لاجئون سوريون يتحدثون عن خوفهم من العودة: من غادروا مصنفون عملاء أو خونة

اتهامات لجهات لبنانية بالتواطؤ مع النظام لإمداده بالمجندين

أطفال سوريون يلعبون في أحد المخيمات ببلدة عرسال قرب الحدود اللبنانية - السورية (أ.ب)
أطفال سوريون يلعبون في أحد المخيمات ببلدة عرسال قرب الحدود اللبنانية - السورية (أ.ب)
TT

لاجئون سوريون يتحدثون عن خوفهم من العودة: من غادروا مصنفون عملاء أو خونة

أطفال سوريون يلعبون في أحد المخيمات ببلدة عرسال قرب الحدود اللبنانية - السورية (أ.ب)
أطفال سوريون يلعبون في أحد المخيمات ببلدة عرسال قرب الحدود اللبنانية - السورية (أ.ب)

تقول اللاجئة السورية سحر لـ«الشرق الأوسط»: «قريتي في ريف القصير فارغة تماماً من السكان. لو يعود سكان القرية كلهم، فأنا حاضرة لأنصب خيمة وأقيم فيها بينهم. كيف أعود؟ أتمنى، لكن الأمر مستحيل وممنوع. فقريبتي التي هُجِّرت إلى حمص، قدمت وثائق تؤكد ملكيتها أرضها وحاولت أن تعود لتزرعها مع ابنها إثر نيله شهادة في الهندسة الزراعية، لكنهم منعوها من العودة».
سحر أم لستة أولاد ومن قرية الشومرية في ريف القصير، وخسرت طفلة في الثانية من عمرها جراء القصف، كما خسرت ابنها الذي كان يستعد لتقديم شهادة البكالوريا العلمية أيضا، زوجها مقعد وهي تتعيش من البطاقة التموينية للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التي تبلغ قيمتها مائتي دولار، كما تعمل في تنظيف المنازل. وبعد الدوام المدرسي، يعمل ابناها في سوق الخضراوات لتحصيل مزيد من المال. إيجار منزلها في مخيم شاتيلا في ضاحية بيروت الجنوبية مائتا دولار. والإقامة صعبة في مخيم يراكم البؤس على البؤس ويشهد أكبر نسبة للاكتظاظ السكاني في غياب أي إحصاءات أو اهتمام بأوضاعه المتفجرة. لكن بؤسها في لبنان يبقى أرحم من بؤسها إذا عادت.
حين تُسأل عمن يمنعها من العودة، تجيب سحر: {لا أعرف».
يتولى غيرها من اللاجئين السوريين الإجابة. «لكن لطفاً من دون أسماء»، يقول أحد الشباب، ويضيف: «الكلام عن العودة في التلفزيون هين، لكن في الواقع مستحيل. إن أشرت إلى اسمي الأول وإلى منطقة سكني فسيعرفون هويتي ويلاحقونني إذا عدت. فقد كنت أساعد في أعمال الإغاثة عندما اعتقلوني. وكل من غادر يصنف إما (معارضة) أو عميلا أو خائنا. والتهديدات ليست عشوائية». ويتابع: «(حزب الله) يسيطر على قرانا، قبل أن يطالبنا المسؤولون في لبنان بالعودة، عليهم أن يطلبوا إلى (حزب الله) الخروج من أرضنا».
وعن عودة اللاجئين في عرسال التي يتم ترتيبها، يقول الشاب إن «النظام في سوريا لا يريد عودة كاملة وتحديداً للسنّة، إلا أنه يحتاج إلى الشباب ليجندهم في الخدمة العسكرية الإلزامية المجانية وإلى أجل غير مسمى. لذا بدأت عمليات ترغيب وترهيب من جانب جهات لبنانية لتحقيق الأمر. وأعطيت لمن يقرر العودة مغريات لم نعهدها من نظامنا ووعود بترتيب أوضاع. والمفوضية تعرف هذا، لكن ليس كل ما يعرف يقال».
والمواجهة تتصاعد بين وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين على خلفية قضية اللاجئين السوريين وسط موقف ضبابي غير حازم لحكومة تصريف الأعمال، سواء لجهة دعم باسيل أو لجهة رفض قراراته ووقف العمل بها. وقد وصل التوتر حداً ينذر بأزمة لا تلوح وسائل حلها، وذلك على خلفية اتهام باسيل المنظمة الدولية بأنها ترعب اللاجئين وتحرضهم على عدم العودة، وتسعى إلى توطينهم في لبنان.
إلا إن القانون الدولي العرفي يلزم الدول بعدم ترحيل اللاجئين قسراً، كذلك ليس من حق الدول التي تستضيف اللاجئين أن تتبع سياسات تشكل ضغطاً عليهم لإرغامهم على العودة القسرية. والمعايير الدولية للعودة لا يمكن المساومة عليها. وهي قائمة على تأمين الحد الأدنى من الحقوق التي يمكن التفاوض عليها. وأي كلام عن العودة من دون وضوح المسار السياسي في سوريا، قفزة في المجهول.
المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تسعى إلى تجنب أي أزمة مع الجهات الرسمية اللبنانية. وتقول المتحدثة الإعلامية في المفوضية ليزا أبو خالد لـ«الشرق الأوسط»: «تود المفوضية التشديد على أهمية العمل عن كثب مع لبنان من أجل إيجاد حلول آمنة وكريمة ومستدامة للاجئين السوريين. نحن نحترم حقوق اللاجئين في جميع البلدان من حيث اتخاذهم قرارات حرة وبأنفسهم بشأن العودة إلى ديارهم. وعلى نحو مماثل، فإننا لا نقف في طريق العودة على أساس قرارات فردية حرة ومتخذة عن دراية».
وتضيف: «تعبر المفوضية عن بالغ قلقها إزاء إعلان وزير الخارجية جبران باسيل يوم الجمعة الماضي تعليق إصدار تراخيص الإقامة لموظفي المفوضية الدوليين في لبنان، الذي من شأنه أن يؤثر على موظفينا وعائلاتهم كما يؤثر مباشرةً على قدرة المفوضية على القيام بأعمالها الحيوية المتعلقة بالحماية والحلول بشكل فعال في لبنان». كما تؤكد أن «عمل المفوضية يهدف إلى دعم حكومة لبنان والمجتمعات المحلية في التعامل مع التحدي الكبير الذي يواجهه لبنان في استضافته نحو مليون لاجئ سوري، والاستمرار ببذل جهودنا ضمن أسرة الأمم المتحدة الأوسع نطاقاً والمجتمع الدولي لإيجاد حلول دائمة للاجئين خارج لبنان. نحن نأمل أن تعيد وزارة الخارجية النظر في هذا القرار دون تأخير».
من جهته، يحذر الوزير السابق والرئيس السابق لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ومدير «معهد عصام فارس» في الجامعة الأميركية ببيروت الدكتور طارق متري، من أي إجراء قد يورط لبنان. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ممنوع طرد أي لاجئ يشعر أنه مهدد في بلده. ومبدأ عدم الترحيل يتأسس على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهو مذكور في شرائع ومعاهدات دولية. صحيح أن لبنان لم يوقع الاتفاقية المتعلقة باللاجئين رقم «1951»، وقد يعد البعض أنه في حِلّ من حقوق اللاجئين، لكن لبنان وقع مواثيق واتفاقات تحول دون الترحيل القسري. وهناك عرف مستقر لا يخوله القيام بهذه الخطوة. وبموجب دعوى قضائية يمكن أن يحصل اللاجئ على حقوقه إذا برهن على أنه معرض للخطر».
والسوريون ينتشرون على الأراضي اللبنانية، ويتداخلون في النسيج اللبناني، ولا يختصرها بؤس اللجوء إلى مخيم أو تجمع. وتبدو مسألة العودة ملتبسة هي أيضاً بين لجوء البؤس ولجوء الترف.
وفي حين تقوم بعض البلديات بالإخلاءات القسرية بناء على الجنسية والدين؛ مما تسبب بخسارة اللاجئين سكنهم وعملهم ودراستهم، إلا أن نسبة لا بأس بها من السوريين اختارت الإقامة والاستقرار في لبنان وإن كانت تستطيع العودة من دون عوائق فعلية.
تلك هي حال يزن. فهو يستطيع العودة، لكنه يفضل إنهاء دراسته الجامعية في لبنان ومواصلة عمله في إحدى الجمعيات الإنسانية. وواضح أنه يستمتع بنمط العيش على الطريقة اللبنانية، وهو يزور أهله في سوريا ويعود إلى لبنان.
ماذا عن الخدمة العسكرية؟ أسأله، فيجيب: «دفعت وحصلت على إعفاء». وعدم الرغبة في العودة تكبر لدى من يعمل؛ وتحديداً في التجارة، إذ لا تخلو أسواق بيروت في الأحياء والضواحي من دكاكين ومحال يملكها سوريون، استقروا وعائلاتهم بحيث لا يبدو أنهم يفكرون بعودة في المدى القريب. أحمد يملك متجراً للأدوات الإلكترونية والهواتف الجوالة... يقول لـ«الشرق الأوسط»: «متجري يعول أسرتي هنا كما يعول أهلي في سوريا. لماذا لا تعد السلطة في لبنان أني مهاجر ولست مهجراً؟ لدي إقامة ولا أخالف القانون اللبناني. عندما تتحسن الظروف في بلدي فسأعود، أما الآن؛ فلا أريد أن يحرم أولادي وأهلي من الحياة الكريمة».
ويقول المدير السوري لبرنامج «بحث» في «معهد الأصفري» بالجامعة الأميركية في بيروت الدكتور السوري حسان عباس، لـ«الشرق الوسط» إن «من عملنا مع اللاجئين على الأرض لم نلمس أن لديهم أفضليات في لبنان من خلال المساعدات. كلهم يريدون العودة. لكن هذه العودة تستوجب 3 عناصر؛ أولها الأمن وحق الحياة، بحيث إذا عاد لا يُعتقل أو يُقتل أو يساق إلى خدمة عسكرية تستمر إلى أن يقرر النظام عكس ذلك، بالتالي من ينخرط فيها يصبح إما قاتلاً أو مقتولاً. ومن ثم الكرامة، بحيث لا يمارس ضده الانتقام، لأن في سوريا من يتهم اللاجئين بأنهم عملاء وخونة. وأخيراً الحقوق العادية الضرورية للإنسان من مسكن وعمل. ومعلوم أن أكثر من 30 في المائة من المنازل مهدمة ولا مكان للعودة. لن يقبل اللاجئون بأن ينتقلوا من مخيم في لبنان إلى مخيم في سوريا، حيث لا يمكن للأمم المتحدة أن تهتم بالحد الأدنى من مستلزماتهم وحمايتهم».
ويضيف عباس: «بالتالي الرغبة في العودة مؤجلة حتى الحصول على ضمانات من النظام ومن المجتمع الدولي. والمفارقة أن أي دولة حتى الآن لم تعلن عن رغبتها في المساهمة في إعادة إعمار سوريا. فالحرب متواصلة، وحيث لا براميل ولا قتل جماعي، هناك القتل بالمفرق والاعتقال والإخفاء والخطف».



كيف تنعكس التفاهمات المصرية - التركية المتسارعة على ملفات الصراع في المنطقة؟

السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
TT

كيف تنعكس التفاهمات المصرية - التركية المتسارعة على ملفات الصراع في المنطقة؟

السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)

تعدَّدت الزيارات المتبادلة بين مصر وتركيا على مستويات رسمية مختلفة خلال الفترة الأخيرة، وصولاً لزيارة هي الأولى من نوعها لوزير دفاع مصري إلى أنقرة منذ 13 عاماً بدأت الأحد، وتحظى باهتمام واسع مع التوقيع على خطاب «نوايا حسنة» للتعاون الدفاعي بين البلدين؛ ما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس تلك التفاهمات المتسارعة على ملفات الصراع المفتوحة بمنطقة الشرق الأوسط.

وتباينت رؤى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن وجود تأثير إيجابي ملموس على بعض الصراعات، في مقابل وجهة نظر مخالفة ترى بأن التقارب بين البلدين لم ينعكس بعد بالشكل المطلوب على الاضطرابات المستمرة في المنطقة، بخاصة مع عدم التوصل إلى اتفاق سياسي يقود للاستقرار في ليبيا، وغياب التوافق الكامل بشأن التعامل مع ملفات بارزة في مقدمتها الأزمة في سوريا.

تعاون دفاعي

ووقَّعت تركيا ومصر، الاثنين، خطاب نوايا للتعاون الثنائي في المجال الدفاعي، في ختام مباحثات في أنقرة، بين وزير الدفاع التركي يشار غولر ونظيره المصري أشرف سالم زاهر.

الزيارة تأتي بعد أيام قليلة فقط من اختتام التدريب الجوي المشترك «نسر الأناضول 2026»، الذي شاركت فيه القوات الجوية المصرية والتركية إلى جانب أذربيجان، وبمشاركة طائرة إنذار مبكر تابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، كما سبقت الزيارة خطوات متقدمة شهدها التعاون العسكري خلال الأسابيع الماضية، أبرزها انعقاد اللجنة العسكرية المصرية - التركية المشتركة للمرة الخامسة.

وعقد البلدان أول اجتماع للمجلس الاستراتيجي للعلاقات خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة في سبتمبر (أيلول) عام 2024، وهو مجلس أُعيد إحياؤه خلال زيارة إردوغان للقاهرة في 14 فبراير (شباط) من العام نفسه.

غير أن الاجتماع الثاني الذي انعقد في القاهرة خلال زيارة إردوغان في فبراير الماضي كان أكثر شمولاً ونتج منه بيان مشترك مطول تضمن التأكيد على تقارب المواقف السياسية بشأن الكثير من أزمات المنطقة، في مقدمتها القضية الفلسطينية والأزمات في سوريا، ولبنان، والساحل الأفريقي، والصومال والسودان ومواجهة التنظيمات الإرهابية.

جانب من لقاء وزير الدفاع التركي ونظيره المصري في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)

الخبير في الشؤون التركية «بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور بشير عبد الفتاح، قال إن التقارب المتسارع بين مصر وتركيا على الأقل منع الصدام في ليبيا؛ إذ كانت هناك مصالح متعارضة بين الدولتين، وإن التفاهم السياسي بين البلدين انعكس على تهدئة الصراع والذهاب نحو الحلول السياسية التي تضمن وحدة الأراضي الليبية.

وأضاف عبد الفتاح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تضييق مساحات الخلاف في ليبيا يُعدّ إنجازاً مهماً، وبخاصة وأن هناك تنسيقاً متنامياً مع دول الجوار الليبي وأطراف الصراع هناك للتوصل إلى تفاهمات سياسية».

وهو ما يتفق معه الخبير في الشأن التركي، محمود علوش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، حيث شدد على أن المواقف المصرية - التركية كانت من المحفزات الإيجابية لتهدئة الصراع في ليبيا، بل إنها شكَّلت نقطة تحول في هذا الصراع، مضيفاً أن هناك «جهداً تركياً - مصرياً - سعودياً لدفع مسارات الحل إلى الأمام».

نتائج عملية غير واضحة

لكن عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، يشير إلى أنه كان من المأمول أن يقود التوصل لتفاهمات بين مصر وتركيا بشأن ليبيا إلى تسوية الأزمة، لكنها ما زالت مستعصية على الحل، وقد ذلك يرجع لأسباب تتعلق بأطراف الصراع هناك، لكن الواقع يشير إلى أن الأزمة ما زالت قائمة.

ويرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ما يحدث في ليبيا ينعكس على باقي ملفات الصراع بما يؤشر على أن التعاون المصري - التركي ترك تأثيرات إيجابية من حيث التفاهم السياسي الثنائي والإقليمي في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، لكن ما زال لم يحقق نتائج عملية في قضايا مهمة.

وفي 11 يوليو (تموز) الحالي، توافقت مصر وتركيا على «استمرار التشاور بينهما بشأن الشواغل الأمنية»، وضرورة «تجنيب المنطقة مخاطر التصعيد العسكري»، وذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره التركي هاكان فيدان.

توافق على وحدة سوريا

وعلى مستوى الأزمة في سوريا، أشار عبد الفتاح إلى «أن هناك تفاهماً مصرياً - تركياً للحفاظ على وحدة سوريا، لكن ما زالت هناك خلافات بشأن التمركز العسكري التركي هناك، لكن التفاهمات سياسية وعسكرية متزايدة تخلق مساحة من الثقة تسمح بمناقشة تلك القضايا الخلافية»، مضيفاً: «إن التدخلات الإسرائيلية في سوريا تحتاج إلى تنسيق بين البلدين، هذا بالإضافة إلى ملف إعادة الإعمار وتقاسم الأعباء بين البلدين؛ ما قد ينعكس إيجاباً على مستقبل الدولة السورية».

بينما يرى السفير رخا أحمد حسن، أن التقارب بين البلدين لم ينعكس بعد إيجاباً على الأزمة في سوريا مع وجود تفاوت في الرؤى بين البلدين نتيجة مواقف أنقرة من التنظيمات الإسلامية.

وزير الدفاع المصري في تركيا على رأس وفد عسكري رفيع المستوى (وزارة الدفاع التركية)

ويضيف حسن أن الوضع يختلف في الصومال؛ إذ إن القاهرة لديها تأثير قوي بفعل العلاقات التاريخية وقوة الدعم اللوجيستي الذي تقدمه مصر لحكومة مقديشو، بعكس تركيا وهي تُعدّ ضيفاً جديداً على المنطقة، مشيراً إلى أن توافق البلدين على وحدة الأراضي الصومالية لديه انعكاسات إيجابية، لكنها تتسم بالبطء، حيث إن هناك قدراً من الاستقرار النسبي في الصومال، إلا أن المهددات كبيرة.

الملف الصومالي

بينما يلفت محمود علوش إلى أن الملف الصومالي يُعدّ أحد الملفات التي تتوافق فيها مصر وتركيا للحد من التوغلات الإسرائيلية، ويشير في الوقت ذاته إلى أن علاقات البلدين تنافسية، لكن مع تقدم العلاقات هناك إدارة لهذا الملف وفقاً لقاعدة «التعاون التنافسي». ومن وجهة نظره، فإن ذلك يُعدّ «ميزة يمكن أن تجلب الكثير من الفوائد للبلدين، وقد تنعكس إيجاباً على استقرار الصومال».

وهنا يوضح الخبير في الشأن التركي بشير عبد الفتاح أن التفاهمات بين البلدين تقوم على هيكل أمني واستراتيجي قوي يمكن البناء عليه بمقاربات دولية تقود إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، وبالتالي ستكون هناك فرصة لتبريد الصراعات، مشدداً على ضرورة أن يكون هناك تعاون أوسع مع دول بارزة في المنطقة، في مقدمتها السعودية وباكستان لفرملة التدخلات الخارجية السلبية في شؤون دول الإقليم بما يضع أسساً لقواعد إقليمية تخدم مصالح دول المنطقة.

وفي 21 يونيو (حزيران) الماضي دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى إطار مؤسسي للآلية التشاورية مع السعودية وتركيا وباكستان، التي انطلقت بعد 3 أسابيع من اندلاع حرب إيران نهاية فبراير الماضي.


النفوذ الإيراني يخيّم على لقاء ترمب بالزيدي

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)
TT

النفوذ الإيراني يخيّم على لقاء ترمب بالزيدي

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)

في أول زيارة خارجية منذ توليه رئاسة الحكومة، يأتي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن حاملاً أجندة تبدو اقتصادية في ظاهرها، لكنها تخفي واحدة من أكثر جولات التفاوض حساسية بين بغداد وواشنطن.

اللقاء المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، لا يأتي في ظل تصاعد المواجهة الأميركية - الإيرانية والمخاوف من تداعيات أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز فحسب، بل أيضاً مع سعي إدارة ترمب إلى إعادة رسم دور العراق في الشرق الأوسط، عبر تقليص النفوذ الإيراني، وتحويل بغداد من ساحة صراع إلى شريك اقتصادي وأمني رئيسي للولايات المتحدة.

وتعكس التصريحات التي أدلى بها الزيدي قبل الزيارة محاولة واضحة لإعادة تعريف طبيعة العلاقة مع واشنطن. فبدلاً من العلاقة التي طغت عليها ملفات الإرهاب والوجود العسكري الأميركي، يسعى رئيس الوزراء العراقي إلى نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار والتنمية والتكنولوجيا.

وكتب الزيدي في مقال نشرته «واشنطن بوست» أن هدفه هو «الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص»، مؤكداً أن العراق يريد أن يصبح شريكاً اقتصادياً، لا مجرد ملف أمني في السياسة الأميركية.

واستهل الزيدي لقاءاته بعقد اجتماع مغلق مع توم برّاك، المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا، مساء الاثنين، بمقر إقامة الوفد العراقي. وبدا اللقاء أقرب إلى جلسة تمهيدية لرسم جدول أعمال المباحثات مع إدارة ترمب، ومناقشة ملف حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء وجود الفصائل المسلحة خارج سيطرة الحكومة، والحد من النفوذ الإيراني، وأيضاً مستقبل الوجود العسكري الأميركي بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 سبتمبر (أيلول).

وفي وقت لاحق، من المقرر أن يقيم وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث استقبالاً شرفياً لرئيس الوزراء العراقي قبل لقاء كبار المسؤولين في «البنتاغون»، على أن يلتقي الزيدي بعدها أعضاء الكونغرس بمجلسيه.

وسيلتقي الزيدي، الأربعاء، رئيس البنك الدولي ورئيس مؤسسة التمويل الدولية، ثم الجالية العراقية من ولايات ميشيغان، وتكساس وكاليفورنيا، وممثلي القطاع الخاص والطلبة المبتعثين. ثم ينتقل إلى هيوستن بولاية تكساس الخميس، حيث يزور شركات «هاليبرتون» و«شيفرون» و«إكسون موبيل»، كما يلتقي رئيس الغرفة التجارية الأميركية.

ويعقد اجتماع مائدة مستديرة مع ممثلي شركات الطاقة العاملة في العراق، والشركات التي لديها رغبة في العمل بالعراق.

ويعود الزيدي إلى واشنطن، الجمعة، للمشاركة في قمة الأعمال رفيعة المستوى التي تنظمها غرفة التجارة الأميركية، حيث يناقش المشاركون «آفاق الشراكة الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة»، إلى جانب ملفات التقنيات المالية والمصرفية والرقمية، وفرص توسيع التعاون بين البلدين.

أولويات بغداد

يريد الزيدي أن يقدم حكومته بصفتها حكومة إصلاح اقتصادي؛ وهو ما انعكس على تشكيلة الوفد العراقي الذي يضم 27 وزيراً ومسؤولاً رفيع المستوى، بينهم وزراء النفط والكهرباء والتجارة والخارجية، ومحافظ البنك المركزي، ومستشار الأمن القومي، إضافة إلى رجال أعمال.

وقال المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، للصحافيين، إن ملف النفط يحتل جانباً مهماً من النقاشات، للبحث عن منافذ جديدة لتصدير النفط العراقي، لتفادي أضرار أي إغلاق لمضيق هرمز.

ويمر عبر المضيق ما يقرب من 90 في المائة من صادرات العراق النفطية، التي تبلغ 3.4 مليون برميل يومياً.

وكان رئيس الوزراء قد صرح بأن العراق يسعى إلى زيادة إنتاجه النفطي إلى 7 ملايين برميل يومياً خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وأشار مسؤولون عراقيون إلى أن الرسالة الأساسية التي يحملها الوفد تتمثل في إقناع المستثمر الأميركي بأن العراق يبحث عن شراكات طويلة الأمد في مجالات الطاقة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية. لكن واشنطن تنظر إلى هذه الأجندة الاقتصادية من زاوية مختلفة؛ فهي ترى أن نجاح أي استثمارات أميركية يتطلب أولاً بيئة أمنية مستقرة تشجع الشركات الأميركية على القدوم إلى العراق؛ وهو ما يعيد ملف الفصائل المسلحة إلى صدارة المباحثات.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مستقبلاً المبعوث الأميركي توم برّاك في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)

ما يريده ترمب

رغم أن جدول الزيارة يركز رسمياً على الاقتصاد والاستثمار، فإن الملفات الأمنية ستكون حاضرة بقوة على طاولة البيت الأبيض.

تتمثل أولويات إدارة ترمب في ثلاثة ملفات رئيسية: ضمان احتكار الدولة العراقية للسلاح، وإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ومنع استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف القوات أو المصالح الأميركية، وبناء شراكة اقتصادية تمنح الشركات الأميركية موقعاً متقدماً في مشاريع النفط والطاقة والبنية التحتية.

وترى واشنطن أن نجاح حكومة الزيدي في تنفيذ تعهداتها بشأن حصر السلاح بيد الدولة سيكون الاختبار الحقيقي لعلاقتها الجديدة مع الإدارة الأميركية.

من جهته، يحاول الزيدي إقناع الإدارة الأميركية بأن حكومته حققت تقدماً سريعاً خلال أقل من ستين يوماً، سواء في مكافحة الفساد أو في دمج بعض الفصائل داخل مؤسسات الدولة، لكنه يدرك أن واشنطن ستقيس نجاحه بمدى قدرته على التعامل مع أكثر الفصائل ارتباطاً بطهران، ويطلب من واشنطن تقديم الدعم الاستخباراتي والفني والعسكري لحكومته.

وقد زادت مواقف هذه الفصائل من تعقيد المهمة قبل أيام من الزيارة، فقد أعلنت المجموعة التي تطلق على نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق» رفضها تسليم السلاح، ووضعت سلسلة من الشروط السياسية، محذرة من استبدال الاحتلال العسكري باحتلال اقتصادي عبر الشركات الأميركية.

كما صعّد زعيم «كتائب حزب الله» أبو حسين الحميداوي لهجته، داعياً الحكومة إلى ما أسماه «الانصياع لإرادة المقاومة»، ومؤكداً استمرار ارتباط الفصيل بالمحور الإيراني.

وتدرك واشنطن أن هذه المواقف لا تستهدف الحكومة العراقية وحدها، وإنما تشكل أيضاً رسالة مباشرة إلى إدارة ترمب بأن تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق لن يكون مهمة سهلة.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في مطار النجف بالعراق قبيل تشييع المرشد علي خامنئي (رويترز)

بين واشنطن وطهران

ويجد الزيدي نفسه أمام معادلة معقدة؛ فهو يريد بناء علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، التي ما زالت تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً داخل العراق. ولهذا شدَّد في أكثر من مناسبة على أن العراق «لن ينضم إلى أي محور»، وأن بغداد تسعى إلى لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، لا أن تكون جزءاً من الصراع بينهما.

ويحاول الزيدي إقناع الإدارة الأميركية بأن تقليص النفوذ الإيراني لا يمكن أن يتم عبر المواجهة المباشرة، وإنما من خلال بناء دولة قوية واقتصاد قادر على استيعاب القوى المختلفة داخل النظام السياسي. ولذا؛ تراهن بغداد على أن الاقتصاد سيكون المدخل الأكثر واقعية لإعادة بناء العلاقات مع واشنطن.

وفي مقال نشرته «واشنطن بوست»، أشار الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس، القائد السابق للقوات الأميركية في العراق، إلى أن العراق يقف أمام «لحظة تاريخية نادرة» قد تتيح له إعادة بناء الدولة بعد عقود من الديكتاتورية والحروب والإرهاب والتدخلات الخارجية، عادَّاً أن زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن تمثل فرصة لترسيخ شراكة جديدة مع الولايات المتحدة.

ورأى بترايوس أن نجاح العراق يتوقف على قدرة الحكومة على تفكيك شبكات الفساد والميليشيات، واحتكار الدولة للسلاح، وتعزيز سيادة القانون، وتنويع الشراكات الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد المفرط على أي طرف خارجي، ولا سيما إيران.


الأمم المتحدة تغيّر مقاربتها للأمن الغذائي في اليمن

مزارعون يمنيون في محافظة أبين استفادوا من دعم أممي (الأمم المتحدة)
مزارعون يمنيون في محافظة أبين استفادوا من دعم أممي (الأمم المتحدة)
TT

الأمم المتحدة تغيّر مقاربتها للأمن الغذائي في اليمن

مزارعون يمنيون في محافظة أبين استفادوا من دعم أممي (الأمم المتحدة)
مزارعون يمنيون في محافظة أبين استفادوا من دعم أممي (الأمم المتحدة)

تتجه الجهود الدولية إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الغذائي في اليمن، عبر التركيز على بناء أنظمة زراعية محلية قادرة على الصمود، بدلاً من الاقتصار على تقديم المساعدات الغذائية الطارئة، في محاولة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل اعتماد ملايين اليمنيين على الإغاثة.

ويرى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تحقيق الأمن الغذائي لا يبدأ من زيادة إنتاج المحاصيل فحسب، وإنما من بناء منظومة متكاملة تشمل جميع حلقات سلسلة القيمة الزراعية، بدءاً من توفير المدخلات الزراعية، مروراً بإدارة الموارد المائية والإنتاج والتخزين والنقل، وصولاً إلى التسويق والتصنيع الغذائي، بما يضمن استدامة الإنتاج وتحسين دخل المجتمعات الريفية.

ووفقاً للبرنامج، فقد انعكست التدخلات التنموية على تحسين أداء سلاسل القيمة الزراعية، عبر تعزيز خدمات الري، وتسهيل الوصول إلى المدخلات الزراعية والأسواق، وتقوية دور التعاونيات والمؤسسات المحلية، ودعم قدرة المنتجين على استئناف نشاطهم الزراعي في بيئة تتسم بندرة الموارد وارتفاع المخاطر.

ووفقاً للبرنامج، فإن آثار هذه التدخلات لا تقتصر على زيادة الإنتاج الزراعي، بل وتحسين دخل المجتمعات الريفية، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز القدرة على الصمود أمام الأزمات، بما يدعم التحول التدريجي من الاعتماد على المساعدات الإنسانية إلى تنمية اقتصادية محلية أكثر استدامة.

محصول وفير من الفلفل في أبين اليمنية بدعم أممي (الأمم المتحدة)

وبات التصحر يهدّد نحو 97 في المائة من الأراضي الزراعية في اليمن، في حين تتدهور الأراضي الصالحة للزراعة بمعدل يتراوح بين 3 و5 في المائة سنوياً، وهي مؤشرات تعكس حجم الضغوط البيئية التي تواجه القطاع الزراعي إلى جانب تداعيات الصراع، طبقاً لتقرير البرنامج.

ويتطلب تعزيز الأمن الغذائي الاستثمار في البنية التحتية الزراعية، وإعادة تأهيل شبكات الري، وتحسين إدارة المياه، ودعم المؤسسات المحلية والتعاونيات الزراعية، وربط المنتجين بالأسواق، بما يسهم في تقليل الفاقد الزراعي ورفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية.

استثمار قدرة المجتمع

يعمل البرنامج على تطوير سلاسل القيمة الزراعية، من خلال دعم مقدمي الخدمات الزراعية، وموردي المدخلات، والجهات العاملة في التخزين والتسويق؛ كون أن أي خلل في إحدى حلقات هذه السلسلة ينعكس مباشرة على قدرة المزارعين في الوصول إلى الأسواق وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.

مزارعان يمنيان يتفقدان الشتلات للتأكد من صحتها قبل بدء زراعتها (الأمم المتحدة)

ومنذ عامين كشف تقرير حكومي عن ارتفاع نسبة التصحر وتدهور الأراضي الزراعية في اليمن من 8.7 في المائة في عام 2015، إلى 17.54 في المائة في عام 2019، مع زيادة مؤشرات الجفاف وتأثيرها على السكان والتنوع البيولوجي.

وأظهر التقرير الذي أعدَّته وزارة الزراعة اليمنية أن مخاطر الجفاف ارتفعت من 36 في المائة إلى 42.6 في المائة خلال الفترة نفسها، في محافظات شبوة، وحضرموت، والحديدة، وسقطرى، والجوف وحجة.

ويرى خبراء تنمية أن هذا التوجه يمثل انتقالاً من الاستجابة الإنسانية قصيرة الأجل إلى الاستثمار في قدرة المجتمعات المحلية على إنتاج غذائها، بما يسهم في خلق فرص عمل في المناطق الريفية، وتحسين دخل الأسر، وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية.

ويقول سعيد الشرجبي، الأكاديمي والخبير الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إن الجفاف وتأخر مواسم الأمطار أدى، بالإضافة إلى انخفاض إنتاج المحاصيل الزراعية، وزيادة انعدام الأمن الغذائي وتفاقم أزمة الغذاء، إلى انتشار أمراض المحاصيل وظهور أمراض جديدة، وتآكل التربة وتدهور الأراضي الزراعية، وزيادة الفقر وتأثيرات سلبية كبيرة على سبل عيش المزارعين.

مزارعتان يمنيتان تعالجان سيقان المحاصيل لتحويلها سماداً عضوياً (الأمم المتحدة)

وبيَّن أن التغير المناخي أدى إلى تغيير مواعيد مواسم الزراعة في اليمن. حيث أصبحت الأمطار غير منتظمة والفيضانات والسيول تزداد شدة وتواتراً؛ ما يجعل من الصعب على المزارعين التكيف مع هذه التغيرات.

ويظلّ نجاح هذه المقاربة، حسب مختصين، مرتبطاً بعدد من التحديات، في مقدمتها استمرار النزاع، وتراجع التمويل الدولي، وتدهور البنية التحتية، واستمرار أزمة المياه، وهي عوامل قد تحدّ من قدرة القطاع الزراعي على استعادة دوره في دعم الأمن الغذائي.

التعايش مع التغيرات

يؤكد البرنامج الأممي أن بناء أنظمة غذائية محلية أكثر استدامة يمثل أحد المسارات الأساسية لتعزيز قدرة اليمن على مواجهة الأزمات مستقبلاً، عبر الانتقال تدريجياً من الاعتماد على المساعدات إلى تنمية الإنتاج المحلي ودعم الاقتصاد الريفي.

مزارعان يمنيان يعاينان محصول السمسم للتأكد من صلاحيته للبيع للمستهلكين (الأمم المتحدة)

وكانت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) توقعت أن يصل حجم واردات اليمن من الحبوب إلى 5.2 مليون طن خلال 2026، لسد الفجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات الاستهلاكية في ظل استمرار التحديات المناخية والاقتصادية.

ولفتت إلى أن تقلص المساحات المزروعة وانخفاض إنتاجية المحاصيل في المناطق المعتمدة على الأمطار، واستمرار النزاع، وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية، واضطرابات سلاسل التوريد، عوامل زادت من الضغوط على القطاع الزراعي.

ويقترح الخبير الزراعي الشرجبي استنباط محاصيل تتلاءم مع التغيرات المناخية، وبناء خزانات حصاد مياه الأمطار لتوفير المياه للمزارعين وللماشية خلال فترات الجفاف وتشذيب وصيانة مصارف الري ومجاري السيول لتنظيم تدفق المياه بين المزارع وتقليل تأثير الفيضانات والتوجه نحو استخدام شبكات الري الحديثة واستصلاح الأراضي المتضررة وصيانة المدرجات الزراعية لزيادة الإنتاج الزراعي وتحسين سبل عيش المزارعين.

عاملتان يمنيتان في أبين تفحصان تغليف المنتجات قبل إنزالها إلى الأسواق (الأمم المتحدة)

وبينما دعا إلى تنفيذ مشاريع زراعية مستدامة لتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ وتحسين الأمن الغذائي، أشاد الشرجبي بمشروع الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي التابع للبرنامج الأممي والذي يعمل على تحسين الإنتاج الزراعي ببناء خزانات لحصاد مياه الأمطار ومصارف الري، إلى جانب مشروع الأشغال العامة والصندوق الاجتماعي للتنمية، لاستصلاح الأراضي المتضررة وتوفير فرص عمل مؤقتة للمزارعين.

ولا تزال توقعات المعهد الدولي لبحوث المناخ والمجتمع تضع احتمالات كبيرة لاستمرار تراجع معدلات الأمطار بنحو 40 في المائة في المناطق الجنوبية الغربية من اليمن؛ ما قد يضعف الأثر الإيجابي لهطول المطر الأخير ويقلص فرص الاستفادة منه على المدى الطويل.