جامعة الأزهر محاصرة بين «المولوتوف» ووابل «قنابل الغاز»

طلاب يحاصرون مدخل الجامعة («الشرق الأوسط»)
طلاب يحاصرون مدخل الجامعة («الشرق الأوسط»)
TT

جامعة الأزهر محاصرة بين «المولوتوف» ووابل «قنابل الغاز»

طلاب يحاصرون مدخل الجامعة («الشرق الأوسط»)
طلاب يحاصرون مدخل الجامعة («الشرق الأوسط»)

«رائحة الغاز ومشاهد الدخان لا تغادر المكان.. والحجارة وأصوات إطلاق النار في كل مكان.. وكأننا في مشهد حرب.. ولم نعد نأمن على أنفسنا في المدينة الجامعية أو في المحاضرات.. أهالينا يعتصرون قلوبهم قلقا علينا وينتظرون عودتنا إليهم كل صباح في نعوش.. ومضطرون إلى حضور المحاضرات وعدم مغادرة المدينة بسبب قرب موعد امتحانات الفصل الدراسي الأول».. عبارات بسيطة وصف بها الطالب محمد زياد، الذي لا ينتمي إلى أي تيار سياسي في مصر، حال جامعة الأزهر والمدينة الجامعية (شرق القاهرة).. وتابع قائلا إن «أحداث الكر والفر بين الشرطة وطلاب وطالبات جماعة الإخوان المسلمين تتعدى كل حدود الوصف.. والوضع في الأزهر خطير جدا.. الأمن يتعامل مع جميع الطلاب كأنه يتعامل مع عدو خارجي في استخدام قنابل الغاز والخرطوش».
حال الطالب زياد يشبه حال الآلاف من طلاب «الأزهر»، ثاني أقدم جامعة عالميا، التي تقدم الخدمات التعليمية لنحو 400 ألف طالب وطالبة يمثلون نحو خُمس طلاب التعليم العالي بمصر، وبها نخبة من الأساتذة والعلماء تصل إلى نحو 11 ألف عضو هيئة تدريس ومعاونيهم.
ودفعت وزارة الداخلية بعشرات المدرعات والمصفحات أمس، ونشرت قواتها على جميع مداخل ومخارج جامعة الأزهر ومحيطها بدعم قوي من وحدات عسكرية، للتصدي لطلاب وطالبات «الإخوان» خلال مظاهراتهم اليومية، للمطالبة بتوقف الدراسة والممارسات الأمنية ضد الطلاب، وعودة الرئيس المعزول محمد مرسي للحكم، والإفراج عن الطلاب المعتقلين، وسط أعمال عنف وتخريب للمنشآت وسقوط قتلى ومصابين، فضلا عن القبض على المئات.
«الشرق الأوسط» كانت في قلب مظاهرات جامعة الأزهر، ورصدت اللحظات الفارقة في عمر الجامعة، التي كان يأتي إليها طلاب العالم من كل مكان لتعلم وسطية الإسلام.. كما رصدت على الجانب الآخر مهمة قوات الأمن «التابعة للانقلاب» لإخلاء الجامعة من «الحرائر (بنات الإسلاميين) ومثيري الفتن»، على حد وصف أحد طلاب الإخوان.
وبالتزامن مع تأكيدات إدارة جامعة الأزهر بأن الدارسة لن تتوقف والامتحانات في موعدها 28 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، شهدت الجامعة على مدار اليومين الماضيين أحداثا ساخنة، اعتدى خلالها ملثمون على أفراد الأمن والأساتذة والسائقين وحطموا زجاج السيارات.
وطيلة يوم كامل، سيطرت على المدينة الجامعية (بنات وبنين) وحرم جامعة الأزهر حالة ترقب وتوجس، فضلا عن الانتشار الأمني الرهيب، الأمر الذي دفع بالكثير من أسر الطلاب للقدوم إلى المدينة للاطمئنان على أبنائهم، بينما اعتدى عدد من الأهالي وأصحاب المحال التجارية على طالبات الإخوان لقطعهن الطريق أمام المدينة في ضاحية مدينة نصر (شرق القاهرة).
ويقول مسؤول أمني، ضمن ضباط وزارة الداخلية التي حضرت لتأمين الجامعة، إن «شارة (رابعة) هي طريقة النداء والتجمع عند الطلاب والطالبات»، ويضيف أنه «لاحظ خلال وجوده في الجامعة أن الطالبات يتناولن مادة بيضاء في زجاجات فيما بينهن». ورجح المسؤول أن تكون المادة في الزجاجات لبنا «رائبا» لتقويتهن على مواصلة الاشتباكات، لافتا إلى أنه عندما اقترب من الطالبات وجدهن يتحدثن عن مبالغ مالية كبيرة يحصلن عليها من إحدى السيدات».
ومن جانبهن تتهم طالبات «الإخوان» السلطات باستخدام العنف ضدهن من قبل نساء لا يتبعن الشرطة، وتقول الطالبة «ن.م» من كلية التجارة إن «الكثيرات من زميلاتنا جرى توقيفهن داخل حرم الجامعة من قبل سيدات بزي مدني، واعتدين عليهن بالضرب المبرح». وتضيف «ن.م»: «نعيب على (إدارة) الجامعة عدم تدخلها لمنع ملاحقتنا داخل وخارج أسوارها». وتقول إن «قوات الأمن تطارد الذين خرجوا في مسيرات من داخل الجامعة، إلى ميدان رابعة، حيث تطلق قنابل الغاز بكثافة».
ويطالب طلاب جامعة الأزهر المتظاهرون بتوقف تدخل التعامل الأمني معهم، والإفراج عن زملائهم الذين جرى ضبطهم خلال المظاهرات الأخيرة، وخلال فض اعتصامي «رابعة» و«النهضة» في أغسطس (آب) الماضي، ومحاسبة المتسببين في مقتل ثلاثة طلاب من الجامعة (بحسب زعمهم).. وكذا وقف الدراسة نهائيا وإنهاء ما سموه «الانقلاب العسكري» وعودة الرئيس المعزول.
لكن الدكتور أسامة العبد رئيس الجامعة يؤكد أن «ما يحدث من بعض الطلاب لن يؤثر على سير العملية التعليمية.. والدراسة منتظمة.. والامتحانات في موعدها».
ويقول محمد ربيع، من شباب «الإخوان» بالأزهر، إن «الأمن يطاردنا في المدرجات.. ويطلقون قنابل الغاز في البداية علينا، ثم يدفعون بقواتهم للتعامل معنا بقوة ويعتقلون العشرات منا». ويضيف: «الأمن يضربنا كأن بيننا وبينه ثأرا».
في غضون ذلك، قرر المستشار هشام بركات النائب العام المصري أمس إحالة 29 طالبا من الجامعة إلى محكمة الجنايات، لاتهامهم باقتحام مكتب رئيس الجامعة في 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتعدي عليه بالسب والقذف، وإحراق محتوياته، وتكسير أجهزة الكومبيوتر والتكييف بالمبنى الإداري. كما أشعلوا النيران بمكتب الأمن وتعدوا على الموظفين بالضرب وقذفوا قوات الشرطة بالحجارة، مما أسفر عن إصابة عدد من المواطنين وقوات الشرطة.
من جانبه، أكد مسؤول في جامعة الأزهر، طلب عدم تعريفه، أن «الأمن ألقى القبض على 58 طالبا خلال أحداث أول من أمس، والجامعة سوف تحيلهم جميعا إلى مجالس تأديب»، مضيفا أن 23 طالبا آخرين شاركوا في أحداث أول من أمس، وجرى إخلاؤهم من المدينة الجامعية، بالإضافة إلى 18 طالبا جرى إخلاؤهم قبل يومين.
وكشف المسؤول عن أن الجامعة لديها مقاطع فيديو مصورة ترصد تورط الطلاب في الاعتداء على قوات الأمن وخطف أسلحتهم أثناء تناولهم وجبة الغداء، ومن ثم تهريب تلك الأسلحة إلى داخل المدينة الجامعية، لافتا إلى أن الكثير من دول العالم سحبت أبناءها من الأزهر خوفا على حياتهم.
وفي إحدى المظاهرات رصدت «الشرق الأوسط» أحد الطلاب يبيع شارة «رابعة»، اقتربنا منه لنسأله عن سعر الواحدة، قال أبيع الواحدة بـ«خمسة جنيهات» في المظاهرات.. لكن لم يحدد الطالب من أين يحصل عليها ولحساب من يبيعها، قائلا: «هي مجرد أكل عيش.. فالكثير من الطلبة ليس معهم شارة رابعة ويحتاجون إلى رفعها في المظاهرات.. وأنا أوفر عليهم ذلك». وتابع وهو ينادي على الشارات رافضا الإفصاح عن اسمه: «أبيع كل الكميات التي معي يوميا.. وأدخل بها إلى الجامعة من أماكن لا تعلمها الشرطة بمساعدة صديق لي».. رافضا الإفصاح عن المكان الذي يدخل منه، ولكنه قال: «لا يهمني أن تصورني كاميرات الجامعة.. فمستقبلي في الجامعة لم يعد يهمني.. المهم هو القضاء على الانقلابيين»، على حد وصفه، وهنا تبين أنه من طلاب الإخوان.
على الجانب الآخر، يقول شاهد عيان داخل إحدى الكليات بالجامعة إن «الاعتداء علينا متكرر يوميا من طلاب الإخوان.. والطلاب يقومون بالصعود إلى المكاتب الإدارية والاحتكاك بنا». وأضاف الشاهد، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن «قنابل الغاز في كل مكان.. والمنديل الأبيض (الذي يستخدمونه للإشارة إلى زملائهم من العاملين ورجال الشرطة) هو طريقة الخروج الآمنة لنا خلال مغادرة الجامعة»، واستطرد بقوله: «طلاب الإخوان تدفعهم قنابل الغاز للصعود داخل الكليات، لرشق قوات الشرطة بالحجارة وقنابل المولوتوف (الزجاجات الحارقة) من أعلى المباني، مما يدعو الشرطة لملاحقتهم.. ما يدعونا للتواصل معهم بطريقة المنديل الأبيض كوسيلة للتعرف على الأشخاص المسالمين (واعتاد المصريون على استخدام المنديل الأبيض للدلالة على السلمية خلال الأحداث المتوالية منذ ثورة 25 يناير). ونظم طلاب لا ينتمون إلى الإخوان أمس وقفات شارك فيها المئات تأييدا للشرطة، ورفض تعطيل الدراسة في جامعة الأزهر. ويقول تامر يسري، وهو طالب في كلية الدعوة، إن «وقفتنا للمطالبة بعدم تعطيل الدراسة.. وتأييد الشرطة في مواجهة طلاب الإخوان، الذين يهدفون فقط إلى ضياع العام الدراسي»، على حد تعبيره.
أما المواطنون في حي مدينة نصر فتسيطر عليهم حالة من الرعب منذ بدء الدارسة في جامعة الأزهر مطلع أكتوبر الماضي.. يوميا يطاردهم الخوف على ذويهم من المصادمات خارج الجامعة. وتسرد السيدة تيسير خلف قائلة: «حرب الشوارع لا تنتهي بالقرب من الجامعة والمدينة.. ونعاني من الحجارة وحرق السيارات بشكل يومي.. ونخاف على أبنائنا عند ذهابهم وعودتهم.. ونضطر في أيام كثيرة إلى عدم الخروج إلى الشارع خوفا من القنابل وأصوات الرصاص الذي لا يغادر محيط الجامعة». وأمس تتبعت قوات الجيش طالبات الإخوان حتى شارع يوسف عباس، وذلك بعد قطعهن شارع الطيران وإلقاء الحجارة على قوات الجيش، وانضم إليهن عدد من الطلاب أمام المدينة الجامعية. وفي المقابل، انضم المئات من المواطنين إلى قوات الشرطة والجيش بشارع يوسف عباس، مرددين هتافات مناهضة لجماعة الإخوان، وأغنية «تسلم الأيادي»، التي تشيد بالجيش، والتي صارت رمزا شعبيا لمقاومة الإخوان. ووجهت قوات الجيش الموجودة في شوارع مدينة نصر نداءات إلى الطلاب المتظاهرين بشارع يوسف عباس حتى يفتحوا الطريق أمام حركة السيارات.. واستجاب بعض الطلاب، بينما صعد آخرون إلى أسطح المدينة الجامعية الخاصة بالفتيات ورشقوا قوات الجيش بالحجارة.
لكن السيدة زينب، والدة الطالبة هبة التي تقيم في المدينة الجامعية، والتي جاءت للاطمئنان على ابنتها، حملت الجامعة مسؤولية سلامة ابنتها. وقالت إن «الأمن يدخل المدينة الجامعية للبنات، وهذا غير مسموح، لمطاردة المتظاهرات.. والأمر لا يسلم من تحرش بالبنات»، على حسب ادعائها.. مطالبة بالكف الفوري عن ملاحقة طالبات الأزهر، ومؤكدة: «إننا لا ننام من مشاهد الخراب التي نشاهدها والمظاهرات في الجامعة». وأعربت زينب، وهي تقيم في مدينة المنصورة (بدلتا مصر)، عن قلقها من تفاقم الأوضاع، وتقول إن «ابنتي هبة ليست من الإخوان، ورغم ذلك من الممكن أن تتعرض للأذى، لأن الأمن عندما يطلق القنابل لا يفرق بين طالبة إخوانية وغير إخوانية».
في المقابل، قال مصدر أمني إن قوات الأمن تراقب الحالة الأمنية من خارج أسوار الجامعة والمدينة وتطبق القانون على مثيري الشغب الذين يحاولون قطع الطرق والتجمهر والتظاهر دون الحصول على تصريح من وزارة الداخلية، بينما استمر الأمن بتعزيز وجوده خارج الجامعة لمنع خروج أي مظاهرات خارج الحرم الجامعي.
وتفاقمت الأوضاع في الأزهر منذ يومين، بعدما زعمت جماعة الإخوان مقتل طالبين في الجامعة، هما الطالب أحمد ممدوح بالفرقة الثانية تجارة إنجليزي، والطالب محمد يحيى بالفرقة الرابعة فرنسي بكلية التربية.. لكن إدارة الجامعة نفت ذلك، مؤكدة أن الطالبين ضمن أربعة طلاب مصابين نقلوا إلى مستشفى التأمين الصحي بمدينة نصر، وأن ثلاثة من الطلاب تلقوا العلاج وخرجوا من المستشفى، بينما بقي الطالب محمد يحيى وحالته مطمئنة.
«الشرق الأوسط» زارت الطالب يحيى في المستشفى أمس، فأكد أن حالته بخير، وأن إدارة الجامعة بذلت جهودا كبيرة لإسعافه، شاكرا الجميع على ما بذلوه من أجل الحفاظ على صحته. والطالب يحيى لا ينتمي إلى جماعة الإخوان، ويقول بكلمات بسيطة: «كنت في المحاضرة وخرجت مع الطلاب، عندما اشتبك الأمن مع طلاب الإخوان الذين صعدوا للمدرجات.. ولم أدرِ بنفسي إلا وأنا في المستشفى.. ولا أعرف من أطلق علي الرصاص (الخرطوش)».
ورغم تفاقم المشهد يوميا، تواصل جامعة الأزهر الدراسة في كلياتها. وقال الدكتور أحمد حسني، نائب رئيس جامعة الأزهر لشؤون الوجه البحري، إن «الدراسة بفرع الوجه البحري والبالغ عدد الكليات به 26 كلية منتظمة، وجرى الاستعداد لامتحانات الفصل الدراسي الأول». وقال حسني إن «أسئلة امتحانات الفصل الدراسي الأول مباشرة وخالية من التعقيد، ولن تتخطى المقرر الذي جرى شرحه».
وأكد الدكتور محمد عبد الشافي، نائب رئيس الجامعة للوجه القبلي، أنه «سوف يؤخذ في الاعتبار نسبة حضور الطالب 75% من أيام الدراسة.. ومن لم يحضرها فسوف يحرم من الامتحانات»، لافتا إلى أن الطالب الذي سوف يتغيب عن الامتحانات سوف يعد راسبا.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.