«إخوان مصر» بلا أنياب بعد 5 سنوات «خلف القضبان»

حراك «الجماعة» توقف... وأذرعها المُسلحة تآكلت... ومصادر دعمها جُففت

«إخوان مصر» بلا أنياب بعد 5 سنوات «خلف القضبان»
TT

«إخوان مصر» بلا أنياب بعد 5 سنوات «خلف القضبان»

«إخوان مصر» بلا أنياب بعد 5 سنوات «خلف القضبان»

أين جماعة «الإخوان» الآن بعد 5 سنوات من إطاحتها من السلطة في مصر؟ وماذا تفعل قياداتها الهاربة والباقية خارج السجون؟ ماذا عن حراكهم السياسي في الشارع؟
أسئلة وجهناها إلى متابعين متخصصين في شؤون الحركات الإسلامية في مصر بمناسبة الذكرى الخامسة لـ«ثورة 30 يونيو (حزيران)»، التي أطاحت بحكم جماعة «الإخوان» المُصنفة اليوم تنظيماً إرهابياً في مصر. والتقت الإجابات على اعتبار أن «الجماعة باتت بلا أنياب» وعلى أن «بنيتها التكوينية تنهار». ومن جهة ثانية، قال أحد الخبراء الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، إن «جهود الجماعة الآن ترتكز على رعاية السجناء وأسرهم ومحاولة إشاعة حالة من اليأس لدى المصريين».

أعلنت الحكومة المصرية جماعة «الإخوان المسلمين» تنظيماً إرهابياً في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2013، ومن ثم لم يعد لها مقر للقيادة، وصارت جميع مقراتها تخضع للحكومة. كذلك قضت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة خلال العام نفسه بحظر جميع أنشطة «الإخوان»، وأي مؤسسة متفرعة عنها أو تابعة لها، أو تتلقى منها دعماً مالياً.
من جهة أخرى، تقبع غالبية قيادات «الإخوان» راهناً داخل السجون، بينهم الرئيس المعزول محمد مرسي، والمرشد العام محمد بديع، ونائباه خيرت الشاطر ورشاد البيومي، والقياديان البارزان محمد البلتاجي وعصام العريان، والآلاف من الأعضاء. بيد أن الجماعة، تسعى بعد 5 سنوات «خلف القضبان» للتماسك والعودة إلى المشهد السياسي عبر «مُبادرات صلح» مثيرة للجدل، كما تهدف إلى لم شتاتها، عقب إزاحتها من السلطة، إثر مظاهرات حاشدة ضد حكم مرسي. أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «لم يؤثر حدث في الإخوان كما أثرت ثورة 30 يونيو التي خلعتهم من الحكم، وكان من ضمن هذا الخروج تشظي الجماعة، ولم تقف الأحداث عند هذا الحد؛ بل تجاوز الخلاف حول جملة المقولات التأسيسية للجماعة، لتغيير شكل الجماعة التي كنا نعرفها قبل 30 يونيو عام 2013 ومع ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011».
وتابع بان شرحه: «هناك انهيار في البنية التكوينية للجماعة. إذ إنها تشظت إلى 3 مجموعات؛ الأولى مجموعة ما زالت تحلم باستعادة شكل الجماعة القديم، كجماعة شاملة تعمل في الدعوة والسياسة والتجارة، وتناوش من وقت لآخر للوصول إلى الحكم كلما سمحت الظروف بذلك. ومجموعة ثانية راهنت على فكرة العنف واقتربت من تنظيمات متطرفة مثل (داعش) لتنفيذ ذلك، وظهر هذا بقوة مع مجموعة القيادي الإخواني محمد كمال (مؤسس الجناح المسلح للجماعة ولجانها النوعية. ولقد قتل كمال في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2016)، وتعد حركة حسم أحد إفرازات العنف. فضلاً عن مجموعة ثالثة لا ترى خيراً في المجموعتين السابقتين، وترى أن الجماعة يجب أن تُحل».
ما يستحق الإشارة أنه عقب وصول الجماعة إلى الحكم وخروجها منه، كانت هناك أجنحة لم تقبل هذا الخروج، وبالتالي، ظهرت مجموعة «العمليات النوعية» بقيادة محمد كمال، وظهرت أيضاً في ذلك الحين «حسم». وسبق أن رفع شعار «حسم» مجموعات تابعة للجان نوعية تشكلت من شباب الجماعة بعد فض اعتصامين لأنصار الجماعة في ميداني «رابعة العدوية» بضاحية مدينة نصر شرق القاهرة، و«النهضة» في الجيزة بغرب القاهرة خلال أغسطس (آب) عام 2013.
ولفت بان، إلى أن «جهود الجماعة الآن تركز على رعاية السجناء وأسرهم، ومحاولة إشاعة حالة من اليأس لدى المصريين، واللعب على ورقة الأسعار والرهان عليها، فـ(الإخوان) الآن في دائرتي الانتظار و(الكمون) لانطلاقة جديدة».

- جبهتا كمال وعزت
من جانبه، قال صلاح الدين حسن، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إنه في الوقت الراهن فإن وضع الجماعة «غير معروف للباحثين والمتابعين لشأنها الهيكلي التنظيمي الحالي، وغير معروف من هو مرشد الجماعة أو القائم بأعمالها، وغير معروف مجلس الشورى الجديد لها، وذلك لأن غالبية مجلس الشورى القديم في السجون». وتابع: «بطبيعة العقل التنظيمي للجماعة تحاول كل فترة تكوين مكاتب إدارية في محافظات مصر أو مكتب تنفيذي يحل محل مكتب الإرشاد، لكن الأمن وجه ضربات لهذه الهياكل الجديدة، فالجماعة في حالة (هرجلة تنظيمية) داخل مصر، وتعرّضت بعد 30 يونيو وظهور التنظيمات المسلحة إلى حالة من الانشطار. هناك مَن كان يؤيد فكرة العنف مثل محمد كمال، وهناك جبهة محمود عزت، نائب المرشد (هارب) التي كانت على خلاف كبير مع جبهة كمال، واتهمته بأنه يحاول السيطرة على الجماعة ويسعى لأن يكون المرشد الجديد ما أدى إلى إضعاف الجماعة، فضلاً عن مساعٍ من جبهة كمال للاستحواذ على نسبة كبيرة من عناصر الإخوان، مثل الادعاء بأن 70 في المائة من عناصر الجماعة انحازت لجبهة كمال».
وفي حين يشير مراقبون إلى أن «القاسم المشترك بين الجبهتين (كمال وعزّت) أن قياداتهما هاربون للخارج، ويقيمون ما بين تركيا وقطر ودول أوروبا مثل بريطانيا والنمسا»، يلفت صلاح الدين حسن إلى أن التنظيمات المنبثقة عن «الإخوان» الآن تعرضت لضربات شديدة استفادت منها جبهة عزت. وبالتالي، تحاول مع وجود أجهزة مخابرات خارجية السيطرة على عمليات العنف داخل مصر، لماذا؟ لأن لديها وجهة نظر أن الاستمرار في القتال المسلح سوف يقضي على «الإخوان» إيماناً منها ببقاء التنظيم في المشهد... لكن الجماعة تعاني من «الهرجلة» في الداخل والخارج، واعتمدت على إحداث نوع من الصخب والمعارضة، حتى لا تتعالى صيحات النقد لقيادات الجماعة التي تسببت في إلقاء قيادات الصف الأول والشباب في السجون بسبب الصدام مع الدولة المصرية.
ويستطرد حسن في شرحه قائلاً إن الجماعة «تحاول الآن الخروج من (النفق المظلم)، وليس لديها الآن مجال للدخول في مفاوضات مع الدولة، لأن السلطات المصرية تشترط أن تكون المفاوضات من دون شروط. والجماعة إلى وقت قريب كانت ترفض ذلك، إلا أنها وافقت أخيراً على ذلك، لكن مصر لا تريد أن تعتبرهم جزءاً من الوطن، بل تريد أن يعودوا مواطنين شرفاء».
وعقب «30 يونيو» وما تلا ذلك من أحداث تراجعت جماعة الإخوان خطوة إلى الخلف لتعمل من داخل «تحالف دعم الشرعية» وتحت مظلته، لكسر عزلتها الشعبية حينها، والتأكيد على وجود انقسام بين القوى السياسية في البلاد حول حقيقة ما جرى في يوليو (تموز) بعد عزل مرسي، لكن سرعان ما فشل هذا التحالف.

- قيادات الجماعة
وعن قيادات الجماعة الباقية، قال أحمد بان إن «جبهة محمود عزت ما زالت موجودة ككتلة لا يتجاوز عددها 15 في المائة من الصف الإخواني، فضلاً عن القيادات التي سيطرت على مكاتب الإخوان في ربوع مصر». وهنا يشير حسن إلى أن «مكان محمود عزت غير معروف، والبعض يقول إنه في تركيا... وهناك قيادات لم تكن معروفة إعلامياً وكانت في المكاتب الإدارية بالمحافظات في الصفوف الثالثة والرابعة وهي الموجودة الآن، والأمن نجح في تفكيك هذه المكاتب»، لافتاً إلى أن جموع الإخوان خارج السجون يمارسون حياتهم الطبيعية وفي حالة «كمون» كبير، وبعضهم يسعى لتوفير نفقاته الأسرية، والبعض الآخر يحاول الاستجابة لأوامر قياداته ويتعرضون للتوقيف والسجن.

- إعلام الخارج
وحول الإعلام الإخواني في الخارج، قال صلاح الدين حسن: «بعد هروب عدد كبير من الإخوان للخارج، فكرت الجماعة في إنشاء فضائيات، لكنها واجهت الإغلاق بسبب المعاناة المالية، وبعض القنوات مثل (الشرق) اشتراها أيمن نور وتعتمد على خطاب إعلامي متطرّف، وتعاني من أزمات مالية. وبالمناسبة الجماعة تدّعي أنها لا تمتلك هذه القنوات مباشرة، وتعتمد فقط على فضائيات ومواقع تحتضن خطابها فقط، وترى الجماعة في هذا الصدد أنها ليست في حاجة لأن تمتلك قنوات إعلامية حتى لا تتحمل مواردها الكثيرة».
أما أحمد بان فيتهم الإعلام الإخواني في الخارج بأنه «عبارة عن مساحة للارتزاق، فهم مجموعات خرجت من مصر ولم يعد لديها ما تخسره، ومتمسكة به عبر هذه المعارضة العابرة للحدود». ويشار هنا إلى أنه طيلة الوقت كانت «الإخوان» لا تمتلك وسائل إعلامية بشكل مباشر، حتى قبل «25 يناير»، ما دام أن هناك من يستطيع تبني خطابها الإعلامي.
وقبل أيام أدرجت محكمة مصرية إعلاميين موالين لـ«الإخوان» مقيمين خارج مصر؛ هم معتز مطر ومحمد ناصر وحمزة زوبع ووجدي غنيم على قوائم التنظيمات الإرهابية... واتهمتهم المحكمة بتشكيل «جناح تنظيمي» للجماعة عبر حركة «حسم» يتكون من 3 لجان؛ الأولى تضطلع بمسؤولية العمل النوعي المسلح داخل البلاد، والإشراف على مجموعات الرصد وجمع المعلومات وإعداد وتصنيع العبوات الناسفة، وأساليب الاغتيالات وحرب المدن ومجموعات التنفيذ. والثانية اللجنة المالية التي تتولى الدعم المالي واللوجيستى لعناصر التنظيم. والثالثة اللجنة الإعلامية التي تتولى التغطية الإعلامية للتنظيم وتشكيل خلايا لجان إعلامية وإلكترونية تعمل بشكل فردي سرّي تلافياً للرصد الأمني، وتضطلع بنشر الأخبار الكاذبة والمغلوطة لإثارة وتحريض المصريين على التجمهر.

- النصر على «حسم»
في سياق موازٍ، خلال فبراير (شباط) الماضي، أدرجت الولايات المتحدة الأميركية حركتي «حسم» و«لواء الثورة» على قائمة المنظمات الإرهابية... وسبق هذه الخطوة قرار بريطاني في ديسمبر الماضي بإدراج الحركتين على قائمة الإرهاب، وهو القرار الذي أرجعته بريطانيا لثبوت إدانتهما بالاعتداء على أفراد الأمن المصريين والشخصيات العامة.
وكانت حركة «لواء الثورة» قد أعلنت عن ظهورها الأول في مصر خلال أغسطس 2016، عقب تبنيها الهجوم على كمين العجيزي في مدينة السادات بمحافظة المنوفية في دلتا مصر... وتحت شعار على هيئة رشيش «كلاشنيكوف» متبوعاً بعبارة «بسواعدنا نحمي ثورتنا»، أعلنت الحركة عن نفسها في يناير عام 2014. وعلى الرغم من أن «حسم» وصفت نفسها في البداية بأنها «حركة ثورية» تهدف إلى استعادة روح ثورة 25 يناير، فإنها سرعان ما تحوّلت إلى حركة دموية، وعدلت عن رؤيتها وتبنت أعمالاً تخريبية وعمليات اغتيال.
ويقول مراقبون متابعون إن جماعة «الإخوان» كانت قد اعتمدت منذ نشأتها على التنظيمات السرية للتخلص من خصومها... و«حسم» و«لواء الثورة» محاولتان من «التنظيم الخاص» لـ«الإخوان» لمحاربة مؤسسات الدولة في مصر وضباط الشرطة والجيش.
من جهته، قال عمرو عبد المنعم، المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك فارقاً بين «لواء الثورة» و«حسم»... فـ«لواء الثورة» كانت تستهدف رجال السلطة القضائية كرد فعل على الأحكام التي تصدر بحق قيادات الجماعة خصوصاً الهاربين في الخارج، فضلاً عن شنها عمليات انتقامية من بعض أمناء الشرطة، وعناصرها درسوا كتاب «دليل المقاومة» واعتمدوا على «البلاغات الكاذبة» لإرباك السلطات وإثارة الانفلات الأمني.
أما عن «حسم»، فقال أحمد بان إنه «بالنظر إلى المفردات التي استخدمتها الحركة في بدايتها، فإنها لم تخرج عن نطاق تعابير مثل (الثورة والثأر). وكان يبدو أنها لا تنتمي للتنظيمات المتشددة الأخرى التي تنادي بتطبيق الشريعة كـ(ولاية سيناء) مثلاً، فخطابها يتطابق منذ البداية مع خطاب الإخوان... و(حسم) اختارت أهدافاً رخوة مثل استهداف كمين أو مرتكز أمني، لكن أبرز عملياتها تمثلت في محاولتي اغتيال النائب العام المساعد ومفتي مصر السابق علي جمعة». وعن عمليات «حسم» و«لواء الثورة» الآن، قال صلاح الدين حسن، إن «مؤشر عملياتها تراجع. إذ مرّ فترة عام ونصف العام لم تقم خلالها بتنفيذ عمليات داخل مصر، وذلك يدل على نجاح الأمن المصري في توقيف عناصرها».

- يونيو... الاستقرار
في العام الماضي، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمة للمصريين بثها التلفزيون الرسمي بمناسبة ذكرى «30 يونيو» الماضية، إنه بعد سنوات بات صوت مصر مسموعاً، ورؤيتها لإعادة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط موضعاً للتقدير ومحلاً للتنفيذ، وظهرت النيات التي كانت مستترة من بعض الأشقاء (لم يسمِّهم السيسي) وغير الأشقاء على حقيقتها. ثم أضاف: «في مثل هذه الأيام انتفض المصريون بأعداد غير مسبوقة ليسطّروا ملحمة وطنية فريدة عمادها الحفاظ على الوطن، أرضه وهويته واستقلاله وحريته، من قوى تصورت أنها نجحت في السيطرة على مقدرات هذا الشعب».
وتوقف السيسي في كلمته عند مسارين؛ الأول رفض الحكم الفاشي الديني، ورفض الاستئثار بالسلطة، ومواجهة ما يترتب على هذا الرفض من إرهاب وعنف، إذ أعلنت الثورة منذ البداية أن شعب مصر لا يقبل ولن يقبل سطوة أي جماعة أو فئة، وأن الدين لله والوطن للجميع، فرفضت مصر الرضوخ للإرهاب، سواء المادي أو المعنوي، وأمر الشعب قواته المسلحة وشرطته بمواجهة الإرهاب والقضاء عليه. وأردف: «أما المسار الثاني الذي فرضته الثورة، فكان مواجهة القوى الخارجية الداعمة للإرهاب وجماعات التطرف (لم يسمها)، فكانت الثورة بداية لاستعادة مصر لدورها الإقليمي النشط، ومواجهتها للدول التي تسعى في المنطقة خراباً عن طريق تمويل ورعاية الإرهاب وجماعاته»... وسبق أن أعلن عدد من الدول في مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والبحرين قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر لتمويل الجماعات الإرهابية.

... بلا حراك
أما عن حراك «الإخوان» الميداني في الشارع، فقال أحمد بان إن «القائمين على القنوات الفضائية في الخارج يعتمدون على التقاط صورة من شارع خلفي أو حارة أو زقاق في مصر، يتم التقاطها ثم تطييرها إلى القنوات لإظهار أن هناك حراكاً، لكن الحراك هو محض أوهام في هذه الأبواق الإعلامية، والواقع يقول إنه لا وجود لأي حراك على الإطلاق».
ويوافق صلاح الدين حسن على ذلك قائلاً: «لقد فشلت الجماعة تماماً داخل مصر في أي حراك... ومنذ عام 2015 ليس هناك أي حراك احتجاجي، ولم يعد ذات جدوى، وتم رفضه شعبياً قبل أن يُرفض من قبل الدولة، فكان الحراك وقتها من جانب الجماعة فقط، ولم ينضم لها أي شرائح أو تيارات أخرى من المجتمع، وباتت (معزولة)».
وحول مصادر تمويل «الإخوان» الآن، قال حسن: «في الداخل هناك نوع من التكافل بين العناصر الإخوانية، نسبة تُدفع للجماعة مثل السابق، ولجان سرّية تتشكل لمساعدة الفقراء في الجماعة، لكنها بشكل محدود للغاية... أما التحويلات الخارجية فباتت صعبة، ذلك أن الإخوان في حالة مُزرية للغاية، وهم متروكون لأنفسهم في مسألة الدعم، وكل عضو يحاول أن يكفيه دخله الشهري، ولم يعد للإخوان اقتصاد بعد أن تم تجفيف مصادرها... وأيضاً عناصرها في الخارج تعاني من ضائقة مالية».

- مُبادرات «جس النبض» للمُصالحة
> بين الحين والآخر، تتبنى أطراف من قيادات «الإخوان» في الخارج طرح مبادرات، في محاولة لأخذ يد الجماعة للعودة إلى المشهد السياسي.
آخر المبادرات كانت ليوسف ندا، المعروف بأنه المفوّض السابق للعلاقات الدولية لـ«الإخوان»، وهي دعوة وجهها لمرسي من قناة «الجزيرة» القطرية، بالتخلي عن مطالبته بالحكم - على حد زعمه بأحقيته في شرعية الحكم - . وقبله إبراهيم منير، نائب مرشد «الإخوان» الذي قال في مبادرة له، إن «الجماعة مستعدة للتفاوض مع النظام المصري وفقاً لشروط على رأسها إطلاق سراح السجناء وبينهم مرسي»... فضلاً عن مبادرة للمصالحة أطلقها القيادي المنشق عن «الإخوان» كمال الهلباوي، لكنه اعتذر عنها في وقت لاحق.
من جانبه، قال عمرو عبد المنعم، إن «تلك المبادرات الإخوانية مجرد (بالونات اختبار) وعمليات جسّ لنبض الحكومة المصرية كمحاولة لإنجاح فكرة المصالحة، ويطلقها قادة الإخوان من وقت لآخر»، مضيفاً أن «هذه المبادرات والدعوات تزيد من كراهية المصريين للجماعة».
وفي يناير الماضي، قال السيسي عن إمكانية الإفراج عن عناصر «الإخوان»: «نضطر إلى الحزم في التعامل مع من يهدد مصر بالإرهاب... تلك الجماعات هي من بدأت بالخراب والدمار وتسعى لهدم الدولة، ونحن لم ولن نتركهم، وذلك للحفاظ على الدولة»، بعدما أكد أن موضوع المصالحة يبقى بيد الشعب المصري وليس بيد أي سياسي.

- ضربات استباقية للأمن المصري
خاضت وزارة الداخلية المصرية على مدار السنوات الخمس الماضية حرباً مع الأذرع المسلحة لجماعة الإخوان عبر الضربات الاستباقية. وقالت مصادر في وزارة الداخلية إن «أجهزة الأمن نجحت في توجيه ضربات استباقية خصوصاً في المناطق الملتهبة، مثل سيناء، باستهداف العناصر المتطرفة قبل ارتكابها أي أعمال تخريبية تستهدف أمن واستقرار البلاد، فضلاً عن الحملات الأمنية لاستهداف المساكن المؤجرة التي يستخدمها (الإرهابيون) أوكاراً لإدارة أعمالهم الإرهابية، ومعامل لتصنيع المواد المتفجرة في بعض الأحياء الشعبية».
وقبل 3 أيام من ذكرى «30 يونيو»، أحبطت الأجهزة الأمنية مخططاً إرهابياً جديداً، لارتكاب سلسلة أعمال تخريبية تزامناً مع الاحتفالات بالذكرى الخامسة للثورة، باستهداف خلية إرهابية جديدة في صعيد مصر.
وكشفت التحقيقات تردد عناصر متطرفة على منطقة نائية في منطقة الغنايم بمحافظة أسيوط (في صعيد مصر)، وتم استهداف أماكن وجود المتهمين، الذين استشعروا اقتراب الأمن منهم، ففتحوا النيران على قوات الأمن التي بادلتهم الأعيرة النارية، ما أسفر عن مقتل أفراد الخلية الأربعة. وعثرت الأجهزة الأمنية على أسلحة ووسائل إعاشة كانت بحوزة العناصر الإرهابية، وتبين أنهم كانوا يقيمون بالمنطقة بعيداً عن الملاحقات الأمنية، للتخطيط لتنفيذ عدة أعمال تخريبية تستهدف مؤسسات الدولة خلال الأيام المقبلة.
وأشارت المعلومات إلى أن هذه العناصر المتطرفة تتواصل مع القيادات الإرهابية الهاربة بالخارج، وتحصل منها على الأموال لشراء المتفجرات والأسلحة لتنفيذ الأعمال التخريبية بها، فضلاً عن اللجوء للصعيد بعيداً عن المنطقة المركزية للتجهيز لعمليات إرهابية كبيرة، للظهور على المشهد من جديد لكسب ود القيادات الإرهابية بالخارج والحصول على مزيد من المال.
وأكدت المعلومات أن الضربات الاستباقية التي تنتهجها الأجهزة الأمنية أسهمت بشكل كبير في إحباط العمليات الإرهابية قبل وقوعها من الأساس، بناءً على معلومات دقيقة للأجهزة الأمنية.


مقالات ذات صلة

هل آن أوان المواجهة بين البرهان والإسلاميين؟

تحليل إخباري صورة متداولة للفريق ياسر العطا مساعد البرهان مع قائد ميليشيا «البراء بن مالك» الإسلاموية التي تقاتل مع الجيش p-circle

هل آن أوان المواجهة بين البرهان والإسلاميين؟

يضع تصنيف «الإسلاميين» في السودان «كياناً إرهابيّاً»، قيادة الجيش السوداني أمام خيارات ضيقة جداً، خاصة أنهم تغلغلوا بعمق في النظام الحاكم.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزير ماركو روبيو (الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان يبحث الاعتداءات الإيرانية مع روبيو وفاديفول

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيريه الأميركي ماركو روبيو، والألماني يوهان فاديفول، استمرار الاعتداءات الإيرانية على المملكة ودول المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا قائد «لواء البراء بن مالك» المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

ترحيب بين قوى سودانية بتصنيف «الإخوان» جماعة إرهابية

لقي تصنيف الإدارة الأميركية جماعة «الإخوان» في السودان «كياناً إرهابياً عالمياً» ترحيباً بين قوى سياسية ومدنية في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الولايات المتحدة​ قائد «كتائب البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

واشنطن تصنف «الإخوان المسلمين» في السودان منظمة إرهابية

أدرجت الخارجية الأميركية جماعة «الإخوان المسلمين» بالسودان على قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص وتعتزم تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي صورة تعود إلى عام 2011 لمقار مكاتب جماعة الإخوان في الأردن وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» في عمّان (أ.ف.ب)

الأردن يطلب تغيير اسم حزب «جبهة العمل الإسلامي» المرتبط بـ«الإخوان»

أعلن مجلس مفوضي الهيئة الأردنية المستقلة للانتخاب أنه أبلغ حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذراع السياسية لجماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، بوجوب تغيير اسمه.

«الشرق الأوسط» (عمان)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».