يوم حاسم في المسيرة السياسية لأنجيلا ميركل

أزمة اللجوء تهدد بزعزعة تحالف الديمقراطيين المسيحيين مع شركائهم المسيحيين الاجتماعيين

يوم حاسم في المسيرة السياسية لأنجيلا ميركل
TT

يوم حاسم في المسيرة السياسية لأنجيلا ميركل

يوم حاسم في المسيرة السياسية لأنجيلا ميركل

في أروقة المستشارية الألمانية بالعاصمة برلين يجهد محامون بالبحث عن نصوص دستورية وقانونية تحدد مَن له السلطة العليا في إعطاء أوامر للشرطة: المستشارة أم وزير الداخلية. وعلى بعد أمتار قليلة في مقر وزارة الداخلية محامون يقومون بالمثل. ذلك أن وزير الداخلية هورست زيهوفر الذي له السلطة العليا على الشرطة في ألمانيا، قد هدّد باستخدام صلاحياته لنصب نقاط تفتيش على الحدود لمنع دخول اللاجئين الذين تقدموا بطلبات لجوء في دولة أوروبية أخرى وأولئك الذين رُفضت طلباتهم. أما المستشارة أنجيلا ميركل فقد هددت باستخدام صلاحيتها كرئيسة للحكومة مكلّفة حسب الدستور برسم السياسات العامة للدولة، لوقف هكذا قرار.
زيهوفر، زعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي –حليف حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي– في ولاية بافاريا، يريد خفض عدد اللاجئين في ألمانيا والحد من «الهجرة الثانوية» داخل أوروبا، في حين تريد ميركل الحفاظ على حرية التنقل في الاتحاد الأوروبي، وتخشى أن تبدأ سابقة قد تؤدي إلى إعادة الحدود بين دول الاتحاد الـ28.
الخلاف بين الحليفين «الشقيقين» والشريكين المحافظين في الحكومة الائتلافية تضخّم على مدى الأيام الماضية حتى بات يهدد ليس فقط الحكومة الألمانية الحالية ومستقبل ميركل، بل يهدد أيضاً عموم الخريطة السياسية في ألمانيا.

استغرق تشكيل الحكومة الائتلافية الحالية في ألمانيا قرابة الخمسة أشهر، إلا أنها قبل أن يمضي على عمرها 4 أشهر باتت مهددة بالسقوط.
الخلاف الجديد الذي يلف الحكومة ليس الأول منذ تشكيلها، إلا أنه حتماً الأكثر خطورة. أما السبب وراء اندلاع الخلاف فهو نفسه الذي أخّر عملية تشكيلها وأيضاً الذي أوصل اليمين المتطرف للمرة الأولى إلى البرلمان: اللاجئون.
كثيرون تحدثوا عن فرص ضئيلة باستمرار هذه الحكومة طويلاً بسبب الخلافات التي ظهرت منذ البداية بين أعضائها، خصوصاً بين الحزبين الشقيقين: الاتحاد الديمقراطي المسيحي برئاسة ميركل، والاتحاد الاجتماعي المسيحي البافاري برئاسة زيهوفر.

- أزمة اللجوء
الأخير يعتمد خطاً أكثر تطرفاً تجاه اللاجئين منذ موجة الدخول الكبير عام 2015، فيومذاك انتقد زيهوفر قرار ميركل الأحادي السماح بدخول ما يقارب مليون لاجئ من سوريا، وعبور كثيرين منهم عبر أراضي ولايته بافاريا الواقعة على الحدود مع النمسا. وهدد زيهوفر، في حينه، حتى بإغلاق حدود ولايته أمام اللاجئين بمعزل عن قرار الحكومة الاتحادية.
ومع أن الأمور عادت فهدأت بين الحليفين، فإن التوتر استمر منذ ذلك الحين حول سياسة اللجوء. بل، وفاقمت نتائج الانتخابات التي أجريت خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، التي أظهرت تراجع التأييد للحزبين لصالح حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف الذي يدعو لإعادة كل اللاجئين لبلادهم، «غضب» الحزب البافاري من ميركل. وكان زيهوفر قد دأب على الترويج لـ«خطة كبرى» لاحتواء أزمة اللجوء حتى قبل تسلمه حقيبة الداخلية. وبالفعل، لم تمض أسابيع قليلة على تسلمه الوزارة حتى وضع خطته هذه المؤلفة من 63 نقطة، وافقت ميركل على 62 منها، وبقيت واحدة عالقة... هي تلك التي تتعلق بإغلاق الحدود في وجه بعض اللاجئين. ولم تنفع اللقاءات الطارئة بين الطرفين و«القمم» المصغّرة والموسّعة على صعيد الحزبين في ردم الهوّة حول هذه النقطة.
من ثمّ، إزاء تصلب زيهوفر، لم يعد أمام ميركل إلا الاستنجاد بأوروبا. وهكذا، كسبت على الأقل جولة بإقناع حليفها الداخلي بالتريث لمدة أسبوعين قبل اتخاذ قرار أحادي قد يفرط العقد بينهما.
المهلة تنتهي غداً (الأحد).

- لقاء بروكسل الأوروبي
وبالفعل لم تخذل أوروبا ميركل. فعلى مدى اليومين الماضيين اجتمع القادة الأوروبيون في «العاصمة الأوروبية» بروكسل لبحث ملف الهجرة بشكل رئيسي. وفي الخامسة من فجر أمس (الجمعة)، بتوقيت بروكسل، خرجت ميركل من «اجتماع ماراثوني» طال لأكثر من 12 ساعة، ووقفت أمام الصحافيين مبتسمة وشيء من الارتياح بادٍ على محيّاها. تحدثت عن «تقدم كبير» في النقاش حول الهجرة، إلا أنها اعترفت باستمرار وجود «خلافات كبيرة» بين دول الاتحاد حول الموضوع.
الاجتماع الأوروبي نجح، بالفعل، في تحقيق اختراق، إذ توصل إلى اتفاق حول التعاطي مع اللاجئين غير الشرعيين الواصلين عبر البحر إلى اليونان وإيطاليا، بهدف تخفيف العبء عن هاتين الدولتين. لقد اتفق الزعماء على نقل المهاجرين واللاجئين الذين يتيسر إنقاذهم من البحر، إلى مراكز إيواء سيصار إلى تشييدها في «دول متطوعة» داخل أوروبا، وأيضاً، خارجها، في إشارة إلى إمكانية تشييد مثل هذه المراكز في دول شمال أفريقيا مثل ليبيا وتونس والمغرب ومصر. ومنها، يوزع اللاجئون على الدول الأوروبية.
الحل المقترح أرضى إيطاليا وحكومتها الائتلافية اليمينية المتشددة، التي كانت قد بدأت في الأيام الماضي برفض استقبال بواخر منظمات إنسانية تحمل لاجئين جرى إنقاذهم من البحر، مطالبةً أوروبا بتقاسم عبء اللاجئين.
بيد أن النقطة الأهم التي تؤرّق زيهوفر، وكانت هي الدافع وراء تهديداته بإغلاق الحدود الألمانية أمام بعض اللاجئين، أي «الهجرة الثانوية» -أي التنقل الحر للاجئين المرفوضة طلباتهم داخل أوروبا- لم تَلقَ الكثير من البحث في هذا الاجتماع. ولم يأتِ البيان النهائي على ذكر المشكلة إلا مروراً عابراً، بالقول: «على الدول الأعضاء اتخاذ كل الخطوات الضرورية داخلياً، على صعيد القانون والإدارة، للتصدي لهكذا تحركات والعمل معاً لمواجهة ذلك».

- الكرة في ملعب زيهوفر
مع هذا الاتفاق ازدادت الأسئلة حول ما إذا كانت نتائج القمة ستكون مقبولة لهورست زيهوفر، وكافية لحثه على البقاء في الحكومة... أم أنه سيمضي قدماً بتنفيذ وعده وإعطاء أوامر للشرطة ببدء التفتيش على الحدود.
الكاتب والصحافي الألماني يواخيم فانامه، توقّع في اتصال مع «الشرق الأوسط» أن تحاول ميركل إقناع زيهوفر بأن تقدماً «كافياً» حصل على الصعيد الأوروبي، وأن اهتمامها سينصبّ الآن على الاتفاقات الثنائية مع الدول الأوروبية. في حين يعتبر كريستيان كاستروب، من معهد «برتلسمان شتيفتنغ» أن قرار زيهوفر بتصعيد المواجهة مع ميركل أو القبول بالنتائج التي تحملها معها من بروكسل، سيكون قراراً «سياسياً». ويوضح في اتصال مع «الشرق الأوسط» أنه «مهما حملت ميركل معها من قرارات أوروبية، يمكن أن يقول زيهوفر إنها غير كافية. وفي النهاية القرار سياسي، وعلى حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي أن يقرّر ما إذا كان يريد البقاء مع الاتحاد الديمقراطي المسيحي أم ينفصل عنه». ولكن هذه «المغامرة» تبدو غير منطقية بالنسبة إلى الكثيرين. إذ إنه لا وجود للحزب البافاري إلا في ولاية بافاريا، حيث لا ينافسه الديمقراطيون المسيحيون بموجب اتفاق قديم بين الطرفين. ومن ثم، فأي «طلاق» بينهما قد يعني أن حظوظ الحزب البافاري بالمشاركة في الحكومات الفيدرالية المقبلة ستغدو محدودة. ويتابع كاستروب تحليله للموضوع: «أنا لا أفهم حقيقةً لماذا اختار زيهوفر أن يصعد الأمر بهذه الطريقة، إنه بهذا يخوض مجازفة ضخمة، وقد لا تكون استراتيجية ناجحة».

- اعتبارات انتخابية محلية
حقيقة الأمر أن ما يحاول زيهوفر فعله، هو إبعاد حزبه عن سياسات ميركل «الصديقة» للمهاجرين. فهو مقبل على انتخابات محلية في بافاريا في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، واستطلاعات الرأي تشير إلى تراجع الاجتماعيين المسيحيين بشكل كبير مقابل تقدّم حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف والمعادي للهجرة، على حسابهم. وبالتالي، إذا فشل الاجتماعيون المسيحيون في الفوز بأغلبية مريحة تسمح لهم بالحكم منفردين في بافاريا، فستكون هذه ضربة موجعة لحزب اعتاد على الحكم منفرداً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. في المقابل، ليس مؤكداً أو مضموناً أن هذا الخلاف الذي أثاره زيهوفر مع ميركل سيترك أصداء إيجابية لدى ناخبي حزبه. إذ أظهر استطلاع للرأي نشرته مجلة «دير شبيغل» قبل يومين من انعقاد القمة الأوروبية، تراجع التأييد للحزبين المحافظين الألمانيين الحليفين إلى أدنى من 30، ووصلت نسبة تأييد الاجتماعيين المسيحيين في معقلهم بافاريا فقط إلى 40%، وهذه نسبة لن تسمح لحزبهم بالحكم منفرداً. يواخيم فانامه يرى أن أي قرار أحادي يتخذه زيهوفر الآن بإعادة نقاط تفتيش على الحدود سيدفع بميركل إلى إقالته، وهذا سيعني انسحاب حزبه من الائتلاف الحكومي وخطر نشوء «نظام سياسي جديد في ألمانيا». ويرى الكاتب المتخصص في الشؤون الأوروبية أن إقالة زيهوفر قد لا تعني بالضرورة «نهاية ميركل... على الأقل ليست نهاية فورية». ويتوقع أن تنجح ميركل في ضم حزب «الخضر» البيئي المعارض إلى حكومتها بشروط، شارحاً: «ستكون لديها خيارات بعد إقالة زيهوفر مثل إدخال (الخضر) إلى الحكومة بدلاً من (الاجتماعيين المسيحيين)، ولكن سيكون ذلك بشرط استقالتها في مرحلة ما، ربما، في العام المقبل«.

- سيناريوهات محتملة
من جهته، يحذر كاستروب من «سيناريو أكثر سوداوية» لألمانيا في حال انفرط العقد التاريخي بين حزبي ميركل وزيهوفر، قائلاً: «إذا كسب التفكير المنطقي فإن الحكومة الحالية يمكن أن تبقى في الحكم كما هي، ولكن الأمر المقلق أن الحكومات الائتلافية في المستقبل ستكون أضعف. وفي وقت من الأوقات أعتقد أن ألمانيا ستشهد تغيرات جذرية على مشهد الأحزاب السياسية كما حصل في فرنسا، مع ظهور حزب ماكرون من لا شيء. وأعني أن نشهد ظهور حزب يقف في الوسط وهذا سيكون جيداً لأنه يعني أننا لن نسمح لليمين المتطرف بأن يسيطر على المشهد السياسي»، غير أنه يتابع محذّراً «... ولكن الخطر يكمن في أن الأحزاب اليمينية المحافظة ستجنح أكثر نحو اليمين، كما يحصل الآن مع الحزب الاجتماعي المسيحي البافاري لردم الهوّة مع اليمين المتطرف وإعادة كسب الأصوات... هذه استراتيجية خطيرة لأنها تؤدي إلى خسارة الأصوات الوسطية». ويستطرد كاستروب قائلاً: «قد يكون أمراً جيداً أن تنقسم الأحزاب وتظهر أحزاب وسطية جديدة... لكن الخطر سيتمثل في زوال الأحزاب الوسطية لصالح الأحزاب اليمنية المتطرفة واليسارية المتطرفة كما حصل في إيطاليا».
المفارقة الآن هي أن هذه الأزمة «المفتعلة» حول اللجوء واللاجئين تأتي في وقت انخفضت فيه أعداد الذين يعبرون إلى أوروبا بطريقة غير شرعية بنسبة 95%، حسب بيان القادة الأوروبيين بعد اجتماعهم، أمس. ويعود الأمر بشكل أساسي لاتفاق أبرمته دول الاتحاد مع تركيا لوقف نشاط المهرّبين تتلقى بنتيجته أنقرة 6 مليارات يورو، صُرف منها 3 مليارات وأقرّ القادة الأوروبيون صرف الـ3 مليارات المتبقية في اجتماعهم الأخير.

- تفاهمات... عبر المتوسط
والآن، يبحث قادة أوروبا عن اتفاقات مشابهة لعقدها مع دول شمال أفريقيا، خصوصاً ليبيا التي تنشط فيها حركة التهريب على أيدي ميليشيات مستفيدة من الفوضى هناك. وكانت الحكومة الإيطالية قد قدّمت، بالفعل، حوافز مالية لبعض الميليشيات التي تنشط في تهريب اللاجئين في ليبيا، مقابل وقف عملياتها. غير أن التخوف من انعدام وجود سلطة قوية في طرابلس، واستمرار الفوضى في البلاد، يعنيان أن الاتحاد الأوروبي قد لا يجد شريكاً فعالاً في ليبيا لتنفيذ الخطة معه، كما حصل مع تركيا.
وهنا يرى الكاتب كاستروب أن من بين الدول المطروحة لإبرام اتفاقات ثنائية معها شبيه بالاتفاق التركي، فإن ليبيا تعد الحلقة الأضعف. ويفصّل شارحاً: «كانت أوروبا تدفع الملايين للقذافي كي يوقف الهجرة غير الشرعية إليها، ولكن بعد قتله تحولت ليبيا إلى (دولة فاشلة) لا يوجد شريك قوي للحوار معه».
من ناحية ثانية، الاقتراحات القاضية بتشييد مراكز لإيواء طالبي اللجوء، تلاقي معارضة شديدة من منظمات حقوق الإنسان التي تعدها مراكز «غير إنسانية». ولقد علّقت منظمة «برو أزيل» على بيان قادة أوروبا بالقول: «هذه قمة اللا إنسانية، تعذيب وملاحقة بشر في أوروبا بهذا الشكل غير إنساني. قادة الدول الأوروبية يفتقرون إلى التعاطف مع الملاحَقين. داخل وخارج أوروبا هناك الآن مخيمات يأس». وكان ظهور شريط فيديو نهاية العام الماضي، لمهاجرين أفارقة يباعون في مزاد علني كعبيد في ليبيا، قد تسبب في صدمة وموجة إدانات دولية. وقبل أيام، رفضت سفينة إنقاذ تابعة لمنظمة إنسانية ألمانية أوامر خفر السواحل الإيطالية بتسليم مئات المهاجرين الذين أنقذتهم إلى خفر السواحل الليبية بسبب الخوف من انتهاكات بحقهم.
ومن بين النقاط الأوروبية التي تم التوافق عليها أيضاً، مواجهة أكثر صرامة لمهربي البشر عبر زيادة التمويل لـ«فرونتكس»، وهي الوكالة الأوروبية المكلفة تأمين حدود القارة. إلا أن كاستروب يشك أيضاً في مدى فاعلية ذلك، ويقول: إن وقف المهربين «يتطلب ملاحقة المسؤولين عنهم، الذين يجلسون عادةً في مكاتب في لندن وباريس ويعطون الأوامر للميليشيات الموجودة على الأرض». ويعتبر أن ملاحقة هؤلاء «معقدة»، الاتحاد الأوروبي «ليس جاهزاً بعد» لمواجهتهم بسبب ضعف أدواته المحلية.

- لا تغيير عند المتطرفين
مع هذا، فإن كل هذه النقاط التي خرجت بها القمة الأوروبية، لم تكن كافية لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، الذي خرجت زعيمة كتلته النيابية أليس فيدل، لتنتقد البيان الأوروبي، قائلة إن القرارات «نصف ناضجة». وأضافت: «تأمين الحدود من قبل (فرونتكس) بشكل جدّي لن يبدأ قبل عام 2020، ما يعني أن هذا سيترك باب الاتحاد الأوروبي مفتوحاً كباب حظيرة للعامين المقبلين». وكان الاتحاد الأوروبي قد أقر خطة لزيادة الدعم لـ«فرونتكس» ليصل عدد موظفيها إلى 1000 بحلول عام 2020.
فهل يقبل زيهوفر بـ«الحلول الوسط»، كما وصفها حزب «البديل لألمانيا» أم أنه سينفّذ تهديداته بالتصرف أحادياً ونصب نقاط تفتيش على الحدود؟
الإجابة ستعرفها ميركل، غداً (الأحد)، بكل تأكيد بعد أن تنتهي من مناقشة ما توصلت إليه في أوروبا، وتحاول إقناعه بأن المزيد من الاتفاقيات لتحويل أوروبا إلى «حصن منيع» في وجه اللاجئين... آتٍ. ومن ثم، فغداً (الأحد)، قد يكون اليوم الأهم في حياة ميركل السياسية حتى الآن.

- التسلسل الزمني لأزمة اللجوء
أغسطس (آب) 2015: ميركل تعلن فتح أبوابها أمام اللاجئين السوريين الهاربين من الحرب، وبدء تدفق مئات الآلاف عبر الحدود البرّية من النمسا والدخول إلى ألمانيا عبر بافاريا.
أكتوبر 2015: دخول نحو مليون لاجئ سوري إلى ألمانيا، وهورست زيهوفر -رئيس حكومة بافاريا آنذاك- يهدّد بتصرف أحادي وبإغلاق الحدود في ولايته أمام اللاجئين لـ«حماية أمن» بافاريا، وميركل تحذّره.
24 سبتمبر 2017: الانتخابات النيابية الألمانية تُظهر تراجع تحالف الحزبين المحافظين الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، ودخول حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف البرلمان الألماني للمرة الأولى.
4 مارس (آذار) 2018: ميركل تعلن عن نجاحها في تشكيل ائتلاف حكومي بين حزبها الاتحاد الديمقراطي المسيحي الديمقراطي وحليفه التقليدي في ولاية بافاريا الاتحاد الاجتماعي المسيحي، مع أكبر أحزاب المعارضة الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي). وهورست زيهوفر يتسلم حقيبة وزارة الداخلية، بعد تصريحات أدلى بها سبقت تسميته تحدث فيها عن «خطة كبرى» لاحتواء أزمة اللجوء.
16 مارس 2018: أول خلاف علني بين ميركل وزيهوفر بعد أيام على تشكيل الحكومة بسبب تصريحات للأخير قال فيها إن «الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا»، ورد ميركل بنفسها على التصريحات وتؤكد أن الإسلام بات جزءاً من بلادها.
11 يونيو (حزيران) 2018: زيهوفر يقدم لميركل «الخطة الكبرى» لاحتواء أزمة اللجوء وتضم 63 نقطة، وافقت ميركل عليها كلها باستثناء نقطة واحدة تشير إلى إغلاق الحدود أمام لاجئين سبق أن رُفضت طلباتهم أو تقدموا بطلبات في دولة أوروبية أخرى. وزيهوفر يلغي مؤتمراً صحافياً كان مجدولاً لليوم التالي كان من المفترض أن يعرض فيه «خطته الكبرى» حول اللاجئين.
14 يونيو 2018: جلسة نقاش طويلة امتدت طوال ساعات الليل بين زيهوفر وميركل لم تؤدِّ إلى نتيجة. خرج بعدها زيهوفر ليؤكد تمسكه بنشر الشرطة على الحدود وخرجت ميركل لتعلن رفضها الأمر بحجة أنه يهدد «اتفاقية شينغن» في التنقل الحر.
17 يونيو 2018: تفاقم الخلاف بين ميركل وزيهوفر، وقمة طارئة بين الطرفين تفشل في حل العقدة، إلا أنها تنتهي بموافقة زيهوفر على إمهال ميركل أسبوعين لمحاولة التوصل إلى حل على مستوى أوروبا.
28 و29 يونيو 2018: انعقاد القمة الأوروبية في بروكسل، وبحث حل أوروبي لأزمة اللجوء، وإمكانية إدخال تعديلات على «اتفاقية دبلن» التي تحدد مسؤولية الدول عن البت في طلبات اللجوء.
1 يوليو (تموز) 2018:
لقاء مرتقب بين ميركل وزيهوفر لبحث نتائج القمة الأوروبية، واتخاذ قرار حول الخطوات المقبلة ومصير التحالف بين حزبيهما في ألمانيا.

- أسماء متداولة لخلافة ميركل
> آنيغريت كرامب كارنباور: متعارفٌ عليه أنها خيار ميركل لخلافتها، إلا أنها غير معروفة كثيراً على الصعيد الوطني. تشغل حالياً منصب الأمين العام للحزب المسيحي الديمقراطي، وتؤيد سياسة ميركل المتسامحة تجاه اللاجئين.
> فولكر بوفيير: رئيس حكومة ولاية هيسه (تضمن مدينة فرانكفورت) ويعد ضمن الدائرة المقربة من ميركل. كان ضمن فريق من 15 شخصاً من الاتحاد المسيحي الديمقراطي شاركوا ميركل في مفاوضات تشكيل الحكومة.
> فولفغانغ شوبيله: رئيس البرلمان الاتحادي (الفيدرالي) منذ 2017: سياسي مخضرم يبلغ من العمر 75 سنة، وتسلم حقيبتي الداخلية والمالية في حكومات ميركل السابقة. يعد من الأوفياء لميركل، لكنه أيضاً ينتقد سياستها المتعلقة باللجوء.
> ينس سبان: وزير الصحة في الحكومة الحالية، ويعد من أصغر منافسي ميركل، إذ يبلغ من العمر 38 سنة. يقف على يمين ميركل في رؤيته الاجتماعية المتعلقة باللاجئين.
> أورسولا فون در ليين: وزيرة الدفاع منذ 2013، وهي أول امرأة تتولى المنصب. الوزيرة الوحيدة التي خدمت في كل الحكومات التي شكّلتها ميركل منذ 2005. كان اسمها مطروحاً بقوة لخلافة ميركل ولكنها رُشّحت أخيراً لمنصب أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».
> يوليا كلوكنر: وزيرة الزراعة في الحكومة الحالية. أخيراً بدأ يُطرح اسمها كخليفة محتملة لميركل. تدعو لسياسة لجوء أكثر تشدداً لكنها تحرص على عدم الظهور بمظهر المنتقد لسياسات المستشارة.
> بيتر ألتماير: وزير الاقتصاد، ويُنظر إليه على أنه من أقرب المستشارين لميركل. معروف بدبلوماسيته وقدرته على التموضع في الوسط.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.