إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه

الثنائي الشعبوي المتنافر دي مايو وسالفيني يحكمان الوضع الجديد من خلف الستار

إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه
TT

إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه

إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه

إيطاليا في أزمة عميقة رغم تأليف الحكومة الجديدة برئاسة البروفسور المحامي جيوسيبي كونته (54 سنة) بعد ثلاثة أشهر من الانتظار والخلاف والمماحكة والبهلوانيات والشقلبة وانقلاب عقبيها فوق رأسها.
وهذا، رغم تنفس الشعب الإيطالي الصعداء إثر تشكيل الوزارة الجديدة المؤلفة من 18 وزيرا معظمهم من «هواة» السياسة والوافدين الجدد إلى مسرحية الحكم على الطريقة الإيطالية المرحة، بعدما أعرب الناس عن مللهم وغضبهم من النزاع على المناصب مثلما كانت تفعل الأحزاب التقليدية، ولكن الحكام، في أي حال، يسمون الوضع الجديد «الجمهورية الثالثة»!
لاحظت الجماهير أن إيطاليا أصبحت حديث العالم منذ أن وصفت صحيفة «الفايننشال تايمز» البريطانية الوضع بـ«أن البرابرة اقتحموا أسوار روما» مثلما سمعنا في التاريخ عقب انهيار الإمبراطورية الرومانية. ووضعت مؤسسات الاتحاد الأوروبي يدها على قلبها حين سمعت أن وزير الاقتصاد والمالية المقترح البروفسور باولو سافونا (81 سنة) أبدى حنينه للعودة إلى الليرة الإيطالية القديمة والخروج من عملة اليورو، لأنه يعاير أن «ألمانيا سجنت إيطاليا في قفص».
حينذاك بدأ مقياس «سبريد» - أو مؤشر المجازفة بالقياس إلى الثابت المالي الألماني - في الارتفاع، أو بعبارة أخرى الفرق في العائدات المالية بين السندات الحكومية في ألمانيا وإيطاليا، الذي يجعل إيطاليا أكثر خطورة على المستثمرين. هذا يعني إعادة تصنيف الاقتصاد الإيطالي بدرجة أدنى نتيجة زيادة المخاطر في الاستثمار فيها، ما أثار الرعب لدى البنوك إزاء قدرة إيطاليا بالوفاء بديونها المتراكمة. والسبب أن الفائدة على الديون ستزيد بنسبة زيادة «سبريد» الذي تخطى 300 نقطة ثم انخفض إلى 235 نقطة بعد تأليف الحكومة وكان نصف ذلك قبل الانتخابات نتيجة التحسن البطيء للاقتصاد الإيطالي هذا العام.
- أزمة بسبب سافونا
في ظل هذا الوضع، وضع رئيس الجمهورية سيرجيو ماتاريلا (76 سنة) قدمه على مكبح السيارة، وبذل قصارى جهده لإقصاء سافونا عن هذا المنصب الحساس الذي قد يهدد البلاد بإعلان الإفلاس، فاعتذر كونته عن تشكيل الحكومة ومضى عائدا إلى جامعته في فلورنسا بالقطار السريع.
بعد ذلك، استدعى ماتاريلا خبيراً سابقاً في صندوق النقد الدولي هو كارلو كوتاريللي. كوتاريللي جاء من مدينة ميلانو والتحق بالقصر الجمهوري على عجل، ومعه حقيبة السفر لتشكيل الحكومة باعتبار رئيس الجمهورية الحارس الأمين على مبادئ الدستور، ولأن قضية الخروج من اليورو لم تبحث أثناء الحملة الانتخابية. غير أن هذا التطور أثار حنق لويجي دي مايو، زعيم رابطة «خمس نجوم» التي فازت بثلث أصوات الناخبين في 4 مارس (آذار) المنصرم، فطلب في ثورة غضبه عزل رئيس الجمهورية من منصبه.
استمرت هذه الفوضى والمسرحية الهزلية أربعة أيام، أعلن بعدها دي مايو وماتيو سالفيني زعيم حركة «الرابطة» (التي كان اسمها «رابطة الشمال» سابقا لأنها كانت تسعى للانفصال عن بقية إيطاليا) أنهما اتفقا على تبديل سافونا وإعطاء حقيبة وزارة الاقتصاد والمالية للبروفسور جيوفاني تريا (69 سنة) الذي لا يريد الخروج من منطقة اليورو، ومن ثم، إرضاء سافونا بمنصب وزير دون وزارة للشؤون الأوروبية!
وفجأة انتهت «المسرحية»... إذ رجع كوتاريللي إلى القصر الجمهوري ثم اختفى عائداً إلى منصبه السابق في ميلانو، بينما عاد كونته فورا بسيارة تاكسي إلى القصر الجمهوري، وخرج بعد بضع ساعات ليعلن التشكيل النهائي للحكومة. لقد سلم رئيس الوزراء المستقيل باولو جنتيلوني جرس الحكومة الصغير، الذي يضبط فيه رئيس الوزراء مناقشات المجلس بشكل رمزي طبعاً، وجلس كونته بجانب رئيس الجمهورية ماتاريلا إبان العرض العسكري في وسط روما احتفالا بالعيد الوطني يوم 2 يونيو (حزيران) وكأن شيئا لم يكن، وحافظ الجميع على المراسم بأكملها، لكن كان واضحاً أن اليوم التالي ليس يوماً طبيعياً عاديا في حياة إيطاليا.
- السلطة لدي مايو سالفيني
يلحظ أي مراقب محايد منصف أن سلطة الحكم الفعلي ستكون بيد دي مايو وسالفيني، فهما مَن اختار رئيس الوزراء كونته وليس العكس. ذلك أن كونته مقرب من حركة «خمس نجوم»، التي أسسها الممثل الفكاهي الشهير بيبي غريللو قبل 9 سنوات، والتي تكره الطبقة الحاكمة وتفضل ديمقراطية الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بعد رمي الساسة القدامى العجائز الذين «نهبوا الأخضر واليابس وأصبحوا مثل الآثار الرومانية التاريخية» إلى سلة المهملات. وهذا ما ينطبق، في رأس الحركة، على سيلفيو برلوسكوني رئيس الوزراء الأسبق والحليف السابق لسالفيني الذي ما زال يأمل في العودة إلى الواجهة السياسية، وأجنحة الحزب الديمقراطي اليساري المتناحرة والمتشرذمة باستمرار.
لقد تسلّم كل من دي مايو وسالفيني منصب نائب رئيس الوزراء وسيبقيان الحاكمين الفعليين في المستقبل القريب. وما يهم دي مايو (31 سنة)، الذي لم يكمل دراسته الجامعية والمكلف بوزارة العمل ووزارة التنمية الاقتصادية، هو خلق فرص العمل والتقليل من البطالة التي تصل إلى 11 في المائة حسب الإحصائيات الرسمية، وتأمين راتب المواطنة لمن لا عمل لديهم أو ذوي الدخل المحدود ومنحهم 780 يورو (أو 905 دولارات) شهريا. هذا الوعد جلب الكثير من الأصوات في الانتخابات لحركة «خمس نجوم» حتى أن بعض المواطنين في جنوب إيطاليا كانوا يبحثون عن الاستمارة التي يتوجب إملاؤها للحصول على هذا الراتب.
أما سالفيني (45 سنة)، الذي كان يؤيد الحزب الشيوعي الإيطالي في شبابه ثم انحاز إلى أقصى اليمين في السنوات الأخيرة، فهمه الأول كوزير للداخلية هو طرد المهاجرين غير الشرعيين من إيطاليا، ومنع تدفق سفن إنقاذ اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط. وهو بالفعل، طالبهم منذ اليوم الأول بحزم حقائبهم والعودة إلى بلدانهم، ثم مفاوضة الدول الأوروبية الأخرى لتخفيض قبول عدد اللاجئين إلى إيطاليا هذا العام واتباع سياسة صارمة إزاءهم، والبحث مع دول شمال أفريقيا منع المهاجرين من ركوب السفن المتجهة إلى إيطاليا. وللعلم، يتهم البعض سالفيني بأنه يفضل غرق المهاجرين في البحر على وصولهم إلى جزيرة صقلية، كما حصل منذ أيام حين غرق 48 من التونسيين في البحر، إذ أنه لا يعتبرهم لاجئين فارين من الحروب والاضطهاد... بحجة أن تونس تعيش بسلام، وأن دوافعهم هي تحسين وضعهم الاقتصادي على حساب العاطلين الإيطاليين. كما أنه اتهم تونس بإرسال المحكومين بالسجن إلى إيطاليا... وهو ما أثار سخط السلطات التونسية ودهشتها.
بطبيعة الحال، في طليعة المعجبين بسالفيني في أوروبا قادة اليمين المتطرف من أمثال مارين لو بين، زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا، وفيكتور أوربان رئيس الوزراء المجري، وفي أميركا ستيف بانون المستشار العقائدي والاستراتيجي السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي وصل إلى إيطاليا بعد الانتخابات ليبشر بـ«ثورة ترمب» ويهنئ سالفيني ودي مايو كنموذج يحتذى في أوروبا والولايات المتحدة. بل، ودعا بانون إلى تعاون الحركات الشعبوية من اليمين واليسار مثل «الرابطة» و«خمس نجوم» للإطاحة بالطبقة الحاكمة في بلدانها بحجة أنها «سببت» الأزمة الاقتصادية العالمية قبل عشر سنوات، وهي الأزمة التي ما زالت إيطاليا تعاني من نتائجها ومن الركود الاقتصادي المستمر.
- برلوسكوني: غير متجانسين
سيلفيو برلوسكوني يرى أن الحكومة الجديدة «تحمل آراء متضاربة غير متجانسة لمسؤولين قليلي الخبرة سيضطرون إلى الارتجال والتعلم أثناء ممارسة العمل»، على رأسهم رئيس الوزراء كونته الذي لم يسبق له أن شغل منصبا رسميا من قبل، إلا أنه - رغم ذلك - ويلقب نفسه «محامي الشعب» (مثل روبيسبير إبان الثورة الفرنسية).
أما الحزب الديمقراطي اليساري، برئاسة موريتزيو مارتينا، فقد أعلن معارضته القوية للحكومة الشعبوية الراديكالية وأكد تمسكه بـ«الاتحاد الأوروبي» وعملة اليورو وتأييده المطلق لرئيس الجمهورية. ومن ثم، ستتألف المعارضة من حزب برلوسكوني اليميني المسمى «فورتسا إيطاليا» (إلى الأمام يا إيطاليا)، والحزب الديمقراطي وخاصة زعيمه السابق ماتيو رينزي الذي حاول إصلاح النظام لكنه مني بالفشل. وفي ظل الأمر الواقع، تجد الطبقة الحاكمة القديمة نفسه الوضع الجديد الذي لا يعرف أحد كيف سيتطور، أو كيف سينفذ وعوده الانتخابية المكلفة رغم فقر إيطاليا للموارد،... ومَن سيطعن مَن في الظهر للاستئثار بالسلطة بعد أشهر. وهنا، لا ننسى ما قاله غريللو، مؤسس الـ«خمس نجوم» خلال العام الماضي عن سالفيني «إنه خائن سياسي وأفعاله أقبح من برلوسكوني ورينزي معاً». وأيضاً ما قاله دي مايو أيضا «أنا من نابولي... من الجنوب، وسالفيني من الشمال الذي كان يأمل أن تمحو حمم بركان فيزوف مدينة نابولي. إن التحالف معه مستحيل لأنه يبحث فقط عن المناصب وكرسي الحكم». وهكذا، فحركات وتصرفات الحكام الحديثي النعمة تنبئ عن ارتباكهم وصعوبة تصديقهم أنهم تولوا الحكم، حتى رغم فوز الحكومة بالثقة في البرلمان، ثم سفر رئيسها إلى كندا لحضور «قمة الدول الصناعية السبع» (السبعة الكبار) في كندا قبل أن يتمكن من دراسة عميقة للملف بأكمله.
- تحدّيات المستقبل
نعم، تعيش إيطاليا هذه الأيام تحولاً تاريخياً يحمل عدة تحديات قد يؤثر على مستقبل أوروبا بأكملها... وقد ينتهي بفشل سريع.
يكمن التحدي الأول في تحسين الوضع الاقتصادي المأزوم، ومن يتمشّى في شوارع روما هذه الأيام سيرتاع لمدى الإهمال الكبير في صيانة هذه العاصمة الجميلة المليئة بالسائحين. فالحفر في كل مكان، من الأرصفة إلى الشوارع المعبدة، ويسخر بعض الأهالي من عمدة المدينة فيرجينيا راجي (من الـ«خمس نجوم») قائلين «إذا لم تجد المال الكافي لتنظيف الحدائق العامة من الأعشاب الضارة فنقترح عليها جلب الخرفان للرعي فيها مجاناً!
هل ستبقى إيطاليا مرتبطة باليورو وتحاول تحسين علاقاتها المتوترة مع ألمانيا وفرنسا؟ أم ستستمر في الانتقاد الذي يمهد لأزمة مالية عالمية، خاصة إذا تطوّر الوضع إلى إجراء انتخابات نيابية جديدة قبل نهاية العام الحالي مع احتمال فوز حزب «الرابطة» بمزيد من المقاعد النيابية - كما توحي الاستطلاعات الراهنة - لأن سالفيني يعبر بقوة عن فكرة التمرّد والزعامة القوية والنزعة العنصرية المكبوتة منذ أيام زوال موسوليني والحكم الفاشي؟ ولقد رد سالفيني بعنف على انتقادات الاتحاد الأوروبي التي تقول أنه يتوجب على الإيطاليين أن يفكروا بالأرقام لا بالكلمات لتأمين مستقبلهم وعليهم العمل بجهد أكبر وبفساد أقل، فتساءل: هل تقرر الأسواق المالية مستقبل البلاد أم صناديق الاقتراع؟ وماذا تبقى إذاً من الديمقراطية الليبرالية إذا قرر الأغنياء لوحدهم مصيرنا؟
ومن ثم، يعتقد الخبراء أن إيطاليا ستحاول في نهاية المطاف الحصول على تسوية ما لأنها تدرك أنها جزء لا يتجزأ من أوروبا وأن المغامرة في المجهول ستكون مكلفة وربما كارثية. ذلك أن العودة إلى الليرة وتخفيض قيمة العملة باستمرار الذي ساعد في الماضي الفئات الصغيرة ومتوسطي الحال من المنتجين لن يتحقق مجدداً في العصر الحديث لأن التهرب من دفع الضرائب سيكون أكثر صعوبة في التقنيات الحديثة، وكذلك قوانين العمل والتشغيل البائدة والفساد المفضوح والإيحاء بأن الإصلاح يأتي بضغط خارجي. ويتكهن الكثير من المراقبين بأن الإيطاليين سيصوتون بالبقاء في منطقة اليورو إذا قامت الحكومة بإجراء استفتاء عام رغم تضرر الكثر من الالتحاق بالعملة الموحدة.
التحدي الثاني هو في كيفية معالجة مشكلة اللاجئين. لقد بدأ سالفيني عمله كوزير للداخلية فور أدائه اليمين، واستدعى إلى مكتبه في الليل قائد الشرطة وكبار المسؤولين في الوزارة. ثم سافر يوم العطلة الأسبوعية إلى جزيرة صقلية ليراقب بنفسه ما يجري هناك يومياً من تهريب للمهاجرين غير الشرعيين، وغالبيتهم من أفريقيا جاؤوا عبر الموانئ التونسية والليبية من قبل عصابات منظمة. والحق أن فرص العمل ضئيلة في إيطاليا لكنها مجبرة على قبول اللاجئين لأنها المكان الأول لنزولهم من السفن حسب قوانين الاتحاد الأوروبي وضغوط الكنيسة الكاثوليكية لدواع إنسانية.
أما التحدي الثالث، فهو في كيفية تمويل الوعود الانتخابية بينما تفتقر الخزينة إلى الأموال الكافية لتنفيذ الالتزامات الراهنة. خاصة إذا جرت الموافقة على الضريبة الثابتة للدخل بنسبة 15 في المائة لعموم الشعب و25 في المائة للأغنياء. ويكرّر مارتينا، من الحزب الديمقراطي المعارض، أن وعود حكام «الجمهورية الثالثة» ليست سوى كلام معسول لا يمكن الوفاء به. من سيموّل البرنامج الطموح للحكم الجديد؟ وهل ستكون ألمانيا والاتحاد الأوروبي «البقرة الحلوب» لإنجاح التجربة الإيطالية في حين تطبق على نفسها التقشف والميزانية الرشيدة، مع العلم، أن المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل لا تريد أن تصبح أوروبا اتحادا للمديونين؟ ولماذا تتسم مواقف الحكومة الشعبوية الإيطالية بالغموض في المسائل المالية... فهي تنوي تخفيض الضرائب وتخفيض سن التقاعد ما يزيد من الأعباء على الخزينة... فهل سيموّل الشمال الغني في إيطاليا جنوب البلاد الموبوء بالمافيا والفقر؟ للعلم، تقدّر كلفة تنفيذ الوعود مبلغاً ضخماً يزيد على 65 مليار يورو (أو 76 مليار دولار) وربما على ضعفي ذلك المبلغ، ولا يبدو في الأفق القريب مَن يدري كيف سيجري تمويل هذه الأحلام. إذ أن الأنفاق العام المتصاعد محفوف بالمخاطر وما جرى في الأزمة المالية مع اليونان قبل سنوات أفضل مثال. ولعل حل أزمة البقاء لشركة اليطاليا للطيران أمر مستعجل وسيعطي مؤشرا عن طريقة عمل واختيارات الحكومة الجديدة.
أخيراً، التحدي الرابع، هو اتجاه السياسة الخارجية الإيطالية. وزير الخارجية الجديد إنزو موافيرو ميلانيزي (63 سنة) قانوني مستقل مخضرم، عمل سابقاً في الاتحاد الأوروبي، ثم تبوأ منصب وزير للشؤون الأوروبية قبل سبع سنوات في حكومة التقشف - آنذاك - ولا يمكنه استبعاد تأثر سالفيني باعتباره نائبا لرئيس الوزراء وهو من المطالبين دوماً برفع العقوبات الاقتصادية عن روسيا. وكان الملياردير المجري جورج سوروس، المعروف باستثماراته الدولية الضخمة، قد أبدى خلال زيارته الحالية لإيطاليا قلقاً شديداً على مستقبل البلاد نظرا للعلاقات الوطيدة بين بوتين وسالفيني، من منطلق أن روسيا لا تبغي تدمير أوروبا بل استغلالها لأن روسيا تملك المواد الخام الأولية بينما تختص أوروبا بالصناعة المتطورة. ولا يختلف دي مايو كثيرا عن مواقف سالفيني تجاه العلاقات مع روسيا بل يفضل إعادة العلاقات مع النظام الحالي في سوريا والابتعاد عن سياسة الاتحاد الأوروبي الذي يتهمه بأنه «خرّب الاقتصاد الإيطالي بسياسة الصرامة والتزمت». ومن جهة أخرى، أعلن كل من نائبي رئيس الوزراء في العقد الذي يجمعهما لتشكيل الحكومة الحالية عن السياسة الودية التقليدية تجاه الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترمب والولاء لحلف الأطلسي (الناتو).
- الإيطاليون على مفترق طرق
> إيطاليا الآن على مفترق طرق. فالنظام الحاكم اليوم يقف ضد الطبقة الحاكمة القديمة وسياساتها المعروفة ومؤسساتها التقليدية، إلا أنه يحتاج إلى طرق عصرية غير مألوفة للنجاح. ولا أحد يعرف كيف ستخرج إيطاليا من عصارة الفواكه بعد هرس الثمرة الناضجة وأي طعم ستكون عليه. الانتخابات التي أجريت قبل 3 أشهر كانت انفجاراً غاضباً على الطرق السائدة والفساد وسوء الإدارة، وضرباً بالعصي على الحزب الديمقراطي الذي أخفق في تبديل المؤسسات وتعديل الدستور، وتوبيخاً قاسيا لبرلوسكوني على مسلكه واستهتاره وتفضيله لطبقة الأغنياء ومصالحه الخاصة.
الرسالة كانت: كفى... نريد تحطيم القديم، ولكن المشكلة تبقى في العاقبة والنتائج. والأهم هو إيجاد الحلول الاقتصادية الواقعية، وهذا أمر لا تضمنه الكلمات والوعود والقرارات الحكومية. إن إيجاد فرص العمل ليست سهلة في عالم يتطور بسرعة في تنافس مستمر وبتقنيات عالية في الذكاء الاصطناعي والإنسان الآلي.
يمتاز الإيطاليون بالذكاء والقدرة على إيجاد الحلول غير المتوقعة، لكن التحديات كبيرة هذه المرة ومن الصعب التكهن بالمستقبل إذا لم يكن الحل مناسباً لحجم إيطاليا.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.