ثلاثة ملايين لاجئ سوري تحت رحمة عاصفة «أليكسا»

مقاتلان من المعارضة السورية المسلحة يطلقان النار باتجاه موالين للنظام في حي صلاح الدين في حلب أمس (أ.ف.ب)
مقاتلان من المعارضة السورية المسلحة يطلقان النار باتجاه موالين للنظام في حي صلاح الدين في حلب أمس (أ.ف.ب)
TT

ثلاثة ملايين لاجئ سوري تحت رحمة عاصفة «أليكسا»

مقاتلان من المعارضة السورية المسلحة يطلقان النار باتجاه موالين للنظام في حي صلاح الدين في حلب أمس (أ.ف.ب)
مقاتلان من المعارضة السورية المسلحة يطلقان النار باتجاه موالين للنظام في حي صلاح الدين في حلب أمس (أ.ف.ب)

أدى الصراع السوري، المستمر منذ منتصف شهر مارس (آذار) 2011، إلى مقتل عدد كبير من المدنيين والمقاتلين المحسوبين على المعارضة السورية والفصائل المنضمة إليهم من جهة، والجنود النظاميين والعناصر الموالية لهم من جهة ثانية.
وكان لافتا خلال الأسابيع الأخيرة، ارتفاع حصيلة قتلى حزب الله اللبناني والإعلان عن مقتل عناصر قيادية في صفوفه بسوريا، في وقت تعلن فيه كتائب المعارضة بين الحين والآخر مقتل قياديين في صفوفها على جبهات القتال، كان آخرهم قائد «لواء التوحيد»، عبد القادر صالح، في حلب.
في لبنان، لا إحصاءات رسمية تظهر عدد قتلى حزب الله في سوريا ولا يعلن حزب الله أي إحصاءات، وهو لا يذكر أنهم قتلوا في سوريا، مكتفيا في بيانات النعي التي ينشرها بإعلان «استشهادهم» أثناء أداء «واجبهم القيادي»، من دون أن يحدد مكان أو زمان مقتلهم. لكن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وفي إطلالته عشية إحياء مسيرة عاشوراء، منتصف الشهر الماضي، قال إن عدد «شهداء» حزب الله منذ بداية أحداث سوريا «لم يصل إلى رقم 250 شهيدا»، لافتا: «إننا تكبدنا خسائر في سوريا أقل مما كنا نتوقع»، علما بأن الحزب شيع أكثر من عشرة مقاتلين منذ ذلك التاريخ.
وتنقل صفحات سورية معارضة، بشكل دائم، أرقاما كبيرة عن خسائر حزب الله في سوريا ووقوع عدد من عناصره أسرى بيد فصائل المعارضة العسكرية من دون تقديم أي إثباتات عملية، علما بأن نصر الله نفى في إطلالته وقوع أي أسير حي بيد «الجيش الحر». ونشر موقع «كلنا شركاء»، المقرب من المعارضة السورية، قبل يومين، حلقة أولى من صور نحو ألف قتيل من حزب الله قال إنهم قضوا في سوريا «في مناطق متفرقة، من حلب شمالا إلى درعا جنوبا، مرورا بالقصير والقلمون ودمشق والغوطة»، لافتا إلى أن بينهم «العشرات من القادة الميدانيين الفاعلين في الحزب».
في المقابل، أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان، بداية الشهر الحالي، الخسائر البشرية في سوريا منذ بدء النزاع فيها، مؤكدا توثيقه مقتل 232 مقاتلا من حزب الله و265 مقاتلا شيعيا. وأفاد بمقتل 31 ألف مقاتل نظامي، وأكثر من 19 ألف عنصر من اللجان الشعبية وقوات الدفاع الوطني والشبيحة والمخبرين الموالين.
وبرز اسم حزب الله في القتال بسوريا، تحت راية الدفاع عن مقام السيدة زينب قرب دمشق، وتؤكد تقارير مشاركة المئات من عناصره في سوريا. وبدت هذه المشاركة أكثر وضوحا وعلانية في معارك القصير بريف حمص، بعدها منطقة حدودية تتداخل فيها قرى لبنانية ذات غالبية شيعية بقرى سورية، ليشارك بعد ذلك في معارك القلمون الاستراتيجية، على حدود لبنان الشرقية، دعما للنظام السوري من أجل الحفاظ على الطريق الدولية التي تربط دمشق بالساحل السوري.
وكان حزب الله شيع عددا من عناصره، أكدت تقارير إعلامية أنهم كانوا يشغلون مراكز قيادية، من دون أن تتوافر معطيات كثيرة عنهم. ومن أبرز هؤلاء، القائد الميداني باسل حمادة الذي قتل خلال معارك حمص في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، والقائد الميداني فادي الجزار الذي قتل خلال معارك القصير في شهر مايو (أيار) الماضي 2013.
وفي السادس عشر من نوفمبر الماضي، شيع حزب الله القائد الميداني علي شبيب، وأفادت تقارير إعلامية بأن الأخير كان قائد عمليات حزب الله في منطقة السيدة زينب، بينما ذكر موقع لبناني إخباري، مقرب من الحزب، أن شبيب كان معروفا باسم «أبو تراب الرويس». وفي الثامن عشر من الشهر ذاته، شيع الحزب وأهالي بلدة جبشيت القائد الميداني حسن مرعي، من دون أن تتضح ماهية مسؤولياته.
وفي 25 نوفمبر الماضي، شيع حزب الله وبلدة البازورية، (جنوب لبنان)، القائد الميداني علي إسكندر. وذكرت تقارير أنه كان يتولى مسؤولية قيادة العمليات العسكرية بمنطقة الغوطة الشرقية في سوريا، وهو من أبرز مقاتلي الحزب، واختاره السيد نصر الله ليكون مشرفا على العمليات العسكرية بريف دمشق.
وفي 28 من الشهر ذاته، أفيد بمقتل ابن شقيق وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية حسين الحاج حسن، البالغ من العمر 20 سنة. وفي اليوم ذاته، أعلنت صفحة «صقور الضاحية» على موقع «فيس بوك» ما وصفته بـ«أول عملية استشهادية للحزب في سوريا»، من دون إعلان أي تأكيد أو نفي رسمي من جانب حزب الله. وأوردت الصفحة، التي تبث أخبار الحزب إلى جانب أخبار أخرى، صورة للشاب صلاح يوسف، وخبرا جاء فيه أنه «خلال معارك الغوطة، جرت محاصرة مجموعة من حزب الله داخل أحد المباني من عناصر القاعدة («جبهة النصرة» و«داعش») فوضع الاستشهادي صلاح يوسف حزاما ناسفا، وتسلل بين صفوف التكفيريين مفجرا نفسه، موقعا عشرات القتلى والجرحى، فاتحا ثغرة سمحت لمجموعته بالخروج من المبنى المحاصر والمبادرة بالهجوم واستكمال المهمة».
وفي الثامن من الشهر الحالي، شيع حزب الله القائد الميداني علي حسين بزي، المتحدر من بلدة بنت جبيل الجنوبية. وذكرت صحيفة «وورلد تريبيون» الأميركية في عددها الصادر أمس أن بزي يعد من أبرز قادة الحزب العسكريين، وقتل على مقربة من الحدود السورية - اللبنانية. ونقلت عن مصادر قولها إنه «كان مسؤولا عن القطاع الغربي في سوريا ويقاتل ضد الجماعات المسلحة في القلمون القريبة من الحدود اللبنانية».
في موازاة ذلك، نعت فصائل المعارضة السورية عددا كبيرا من مقاتليها، ومن بينهم قادة ميدانيون بارزون. وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان وفي إحصاءاته الأخيرة بداية الشهر الحالي، أفاد بمقتل 6261 من مقاتلي المعارضة، غالبيتهم من جنسيات غير سورية، إضافة إلى أكثر من ألفي جندي منشق.
ويعد قائد «لواء التوحيد» في حلب عبد القادر الصالح، الملقب بـ«حجي مارع»، من أبرز القيادات العسكرية التي فقدها الجيش السوري الحر، 17 نوفمبر الماضي، وذلك بعد أيام على إصابته البالغة من جراء غارة استهدفت مبنى كان موجودا فيه بحلب. وتعرض الصالح لأكثر من محاولة اغتيال، ووضع النظام السوري مكافئة مالية قدرها 200 ألف دولار لمن يعتقله أو يقتله.
وتزامن مقتل الصالح مع الإعلان عن مقتل قائد عمليات «الجيش الحر» في قارا العقيد المنشق سليم بركات في معارك مع الجيش السوري. كما أكدت مصادر عسكرية مقتل العقيد المنشق فواز محمد عز الدين، وهو قائد ميداني في «الجيش الحر» ببلدة النبك في القلمون.
وفي 21 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعلن «الجيش الحر» في درعا مقتل المقدم ياسر العبود، أحد أبرز القادة الميدانيين في المنطقة الجنوبية، خلال اشتباكات مع القوات النظامية. وأفاد المكتب الإعلامي للمجلس العسكري بسوريا، بأن «العبود، قائد لواء الفلوجة - حوران، والمعروف بـ(أبو عمار)، قتل في معركة ضد قوات النظام، وهو رئيس غرفة العمليات في محافظة درعا». ويعد العبود من أوائل الضباط المنشقين عن نظام الرئيس بشار الأسد.
وفي الحادي عشر من شهر يوليو (تموز) الماضي، قتل عناصر في «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» عضو المجلس العسكري الأعلى للجيش السوري الحر كمال حمامي، الملقب «بأبي باسل اللاذقاني»، في ريف اللاذقية، علما بأنه كان يعد واحدا من أبرز قادة «الجيش الحر» في اللاذقية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.