دبلن... مُلهمة الأدباء ومصممي الجسور

غنية بالتاريخ والأحداث ومكتبتها وحدها تضم أكثر من مائتي ألف من المجلدات النفيسة

دبلن... مُلهمة الأدباء ومصممي الجسور
TT

دبلن... مُلهمة الأدباء ومصممي الجسور

دبلن... مُلهمة الأدباء ومصممي الجسور

«عندما أكتب، أجد نفسي دائما أكتب عن دبلن، لأنك إذا أتيح لك الولوج إلى قلب دبلن، تمكّنت من الولوج إلى مدن العالم كلها». هذا ما كتبه قبل أسابيع من وفاته جيمس جويس صاحب الرائعة العالمية (أوليس) وابن العاصمة الآيرلندية الأشهر الذي خلّدها في أعماله التي أصبحت جزءا أساسيا من التراث الوطني الآيرلندي ومدماكاً راسخاً في صرح الآداب العالمية.
دبلن هي مزيج مختصر من لندن ونيويورك، أو قرية في شكل مدينة عريقة لا تشبه أي مدينة أخرى أعرفها. لن تجد فيها معالم العظمة التي تطالعك كيفما اتجهت في العاصمة البريطانية، ولا البذخ الذي يسري في العروق المتورّمة لغابة ناطحات السحاب الأميركية. لكن دبلن، التي تتنفس الأدب والموسيقى وليست جميلة بالمعنى التقليدي المتعارف عليه للجمال، تعرف كيف تستحوذ على أفئدة زوّارها الذين يحّنون دائما للعودة إليها.
العائد إلى دبلن كمن يعود إلى قراءة حكاية جذبته بداياتها، أو لسماع أغنية تتردد في ذاكرته، يتوق مشتاقاً إلى دماثة أهلها ودفء معشرهم كمن يشتاق إلى مطارح الألفة ومرابع الذكريات الجميلة.
الطقس غريم دبلن الأول، مثلها كمثل مدن الشمال الأوروبي، لكن مطرها لا قسوة فيه ونادراً ما يهطل بغزارة، بل ينزل ناعماً ليزيد من سحرها ويُسدل عليها خِماراً من الرومانسية والكآبة يذكّر بكيوتو العاصمة اليابانية القديمة. أما إذا صادفتك الشمس في زيارتك، فإن دبلن ستتفتح أمامك كزهر الحقول، بكل بهجتها وحرارة أهلها المضيافين الموصوفين بلطفهم وسهولة التواصل معهم بصدق وعفوية.
كثيرة هي المعالم التي تستحق الزيارة في عاصمة هذه الجزيرة التي عاشت قرونا في ظل جارتها الكبرى وتحت وطأة تاريخها الثقيل. تاريخ يعيه الآيرلنديون بعمق، ويستمدون منه عناصر هوية أبيّة وسَمِحة لا تبالغ في المفاخرة والاعتزاز.
- جامعة ترينيتي
المحطة الأولى في جولتنا الكاشفة لروح هذه المدينة، هي جامعة ترينيتي Trinity College التي تقع في قلب دبلن وأسستها الملكة البريطانية إليزابيث الأولى عام 1592 عندما كانت آيرلندا مستعمرة إنجليزية. تعتبر من المفاخر التي يعتزّ بها الآيرلنديون لما كان لها من تأثير على الحياة الثقافية والعلوم الإنسانية في البلاد، إذ تخرّج منها معظم قادة حركة التحرر في وجه الاستعمار البريطاني، والزعماء السياسيين الآيرلنديين إلى اليوم، إضافة إلى أعلام الشعر والأدب والمسرح مثل أوسكار وايلد وصامويل بيكيت وإدموند بروك.
وتحتل هذه الجامعة مساحة تزيد على 220 ألف متر مربع تضم مجموعة من المباني العريقة والحدائق الجميلة، إضافة إلى أكبر مكتبة خاصة في أوروبا تضم أكثر من مائتي ألف مجلد من المجلدات النفيسة والمخطوطات القديمة، وهي مفتوحة أمام الزوّار معظم أيام السنة.
- متاحف دبلن
على بُعد خطوات من الجامعة يقوم المبنى الجميل للمصرف المركزي الذي كان المقرّ السابق للبرلمان، وحوله تتشعّب شوارع التسوّق الرئيسية التي يقتصر معظمها على المشاة ويكثر فيها المطربون والعازفون على شتى الآلات الموسيقية طوال النهار.
ودبلن مدينة تعجّ بالمتاحف التي تقع كلها في وسط المدينة أو على مقربة منه، مثل متحف الهجرة الحديث الذي يحكي تاريخ الهجرات الآيرلندية التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من تاريخ الآيرلنديين وهويتهم، ومتحف العلوم الطبيعية الذي يحوي مجموعات نادرة من العيّنات الأثرية التي ما زال العلماء ينكبّون على دراستها لإعادة كتابة تاريخ شعوب أوروبا الشمالية.
من الزيارات الأخرى التي تكشف للسائح إشراقات من الهوية الثقافية والاجتماعية لسكان دبلن هو مركز جيمس جويس الذي يستعرض حياة وأعمال أديب العاصمة الآيرلندية بامتياز، وواضع المؤلف الشهير The Dubliners الذي يروي في خمس عشرة قصة قصيرة وقائع حياة سكان دبلن مطالع القرن الماضي. وللشغوفين بأعمال هذا الاديب، ينظّم المركز رحلات إلى الأماكن التي تدور فيها أحداث تلك القصص والتي كان يرتادها الكاتب. ولدبلن حكايات أيضا مع الجسور التي تربط بين رئتيها فوق نهر ليفاي الذي ينساب بين أحيائها حتى مصّبه في بحر آيرلندا. معظـم هذه الجسور مقصورة على المشاة، وأقدمها جسر H’apenny (نصف درهم) الذي يعود إلى أواخر القرن السابع عشر والذي كان يفصل بين الأحياء الميسورة وتلك الفقيرة، ويُبعد سكان هذه الأخيرة عن جيرانهم الأثرياء لأن عبوره كان يقتضي دفع رسم قدره نصف درهم. وليس مستغربا أن يطلق سكان دبلن على جسور المدينة أسماء الأدباء المشهورين مثل صامويل بيكيت الذي يُضاء جسره بالأنوار الملونة ليلا، وجسر جيمس جويس الذي يقع في منطقة بعيدة عن وسط المدينة، وكلاهما من تصميم كالاترافا المهندس الإسباني الذي ذاع صيته في العالم لهندسة الجسور المعدنية. ولا ننسى جسر شون أوكاسي، الكاتب القومي الذي ألهم حركات التحرر من الاستعمار البريطاني، والذي اعتاد سكان دبلن على زيارته وترك باقات من الزهر فوقه في المناسبات الوطنية.
ولمن اتسّع وقته وزاد فضوله ثمة زيارات شيقة أخرى إلى متحف الفايكينغ الذي يعرض تاريخ التلاقي بين سكان آيرلندا القدامى والقبائل التي نزلت إليها من البلدان الاسكندينافية، أو مبنى إدارة الجمارك الجميل الذي يعود لأواخر القرن الثامن عشر. وإذا تعذّر على السائح أن يزور المناطق الساحلية الساحرة أو الأرياف الجميلة المحيطة بالمدينة، فما عليه سوى أن يدخل حديقة سان ستيفن ليتمتع بالهدوء الساكن بين مساحاتها الخضراء المزهرة وتحت أشجارها الظليلة الباسقة.
تكفي إقامة قصيرة في دبلن لتدرك أن زيارة بعض المدن كمثل عمل أدبي طور الاكتمال، وأن البيت أيضا هو كل مكان تحلّ فيه ولا ترغب في مغادرته.
- فنادق
> Shelbourne: من أعرق الفنادق في العاصمة الآيرلندية، يقع مقابل حديقة سان ستيفن ويتميّز بهدوئه وقربه من معظم المتاحف وشوارع التسوّق. شهد أحداثا تاريخية وأدبية كثيرة وما زال ملتقى الكثير من الأدباء والفنانين في مطعمه الراقي وقاعة الشاي التقليدية.
> Merrion: يقوم في مبنى أرستقراطي من القرن الثامن عشر، يزيـّن الرخام القاعات الفسيحة عند مدخله وتتميّز غرفه الفسيحة بالأثاث الكلاسيكي والتحف الفنية القديمة. يقع على مقربة من الحدائق العامة التي يحلو التنزه فيها أيام الصحو.
> Westbury: من أفخم فنادق دبلن وأحدثها تجهيزا. مشهور بمطاعمه الثلاثة التي تقدّم وجبات محلية وأوروبية وآسيوية تجذب الهواة العارفين والراغبين في الاحتفال بمناسبات خاصة أو عائلية راقية. تجربة شاي الساعة الخامسة في هذا الفندق لا نظير لها في دبلن.
- مطاعم
> Chapter One: مشهور بأطباقه المبتكرة والجريئة للوجبات الآيرلندية التقليدية. يقصده السيّاح الذين يرغبون في التعرّف على المطبخ الآيرلندي الحديث خصوصا
> Mulberry Garden: يقدّم أطباقا آيرلندية وأوروبية في جو هادئ خاصة في حديقته الغنّاء خلال موسمي الربيع والصيف. يشتهر بأطباق الأسماك والمحار.
> Dax: محجّة الساعين إلى تذّوق أطباق اللحوم الآيرلندية الشهيرة من مزارع التربية العضوية في الأرياف الآيرلندية الخضراء. الحلويات أيضا هي من الأطايب المشهورة التي تجذب الزبائن إلى هذا المطعم.
> Forty One: قمّة الابتكار في المطبخ الآيرلندي الحديث. معظم روّاده من الشباب وأنصار التجديد والمأكولات الخفيفة. يُنصح أصحاب الشهية الواسعة، إذا قرروا زيارة هذا المطعم، أن يفكّروا لسدّ الجوع بمحطة تالية بعد زيارته.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.