أسف دولي لانسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان

هيلي حاولت «بلا جدوى» فرض إصلاحات ووقف الانتقادات للانتهاكات الإسرائيلية

نيكي هيلي ومايك بومبيو يعلنان انسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان الأممي بمقر وزارة الخارجية أول من أمس (رويترز)
نيكي هيلي ومايك بومبيو يعلنان انسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان الأممي بمقر وزارة الخارجية أول من أمس (رويترز)
TT

أسف دولي لانسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان

نيكي هيلي ومايك بومبيو يعلنان انسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان الأممي بمقر وزارة الخارجية أول من أمس (رويترز)
نيكي هيلي ومايك بومبيو يعلنان انسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان الأممي بمقر وزارة الخارجية أول من أمس (رويترز)

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء أول من أمس الثلاثاء، انسحاب الولايات المتحدة من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي اتهمته المندوبة الأميركية الدائمة لدى المنظمة الدولية نيكي هيلي بأنه «مرتع للتحيز السياسي... وحامي منتهكي حقوق الإنسان» باستهدافه إسرائيل تحديداً، وتجاهله المجازر في بلدان أخرى، حسب تعبيرها، في خطوة أثارت أسف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والمفوض السامي لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين، وانتقادات من المنظمات الحقوقية عبر العالم.
ويمثل انسحاب الولايات المتحدة أحدث رفض أميركي للتواصل متعدد الأطراف بعد انسحابها من «اتفاق باريس» للمناخ والاتفاق النووي مع إيران. كما انسحبت من اليونيسكو، وأوقفت تمويل صندوق الأمم المتحدة للسكان، وخفضت مساهمتها المالية في وكالة «غوث» للاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (أونروا). ويأتي كذلك بعدما انتقد مجلس حقوق الإنسان واشنطن بسبب فصلها الأبناء القاصرين للمهاجرين غير الشرعيين عن ذويهم الذين يتطلعون للحصول على لجوء بعد دخولهم البلاد من المكسيك.
وأعلنت هيلي هذا القرار من واشنطن، حيث كان يقف إلى جانبها وزير الخارجية مايك بومبيو. وذكرت بأنها سافرت إلى مقر مجلس حقوق الإنسان في جنيف قبل عام للمطالبة بإجراء إصلاحات، ولكن دون جدوى. وقالت: «نتخذ هذه الخطوة لأن التزامنا لا يسمح لنا بأن نظل أعضاء في منظمة منافقة، تخدم مصالحها الخاصة وتحوّل حقوق الإنسان إلى مادة للسخرية». وأضافت: «للأسف صار واضحاً الآن أن دعوتنا إلى الإصلاح لم تلق اهتماما»، موضحة أن «منتهكي حقوق الإنسان لا يزالون يخدمون وينتخبون في المجلس». وأشارت إلى أن «الأنظمة اللا إنسانية في العالم لا تزال تفلت من التدقيق، ويواصل المجلس تسييس وتكبيل البلدان ذات السجلات الإيجابية لحقوق الإنسان في محاولة لصرف الانتباه عن المعتدين في صفوفهم»، عادّةً أن المجلس «ظل لفترة طويلة حامياً لمنتهكي حقوق الإنسان ومرتعاً للتحيز السياسي».
وجادلت هيلي بأن الولايات المتحدة أمضت عاماً في سعيها إلى إصلاحات، «لكن عيوب المجلس تعمقت»، مشيرة إلى انتخاب جمهورية الكونغو الديمقراطية لعضوية المجلس خلال العام الماضي، رغم حملة الإصلاح الأميركية، دليلا على أنه لا يمكن إصلاح المجلس. وكذلك لفتت إلى أن المجلس أخفق في عقد جلسة واحدة بشأن فنزويلا، وهي عضو في المجلس، أو إيران رغم سحق مظاهرات المعارضة بطريقة لا تعرف الرحمة. وقالت: «عندما لا يستطيع مجلس ما يسمى (حقوق الإنسان) أن يتصدى للتجاوزات الهائلة في فنزويلا وإيران، ويرحب بجمهورية الكونغو الديمقراطية عضوا جديدا، فالمجلس لا يستحق اسمه».
وكذلك نبهت إلى استمرار وجود «البند 7» من جدول الأعمال، وهو برنامج دائم على جدول أعمال المجلس، ومخصص حصراً لمناقشة انتهاكات حقوق الإنسان من الجانب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقالت إن «التركيز غير المتناسب على إسرائيل والعداء الذي لا ينتهي تجاهها دليل واضح على أن المجلس يحركه التحيز السياسي، وليس حقوق الإنسان».
وتوفر الولايات المتحدة الحماية لإسرائيل منذ أمد بعيد في الأمم المتحدة. وباستشهادها في قرار انسحابها بما تقول إنه تحيز ضد إسرائيل، فإن إدارة الرئيس ترمب قد تزيد من حجج الفلسطينيين بأن واشنطن لا يمكن أن تكون وسيطاً محايداً بينما تستعد لطرح خطة سلام للشرق الأوسط. وصوّت المجلس الشهر الماضي لصالح إجراء تحقيق في سقوط قتلى بقطاع غزة، واتّهم إسرائيل بالاستخدام المفرط للقوة. وصوّتت الولايات المتحدة وأستراليا وحدهما بـ«لا».
وانتقدت هيلي «البلدان التي عبّرت عن قلقها بشأن المجلس، لكنها لا تزال أعضاء فيه، مما يوحي بأن تلك البلدان تفتقر إلى الشجاعة»، بحسب تعبيرها. وقالت: «كل بلد اجتمعنا معه يوافقنا، من حيث المبدأ وخلف الأبواب المغلقة، على أن مجلس حقوق الإنسان بحاجة إلى تغييرات كبيرة منهجية دراماتيكية. ومع ذلك، لم يكن لدى أي بلد آخر الشجاعة للمشاركة في معركتنا». وانتقدت روسيا والصين وكوبا ومصر لعرقلتها الجهود الأميركية الرامية إلى إصلاح المجلس «المنافق والأناني». وقالت: «انظروا إلى عضوية المجلس، فسترون ازدراء مروعاً للحقوق الأساسية».
ويجتمع مجلس حقوق الإنسان 3 مرات في العام لبحث الانتهاكات الحقوقية في أنحاء العالم. وكلّف محققين مستقلين ببحث الأوضاع في دول منها سوريا وكوريا الشمالية وميانمار وجنوب السودان، وقراراته ليست ملزمة قانوناً، لكنها تحمل سلطة أخلاقية.
ومن الإصلاحات التي كانت تضغط الولايات المتحدة من أجل تبنيها، تسهيل طرد الدول ذات السجل السيئ في مجال حقوق الإنسان، ويلزم حاليا تصويت بأكثرية الثلثين في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تضم 193 دولة لتعليق عضوية إحدى الدول.
بدوره، قال بومبيو إن «مجلس حقوق الإنسان يمكّن الإفلات من الانتهاكات بإعفاء المخالفين من المسؤولية، من خلال الصمت، وبالتنديد دون وجه حق بمن لم يرتكبوا جرماً». وأضاف أن «الدول تواطأت بعضها مع بعض لتقويض الطريقة الحالية لاختيار الأعضاء». وعدّ أن «انحياز المجلس المتواصل والموثق بشكل جيد ضد إسرائيل تجاوز الحدود». وأفاد بأنه «منذ تأسيسه، تبنى المجلس عدداً من القرارات التي تدين إسرائيل تفوق تلك التي أصدرها على دول العالم مجتمعة».
وأكد بومبيو وهيلي أن الولايات المتحدة ستبقى على رأس المدافعين عن حقوق الإنسان. لكن في نظر كثيرين، يعكس القرار موقف الرئيس دونالد ترمب الرافض للأمم المتحدة وللتعددية في العمل الدبلوماسي بشكل عام.
وتعليقاً على هذا الانسحاب الأميركي، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن هيكل حقوق الإنسان بالأمم المتحدة «يقوم بدور مهم للغاية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان في أنحاء العالم»، وقال إنه كان يفضل لو بقيت الولايات المتحدة في المجلس.
أما المفوض السامي لحقوق الإنسان، فعدّ أن القرار «خبر مخيب للآمال، إنْ لم يكن مفاجئاً. بالنظر إلى وضع حقوق الإنسان في عالم اليوم، كان يتعين على الولايات المتحدة أن تكثف جهودها بدلا من أن تتراجع».
وكان المفوض السامي انتقد سابقاً سياسة ترمب في مجال الهجرة. وقال: «نعتقد أن سعي أي دولة لردع الأهالي عبر التسبب بإيذاء الأطفال بهذه الطريقة، أمر غير مقبول».
وأعرب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، ميروسلاف لايتشاك، عن الأسف إزاء القرار الأميركي، مذكراً بأن «مجلس حقوق الإنسان، الذي أنشئ عام 2006، هو الجهة الرئيسية بالأمم المتحدة المكلفة تعزيز وحماية الحقوق والحريات الأساسية للجميع، كما أنه يمنح صوتاً للناس بكل أنحاء العالم، بمن فيهم الأكثر ضعفاً». وقال إنه بالنظر إلى التحديات الدولية في العصر الحالي، فقد تأكدت قناعته بأن «العمل الجماعي من أجل عالم أفضل، سيستفيد من الحوار والتعاون».
وانتقدت الجماعات الحقوقية إدارة ترمب لعدم جعلها حقوق الإنسان أولوية في سياستها الخارجية. ويقول المنتقدون إن هذا يوجه رسالة مفادها أن الإدارة تغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان في بعض بقاع العالم.
وحذرت 12 جماعة حقوقية، ومنها «هيومن رايتس فيرست» و«أنقذوا الأطفال» و«كير»، من أن انسحاب واشنطن «سيجعل من الصعب تعزيز أولويات حقوق الإنسان ومساعدة ضحايا الانتهاكات حول العالم». وقال مدير «برنامج حقوق الإنسان» في «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية»، جميل دكوار، إن اتباع ترمب «سياسة الانعزالية المضللة إنما يضر بالمصالح الأميركية فحسب».
وقال المدير التنفيذي لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» كين روث إن «مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يلعب دوراً مهماً في دول مثل كوريا الشمالية وسوريا وميانمار وجنوب السودان، لكن كل ما يهتم به ترمب في ما يبدو هو الدفاع عن إسرائيل».
في المقابل، رحب المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون بالقرار الأميركي، ووصفه بأنه «شجاع».
وعندما أنشئ المجلس عام 2006، قاطعته إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش. وفي عهد الرئيس باراك أوباما، انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة الولايات المتحدة في المجلس لدورتين متتاليتين؛ وهو حد أقصى للدورات المتتالية. وبعد غياب عام، انتخبت واشنطن مجدداً في 2016 لفترتها الثالثة الحالية.
والولايات المتحدة حالياً في منتصف فترة عضوية مدتها 3 سنوات في المجلس الذي يضم 47 عضواً. وقال مسؤولو الأمم المتحدة إن الولايات المتحدة أول عضو ينسحب من المجلس.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟