مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5): إنشاء محكمة الجنايات الدولية جاء نتيجة عمل امتد لأكثر من 50 عاما

بسيوني يتوسط مؤسسي المحكمة الدولية خلال المؤتمر الذي حرر اتفاقية إنشاء المحكمة، وعقد في روما عام 1998
بسيوني يتوسط مؤسسي المحكمة الدولية خلال المؤتمر الذي حرر اتفاقية إنشاء المحكمة، وعقد في روما عام 1998
TT

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5): إنشاء محكمة الجنايات الدولية جاء نتيجة عمل امتد لأكثر من 50 عاما

بسيوني يتوسط مؤسسي المحكمة الدولية خلال المؤتمر الذي حرر اتفاقية إنشاء المحكمة، وعقد في روما عام 1998
بسيوني يتوسط مؤسسي المحكمة الدولية خلال المؤتمر الذي حرر اتفاقية إنشاء المحكمة، وعقد في روما عام 1998

كان أول ما لفت انتباهي خلال بحث أجريته حول البروفسور شريف بسيوني، التسمية التي أطلقها الإعلام الغربي عليه، وهي «أبو القانون الجنائي الدولي». وعندما سألته، أجابني بأن تلك التسمية جاءت تتويجا لمسيرة طويلة بدأت في الستينات، وكانت بدورها نتيجة مسلسل من الأحداث التي سمحت له بإجازات مختلفة كانت في مجال واحد. وقال: «لم يكن عملي واهتمامي متشعبا في اتجاهات متعددة، لكنه كان منصبا في اتجاه واحد وعلى مدار نحو 60 عاما. وأدت هذه الاستمرارية والتراكم الكبير الذي جرى خلال تلك الفترة، إلى هذه النتيجة».
وأكد بسيوني في حديثه، أن الكثيرين يرون أن إنشاء محكمة الجنايات الدولية، كان «نتيجة عملي على مدار 50 عاما أو أكثر. وهذا حقيقي إلى حد ما، لأن هدفي كان خلال هذه الفترة، أن ينضم إليّ آخرون في هذا المجال. فكلما توسّعت دائرة من يعملون في مجال واحد، تكون النتيجة أضمن؛ فالعمل الحقيقي لم يكن مجرد عمل فرد واحد بل جماعة. فالفرد قد يكون محركا للجماعة، وقد يكون رائدا في بعض الأحيان، أو تابعا أحيانا أخرى أو مشاركا، أو له أدوار مختلفة، لكن المهم أن يكون ضمن التيار نفسه والعمل والمجال، ويشعر الآخرين بأن هذا ليس رغبة في الحصول على مصلحة شخصية أو مادية، وليس غرورا منه للحصول على ميزات؛ فالذي يعمل بتفان وإيمان وعقيدة وإخلاص يشجع آخرين على الانضمام إليه».
خلال جلساتنا الطويلة وحواراتنا الممتدة، لاحظت اهتمام بسيوني الكبير بالمعهد الدولي للدراسات الجنائية في مدينة سيراكوزا، واعتزازه الشديد به، وإشارته إليه من حين لآخر. لذلك لم أستغرب أبدا، أن يبدأ بسيوني هذه الحلقة، وهي الخامسة في سلسلة مذكرات بسيوني، بالحديث عنه. كنت أحد مؤسسي المعهد الذي أترأسه منذ تأسيسه، على مدار 42 سنة درب 37 ألف قانوني في 146 دولة في العالم، وهو رقم خيالي فلا يوجد معهد في العالم أو دولة لها هذا الدور، ونفوذي يتمثل في أن من تدربوا في المعهد وصلت لهم أفكاري، وعن طريقهم وصلت إلى غيرهم، والمهم ليس لأنها أفكاري بل المهم أنهم اقتنعوا أن هناك شيئا اسمه العدالة الجنائية الدولية. وهناك حاجة ماسة إلى حقوق الإنسان بما في ذلك حق المرأة، وحق غير المسلمين في الدول الإسلامية، والحقوق المختلفة، والأهم أننا نحترم حق الغير حتى لو اختلفنا مع هذا «الغير».
فكرة العدالة الجنائية انتشرت كذلك عن طريق عملي في النشرات وفي الكتب، فكل كتبي مترجمة إلى لغات مختلفة، لقد ألفت 26 كتابا، وكنت من المحررين أيضا لـ45 كتابا أخرى ونشرت أكثر من 250 مقالا قانونيا، وترجمت أعمالي إلى الصينية، والروسية والفارسية والمجرية والفرنسية والإسبانية والإيطالية، ترجمت إلى 11 لغة مختلفة تقريبا. مثلا ترجم لي كتابان إلى اللغة الصينية في القانون الجنائي الدولي وهما كتابان معتمدان هناك في تدريس هذه المادة، فكل من يتعلم القانون الجنائي الدولي في الصين في كل كليات الحقوق، في الكلية الدبلوماسية ووزارة العدل، يعتمد على هذين الكتابين. وفي دول أخرى. لكن للأسف في العالم العربي هناك نقص في نشر وتوزيع الكتب، وهذا يرتبط بتراجع مستوى التعليم؛ فمثلا في جامعة القاهرة حيث كنت أستاذا غير متفرغ وجدت أن مستوى طلبة الدكتوراه والدراسات العليا يساوي أو أقل مما كنت عليه كطالب في السنة الأولى والثانية. الثقافة القانونية تدنت في العالم العربي، وحتى مهنة المحاماة تحولت من مهنة إلى حرفة.
بدأ عملي عندما أصبحت أستاذا، مع الجمعية الدولية للقانون الجنائي وهي من أقدم الكليات في العالم، أنشئت في فيينا سنة 1889. وشاءت الظروف أن كان لي بعض المؤيدين في الجمعية، فعينت أمينا عاما مساعدا عام 1972، وكانت المرة الأولى في تاريخ الجمعية منذ تأسيسها أن يشغل غير أوروبي وظيفة الأمين العام أو نائب الأمين العام، ثم أصبحت أمينا عاما، وأعيد انتخابي ثلاث مرات لمدة 15 سنة بالإجماع من 3000 عضو، في أكثر من 50 دولة، ثم انتخبت رئيسا للجمعية لثلاث مرات متتالية أيضا لـ15 سنة، على الرغم من أن الرئاسة عادة ما تكون لمدتين فقط، لكن الجمعية قامت باستثناء بالنسبة لي، وطبعا انتخابي كان بالإجماع أيضا، وتمكنت من خلال تسيير عمل الجمعية، إلى الاتجاه إلى العدالة الجنائية الدولية.
وكانت هذه المنظمة تنشر مجلة هامة جدا، وهي المجلة الدولية للقانون الجنائي، وهي التي دفعتها أيضا إلى مجال حقوق الإنسان، والقانون الجنائي، فتوسعنا، وعن طريق المعهد الدولي الذي أنشئ عبر الجمعية، فأصبح هناك ما يسمى بالإنجليزية «الكريتيكل ماس»، من جمعية العلماء والأساتذة في جميع أنحاء العالم يتجهون في اتجاه واحد، ومعهد تدريبي يسير في نفس الاتجاه، الاثنان يداران من نفس الشخص مما أدى إلى اندماج، أدى بدوره إلى قوة جذبت إليها المنظمات العلمية، والمنظمات غير الحكومية، وكذلك المسؤولون في عدة حكومات، فكانت نتيجة هذا التراكم كله إنشاء محكمة جنائية دولية تبنتها هذه الجمعية لأول مرة بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1924، وتبلورت فيما بعد وخصوصا أنني كمشرف على مجلة الجمعية وأعمالها وبرامج المعهد كنت أقوم ببرامج كثيرة وعدة مطبوعات فتكثف الرأي وأصبح ما كان يعتبر بعد الحرب العالمية الأولى نادرا وغريبا أصبح ممكنا خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، في محكمة نورنبرغ.
وأذكر أنه في محكمة نورنبرغ كان هناك أربعة قضاة، كان أحدهم رئيسا للجمعية الدولية للقانون الجنائي وكان أستاذا فرنسيا اسمه دونوديو دي فابر، وأثناء محاكمات نورنبرغ – وكان هذا لأول مرة في التاريخ – عقدت الجمعية الدولية اجتماعا في نورنبرغ نفسها، على الرغم من أنها كانت بعد الحرب في سنة 1946، لوضع أسس محكمة جنائية ثابتة في المستقبل.. إن هذه الاستمرارية وانتهاز كل فرصة لترسيخ هذه الفكرة وتقويتها أديا في النهاية لهذه النتيجة.
في عام 1976 طلبت مني هيئة الأمم أن أضع مشروع نظام أساسي لمحكمة جنائية دولية لمحاكمة مرتكبي جريمة التفرقة العنصرية في أفريقيا الجنوبية لأنه وقتها كانت هناك حرب أهلية.على أن تعالج ظروف التفرقة العنصرية هناك (أبرتايت) والتي كانت سنة 1976، متضمنة لنص يمكن الاستناد إليه لإنشاء محكمة جنائية دولية خاصة بهذه الجريمة، فقمت بوضع هذا النظام الأساسي، وكانت مسيرة هذا النظام أنه لم يطبق، وطبعا حصل حل سلمي فيما بعد عن طريق نيلسون مانديلا، ولكن هذا النظام أرسل لما يسمى اللجنة الدولية التابعة لهيئة الأمم وظل المشروع في هذه اللجنة حتى عام 1994. يمكننا هنا أن نشير إلى عام 1992، حيث أعادت هيئة الأمم النظر في فكرة العدالة الجنائية الدولية، بعد أن كانت متوقفة لأسباب الحرب الباردة من أيام نورنبرغ إلى 1992، وجرى إحياؤها لنشوب حرب يوغوسلافيا التي كانت مشتعلة جدا.
لكن العالم الغربي لم يكن يرغب في التدخل فيها عسكريا، فوجدوا مخرجا في مجلس الأمن بإنشاء لجنة مستقلة خاصة للتقصي في جرائم الحرب، وكان الأمين العام لهيئة الأمم وقتها هو بطرس بطرس غالي الذي كانت تجمعني معه وقتها صداقة منذ سنوات، وسبق وأن عملنا معا في كامب ديفيد وفي إطار اتفاقية السلام، وبطرس عينني في هذه اللجنة وكانت رغبته أن أكون رئيسا للجنة لكن كانت هناك مصاعب مع بريطانيا وبعض الدول الأخرى بتعييني رئيسا للجنة باعتباري مسلما لأن معظم الضحايا وقتها من البوسنة وكانوا مسلمين، لكنني فيما بعد أصبحت رئيسا لهذه اللجنة على الرغم من كل الصعوبات التي اعترضتنا في إنشاء وعمل هذه اللجنة لعدم تمكنها من التوصل إلى ما توصلت إليه. استطعنا تجميع أدلة كافية في تقرير وهو أطول تقرير في تاريخ هيئة الأمم مكون من 3500 صفحة مصحوبا بـ300 ساعة فيديو تسجيلات وكذلك 3000 صورة فوتوغرافية. وضعنا هذا التقرير أمام مجلس الأمن الذي اضطر بناء على هذه الأدلة - وقال ذلك في القرار نفسه – إلى أنه: «بناء على الأدلة المقدمة من اللجنة أنشئت هذه المحكمة»، فأنشئت محكمة يوغوسلافيا وطلب مني باعتباري كنت رئيس اللجنة أن أشارك في وضع النظام الأساسي لها، فشاركت فيها، ثم بعد ذلك تابع مجلس الأمن هذه الخطوة بإنشاء محكمة جنائية دولية للجرائم المرتكبة في رواندا، وكان هذا عام 1994. وتزامن هذان الموضوعان في مجلس الأمن ونظرت «ذي إنترناشيونال لوكوميشن» في الموضوع المقدم مني في السبعينات، وأصدر (انت لوكو) التقرير الأساسي لتكوين محكمة جنائية دولية ثابتة وهذا النظام الأساسي والذي يعتمد ثلثاه تقريبا على المشروع الذي قدمته أنا في السبعينات. فقدم هذا المشروع إلى الجمعية العامة التي أنشأت لجنة خاصة للنظر فيه؛ فمصر رشحتني كعضو في وفدها وانتخبت نائبا لرئيس هذه اللجنة، ورئيسها كان هولنديا وبقيت نائبا، وباعتبار أني أنا من وضعت المشروع أساسا، فكانت الجمعية دائما ما تلجأ لي لشرح مضمون المشروع، وانتهينا بتقرير، وبناء عليه قررت الجمعية العامة أن تنشئ لجنة ثابتة، لا مؤقتة كما في 1994، وفي 1995 أنشئت هذه اللجنة لوضع المشروع والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وعملت من 1995 إلى 1998 وكنت عضوا فيها عن طريق الوفد المصري وانتخبت نائب رئيس لها، وأعتقد أن انتخابي نائبا للرئيس والهولندي رئيسا لأنه كان يحظى بتأييد الكتلة الغربية. واستطعنا تحقيق مشروع لا بأس به، وبناء عليه دعت الجمعية العامة لمؤتمر دبلوماسي نهائي لوضع النظام الأساسي وعقد هذا المؤتمر في روما لمدة خمسة أسابيع ما بين شهر يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وانتخبت بالإجماع من الجمعية العامة لأكون رئيس لجنة الصياغة، فكان المجهود صعبا جدا، لأنه في بداية المؤتمر حضر خمسة آلاف شخص مندوبين عن دولهم ومعظمهم لم يكن قرأ المشروع الأساسي، وبعد انتهاء أول أسبوعين واللذين لم يكونا مجديين أبدا وقع كل العبء على لجنة الصياغة وللأسف كانت الصياغة مكونة من 35 دولة، وكان لكل دولة متوسط خمسة ممثلين (تصور حين تضرب هذا العدد في عدد الدول) فمثلا الدول الصغيرة مثل السودان كان لها شخص واحد يمثلها، لكن أميركا 10، بريطانيا ثمانية، فرنسا خمسة، الصين ثلاثة، روسيا أربعة. والمشكلة أنه عند صياغة أي شيء والتوصل إلى توافق وإلى إقناع الموجودين، خصوصا أننا نعمل بالخمس لغات الرسمية لهيئة الأمم. فمثلا الترجمة كانت عائقا ونتوقف لاختلاف الترجمة أو المندوبين وحضورهم، فكانت مهمة شاقة، أعتقد أن الغرض من تكوين هذه المجموعة المكونة من 35 دولة كان أساسا إفشال المشروع، وكان أمامنا وقتها ثلاثة أسابيع لنصوغ 142 مادة، يعني في كتيب نحو 70 صفحة بمادة قانونية بهذه الصعوبة، ولكنني وفقت لأني كنت صاحب المشروع الأساسي، فكنت على فهم وإلمام جيدين به. ثانيا أتحدث الفرنسية والإسبانية والإيطالية والإنجليزية والعربية، لا أتحدث الروسية والصينية لكن على الأقل كان بإمكاني إقناع الوفود الأخرى بما هو موجود، وكذلك نتيجة خبرتي بالقانون المقارن تمكنت من التغلب على هذه الصعوبات. وكان دوري عبارة عن إدارة حلقة دراسية، وكان لي شرف حضور الجلسة النهائية التي وقع فيها على إنشاء المحكمة، ووقتها الأردن وجيبوتي من العرب صادقا عليها. وأذكر أنه في عام 1992 حينما كان الاختراق الأول منذ الحرب الباردة في مجال العدالة الجنائية، حدث أن وصف أحد الكتاب المحكمة بأنها «كاسكيت أوف جاستيس» (أي قبعة العدالة) ثم تطور الأمر وأنشئت محاكم مختلطة، كما حدث في كمبوديا وسيراليون وتيمورليستي.. هذه المحاكم المختلطة أنشئت بقانون وطني نعم، لكن وفق العمل بمبادئ دولية، وبالاشتراك بين قضاة أعضاء نيابة وطنيين وأجانب.
وستنتهي في 2014 ولن تبقى غير المحكمة الجنائية الدولية، واليوم الاتحاد الأفريقي قام بتوصية بانسحاب الدول الأفريقية، وهي طبعا غير ملزمة لأي دولة وغير ملزمة لمجلس الأمن الذي ما زال أمامه الحرية الكاملة لإرسال طلب؛ والتوصية مصدرها السودان وليبيا وكينيا لأنهم شعروا بأنهم مستهدفون، ولكنها عملية إعلامية أكثر من أي شيء آخر.
صحيح أن المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن نظرت فقط في الجرائم الخاصة بالدول الأفريقية، ولكن ذلك لأن هذه الجرائم ارتكبت بالفعل في قارة أفريقيا، وصحيح أنها لم تنظر إلى جرائم ارتكبت في أماكن أخرى، فما حصل في دارفور وقتل 300 ألف شخص وتشريد مليون شخص على يد حكومة البشير لا بد أن تحدد هذه المسؤولية ولا يمكن إنكارها، كما سيأتي اليوم الذي لا بد أن نحاكم نظام بشار الأسد لأن جرائم الحرب التي ارتكبت مات فيها 100 ألف شخص، وشرد نحو أربعة ملايين شخص. ولا نستطيع أن نغفل ما يحصل في العراق بين الشيعة والسنة منذ أن كان نظام المالكي خاضعا لإيران، ونجد هذه الحرب الطائفية الدينية هناك، وتوسعها في أماكن أخرى. فلا بد أن تكون هناك معاقبة جنائية لمرتكبي هذا الجرائم، هذا يضاف إلى الجزء العلمي.
ويضاف إلى ذلك أني عينت رئيسا لخمس لجان لتقصي الحقائق والجرائم أثناء حروب مختلفة وأنا الوحيد في العالم الذي عينت خمس مرات متتالية رئيسا للجان تحقيق، عادة يحدث مرة أو مرتين، فجرت العادة أن هيئة الأمم إذا كانت ترغب في عمل جدي ومخلص وألا يكون مسيسا أو مسيرا سياسيا، يلجأ إلي، وإذا كان مسيسا فإنه لا يلجأ إلي، فعلى سبيل المثال حينما أنشئت اللجنة الخاصة بسوريا رشحتني بعض الدول لرئاستها، لكن وقتئذ روسيا والصين كانتا ضد هذه اللجنة فتوقفا عن تعييني وهذا يبرز العنصر السياسي الموجود. أما في حالة ليبيا حين كان كل العالم ضد القذافي، كانوا جميعا مؤيدين لي.
وأذكر أنني عندما قدمت أول تقرير لي عن ليبيا في مقر هيئة الأمم في جنيف لأول مرة في تاريخ هيئة الأمم في جنيف كان مقر الجمعية العامة مكتظا وكان هناك من يقف بين المقاعد، كما أن 43 دولة من الحاضرين طلبوا الكلمة واضطرت رئيسة الجلسة أن تمدد الجلسة لست ساعات، وهذا لم يحدث من قبل في تاريخ الهيئة لإتاحة الفرصة للدول أن تتحدث وعلى ذكر مجموع 43 دولة، فإن 40 دولة منها كانت تثني على جهودي وكأني نزلت من السماء، في حين أن ثلاثة دول اعترضت على عملي، هي روسيا وكوبا وفنزويلا. وهذا طبعا لأسباب سياسية.

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)



تنديد عربي - إسلامي بحديث سفير أميركي عن «حق إسرائيل في الشرق الأوسط»

السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
TT

تنديد عربي - إسلامي بحديث سفير أميركي عن «حق إسرائيل في الشرق الأوسط»

السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)

أثارت تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشأن «حق إسرائيل في السيطرة على الشرق الأوسط» استهجاناً عربياً وإسلامياً، وإدانات في السعودية والكويت ومصر والأردن وفلسطين.

​وأدانت وزارة الخارجية السعودية، السبت، بأشد العبارات واستنكرت كلياً ما تضمنته تصريحات هاكابي، التي عبّر فيها باستهتار عن أن سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بأكمله ستكون أمراً مقبولاً.

وأكدت السعودية، في بيان لوزارة خارجيتها، رفضها القاطع لهذه التصريحات غير المسؤولة، التي تعد خرقاً للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة والأعراف الدبلوماسية، وسابقةً خطيرةً في صدورها من مسؤول أميركي، وتعد كذلك استهتاراً بالعلاقات المتميزة لدول المنطقة بالولايات المتحدة الأميركية.

وأشارت إلى أن هذا الطرح المتطرف ينبئ بعواقب وخيمة، ويهدد الأمن والسلم العالمي، باستعدائه لدول المنطقة وشعوبها، وتهميش أسس النظام الدولي، الذي توافقت عليه دول العالم لوضع حد للحروب الدامية التي أودت بحياة الملايين من البشر في الماضي، وما أرساه النظام الدولي من احترام لحدود الدول الجغرافية وسيادة الدول على أراضيها، وأنه «يتعين على وزارة الخارجية الأميركية إيضاح موقفها من هذا الطرح المرفوض من جميع دول العالم المحبة للسلام».

وجددت السعودية في هذا الصدد موقفها الراسخ برفض كل ما من شأنه المساس بسيادة الدول وحدودها وسلامتها الإقليمية، مشددةً على أن السبيل الأوحد للوصول للسلام العادل والشامل هو إنهاء الاحتلال على أساس «حل الدولتين»، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

وقال السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، في مقابلة مع الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، مساء الجمعة، إنه «لا بأس» إذا استولت إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط، متحججاً بنصوص دينية من «العهد القديم»، مشيراً إلى أن لإسرائيل «حقاً دينياً في الاستيلاء على الشرق الأوسط، أو على الأقل على الجزء الأكبر منه».

وعدّ هاكابي «إسرائيل أرضاً منحها الله، من خلال إبراهيم، إلى شعب مختار»، ما يعني أن «بإمكان إسرائيل المطالبة بأرض تشمل في الأساس كامل الشرق الأوسط».

وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في إفادة رسمية، السبت، التصريحات التي وصفها بـ«بالغة الخطورة»، في حين قالت «منظمة التعاون الإسلامي» إنها «دعوة غير مقبولة لتوسيع إسرائيل».

وعدّ أبو الغيط التصريحات «مخالفة لأبجديات الدبلوماسية وأعرافها الراسخة كافّة، فضلاً عن مجافاتها للمنطق والعقل، وتناقضها مع سياسات الولايات المتحدة ومواقفها على طول الخط»، مشيراً إلى أن التصريحات «تستهدف مغازلة الجمهور اليميني في إسرائيل»، حسب المتحدث باسم الأمين العام للجامعة العربية جمال رشدي.

وأكد المتحدث باسم الأمين العام أن «مثل هذه التصريحات المتطرفة التي لا تقف على أي أساس، تؤدي إلى تأجيج المشاعر وإثارة العواطف الدينية والوطنية، في وقت تجتمع فيه الدول تحت مظلة (مجلس السلام) من أجل بحث سبل تطبيق اتفاق غزة، واغتنام هذه الفرصة لإطلاق مسار سلمي جدي».

وأعرب مجلس التعاون لدول الخليج العربية، السبت، عن رفضه واستنكاره للتصريحات غير المسؤولة وغير المقبولة الصادرة عن سفير أميركا لدى حكومة قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تضمنت قبول سيطرة الاحتلال على أراضٍ تعود لدول عربية، بما في ذلك الضفة الغربية المحتلة.

وأكد جاسم البديوي الأمين العام للمجلس، أن هذه التصريحات تمثل انتهاكاً واضحاً وصريحاً للمواثيق والمعاهدات الدولية والأممية، التي تنص على سيادة الدول ووحدة أراضيها وسيادتها الكاملة.

وأشار إلى أن هذه التصريحات غير المسؤولة وغير المسبوقة تخالف توجهات الولايات المتحدة الأميركية، والرؤية التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بالسعي إلى تحقيق السلام والتوصل إلى حل دائم للقضية الفلسطينية، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

وشدد البديوي على الموقف الثابت لمجلس التعاون والتزامه بدعم الشعب الفلسطيني، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

كما أدانت منظمة التعاون الإسلامي التصريحات «الخطيرة وغير المسؤولة» لهاكابي، وعدّتها «دعوة غير مقبولة لتوسيع إسرائيل»، استناداً إلى «سردية تاريخية وآيديولوجية زائفة ومرفوضة»، محذرة من أن «هذا الخطاب الآيديولوجي المتطرف من شأنه أن يغذّي التطرف ويشجع الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة إجراءاته غير القانونية القائمة على التهجير والاستيطان».

وأعربت وزارة الخارجية الكويتية عن إدانتها واستنكارها الشديدين للتصريحات «غير المسؤولة» الصادرة عن السفير الأميركي لدى إسرائيل.

وأكدت الوزارة، في بيان صحافي، رفض الكويت القاطع لمثل هذه التصريحات، لما تمثله من مخالفة واضحة لمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بما فيها القرار رقم 2803، ولما تنطوي عليه من مساس بسيادة الدول ووحدة أراضيها، الأمر الذي من شأنه زيادة حدة التوتر وتقويض جهود تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما شددت الكويت على أن هذه التصريحات تتعارض بشكل مباشر مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكذلك مع النقاط العشرين ذات الصلة بالسعي إلى تحقيق السلام، مؤكدة أن أي طرح يضفي شرعية على السيطرة على أراضي الغير يقوض تلك المساعي ويؤجج الأوضاع.

وجددت الكويت تأكيدها على «أن القوة القائمة بالاحتلال لا تملك أي سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة أو على أي أراض عربية أخرى، وترفض أي محاولات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، كما تعارض استمرار الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة».

وأكدت التزامها الثابت بدعم الحق غير القابل للتصرف للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، وبما يحقق السلام العادل والشامل في المنطقة.

وأدان العراق تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل. واعتبرت بغداد هذه التصريحات بأنها «تمثل تجاوزاً خطيراً وتتعارض مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وتشكل مساساً بسيادة الدول واستقلالها ووحدة أراضيها فضلاً عما تحمله من تداعيات سلبية على أمن واستقرار المنطقة».

وشددت وزارة الخارجية العراقية على «موقف العراق الثابت والداعم لسيادة الدول ورفض أي سياسات أو ممارسات تقوم على الهيمنة أو فرض الأمر الواقع».

وأدانت مصر «التصريحات المنسوبة إلى هاكابي». وأعربت، في بيان لوزارة الخارجية، السبت، عن «استغرابها صدور هذه التصريحات التي تتناقض مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب والنقاط العشرين ذات الصلة بإنهاء الحرب في قطاع غزة، وكذلك مؤتمر (مجلس السلام) الذي عُقد في واشنطن، الخميس».

وجدّدت مصر التأكيد على أنه «لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية»، مشددة على «رفضها القاطع لأي محاولات لضمّ الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وكذلك رفض توسيع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة».

وكان الرئيس الأميركي ترمب قد عارض، في مقابلة مع موقع «أكسيوس»، الشهر الحالي، ضم إسرائيل الضفة، وقال: «لدينا ما يكفي من الأمور التي تشغلنا الآن... لسنا بحاجة إلى الخوض في شؤون الضفة الغربية»، وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال ترمب إنه «لن يسمح بضم الضفة الغربية».

كما أدانت وزارة الخارجية الأردنية، السبت، تصريحات هاكابي. ورفض الناطق الرسمي باسم الوزارة السفير فؤاد المجالي، في إفادة نشرتها «وكالة الأنباء الأردنية»، ما وصفه بـ«التصريحات العبثية والاستفزازية»، وعدّها «تمثّل انتهاكاً للأعراف الدبلوماسية، ومساساً بسيادة دول المنطقة، ومخالفةً صريحةً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتتناقض مع موقف الرئيس الأميركي المعلن في رفض ضم الضفة الغربية المحتلة».

وأكّد المجالي أن «الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أرض فلسطينية محتلة، حسب القانون الدولي»، وأن «إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة على أساس حل الدولتين وفق القانون الدولي هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام العادل والشامل».

وشدد على «أهمية تضافر كل الجهود لتثبيت الاستقرار في غزة وتنفيذ خطة الرئيس الأميركي وقرار مجلس الأمن (2803) بدلاً من إصدار تصريحات عبثية تصعيدية غير مسؤولة ولا قيمة قانونية لها ولا أثر».

وأدانت وزارة الخارجية الفلسطينية تصريحات هاكابي. وأكدت أنها «تناقض الحقائق الدينية والتاريخية، والقانون الدولي، فضلاً عن تناقضها مع ما أعلنه الرئيس الأميركي برفض ضم الضفة الغربية».

وعدّت «الخارجية الفلسطينية»، التصريحات «دعوة صريحة إلى الاعتداء على سيادة الدول، ودعماً للاحتلال للاستمرار في حرب الإبادة والتهجير وتنفيذ مخططات الضم والتوسع العنصري بحق الشعب الفلسطيني، وهو ما رفضه المجتمع الدولي بأكمله».

وأثارت تصريحات هاكابي استياء وردود فعل عربية غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبات بإدانتها ومواجهة المخططات الإسرائيلية.

ووصف الإعلامي المصري أحمد موسى تصريحات هاكابي بـ«الخطيرة والمستفزة». وقال في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «تلك التصريحات هي المخطط الحقيقي لإسرائيل على المدى البعيد، ما يتطلّب اليقظة والحذر من طموحاتهم التوسعية وغطرستهم». وحذر من «انتهاك سيادة الدول القوية؛ لأن الرد سيكون مزلزلاً».

بدوره، أشار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي إلى أن تصريحات هاكابي «ليست مفاجئة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هاكابي من أكبر أنصار الاستيطان، وسبق أن عبّر عن موقفه ودعمه لإسرائيل مراراً، ما يجعل تعيينه سفيراً لبلاده في الولاية الثانية لترمب مقصوداً وتأكيداً على دعم واشنطن لإسرائيل». وأكد «ضرورة وجود موقف عربي قوي وشجاع وواضح لمواجهة مخططات إسرائيل الاستيطانية».

وكان هاكابي قد أعلن تأييده لضم إسرائيل كامل الضفة الغربية. كما اقترح خلال مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في يونيو (حزيران) الماضي أن تتخلى «دول إسلامية» عن بعض أراضيها لإقامة دولة فلسطينية مستقبلية.

وتعرض هاكابي لانتقادات داخل بلاده، العام الماضي، عقب استقباله جوناثان بولارد، اليهودي الأميركي الذي سُجن 30 عاماً بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، وخيانة الولايات المتحدة.


«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تراوح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مكانها منذ نحو شهر من إطلاقها نظرياً وفق تصريحات أميركية، وسط دعوات لانتقال منضبط نحوها لتحقيق الاستقرار، وعدم تجدد القتال.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الانتقال يجب أن يكون متوازياً وسلسلاً بحيث ينفذ طرفا الحرب «حماس» وإسرائيل التزاماتهما بالتوازي، مما يجنب المرحلة الثانية حالة التعثر الحالية، وسط مخاوف من احتمال تجدد الحرب، وتأخر تنفيذ الاتفاق، مقابل تعويل على أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيضغط من أجل تحقيق انتصار شخصي يقربه من حلم جائزة نوبل للسلام.

وأفادت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية في مصر، السبت، بأن «الهلال الأحمر المصري يواصل جهوده الإنسانية في استقبال وتوديع الدفعة 15 من الجرحى والمرضى والمصابين الفلسطينيين الوافدين، والمغادرين، ومرافقتهم في إنهاء إجراءات العبور».

وينتظر هؤلاء المغادرون إلى غزة آمالاً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي يشهد تعثراً في مرحلته الثانية منذ إعلان واشنطن بدءها في 15 يناير (كانون الثاني) الماضي، وسط استشعار المجتمع الدولي مخاطر تهدد الاتفاق.

وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، وجود فرصة سانحة لكسر دوامة العنف، والمعاناة، وصولاً إلى سلام، وأمن دائمين في الشرق الأوسط، محذرة من أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا يزال هشاً في ظل رصد انتهاكات من الطرفين قد تقوض مسار الخطة الأميركية للسلام.

ودعت في تصريحات مساء الجمعة إلى انتقال منضبط في «المرحلة الثانية»، بما يشمل نشر قوة الاستقرار الدولية بالتوازي مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، ومعالجة الأزمة الإنسانية، مع التشديد على شرط نزع سلاح حركة «حماس»، وضمان عدم توليها أي دور في إدارة القطاع مستقبلاً.

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، يرى أن «المرحلة الثانية تحتاج بالأساس إلى انتقال بالتوازي، خاصة أن خطة ترمب تنص على نزع سلاح (حماس)، لكنها أيضاً تنص على انسحاب إسرائيل بالكامل من القطاع، وبالتالي يجب النظر إلى غزة بعين واحدة، ويجب أن يخاطب الجميع بالتزاماتهم دون تركيز على طرف دون الآخر».

وأشار إلى أن «المرحلة الثانية تتمثل في إنهاء الوجود العسكري لـ(حماس)، وهذا لن يتحقق إلا إذا التزمت إسرائيل بالالتزامات التي يجب أن تنفذها، ومنها الانسحاب من غزة، وعدم استهداف الفلسطينيين، والذهاب لأفق سياسي، والسماح بوجود شرطة فلسطينية، وعمل لجنة التكنوقراط من القطاع».

وقال المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، إن «المرحلة الثانية تحتاج ليس فقط لانتقال منضبط، بل لانتقال سلس»، مستدركاً: «لكن هذه أمور شكلية للغاية، لأن الاتفاق أمامه كثير من العثرات على مستوى التنفيذ، سواء في نزع السلاح، أو انسحاب إسرائيل، أو نشر قوات الاستقرار الدولية، أو غيرها من البنود، بسبب غياب التفاهمات بشأنها».

ووسط ذلك، أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة، بأن «حركة (حماس) استعادت السيطرة على جزء انسحب منه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، ونشرت قوة شرطة محلية، وتعمل على إعادة تفعيل الإدارات العامة».

وذكر نيكولاي ملادينوف المبعوث الذي عينه ترمب للإشراف على التنسيق بعد الحرب في غزة خلال اجتماع «مجلس السلام» أن نحو ألفي فلسطيني سجلوا أسماءهم في جهاز الشرطة خلال الساعات الأولى من فتح باب التقديم.

فيما قال جاسبر جيفرز اللواء في الجيش الأميركي الذي عُيّن قائداً لقوة حفظ السلام متعددة الجنسيات في غزة في الاجتماع إن الخطة طويلة الأمد للقوة هي تدريب نحو 12 ألف شرطي للعمل في القطاع.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى الرقب أن الحديث عن 12 ألف شرطي سيدربون لا يكفي لتغطية غزة، موضحاً أن خروج شرطة «حماس» دون وجود بديل سيحدث فراغاً أمنياً، ولن تقبل به «حماس»، وستطرح الإحلال الجزئي عبر مرحلة انتقالية قد تمتد لأشهر، وبالتالي لا بد من الإسراع في هذا الانتقال المنظم وبشكل سلس عبر تفاهمات، محذراً من أن واشنطن قد تعمل في ظل هذا الجمود لبدء إعمار المناطق التي تحت سيطرة إسرائيل، وتسمح لتل أبيب بشن معارك ضد الحركة.

ويشير إلى أن المسار الأفضل لهذا الانتقال يكون عبر تفاهمات مع «حماس» تقوم على التدرج، لا سيما في تسليم وتسلم المهام الأمنية، موضحاً: «لكن كل ما نراه على أرض الواقع ليس حلاً لإنهاء الصراع، ولكن مسكنات مؤقتة لا تفضي إلا إلى إطالة أمد الأزمة».

قيما يعتقد الشوبكي أن إسرائيل مصرة على أن تدفع «حماس» فقط ثمن الاستحقاقات، لكن لا تزال هناك فرص لنجاح الخطة وعدم تعثرها حرصاً من ترمب، لأنه ينظر له كرجل سلام، ويبحث عن فرصة للحصول على جائزة نوبل وغيرها، مما يجعله يضغط أكثر رغم التفاصيل المعقدة، والتحديات الكثيرة لنجاح الاتفاق.


لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
TT

لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)

جاء الإعلان عن الدول المشاركة في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة، خلال الاجتماع الأول «لمجلس السلام» في واشنطن، دون أن يتضمن مصر التي اقتصر دورها على تدريب القوات الشرطية، ليطرح تساؤلات حول أسباب هذا الغياب.

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت منذ منتصف الشهر الماضي، لكنها لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة، مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

وخلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام العالمي» في واشنطن، الخميس، قال قائد قوة الأمن الدولية في قطاع غزة جاسبر جيفرز إن «5 دول تعهدت بإرسال قوات للمشاركة في قوة أمنية دولية لقطاع غزة»، وأشار إلى أن تلك الدول تضم «إندونيسيا، والمغرب، وكازاخستان، وكوسوفو، وألبانيا»، كما تعهدت دولتان بتدريب الشرطة، وهما مصر، والأردن.

الغياب المصري عن «قوة الاستقرار» أرجعه عسكريون ودبلوماسيون مصريون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» لعدم وجود ضمانات يرونها ضرورية لقبول القاهرة المشاركة بالقوات، مشيرين إلى أن مصر لديها رغبة في أن يتم تحديد مهام عملها وآليات وجودها داخل القطاع وكيفية تعاملها مع الفلسطينيين لكي لا تفاجأ بأنها في مواجهة «فصائل المقاومة»، إلى جانب تحديد دورها في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، والممنهجة.

وأكدت الحكومة المصرية «استمرار دورها في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية»، وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» إن «بلاده ستواصل تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية لحفظ الأمن داخل القطاع»، وأكد على «أهمية مهام محددة للمجلس التنفيذي لغزة، لدعم عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع».

رئيس الوزراء المصري خلال مشاركته في الاجتماع الأول لمجلس السلام العالمي بواشنطن الخميس (مجلس الوزراء المصري)

ويرى الخبير العسكري اللواء سمير فرج أن «من المهم تحديد طبيعة مهمة (قوة الاستقرار) الدولية في قطاع غزة، قبل الحديث عن مشاركة مصر بقوات فيها»، وأشار إلى أن «هناك فارقاً بين ما إذا كانت المهمة لحفظ السلام أو لفرض السلام»، منوهاً إلى أنه «إذا كان الهدف فرض السلام فقد يعني ذلك اللجوء لتدخل عسكري في مواجهة عناصر (المقاومة الفلسطينية)، وهو ما لا تريده القاهرة».

ويقول فرج، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «مهمة قوة الاستقرار الدولية غير معروفة حتى الآن، وتحرص القاهرة على التريث لحين تحديد أدوار وآليات عمل هذه القوة»، وأشار إلى أن «مصر لم تتخلَّ عن دعم الفلسطينيين في غزة، حيث تتنوع تحركاتها ما بين دعم سياسي عبر استضافة (اللجنة التكنوقراط)، ودعم أمني من خلال تدريب أفراد الشرطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الدور الإنساني والإغاثي من خلال المساعدات التي تقدم يومياً إلى سكان القطاع».

وشدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مراراً على أهمية «سرعة تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية»، إلى جانب «دعم نشر عناصر الشرطة الفلسطينية للاضطلاع بدورها في حفظ الأمن».

فيما أرجع عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير يوسف الشرقاوي، عدم الإعلان عن مشاركة مصر بالقوة إلى عدم وجود ضمانات لا بد أن تتوفر أولاً، في مقدمتها «تحديد آليات عملها وكيف ستمارس أدوارها ومهمتها ونوع تسليحها وكيف ستتعامل مع الشعب الفلسطيني».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الضمانات ضرورية لحماية حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مع أهمية ضمان عدم تجدد الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة بحق الفلسطينيين». ويعتقد أنه يجب «التفرقة بين أن يكون نشر (قوة الاستقرار) ضمن مسار مشروع حل الدولتين، أو أن وجودها في غزة يأتي كنوع من الوصاية الجديدة على الفلسطينيين ودعم الأمن الإسرائيلي».

ويوضح الشرقاوي أن «القاهرة لم تترك مساراً لدعم غزة إلا وسارت فيه، وأن السلام العادل والشامل لن يبدأ إلا بمسار سياسي شامل، يتضمن إجراءات لاستعادة الأمن، وإعادة الإعمار في قطاع غزة»، مشيراً إلى أن «(مجلس السلام العالمي) في اجتماعه الأول قدم تعهدات لدعم الفلسطينيين ومن المهم العمل على تنفيذها».