لغط أميركي حول قيود «الاستثمارات الصينية»... وإجراء قريب بشأن السيارات الأوروبية

منوتشين يؤكد استهداف «كل لصوص التقنية»... وبكين تطالب بـ«نظرة موضوعية»

خطوط إنتاج شركة «جنرال موتورز» في الصين ستكون من بين الأكثر تأثراً بالقيود الأميركية الجديدة (رويترز)
خطوط إنتاج شركة «جنرال موتورز» في الصين ستكون من بين الأكثر تأثراً بالقيود الأميركية الجديدة (رويترز)
TT

لغط أميركي حول قيود «الاستثمارات الصينية»... وإجراء قريب بشأن السيارات الأوروبية

خطوط إنتاج شركة «جنرال موتورز» في الصين ستكون من بين الأكثر تأثراً بالقيود الأميركية الجديدة (رويترز)
خطوط إنتاج شركة «جنرال موتورز» في الصين ستكون من بين الأكثر تأثراً بالقيود الأميركية الجديدة (رويترز)

فيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس، أن حكومة الولايات المتحدة بصدد الانتهاء من دراسة بشأن زيادة رسوم استيراد السيارات القادمة من الاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى قرب اتخاذ إجراء، يتوقع أن يعلن هذا الأسبوع عن المرحلة التالية من مواجهته الاقتصادية مع بكين، عبر قيود جديدة محتملة على الاستثمارات الصينية، للحد من قدرتها على الوصول إلى التقنيات الأميركية الحساسة.
وقال ترمب على «تويتر» أمس: «نضع اللمسات النهائية على دراستنا لفرض رسوم على السيارات القادمة من الاتحاد الأوروبي، الذي ظل لفترة طويلة يستغل الولايات المتحدة في شكل حواجز ورسوم تجارية. في النهاية سنصل إلى وضع متوازن، ولن يستغرق الأمر وقتا طويلا!».
وكان ترمب هدد يوم الجمعة بفرض رسوم بنسبة 20 في المائة على جميع واردات السيارات المجمعة في الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد شهر من إطلاق إدارته تحقيقا فيما إذا كانت واردات السيارات تهدد الأمن القومي.
وعلى صعيد مواز، قد يعرض الإجراء الخاص بالصين شركات أميركية، على غرار «آبل» و«جنرال موتورز» إلى أشكال جديدة من «الانتقام» من قبل الصين، في وقت يعرب فيه الخبراء عن قلقهم من أن يكون ذلك بمثابة خطوة أخرى من تدخل الحكومة في السوق الحرة، في «تحول جذري» للولايات المتحدة قد يكون مدمرا بالنسبة للطرفين.
لكن التصريحات المتناقضة التي أدلى بها كبار المسؤولين الأميركيين مساء الاثنين، أثارت لغطا بشأن المسار الذي سيسلكه البيت الأبيض في هذا الملف.
وكان ترمب قد هدد بالرد على أي تحرك تتخذه الصين للانتقام من الرسوم الجمركية الأميركية التي يتوقع أن تطبق في 6 يوليو (تموز)، وبذلك يمكن أن ترتفع إلى 450 مليار دولار قيمة المنتجات الصينية الخاضعة لرسوم. وبالتوازي، يتوقع أن تكشف وزارة الخزانة الأميركية النقاب عن اقتراح يتعلق بالقيود على الاستثمار والصادرات.
وأعلن ترمب في أواخر مايو (أيار) الماضي عن خطط لفرض رسوم باهظة على المنتجات الصينية، وإتباع ذلك في 30 يونيو (حزيران) الجاري بـ«قيود محددة على الاستثمارات وتعزيز القيود على الصادرات» بالنسبة للشركات الصينية والمستثمرين في «تكنولوجيا ذات أهمية صناعية».
وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن القيود الاستثمارية ستطبق كذلك على الاستثمارات في الولايات المتحدة من قبل أي شركة تملك الصين 25 في المائة من رأسمالها، مع إمكانية خفض هذه العتبة في حال اعتبر الاستثمار «حساسا». وأكدت بكين، الاثنين، أن الاستثمارات الصينية خلقت وظائف وزادت عائدات الضرائب في الولايات المتحدة. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية غينغ شوانع خلال مؤتمر صحافي إن «التجارة الصينية الأميركية والاستثمار والتعاون، هي ممارسات تثمر بطبيعتها عن منفعة متبادلة». وأضاف: «نأمل في أن تنظر الولايات المتحدة إلى الأنشطة التجارية التي تقوم بها الشركات الصينية بطريقة موضوعية، وأن توفر بيئة استثمارية منصفة وآمنة ويمكن التنبؤ بها». لكن وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين أصر الاثنين على أن التقارير «أخبار كاذبة». وقال عبر «تويتر» إن «من سرب المعلومات إما لا وجود له، وإما أنه لا يعرف كثيرا عن هذا الملف».
وأضاف في تصريح يتناقض مع إعلان البيت الأبيض في 29 مايو، أن الإدارة الأميركية ستصدر بيانا «غير موجه للصين فقط؛ بل لجميع الدول التي تحاول سرقة التكنولوجيا منا».
وتراجعت مؤشرات أسواق الأسهم الأميركية الاثنين بأكثر من 2 في المائة، مقارنة بقيمتها عند إغلاقها الجمعة، في وقت ظهر المستشار الاقتصادي الرفيع للبيت الأبيض بيتر نافارو على التلفاز، في محاولة لتهدئة مخاوف المستثمرين من إمكانية اندلاع حرب تجارية.
لكن مقابلته المُربكة مع «سي إن بي سي» لم تنجح كثيرا في توضيح الأمور، حيث أكد أن الإدارة الأميركية «لا تستهدف الصين تحديدا»، ومشددا على أن وزارة الخزانة ستصدر تقريرا الجمعة عن مسألة القيود الاستثمارية على الصين. وقال إن على المستثمرين أن ينظروا بتفاؤل إلى الاقتصاد الأميركي، مشيرا إلى أن مناورات ترمب التجارية الحازمة خلقت فرصا استثمارية جديدة. وقال نافارو عبر «سي إن بي سي»، إن الاقتصاد «يتجه نحو وضع رائع في الوقت الحالي... إنه حلم يتحقق».
واتهم ترمب الإدارات الأميركية السابقة باتخاذ «مواقف متساهلة» مع الصين، والسماح لها بـ«الهيمنة صناعيا»، والفشل في حماية التقنيات التي تعد حساسة.
وبإمكان الإدارة توسيع السلطات الحالية للجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة التي تشرف عليها وزارة الخزانة، وكانت حجبت بعض الاستثمارات الصينية في الموانئ وأشباه الموصلات الكهربائية. وبإمكان أي تلميح عن مراجعة محتملة للجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة أن يقضي على فرص أي استثمار محتمل. ويبحث الكونغرس كذلك في سبل تشديد عملية مراجعة الاستثمارات.
ووفق «مجموعة روديوم» للأبحاث، تراجعت الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة بنسبة 35 في المائة في 2017 من قيمتها القياسية التي تم تسجيلها في 2016، وبلغت 45.6 مليار دولار، فوصلت إلى 1.4 مليار دولار فقط في الربع الأول من العام الجاري.
وستصعب الضوابط الجديدة على الصادرات بيع الشركات الأميركية التكنولوجيا إلى الصين، في حال اعتبرت واشنطن أنها «تكنولوجيا ذات أهمية صناعية».
وأشار مسؤولون أميركيون إلى خطة التطوير الصناعي التي وضعتها بكين تحت شعار «صنع في الصين 2025» كـ«مصدر قلق»؛ حيث أشاروا إلى أنها خريطة للهيمنة على صناعات رئيسية عالية التقنية، تشمل الفضاء والاتصالات، وصولا إلى الروبوتات والسيارات الكهربائية. ومع تصاعد حدة التوتر، يحذر خبراء التجارة من تضاؤل الخيارات المتاحة لحل النزاع.
وقال الخبير في الشأن الصيني من «معهد بيترسن للاقتصادات الدولية»، مارتن شورزيمبا، لوكالة الصحافة الفرنسية: «أعتقد أن هناك مخارج قليلة للغاية متبقية للتوترات المتزايدة». وأضاف أن «هناك مخاوف بنيوية جدية بشأن الممارسات الصينية، والتي لا يمكن حلها دون وجود ثقة بين الشركاء المتفاوضين»، محذرا من أن هذه الثقة بدأت تتآكل جراء المواجهة الحالية.
وأوضح شورزيمبا أن لدى بكين «مجموعة ضخمة من الأدوات للضغط على شركات أميركية» على غرار «آبل» و«جنرال موتورز» اللتين تعتمدان على الصين بشكل كبير، تتضمن حجز المنتجات في الموانئ أو تأخير الموافقات. وأضاف أن قرار الحكومة المشاركة بشكل مباشر في القرارات الاستثمارية للشركات بذريعة الأمن القومي، يشكل «تحولا جذريا في أسلوبنا في الإدارة الاقتصادية».



«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.


محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع
TT

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

نجحت السعودية خلال السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل قاعدتها الاقتصادية، منتقلةً من نموذج يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، مدفوعاً ببرامج «رؤية 2030» التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي.

وتواصل السعودية مسارها التحولي ضمن «رؤية 2030»، مع دخولها مرحلة جديدة تركز على استدامة النمو وتعزيز المكتسبات، بعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي أعادت تشكيل الاقتصاد الوطني.

ويُظهر التقرير السنوي لعام 2025 أنَّ المملكة نجحت في ترسيخ نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً ومرونة، مدعوماً بارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية، وتوسع قاعدة الإنتاج والاستثمار.

وأسهمت هذه الرؤية التي تضمَّنت تنفيذ أكثر من 1000 إصلاح تشريعي، في تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز جاذبية السعودية، وبناء قطاعات اقتصادية فاعلة ومتنامية؛ ما وضع المملكة ضمن أسرع الاقتصادات نمواً على مستوى العالم، معزِّزةً قدرتها على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

كما نجحت «رؤية 2030» في رسم أهداف استراتيجية واضحة لتفعيل مكامن القوة الاقتصادية في السعودية، عبر تطوير قطاعات رئيسية تشمل الطيران، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعة والتعدين، وغيرها، مدعومة باستثمارات ضخمة ومشروعات كبرى أعادت تشكيل هيكل الاقتصاد

وعملت الأنشطة غير النفطية في تدعيم الاقتصاد السعودي بوصفها «المحرك الرئيسي للنمو»، وهو ما أسهم في تعزيز تنافسيته ووضعه في صدارة الاقتصادات النشطة إقليمياً وعالمياً.

ويستند هذا الزخم إلى توسُّع قطاعات واعدة، متنوعة تشمل السياحة والترفيه، إلى الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية وغيرها؛ بما عزَّز مساهمتها في الناتج، بعد أن سجَّلت الأنشطة غير النفطية في 2024 مستوى تاريخياً عند 2.6 تريليون ريال (693 مليار دولار) بنمو 6 في المائة.

تحول الهيكل الاقتصادي

ويؤكد رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك»، حمزة دويك، أن نتائج «رؤية 2030» أظهرت بوضوح «تحول الهيكل الاقتصادي للمملكة بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط»، مشيراً إلى التوسع الملحوظ في القطاعات غير النفطية وارتفاع الإيرادات الحكومية غير النفطية، وهو ما أسهم في تقليص حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الإصلاحات المؤسسية والتنظيمية، بما في ذلك تطوير بيئة الأعمال والأسواق المالية وتعزيز مشاركة القوى العاملة وجذب الاستثمار الأجنبي، أسهمت في زيادة تدفق رؤوس الأموال المحلية والدولية، وهو ما يٌعدُّ عنصراً أساسياً في تحقيق التنويع الاقتصادي. وأضاف أن هذه التحولات غيَّرت النظرة الاستثمارية إلى السعودية، حيث باتت تُرى بوصفها اقتصاداً متعدد القطاعات، مدعوماً بعمق الأسواق المالية وازدياد الطروحات العامة الأولية.

ولفت دويك إلى أنَّ عملية التنويع لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن النفط سيظل عاملاً مهماً في تمويل التنمية، متوقعاً أن تركز المرحلة المقبلة على تعزيز الإنتاجية والكفاءة، وضمان استدامة القطاعات الناشئة دون الاعتماد على الدعم الحكومي، مؤكداً أن جودة هذا التنويع ستكون المقياس الحقيقي للنجاح مستقبلاً.

نمو متسارع للقطاعات غير النفطية

من جهته، يقول المدير الإقليمي لشركة «مايلستون سيستمز» في السعودية، فراس البيروتي، إن ملامح الاقتصاد الجديد تتجلى في «النمو المتسارع للقطاعات غير النفطية، وازدياد الاستثمارات، والتطوير المستمر للبنية التحتية الحديثة»، مشيراً إلى أنَّ هذه العوامل تعكس «تخطيطاً استراتيجياً يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة».

وأضاف أن «رؤية 2030» فتحت آفاقاً واسعة أمام قطاعات حيوية مثل السياحة والتقنية والخدمات اللوجستية والترفيه، إلى جانب تعزيز بيئة الاستثمار والابتكار، مع تنامي دور القطاع الخاص بوصفه محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي على المدى الطويل.

وأكد البيروتي لـ«الشرق الأوسط» أن التقنيات الذكية المدعومة بالبيانات ستلعب دوراً محورياً في المرحلة المقبلة، سواء في دعم البنية التحتية أو تعزيز الأمن والكفاءة التشغيلية، لافتاً إلى أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً في بناء مدن ومؤسسات أكثر كفاءة وأماناً.

المشروعات الكبرى

بدوره، يرى المدير الإقليمي لشركة «يورو سيستمز» في السعودية، أسرار خازي، أنَّ التحول الاقتصادي يتجسَّد أيضاً في «إعادة صياغة شاملة للبيئة العمرانية»، مشيراً إلى أنَّ المشروعات الكبرى في المملكة تجاوزت الأطر التقليدية لتدفع بحدود التصميم والهندسة والاستدامة إلى مستويات غير مسبوقة.

وأوضح أنَّ هذه المشروعات تمثِّل منظومات اقتصادية متكاملة تسهم في جذب الاستثمارات وتحفيز قطاعات جديدة، ما يعزِّز النمو المستدام، إلى جانب تشكيل هوية معمارية حديثة تمزج بين التقنيات المتقدمة والبعد الثقافي، مستشهداً بمشروعات مثل الدرعية.

وأشار خازي إلى أنَّ هذا التوجه يعزِّز الطلب على الحلول الهندسية المتقدمة، ويسهم في تطوير القدرات المحلية وسلاسل التوريد، ما يخلق قيمةً اقتصاديةً طويلة الأمد، ويعزِّز دور القطاع العمراني بوصفه أحد روافد التنويع الاقتصادي.