز الأعطاب والمعوقات التي عانت منها قضية الاندماج الأفريقي.
واستعرضت الندوة مختلف المراحل التي قطعها مشروع الاندماج الأفريقي، منذ إطلاق الفكرة منتصف القرن الماضي من طرف زعماء النضال الوطني من أجل الاستقلال، وظهور تيارين مختلفين حول سبيل تحقيق الهدف المنشود: تيار الدار البيضاء الذي يقوده المغرب والصومال، والذي كان يدعو إلى المضي رأساً صوب تحقيق الوحدة الأفريقية؛ وتيار منروفيا الذي كان يرى أن الوحدة يجب أن تأتي على مراحل، وهو الموقف الذي انتصر وتبنته منظمة الوحدة الأفريقية.
بيد أن هذه المبادرة الأولى أعطت كثيراً من النتائج الإيجابية، وعلى رأسها استكمال استقلال الدول الأفريقية، والقضاء على التمييز العنصري، وإرساء قواعد المجموعات الاقتصادية الإقليمية، إلا أنه عانى من كثير من المعوقات والأعطاب التي جعلت من الاندماج الأفريقي هدفاً بعيد المنال.
وقال جان دو ديو صومدا، الممثل الخاص لرئيس نادي الساحل نائب الرئيس السابق للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، إن تقييم نتائج النسخة الأولى لمنظمة الوحدة الأفريقية جعلت القادة الأفارقة يعيدون النظر في الوسائل والأهداف، ويقررون في 1999 التوجه نحو إنشاء سوق مشتركة في أفق 2025. وأضاف المسؤول الأفريقي السابق: «غير أنني أعتقد أن تحقيق هذا الهدف لن يكون ممكناً. فالطريق إليه الذي يمر عبر تعزيز وتوطيد الاتحادات الاقتصادية الإقليمية التي أنشأت في مختلف مناطق أفريقيا تتخلله كثير من العقبات، ومنها على الخصوص التفاوت الكبير في تطور اندماج هذه الاتحادات الإقليمية»، مشيراً على وجه الخصوص إلى حالة الجمود التي يعرفها اتحاد المغرب العربي.
وأضاف صومدا: «في مارس (آذار) الماضي، قطع القادة الأفارقة خطوة جديدة على طريق تحقيق حلم الاندماج عبر التوقيع على اتفاقية منطقة التجارة الحرة الأفريقية، غير أن هذه الخطوة لم تكتمل بسبب انسحاب نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر (قبل أن تراجع هذه الأخيرة موقفها، وتوقع على الاتفاقية). ونظراً للوزن الاقتصادي لهاتين الدولتين، فإن مشروع منطقة التجارة الحرة الأفريقية ينطلق وهو مثقل بمعوقات جادة».
وتساءل صومدا: لماذا على مدى خمسين سنة والأفارقة يعودون كل مرة إلى نقطة البداية، ومناقشة المواضيع نفسها، وقال: «الجواب هو أن كل هذه المشاريع كانت تقرر من القمة، من دون إشراك القاعدة».
ويشاطر الباحث السياسي النيجيري أوكي أونييكي صومدا الرأي نفسه، ويرى أن سبب انسحاب بلده من اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية التي أبرمت في مارس الماضي راجع إلى طابعها الفوقي، لكن كثيراً من الفعاليات الاقتصادية والمجتمعية في بلده فوجئت بهذه الاتفاقية، وتخوفت من أن تكون لها انعكاسات سلبية عليها.
وأضاف: «لو أشرك الجميع منذ البداية وتم التهيؤ بشكل جيد لما كانت هناك مشكلات»، ودعا الباحث النيجيري الخبير لدى اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لأفريقيا إلى إشراك المجتمع المدني في إعداد القرارات والخطط، كما دعا إلى مراجعة الأبعاد الثقافية والفلسفية والآيديولوجية لمشروع الاندماج الأفريقي.
من جانبه، عبر يوسف العمراني، المكلف بهذه المهمة لدى الديوان الملكي المغربي، عن امتعاضه من واقع اتحاد المغرب العربي، وقال: «وضعية المجموعة الإقليمية التي أعيش فيها تبعث على القلق. فالاتحاد المغاربي خبت جذوته للأسباب التي نعرفها. وبالتالي، فهو راكد لا يتطور ولا يساهم في التقدم وخلق النمو، ولا في تحقيق أهداف وانتظارات القارة الأفريقية في التنمية والرفاهية المشتركة».
ودعا العمراني إلى ضرورة رفع التحديات التي تواجه أفريقيا، وقال إن على الأفارقة أن يحددوا لأنفسهم أهدافاً قوية، وأن تتوفر الإرادة السياسية، مع العمل والتخطيط المشترك، من أجل بلوغها. وبخصوص هدف تحقيق الاندماج، أوضح العمراني أن الوسائل المؤدية لذلك معروفة، وسبق أن طورتها مناطق أخرى في العالم، كالاتحاد الأوروبي، ومنها التقارب في التشريعات والسياسة الجمركية، والتوجه نحو تحقيق سوق مشتركة أفريقية، وقال: «علينا العمل على المدى البعيد من أجل بناء اقتصاد قوي، و بناء دول ديمقراطية تحتل فيها الشفافية والحكامة موقعاً أساسياً لأنه لا يمكن من دونها أن نتقدم، وأن نحقق النمو، ونستجيب لانتظارات ومطالب الشباب».
وأشار العمراني إلى أن العاهل المغربي يتوفر على رؤية رائدة للاندماج الأفريقي، التي وفر لها كل الوسائل للمضي بها قدماً.
بدوره، تأسف أنخيل لوسادا فرنانديز، السفير الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لدى دول الساحل، على واقع جمود اتحاد المغرب العربي، وانعكاساته السلبية على الاندماج القاري والإقليمي، وقال: «هناك مقولة صحراوية تفيد بأن القافلة تسير دائماً بسرعة الجمل الأبطأ سيراً. وفي هذه المنطقة، لدينا جملان: الساحل والاتحاد المغاربي، وهما يسيران بسرعتين متفاوتتين، ولكي نتقدم علينا أن نجد حلاً لهذه المشكلة».
وأضاف لوسادا: «في منطقة الساحل، لدينا كل التحديات التي يمكن تصورها، سياسية واقتصادية وأمنية، لدينا مشكلات الهجرة والتنمية والإرهاب. ومواجهة هذه التحديات تتطلب تحقيق الاندماج وتضافر الجهود والإمكانيات، ونسج الشراكات مع أفريقيا، وأيضاً مع أوروبا»، وأضاف أن هناك مبادرة لم يتحدث عنها أحد «مبادرة أطلقتها خمس دول من منطقة الساحل، التي تعد من أفقر الدول في العالم».
وأوضح لوسادا أن هذه الدول اتحدت في إطار مجموعة 5 الساحل حول مبدأ «الأمن والتنمية»، مشيراً إلى أنها توصلت إلى تحقيق هدف إنشاء جيش مشترك، وهو ما لم يستطع الاتحاد الأوروبي إنجازه.
ودعا لوسادا إلى ضرورة إعادة النظر في الاستراتيجيات والمبادرات الأفريقية باتجاه المزيد من التنسيق والتكامل، وأشار إلى أن المبادرات الاستراتيجية الموجهة حالياً إلى منطقة الساحل وحدها تناهز 17 مبادرة، غير أن العلاقات بين هذه المبادرات يسودها التنافس والتسابق، بدل التكامل والتظاهر والتنسيق.
من جانبه، يرى السفير المصري أحمد حجاج (منظمة الاتحاد الأفريقي) أن مفهومي التكامل والتنسيق يعتبران من المفاتيح الرئيسية للاندماج الأفريقي، وأضاف أن التنسيق والتكامل ضعيف جداً في سياسات الدول الأفريقية في مجال تشجيع الاستثمارات، مشيراً إلى أن كل دولة توجه سياستها لجلب الاستثمارات إلى خارج القارة الأفريقية، بدل استهداف استقطاب الأموال والاستثمارات الأفريقية، الشيء الذي سيعزز الاندماج والتكامل القاري.
وأوصى حجاج بضرورة وضع سياسات أفريقية - أفريقية لتحفيز وضمان الاستثمار، كما أوصى بتشجيع السياحة الأفريقية والتقارب الثقافي عبر ترجمة الكتب والأفلام الأفريقية.
وشدد خالد الشكراوي، الباحث بمعهد الدراسات الأفريقية بالرباط، على أن الاندماج الأفريقي «لا يتم فقط عبر المستويات السياسية والاقتصادية، وإنما أيضاً عبر الثقافات»، مشيراً إلى أن الموسيقى الأفريقية تطرب جميع الأفارقة، سواء من الشمال أو من جنوب القارة، وتجعلهم يرقصون بغض النظر عن لغاتهم وثقافاتهم، وقال: «الثقافي يمكن أن يكون عنصر تقارب واندماج، غير أن السياسي هو الذي يتخذ القرار في نهاية المطاف».
وأضاف الشكراوي أن إشكالية الأفارقة هي الجهل بالذات والآخر، وهو أمر يرتبط بالثقافة، مشيراً إلى أن الأفارقة يجهلون أنفسهم لأنهم يكتشفونها في مرآة صنعت في قارة أخرى، وتابع أن نجاح مشروع الاندماج الأفريقي يتطلب أخذ دور المرأة في المجتمعات الأفريقية بعين الاعتبار، مؤكداً أن المفاوضات والاتفاقيات يبرمها رجال، في حين أن المرأة هي سيدة الموقف داخل الخيمة في كثير من المجتمعات الأفريقية.
كما أكد الشكراوي على أهمية ثقافات مجتمعات المناطق الحدودية، خصوصاً الأحواض المائية المشتركة بين عدة دول أفريقية، التي يمكن أن تكون عامل تقارب واندماج، بدل أن تكون عناصر لتغذية النزاعات والصراعات. والثقافات المناطق الحدودية والأحواض المائية المشتركة بين عدة دول، التي يمكن أن تشكل مجالات للاندماج، بدل الصراع والنزاعات.
ويرى الشاعر والموسيقي ماريو لوسيو سوسا، وزير الثقافة سابقاً في جمهورية الرأس الأخضر، أن «الثقافة هي الموضوع الوحيد الذي يمكن أن ينقد أفريقيا»، مشيراً إلى أن كل مشكلات أفريقيا ناتجة عن حدوث قطيعة تاريخية بسبب الغزو الأوروبي، التي أوقفت مسار القارة الأفريقية وجعلتها تابعة، وقال إن تاريخ أفريقيا قد طمس، وفصل يومها عن أمسها، مشيراً إلى أن التاريخ الحالي لأفريقيا تحكيه قارة أخرى، وفق منظورها، وبلغتها الخاصة.
ودعا لوسيو الأفارقة إلى استرجاع تراثهم الثقافي التاريخي لما قبل المرحلة الاستعمارية، بما في ذلك الطب التقليدي والمعمار والحرف والدين، وقال: «الكثير من الأفارقة لا يعرفون أن أفريقيا أعطت إمبراطورين لروما، و4 باباوات للفاتيكان، لأن التاريخ الذي يحكي لنا عن أفريقيا بدأ قبل قرون فقط مع المرحلة الاستعمارية، في حين أن تاريخنا وثقافتنا تمتد عميقاً إلى 65 ألف سنة».
وختم محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، الندوة بالتأكيد على دور الثقافة في تحقيق الاندماج الأفريقي، وتأسف بن عيسى على وزن الثقافة في السياسات الحكومية، وقال إن المثقف شكل دوماً مصدر قلق بالنسبة للسلطات والسياسيين، باعتباره كثير الأسئلة والتحفظات، وتابع: «عندما أطلقت موسم أصيلة الثقافي في 1978، استدعيت من طرف الشرطة».
وبخصوص الاندماج الأفريقي، أشار بن عيسى إلى أنه يفضل الحديث عن التكامل، بدل الوحدة أو الاتحاد، مشيراً إلى أنه حتى داخل البلد الواحد توجد خصوصيات جهوية، وأن الاختلاف مصدر ثراء وتنوع وغنى، ومصدر تقارب وتعارف وتبادل.



الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.