المكلا تحاول نسيان مشاهد الموت وتعيش استقراراً لم تشهده منذ عقود

{الشرق الأوسط} ترصد عودة الأمن إلى المدينة اليمنية بعد عامين على تخلّصها من «القاعدة»

المتحدث باسم قيادة المنطقة العسكرية الثانية يشير إلى آثار التدمير الذي طال «مركز بلفقيه الثقافي» بعد استهداف عناصر «القاعدة» له («الشرق الأوسط»)
المتحدث باسم قيادة المنطقة العسكرية الثانية يشير إلى آثار التدمير الذي طال «مركز بلفقيه الثقافي» بعد استهداف عناصر «القاعدة» له («الشرق الأوسط»)
TT

المكلا تحاول نسيان مشاهد الموت وتعيش استقراراً لم تشهده منذ عقود

المتحدث باسم قيادة المنطقة العسكرية الثانية يشير إلى آثار التدمير الذي طال «مركز بلفقيه الثقافي» بعد استهداف عناصر «القاعدة» له («الشرق الأوسط»)
المتحدث باسم قيادة المنطقة العسكرية الثانية يشير إلى آثار التدمير الذي طال «مركز بلفقيه الثقافي» بعد استهداف عناصر «القاعدة» له («الشرق الأوسط»)

بعد عامين على دحر تنظيم القاعدة من مدينة المكلا التابعة لمحافظة حضرموت شرقي اليمن، تعيش المدينة الساحلية التي يقطنها أكثر من نصف مليون نسمة استقراراً أمنياً لم تشهده منذ عقود، حسبما أفاد سكان محليون. ولا تزال بعض المباني والمؤسسات الحكومية المدمّرة بفعل قصف الطيران أو البارجات البحرية، شاهداً على آثار هذا التنظيم الإرهابي الذي سيطر على المدينة لمدة عام كامل، وحوّل ساحاتها إلى معسكرات تدريب أو منصات لتنفيذ حكم الإعدام.
«الشرق الأوسط» زارت بعض المقرات والمؤسسات التي كان يسيطر عليها التنظيم في المدينة وهي الآن تخضع لحراسة أمنية مشددة.
وكانت قوات النخبة الحضرمية بقيادة اللواء فرج سالمين البحسني، محافظ حضرموت حالياً، وبإسناد مباشر من قوات التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، قد نفذت عملية عسكرية مباغتة في 24 أبريل (نيسان) 2016 للسيطرة على المكلا، العاصمة الإدارية لمحافظة حضرموت، من تنظيم القاعدة، وكانت تلك المرة الأولى التي تتحرك فيها قوات عسكرية إلى المدينة منذ سيطرة التنظيم عليها في 2015.
وقال اللواء البحسني، إن تنظيم القاعدة تلقى «ضربة قاصمة في المكلا»، مضيفاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من مكتبه المطل على بحر العرب: إن «طرد (القاعدة) يمثل عبرة لأي جماعة إرهابية». واستطرد اللواء البحسني الذي تجاوز عقده السادس «نطمئن الناس في الداخل والخارج أن حضرموت ضربت مثلاً قياسياً وناجحاً جداً في دحر الإرهاب، ونؤكد انتهاء تواجد أي تجمع لعناصر تنظيم القاعدة الإرهابي في أي منطقة من هذه المناطق وإلى الأبد بإذن الله». ولم يستبعد بقاء خلايا نائمة تضم الواحدة منها شخصين أو ثلاثة، مشيراً إلى أن هذا يحدث في أي دولة.
وأكد مسؤول أمني رفيع بقيادة المحافظة، أن عناصر التنظيم فقدوا أي حاضنة أو تواجد في المكلا، وأن قوات الأمن تتابعهم في منطقة الوادي بشكل دقيق وتنفذ عمليات نوعية. وأردف المسؤول، الذي رفض ذكر اسمه، أنه «من المستحيل دخول أي من عناصر (القاعدة) إلى المكلا حالياً، وفي حال غامر أحدهم سيجد قوات الأمن له بالمرصاد قبل أن يأخذ أنفاسه».
قامت «الشرق الأوسط» بجولة على بعض المقرات والمؤسسات التي كان التنظيم الإرهابي يسيطر عليها في المكلا، بدءاً بكورنيش الستين على بحر العرب، وهو المكان الذي اختاره «القاعدة» لتنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص على عنصرين من أعضائه (وهما سعوديا الجنسية) بتهمة التجسس. وأكد الناطق باسم قيادة المنطقة العسكرية الثانية هشام الجابري، أن اختيار تنظيم القاعدة لكورنيش الستين لم يكن صدفة وإنما تم بشكل مدروس من أجل أن يشاهد حكم الإعدام أكبر عدد من الناس، كما أنه كان رسالة لأعضاء التنظيم بأن القتل سيكون مصير أي واحد منهم يفكر في «الخيانة».
بحسب الجابري، قام عناصر «القاعدة» بأخذ الجثتين بعد تنفيذ الإعدام إلى «مركز بلفقيه الثقافي» غير البعيد عن الكورنيش الذي كان مقراً للمجلس الأهلي وقصف لاحقاً عن طريق بارجة للتحالف من البحر وطائرات «إف 15» إبان تحرير المكلا، وقاموا بربط الجثتين بإحكام، قبل أن يتم تعليقهما على جسرين في المكلا الأول هو جسر الهايبر والثاني الجسر الصيني، وكلا الجسرين يقع على خور المكلا، واستمر تعليق الجثتين من الساعة العاشرة صباحاً حتى الثامنة مساءً تقريباً.
ومن المشاهد التي لا يزال الكثير من اليمنيين يتذكرونها تنفيذ أحكام الرجم في النساء، والإعدام في ساحات مدينة المكلا، وعليه توجهنا إلى المؤسسة الاقتصادية بالمكلا وهو المكان الذي نفذ فيها تنظيم القاعدة عدداً من أحكام الإعدام. بدا المبنى المكون من طابقين مدمّراً بالكامل بفعل طيران التحالف الذي قصفه عند تحرير المدينة، وأمام المبنى الساحة الكبيرة التي نفذ فيها التنظيم كل عمليات الإعدام والرجم وقطع الأيدي. ويوضح الناطق باسم قيادة المنطقة العسكرية الثانية، أن تنظيم القاعدة نفذ في المؤسسة الاقتصادية حكم الرجم ضد امرأة قال إنها جاءت حينها لتكفير ذنوبها، كما تم تنفيذ حكم القتل رمياً بالرصاص في أحد أعضاء «القاعدة» بعد قتله أحد أبناء القبائل، وقطعت أيدي عدد من الأشخاص بتهمة السرقة.
عمد تنظيم القاعدة إلى تضليل سكان المكلا عندما طالبهم بالمشاركة في معسكراته للتدريب لمواجهة الميليشيات الحوثية التي أوهمهم أنها على مشارف المدينة. ويقول أبو سعيد (45 عاماً): «قام أعضاء (القاعدة) بإعطاء دورات تدريب عسكرية في نادي الشعب للمواطنين، بزعم أن الحوثيين على مشارف المدينة، عندما طالبناهم بالسلاح رفضوا فتبين لنا خداعهم». وأضاف: «كانت تقام أيضاً أمسيات وعظية يلقيها المنشد غالب القعيطي، وهو أحد المسؤولين الماليين في (القاعدة) وقتل بطائرة من دون طيار في ميناء المكلا، وبحسب شهود عيان تناثرت آلاف الدولارات الأميركية بعد عملية القصف؛ ما يدل على أنه كان يحمل كمية كبيرة من النقود». من جانبه، يقول محمد أبو عيران، وهو إعلامي من أبناء المكلا، إن «المدينة تعيش الآن استقراراً أمنياً لم تشهده منذ عقود، الناس يشعرون بالأمن والأمان اليوم، لن تصدق لو قلت إن حالة الأمن هذه لم نشعر بها حتى قبل 2011 إبان الحكومة المركزية في صنعاء».
أثناء التجوال في مدينة المكلا يمكن مشاهدة نقاط تفتيش عدة تابعة للنخبة الحضرمية منتشرة على مداخل المدينة وبين الأحياء لتعزيز الأمن والاستقرار، لكن ما يلفت الانتباه هو الانضباطية العالية لدى أفراد هذه النقاط، والاحترافية في التعامل مع السكان المحليين أو الزائرين، ومن المشاهد غير المعهودة عند نقاط التفتيش – حتى في زمن الرئيس علي عبد الله صالح – هو تساوي الجميع أمام سيادة القانون؛ إذ لا يسمح بمرور مسؤول مدني أو عسكري من دون الوقوف والتأكد من هويته، وهو ما لم يكن يحدث قبل سنوات قليلة في اليمن.


مقالات ذات صلة

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

القطاع الصحي الخاضع للحوثيين مهدد بالانهيار الشامل

تعيش مناطق سيطرة الحوثيين كارثة صحية بعد اضطرار الأطباء للإضراب احتجاجاً على انقطاع الرواتب في ظل انسحاب الدعم الدولي وتسارع انهيار القطاع الصحي.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)

اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم خفر السواحل اليمني

اجتماع دولي في الرياض يؤكد دعم خفر السواحل اليمني وتعزيز قدراته في حماية المواني والملاحة الدولية، ومواجهة التهديدات البحرية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين

«الشرق الأوسط» (عدن)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».