عصام محفوظ رائد مسرحي عاش في غير زمانه

من الكتابة التعددية إلى الانطوائية القاتلة

عصام محفوظ
عصام محفوظ
TT

عصام محفوظ رائد مسرحي عاش في غير زمانه

عصام محفوظ
عصام محفوظ

«موسوعي»، «رائد»، «تنويري»، «طليعي»، «مثقف ملتزم»، قل ما شئت عن عصام محفوظ ستجد من يزيد ويشيد.
نادراً ما يحظى المثقفون والكتاب الراحلون بعد موتهم بتقدير من عرفهم والإحساس بأنهم غبنوا في حياتهم ومماتهم، كما حال هذا الكاتب التعددي والشامل في آن. شاعر، مؤسس للكتابة المسرحية، ناقد، مترجم، صحافي، أستاذ جامعي. قام بكل هذه المهمات وكأنه منذور لكل منها. خارج من قيود الطائفية والانتماءات الضيقة، تجريبي حتى الثمالة، تجديدي حد المغامرة. يبدو وكأنما الكلام عن هذا الشاعر الذي تحول إلى رائد الكتابة المسرحية في لبنان باعتراف من جايلوه وأتوا بعده، وكأنه شيء من الإنشاء، وما هو بذلك. فحين نتذكر عصام محفوظ اليوم بعد 12 سنة على غيابه، وننظر إلى الوراء، لنرى كم من الكبار رحلوا وبقيت أماكنهم خلاء ممن يوازيهم أو يبزهم، يظهر المشهد كئيباً جداً. ليس فقط أن الكتابة المسرحية في لبنان تكاد تندثر، بل إن هؤلاء الجادين العميقين الذين تشبعوا التراث وتمثلوا الحداثة في وقت واحد، دون ازدواجية مرضية وتناقضات كاسرة، ينقرضون كالديناصورات.
من مواليد الجنوب اللبناني في بلدة جديدة مرجعيون عام 1939 تعلم في مدارسها، وأكمل في بيروت ومن ثم في «معهد الدراسات العليا» في باريس ليحصل على «دبلوم الدراسات المعمقة». لكن ما يهم من حياة محفوظ ليست شهاداته وإنما نهمه للقراءة، وتلك الثقافة التي جعلت منه صاحب رؤية نفاذة، وقدرة على التنقل بين الكتابات والفنون، وكأنما هو يتجول في حديقته الخاصة.
الشائع أن عصام محفوظ بدأ شاعراً وأنه عام 1967 وبعد الهزيمة النكراء التي تجرعها العرب، شعر كما شعر آخرون أن المرحلة لم يعد يليق بها الشعر، وأنها تحتاج إلى ما يجعله على تواصل مباشر مع الناس، فكتب مسرحيته الأولى «الزنزلخت».
لكن الحقيقة أن محفوظ كتب المسرح منذ الستينات، وأن مسرحيته الشهيرة هذه كان قد كتبها عام 1963 وقدمها في العام الذي يليه إلى منير أبو دبس و«فرقة المسرح الحديث» ليتم إخراجها ووضعها على الخشبة، لكن ذلك لم يتم، ولم يرها المتفرج إلا عام 1968 بإخراج اسم معروف آخر هو برج فازيليان. من هنا أتى الالتباس حول إذا ما كان محفوظ شاعراً ذهب إلى المسرح أو ممسك بالكتابة من أكثر من طرف من بداياته.
وهو نفسه يروي كيف أن طفولته الجنوبية ورؤيته لاحتفالات عاشوراء شكلت بداية وعيه لقيمة العدالة وغذت الغواية البصرية في مخيلته التي ستجعل المسرح شاغله. هذه العدالة التي ستصبح هاجساً يلاحقه طوال حياته حتى صارت تدفع به إلى البحث عن «مثالية تقارب التصوف». ويروي عما كان يشاهد في طفولته: «كنت أقف في احتفال عاشوراء في النبطية، البلدة المجاورة لبلدتي، مذهولاً أمام ما يحدث: أطفال محلوقو شعر الرأس، يتقدمون المحتفلين، وهم يضربون رؤوسهم بالسكاكين أو الخناجر، فيسيل الدم على الوجوه الصغيرة وعلى الثياب البيضاء...» من هذه المشهديات يستنتج محفوظ أن «الحياة تصبح أحيانا أصعب من الموت» وهو تماماً ما يقوله بطله سرحان سرحان في المسرحية الشهيرة ذات العنوان الطويل «لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71؟» التي صدرت سنة 1971. وهي مسرحيته الرابعة التي نشرت بعد «الزنزلخت» ومن ثم «القتل» عام 1968 و«الديكتاتور» عام 1969 و«كارت بلانش» عام 1970 و«11 قضية ضد الحرية» عام 1975 ثم مجموعة مسرحيات قصيرة صدرت معاً عام 1985. وما كان لمحفوظ أن يفكر بكتابة هذه الأعمال بالفصحى، لأن الغرض الأول منها هو مخاطبة الناس بالطريقة الأقرب إلى التأثير بهم والتفاعل معهم، لذلك جاءت جميعها بالمحكية اللبنانية أو ما أسماه «الفصحى الشعبية»، وبعضها أعيد وضعه على الخشبة مرات عدة، وبرؤيا مخرجين مختلفين.
ويختصر هذا الرائد الطموح، صاحب الأحلام الكبار في التغيير مهمته من خلال العمل في المسرح بالقول إن الغاية كانت دائماً بلورة رؤية جديدة للعالم والتعبير عنها بلغة مختلفة، وكان له ما أراد، وهو يحاول أن يصيغ نصوصه بعيداً عن العبارات المنمقة، ومتخففة من الأفكار التي تحنطها.
والبيان رقم 1 الذي أصدره بعد مسرحية «الزنزلخت» بقليل فيه من التفاصيل والوضوح الكافيين لندرك ما الذي كان يريده من نصوصه المسرحية، والنهج الذي اتبعه. فقد اعتبر أنه يخوض بكتابته معركة «ضد الاتفاق، ضد التقليدية، ضد التفاهة، ضد الكسل، ضد اللامسرح، معركة جعلت منها حداً فاصلاً بين النص الأدبي والنص المسرحي». ويقول في المانيفستو الشهير «إنني أولاً وقبل كل شيء ضد الكلمة الشعرية في المسرح، ضد الحذلقة الذهنية، ضد البلاغة، ضد الخطابة، ضد الغنائية، ضد الفكر، ضد كل ما يقتل الحياة في اللغة المسرحية».
هو أديب وناقد فني، تابع بعناية شديدة مسار المسرح اللبناني والعربي، لهذا يؤكد بثقة: «أستطيع أن أحدد أن المسرح السياسي التسجيلي الذي بدأته في مسرحية (القتل) وأنضجته في مسرحية (لماذا) كان الأول من نوعه في العالم العربي قاطبة، فيما يسمى حالياً بالمسرح التسجيلي الذي صار في العالم كله اليوم المسرح البديل عن المسرح القصصي أو السيكولوجي أو الترفيهي».
كل هذه الثقة بالنفس جعلت محفوظ يندفع في كل اتجاه إبداعي تجريبي يقدر عليه، لكنه في الوقت نفسه، أظهر أنه سريع الانسحاب شديد الانطوائية. فبعد أن سكت عن الشعر وانصرف إلى المسرح، جاءت الحرب الأهلية صادمة عام 75، له كما لكثيرين. لكن صاحب «الزنزلخت» كان أكثر هشاشة من رفاق تلك المرحلة. مزاجه الصعب، وطبيعته الانطوائية لم تساعدانه على تخطي المحن. بقدر ما كان متحمساً ومنطلقاً كسهم، بدت الكوابح جامحة. من قمة الازدهار الثقافي الذي عاشته بيروت وجمعته إلى كبار زمنه في أعمال واحدة أشهرها «مجدليون» مع روجيه عساف ونضال الأشقر، وفرق مسرحية أخرى نشطت في ذلك الوقت، إلى قعر المنحدر والشلل في الحرب وسط معارك العبث الأهلي. لم يغب عصام محفوظ بالكامل، بعد أن هجر المسرح، بقيت كتاباته النقدية والفكرية مستمرة، فهو ابن جريدة «النهار» منذ عام 1966 ولأكثر من ثلاثين عاماً بقي حاضراً بترجماته ومقالاته وحواراته. ما كتبه متفرقاً شكل مادة لعشرات الكتب التي عاد وجمعها، وله أربعة كتب لم تكن منشورة صدرت العام الماضي عن دار نلسن.
في البدايات الأولى خاض غمار الحداثة مع جماعة مجلة «شعر» وعن دارها أصدر دواوينه «أشياء ميتة» 1959 وكذلك «أعشاب الصيف» 1961 و«السيف وبرج العذراء» 1963 وجمع قصائد له في ديوان رابع حمل اسماً دالاً هو «الموت الأول» 1975. سوداوياً كان في قصائده، كما سنراه بعد ذلك في مسرحياته المشوبة نصوصها بسخرية سوداء وهي تقارب العبثية وتداعبها. وهو كيفما انتقل في الفنون حمل معه ذاك النفح الوجودي القاتم. كتب عن «الرواية العربية الطليعية»، و«أراغون الشاعر والقضية» و«ورامبو بالأحمر» و«سجالات القرن العشرين الفكرية»، و«السوريالية وتفاعلاتها العربية» وعن جورج شحادة، وجبران، و«مسرحيو القرن العشرين، وعن الرواية العربية، وشعراء القرن العشرين»، ورواد الشعر في لبنان، وأطلق حواراته مع رواد النهضة العربية، ومع المتمردين والملحدين في التراث، ومع ابن عربي، كما كتب في السياسة عن الحرب وعن «الإرهاب بين الإسلام والسلام» وله قصة اسمها «عاشقات بيروت الستينات»، صدرت «دار رياض الريس للنشر» عام 2000.
هل ظلم نفسه عصام محفوظ وهو يجول في الأنواع الأدبية، ويخوض كل ميدان ظاناً أن الحياة هي روافد كثيرة تذهب إلى مصب واحد هو الحياة، وأنه مسؤول كمثقف عن بلورة الرؤية الأوضح لمواطنيه ليكشف لهم الدرب، بصرف النظر عن الوسيلة؟ أم تراه كاتبا كبيرا عاش في غير زمنه ومكانه فنبذ نفسه وانزوى وحيداً، منكباً على أوراقه وأقلامه وكتبه لا ملجأ له غيرها، فعاش مغامراً ومات وحيداً قبل أن يكمل عامه السابع والستين مشلولاً، تاركاً وراءه غصة كبيرة عند أصدقائه، وحيرة حول تلك السيرة الثرية فكراً ونتاجاً والقانعة بذاتها في زمن ما عاد يصلح لغير المهرجين والمروجين؟



«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.