نازك الملائكة تنتصر للأنوثة «المقيدة» بالشعر الحر

رحلت في مثل هذا الشهر قبل أحد عشر عاماً

نازك الملائكة
نازك الملائكة
TT

نازك الملائكة تنتصر للأنوثة «المقيدة» بالشعر الحر

نازك الملائكة
نازك الملائكة

قلما نالت شاعرة عربية، باستثناء الخنساء، من الحظوة والاهتمام المفرطين ما نالته الشاعرة العراقية الأشهر نازك الملائكة. وأغلب الظن أن الأمر عائد إلى ندرة الشاعرات العربيات وسط مجتمعات بطريركية بامتياز تسود فيها السطوة الذكورية على السياسة والفكر وقواعد السلوك ونظام القيم، وصولاً إلى قواعد اللغة وأحكامها النحوية والصرفية. لهذا السبب؛ فإن الاحتفاء بنازك الملائكة لم يستند فقط إلى القيمة الموضوعية والفعلية لنتاجها الإبداعي، بل بدا احتفاءً رمزياً بجرأة الشاعرة على انتهاك المحرمات وقدرتها على كسر «العمود» التقليدي الذي ربط الشعر بالفحولة، تاركاً للمرأة الأنثى دور الملهِمة لا الملهَمة والمنفعلة لا الفاعلة. صحيح أن اللاوعي العربي والمشرقي الجمعي أعطى لشهرزاد الحق في امتلاك لغة المشافهة السردية، حيث بدا الكلام عاصماً من الموت والصمت معادلاً له، لكن الصحيح أيضاً أن الكتابة والتدوين ظلّا في عهدة الرجل وطوع مخيلته وبنانه، عدا استثناءات قليلة بينها الخنساء وليلى الأخيلية وعشرقة المحاربية وولادة بنت المستكفي، وبعض جواري العصور القديمة وقيانها.
كان من الطبيعي إذن أن تلاقي مغامرة نازك الجريئة في كسر نظام الشطرين والتأسيس لما عرف بالشعر الحر كل ذلك الصدى الإيجابي الواسع في أوساط النقاد والقراء العرب المتعطشين إلى نموذج شعري أكثر حرية وتنوعاً من النموذج النمطي السائد. لكن انصباب الاهتمام على الأسبقية الزمنية بين قصيدة «الكوليرا» لنازك وبين قصيدة السياب «هل كان حباً؟»، ودون وضع القصيدتين في السياق الإجمالي لتجربتي الشاعر والشاعرة، يجعل مفهوم الريادة مقتصراً على الجانب الشكلي من التجديد. وبمعزل عن التداخل الحاصل بين تاريخ نشر قصيدة «الكوليرا» في نهايات عام 1947 وتاريخ نشر مجموعة السياب «أزهار ذابلة» في الآونة ذاتها، التي تتضمن قصيدته التفعيلية الأولى، فإن ما يعطي تجربة السياب بُعدها الريادي الأكثر رسوخاً ليس السبق الزمني وحده، بل استمراره حتى النهاية في رفد تجربته بأسباب التنوع والتجدد والثراء الرؤيوي والأسلوبي. ونازك التي تشير في كتابها النقدي «قضايا الشعر المعاصر» إلى عثورها على نماذج من الشعر الحر عائدة إلى علي أحمد باكثير وبديع حقي ولويس عوض، لم تغفل من جهتها حقيقة أن الريادة الشعرية لا تتحقق بفعل مغامرة شكلية عرضية بقدر ما هي ثمرة وعي وتصميم ومثابرة. لكنها تضيفـ، إنها هي بالذات من تلقفت مع السياب «ثمرة الحداثة الناضجة»، ومن واكبت باللغة والشكل الجديدين تحولات العصر المتسارعة على الصعد التقنية والمعرفية والجمالية.
إلا أن قارئ قصيدة «الكوليرا»، التي نظمتها نازك بمناسبة الوباء الخطير الذي فتك بألوف المصريين في تلك الفترة، لا يعثر في القصيدة على صورة مباغتة أو مقاربة مختلفة للحدث، بل يبدو له التجديد مقتصراً على العنصر الشكلي المتعلق بكسر نظام الشطور المتساوية للبيت الشعري.
كما أن القوافي رغم تنوعها تتقارب وتتلاحق بما يشبه السجع: «في كل مكان يبكي صوتْ- هذا ما قد مزقه الموت- الموت الموت الموتْ- يا حزن النيل الصارخ مما فعل الموتْ- طلع الفجرُ- أصغي إلى خطى الماشين- في صمت الفجر أصخ، أنظرْ ركْب الباكين- عشرة أموات، عشرونا- لا تحصِ أصخْ للباكينا...». ومع ذلك؛ فإن من الظلم بمكان أن نرى إلى القصيدة من زاوية قيمتها الفنية والجمالية المستقلة، لا بوصفها مؤشراً لما سيستتبعها لاحقاً من تغيرات دراماتيكية في معنى الشعر ووظيفته من جهة، وفي تغيير حساسية المتلقي وذائقته من جهة أخرى. ولعل ردة الفعل السلبية التي أبداها والد نازك صادق الملائكة، وهو شاعر وأديب، إزاء القصيدة، وقوله لابنته رداً على فعلتها المستهجنة «لكل جديد لذة غير أنني وجدت جديد (الموت) غير لذيذ»، هو التعبير الفوري عن «صدمة الحداثة» التي احتاج استيعابها إلى وقت طويل لاحق من قبَل المحيطين بها أولاً، ومن قبل جماهير القراء في فترة لاحقة. ومع ذلك، فإن ما هو محل للدهشة ليس ارتجال الوالد، تحبباً أو استنكاراً حقيقياً، لبيته الشعري الطريف، بل نبرة العصبية والتعالي التي حملها جواب الابنة اليافعة «قل ما تشاء، لكن هذه القصيدة ستغير خريطة الشعر العربي». ولعل هذا الحوار الملتبس بين الأب وابنته يعيد إلى الأذهان الحوار المماثل الآخر الذي حدث بين الخليل بن أحمد وابنه الفتى، بعدما شك هذا الأخير بصحة أبيه العقلية لدى ترداده لإيقاعات علم العروض وتفعيلاته المختلفة.
إن أي تنكر لدور نازك الملائكة في عملية التحديث الشعري هو ضرب من ضروب الإجحاف والافتئات على الحقيقة. ولم تكن الموهبة وحدها هي التي وفّرت للشاعرة، التي حملت اسم الثائرة السورية ضد الاحتلال الفرنسي نازك العابد، سبل القيام بهذه المجازفة الصعبة، بل لا بد من أن نضيف إليها احتجاج نازك المبكر على فساد الواقع وعقمه واهترائه، وتبرمها بكل ما يمت بصلة إلى السطحية والدنس والابتذال في علاقة الرجل بالمرأة. وقد أسهم تكوينها المثالي الرومانسي وجنوحها المبكر إلى العزلة في دفعها إلى البحث عن معنى للكتابة مستتر وراء السطوح الظاهرة للكلمات والمعاني، كما بدت تسمية ديوانها «عاشقة الليل» بمثابة ترجمة فعلية لرغبتها في مجانبة الوضوح النزق لنهار الحواس، والبحث عن الحقيقة في «ليل المعنى» وأعماقه الباطنية. ولا شك أن ثقافة نازك الواسعة وانكبابها على المطالعة وإتقانها لغات عدة قد وضعها في خانة الشعراء النقاد، وهو ما بدا واضحاً في كتابها النقدي النظري «قضايا الشعر المعاصر» الذي يتضمن الكثير من المفاهيم والمقاربات المغايرة للتقاليد الموروثة. فالمؤلفة التي أتقنت لغات عدة، بينها الإنجليزية، والفرنسية، واللاتينية، تبدي معرفة واسعة بالنظريات الأدبية السائدة في عصرها، كما بالتيارات الشعرية المختلفة وبخاصة الرومانسية منها. وهي تفيد من إلمامها بفنون التشكيل والموسيقى والعمارة لتؤكد على ضرورة الخروج من نفق الرتابة المغلق، ولتعقد مقارنة حاذقة بين التناظر الممل لهندسة البيوت البغدادية وبين التناظر المماثل لنظام الشطرين، معتبرة أن موجة الشعر الحر ستؤثر حتماً على النظام الصارم للعمارة العربية، كما أن نازك محقة تماماً في قولها إن الشعر الحر أصعب من نظيره الخليلي؛ لأن الشاعر هنا يخلق أشكاله بنفسه ولا يكتفي بتكرار النماذج والتصاميم المعدة سلفاً له.
لكن صاحبة «شظايا ورماد» لا تذهب في المغامرة حتى نهاياتها، بل هي تبدي توجساً وريبة شديدين، لا إزاء قصيدة النثر والنموذج التحديثي الجذري لمجلة «شعر» اللبنانية فحسب، بل إزاء مشروع الحداثة بحد ذاته، حيث تعتبر أن الكتابة الجديدة ما هي إلا نتيجة طبيعية لتبرم جيلها بأشباح الماضي ومضامين الشعر القديم «ريثما يتاح له الاستقلال الكامل فيعود إلى هذا القديم بنظرة أصفى وفهم أعمق»!. وإذا كان التدوير من جهة ثانية هو العنوان الأهم لتأنيث القصيدة العربية المنقلبة على نظامها العمودي الذكوري فإن موقف الشاعرة السلبي من التدوير واعتبارها أن «الشعر الحر هو ذو شطر واحد والتدوير فيه ممتنع» هو أمر بالغ الغرابة، كما أنه ينسف بعض أجمل نماذج السياب وأدونيس ومحمود درويش، وصولاً إلى حسب الشيخ جعفر الذي تأخذ عليه نازك مبالغته في التدوير والوصل بين الشطور، في حين أن هذه الميزة هي واحدة من أفضل سمات شعره ووجوه تجربته وأسلوبه. لكن اللافت هنا أن نازك ما تلبث أن تعترف في مقدمة إحدى مجموعاتها المتأخرة بأنها لم تحسن التعامل مع القافية ولا المباعدة بين القوافي بغية إفساح المجال للنمو الدرامي داخل النص.
إن من الضرورة بمكان أخيراً أن يتساءل أحدنا عن الأسباب الحقيقية التي حالت دون استكمال نازك لمشروعها الحداثي، وصولاً إلى الارتداد عن الكثير من طروحاتها التجديدية في نهاية المطاف. وفي اعتقادي، أن الإجابة لا تنحصر في نفور نازك مما آل إليه وضع الشعر الحر من تسيب واستباحة واستسهال، وهي ظاهرة لا تقتصر على مدرسة بذاتها أو عصر بعينه، بل تجد مسوغاتها في نشأتها المحافظة التي رسخت في داخلها نزوعاً إلى التهذيب المفرط وشعوراً بالخفر لازمها مدى الحياة، على ما يقوله كريم مروة في كتابه الأخير «قراءة في عوالم ثمانية شعراء عراقيين».
وقد لا يكون بالأمر الضروري أن تتطابق الجرأة في اللغة مع الجرأة في السلوك، إلا أن تجارب أخرى لنساء مماثلات أكدت على التلازم الواضح بين المغامرتين اللغوية والحياتية، كما كان حال فروغ فرخزاد وسيلفيا بلاث وفيرجينيا وولف، حيث الجنون والموت ينتظران عند الضفة الأخرى للتمرد. أما نازك التي أسهمت في تأنيث القصيدة من خلال رفدها بنبرة عالية من الحزن، وفق عبد الله الغذامي، كما من خلال تليين اللغة والتخفيف من فظاظتها الذكورية، فقد غيبت أنوثتها الفعلية وراء كمّ هائل من المثاليات والمفاهيم الاجتماعية الضاغطة. ورغم أن مناخات الغربة والألم والتبرم من الواقع، فضلاً عن هاجس الموت، تشيع في قصائد الشاعرة وأعمالها، فهي ظلت أسيرة تمزقها المستمر بين تشبثها بالتقاليد الموروثة وبين الانقلاب عليها. والشاعرة التي استهلت حياتها بنظم مطولة شعرية تناهز الألف ومائتي بيت من الشعر على البحر الخفيف وعادت لاحقاً إلى كنف البحور الخليلية، تعرف تمام المعرفة أن الطلقة التي أطلقتها في فضاء المغامرة والتجديد لن تعود إلى مكانها أبداً. أما وقوفها المترنح على شفير الخيارات فقد أنتج مستويات للكتابة شديدة التباين.
فنازك التي تحتفي بثورة العراق الشهيرة عبر لغة سطحية ومباشرة تتمثل في قولها «جمهوريتنا دفقة خير مسكوبة- تقطر إيماناً وعروبة- جمهوريتنا ضوءٌ، عطرٌ وعذوبة- تقطر من أحرفها الطيبة»، هي نفسها التي تطرح في نماذج مغايرة أعمق الأسئلة وأكثرها صلة بمعنى الشعر، كقولها في إحدى القصائد: «لماذا نعود؟ أليس هناك مكانٌ وراء الوجود- نظلّ إليه نسير ولا نستطيع الوصولْ؟ هنالك لا يتكرر مشهد هذا الجدار- ولا شكل هذا الرواقْ- ولا يرسل النهر في مللٍ نغمة لا تطاقْ- نصيخ لها باحتقارْ»، أو قولها في مكان آخر: «أهذا إذن هو ما لقّبوه الحياة؟ خطوط نظل نخطّطها فوق وجه المياه- وأصداء أغنية فظة لا تمسّ الشفاه؟؟ وهذا إذن هو سرّ الوجود؟ ليال ممزقة لا تعودْ - وآثار أقدامنا في طريق الزمان الأصمْ».



وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».