أشهر 5 خياطين في العالم

تصاميمهم تضفي لمسة {سحرية} على مرتديها

في ورشات كاراسيني
في ورشات كاراسيني
TT

أشهر 5 خياطين في العالم

في ورشات كاراسيني
في ورشات كاراسيني

تكفي جولة على قاعات الرسم الكلاسيكي في أي متحف في العالم لنتبيّن مدى الاهتمام الذي كان يوليه أعضاء العائلات المالكة والنبلاء وأهل النخبة من الرجال للملابس التي كانوا يرتدونها، والتي كانت تضارع الملابس والأزياء النسائية من حيث التأنق والزخرفة. ويستدلّ من بعض الكتب النفيسة المحفوظة في كبريات المكتبات الوطنية الأوروبية أن مهنة الخياطة الرجالية، كما نعرفها اليوم بتقنياتها الأساسية وطقوس مقاساتها وحِرفيتها، بدأت تستقر في العواصم والمدن الكبرى منذ أوائل القرن السادس عشر، وأن فترات ازدهارها تزامنت مع اتساع نفوذ وقوة الممالك التي كانت تمارس نشاطها فيها.
مع مرور الزمن وتطور العادات وتبدّل مقتضيات الحياة الاجتماعية والأنشطة المهنية، تغيّرت أمور كثيرة في هذه المهنة، لكن النزعة إلى التميّز بقيت متأصلة عند الرجال ومقصورة على أقليّة مقتدرة، لكن كافية لاستمرارها والحفاظ عليها من الانقراض.
من بين دور الخياطة الرجالية الراقية في العالم، التي لا تتعدّى العشرات، اخترنا خمساً ما زالت تراهن على العمل الحرفي المُتقن وأجود المواد الطبيعية، خارج متوجّبات الوقت والكلفة، للحيلولة دون اندثار هذه المهنة أمام زحف صرعات الأزياء والملابس الجاهزة.
- لوبيز هربون... مدريد
يقوم مشغَله في أحد الأحياء الراقية من مدريد منذ أواخر القرن التاسع عشر، عندما هاجر جده من مدينة نافارّا إلى العاصمة بعد أن تدرّب في باريس ولندن على يد أحد أمهر الخيّاطين هناك. أعمدة من الرخام، وطاولات كبيرة من الخشب العتيق، ومقاعد وثيرة من الجلد والمخمل تستقبلك في هذا المكتب الذي يقع في الطابق الثاني من غير واجهة تطلّ على الشارع يُستدلّ منها على أنك أمام خياط الملك خوان كارلوس الأول، وابنه الملك فيليبي السادس، وعدد من المشاهير كان كل من المصمم الراحل أوسكار دي لا رنتا ونجم الأوبرا بلاسيدو دومينغو وبطل «الفورمولا واحد» فرناندو آلونسو منهم.
يعتمد هربون بشكل أساسي على الأقمشة الفاخرة التي ينتجها له خصيصاً أحد مصانع النسيج في كاتالونيا. لكن العاهل الإسباني «يفضّل أقمشة لورو بيانا الإيطالية التي لا تزيد زنة المتر الواحد منها عن 270 غراماً». ويقول إن الإتقان هو سر خياطة البدلة الرجالية الراقية التي يمكن أن تدوم عشرين عاماً من غير أن تفقد من جودتها وأناقتها.
يذهب مرتين في العام إلى نيويورك، حيث يستقبل زبائنه مثل قائد الأوركسترا الشهير زوبين ميتا وبعض نجوم السينما والأثرياء الذين طلب منه أحدهم مرة خياطة بدلتين لشخصية مهمة جدّاً، تبيّن فيما بعد أنها رونالد ريغان. ويُذكر كيف كان والده يذهب إلى قصر الباردو في ضواحي مدريد لأخذ مقاسات الجنرال فرانكو الذي نادراً ما كان يغادر مقرّ إقامته. معظم كبار مصارعي الثيران في إسبانيا أيضاً من زبائنه، رغم أنك لن تجد أبداً أي إعلان عن مشغله الذي يدور فيه العمل بهدوء على أنغام الموسيقى الكلاسيكية.
ويذكر هربون أن أربعة آلاف بدلة كانت تخرج سنويا من مشغله في ستينات القرن الماضي عندما كان عدد عماله يقارب المائة، بينما لا يتجاوز عددهم العشرة حاليّا ينتجون نحو 300 بذلة. السبب أن البدلات المفصّلة أصبحت ترفاً لا يقدّره سوى من يعيش عكس مسار الزمن وتّيار الموضة.
- هنري بول... لندن
عندما طلب ولي العهد البريطاني إدوارد السابع قبل أن يتولى الملك، من هنري بول أن يصنع له سترة قصيرة زرقاء اللون ليرتديها في الحفلات غير الرسمية التي كان يقيمها في منزله الريفي في ساندرينغهام، لم يكن يتوقّع أن شهرة تلك السترة ستذيع ويُقبل عليها النبلاء والمشاهير في أوروبا وأميركا. لكن شهرة هنري بول وعراقة مشغله ليست مقصورة على تلك السترة. افتتح جيمس بول متجره الأول عام 1806 لبيع الأقمشة وخياطة الملابس العسكرية في شارع إيفيريت عند ميدان برونسويك في لندن، ثم انتقل إلى ريجنت ستريت ومنه إلى موقعه الحالي في «أولد بيرلغنتون أركايد» قبل وفاته في عام 1846.
وعلى يد ابنه هنري أصبح المحترف الخيّاط المعتمد للعائلة المالكة البريطانية وللساعين إلى الشهرة والبروز في المجتمع البريطاني. قام بتوسعة المبنى وفتح له مدخلا على «سافيل رو» الشهير. بعد وفاة هنري عام 1876، واصل المشغل نجاحه وذاعت شهرته ليصبح أكبر مؤسسة للخياطة الرجالية في العالم، يعمل فيها أكثر من 300 خيّاط وحرفيّ. وبعد انتقاله لفترة قصيرة إلى كورك ستريت عام 1961، في أعقاب هدم المبنى الأول في سافيل رو، عاد ليستقر في المبنى رقم 15 من الشارع الشهير حيث يستقبل زبائنه في قاعاته الوثيرة المفروشة بالسجّاد الأخضر الفاخر والتحف النادرة، والمطلّة على واجهاته الزجاجية التي يتوقّف أمامها الزوّار يستعرضون إنجازاته في عالم الخياطة منذ 200 عام.
لكن هنري بول لم ينم على غار الماضي والسمعة العريقة، بل قرر مواكبة التطورات والمنازع الحديثة، فأقام شراكات إنتاجية مع مؤسسات عالمية للأزياء الجاهزة أبرزها مع شركة آديداس الألمانية لإنتاج مجموعة من الألبسة الرياضية الفاخرة. ومن بين زبائنه ديفيد غاندي، أشهر عارض للأزياء الرجالية في بريطانيا، إضافة إلى أفراد العائلات المالكة ومشاهير نجوم الفن والسينما كالممثلين الذين لعبوا دور العميل السري جيمس بوند في سلسلة أفلامه الشهيرة.
- كاراشيني... روما
تأسس مشغل كاراشيني للخياطة الرجالية عام 1913 في روما على يد دومينيكو الذي كان يملك محترفات للخياطة أيضاً في ميلانو وفي باريس، الذي كان يشرف عليه شقيقه أوغوستو ومشهور كعنوان تقصده النخبة الفنية والمالية والسياسية في العاصمة الفرنسية. لكن عندما أعلن الزعيم الإيطالي الفاشي بنيتو موسولوني الحرب على فرنسا، اضطر أوغوستو لإقفاله وانتقل مع مساعديه إلى العاصمة الإيطالية.
يقوم مشغل كاراشيني اليوم في شارع هادئ بوسط روما. يشرف على إدارته تومي وجوليو اللذان يحرصان على اتباع الأسلوب الحرفي الراقي ذاته الذي تميّز به المؤسس، ويصرّان على عدم توسعة نشاطهما خارج دائرة ضيّقة من الزبائن الأوفياء الذين يؤمنون بأن «الأناقة هي أن تنسى ماذا ترتدي»، كما يقول جوليو الذي لا يحبّ التحدّث عن زبائنه. فالرجل الأنيق بالنسبة له «لا يتحدث عن خيّاطه، كما أن الخيّاط الراقي لا يتحدّث عن زبائنه».
لكن رغم حرص الأخوين كاراشيني على عدم الكشف عن أسماء الشخصيات الشهيرة التي ترتاد مشغلهم، لم يعد سرّاً أن من بين هذه الشخصيات الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك وأمير موناكو وسيلفيو برلسكوني ومصمم الأزياء الإيطالي الشهير فالنتينو، إضافة إلى كوكبة رحلت من المشاهير مثل همفري بوغارت وغاري كوبر وغاري غرانت والمصمم إيف سان لوران، والرئيس السابق لشركة «فيات» جياني آنيلّلي الذي كان يُعتبر النموذج الأرقى للأناقة الإيطالية.
- تشيفونلّي... باريس
منذ عام 1880 تتعاقب أجيال العائلة على هذا المحترف الراقي في العاصمة الفرنسية، الذي قاوم سلسلة من الإغراءات التي عرضتها عليه المخازن الكبرى بعكس معظم الخيّاطين البريطانيين والإيطاليين المعروفين، وبقي على وفائه لروح مؤسسه جيوزيبي تشيفونلّي في روما.
عندما تقدّم جيوزيبي في السنّ قرر إرسال ابنه ارتورو إلى لندن ليتدرّب في الأكاديمية الملكية للخياطة التي كانت أرقى المعاهد المهنية في عالم الخياطة حينها. وما زالت الشهادة التي عاد بها ارتورو من تلك الأكاديمية تتصدّر المشغل الأنيق الذي يقع في شارع ماربوف، أحد أجمل شوارع العاصمة الفرنسية. يشرف على إدارة المشغل اليوم لورنزو وابن عمّه ماسّيمو الذي يلخّص الركائز التي يقوم عليها نشاط المشغل بقوله: «الصرامة البريطانية والمنحنيات الإيطالية واللمسات الفرنسية».
ويُعرف عن لورنزو تشدده في التعامل مع الخيّاطين الحرفيين الذين يعملون في مشغله، إذ يشرف شخصياً على كل قطعة عند إنجازها، ويطلب إعادتها إذا وقع على أدنى قدر من الإهمال أو الإغفال في إنتاجها.
ومن الزبائن المشهورين عند تشيفونلّي ممثلون مثل لينو فنتورا وألان ديلون وإيف مونتان وجان بول بلموندو ومارتشيلّو ماستروياني، والرئيس الفرنسي الأسبق الاشتراكي فرنسوا ميتران الذي بيعت أخيراً بالمزاد العلني البدلات التي كان يرتديها من عام 1992 إلى عام 2007.
- فيورافانتي... نيويورك
أما آخر الخمسة الكبار فلعّله أولهم والأوسع شهر بينهم. هو «المعلّم» كما ينادونه، الحائز على المقصّ الذهبي من الأكاديمية الإيطالية خمس مرات ورئيس رابطة مصممي الأزياء الرجالية في الولايات المتحدة، وسليل كبار الخيّاطين في نابولي التي أعطت، ولا تزال، أمهر الحرفيين في صناعة الأزياء الرجالية.
منذ 35 عاماً يتوافد كبار الأثرياء والنجوم على متجره في نيويورك، ويقصده المشاهير من كل أنحاء العالم. ولا تدخل إلى مشغله من غير موعد سابق، يحدد عادة قبل أشهر، فأنت «عندما ترتدي بدلة خرجت من بين يدي فيورآفانتي ستصبح شخصاً غير الذي كنت قبل أن ترتديها». أما عن تكلفة التحف التي تخرج من ذلك المشغل، فيقول أحد زبائنه: «قد تذهب إلى السيد فيورآفانتي ثريّاً ومشهوراً، لكنك لن تخرج من عنده إلا مشهوراً».
يصنع فيورآفانتي أقمشته من صوف Merino الأسترالي الذي يُحاك في مصانع «سكابال» البلجيكية الشهيرة. يحمل هذا النوع من الصوف اسم الغنم المتحدر من أصول إسبانية، متحدرة هي الأخرى من أصول عربية يقال لها غنم المور، أي غنم المسلمين. ويعطي هذا الغنم خمسة أضعاف ما تعطيه الأصناف الأخرى، وخيوطه أرفع من شعر الإنسان معروفة بصلابتها.
ويقول السيّد فيورآفانتي، في معرض الدفاع عن هذا الصوف والتباهي باستخدامه: «كلما كان الخيط دقيقاً ارتفعت جودته وأصبح نادراً. إن أرفع خيوط هذا الصوف يوازي، من حيث التطور التكنولوجي، اختراق أول طائرة نفّاثة جدار الصوت لأول مرة». ويضيف فيورآفانتي بكل تواضع: «مَن يرتدي بذلة خرجت من هذا المشغل كمن يقود سيارة (لامبورغيني) في شوارع نيويورك.. وذراعه اليمنى لا تمتدّ إلا لتوقيف سيارات التاكسي الجديدة والنظيفة».


مقالات ذات صلة

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

لمسات الموضة من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أبرز التحديات التي تواجه المصممين الناشئين صعوبة اختراق الأسواق العالمية، وهذا ما تحاول مبادرة «فاشن تراست أرابيا» تحقيقه بشراكتها مع متجر «هارودز».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

سر حذاء شاكيرا الضخم في افتتاح مونديال 2026

حذاء شاكيرا الرياضي ذو المنصة المرتفعة بمونديال مكسيكو سيتي يقلب موازين أزياء الملاعب، مازجاً بين تمرد «الغرانج» وأناقة العصر بلمسة كولومبية ذكية.

كوثر وكيل (لندن)
لمسات الموضة ياسين بونو وعبد الصمد الزلزولي وأزياء بتوقيع دار «بيغناتيلي» الإيطالية (.أ.ف.ب)

كأس العالم 2026 «تلعب» باحترافية على علاقة الموضة بكرة القدم

في التسعينات كانت القوة الإعلانية للعارضات «السوبر» تبعهم النجوم وفي المرحلة الحالية يبدو أنهم سلموا المشعل لنجوم كرة القدم.

جميلة حلفيشي (لندن)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.

عاجل مونديال 2026: المكسيك أول المتأهلين إلى دور الـ32 بفوزها على كوريا الجنوبية 1-0