إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه

الثنائي الشعبوي المتنافر دي مايو وسالفيني يحكمان الوضع الجديد من خلف الستار

إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه
TT

إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه

إيطاليا ثمرة ناضجة تُهرس في خلاطة الفواكه

إيطاليا في أزمة عميقة رغم تأليف الحكومة الجديدة برئاسة البروفسور المحامي جيوسيبي كونته (54 سنة) بعد ثلاثة أشهر من الانتظار والخلاف والمماحكة والبهلوانيات والشقلبة وانقلاب عقبيها فوق رأسها.
وهذا، رغم تنفس الشعب الإيطالي الصعداء إثر تشكيل الوزارة الجديدة المؤلفة من 18 وزيرا معظمهم من «هواة» السياسة والوافدين الجدد إلى مسرحية الحكم على الطريقة الإيطالية المرحة، بعدما أعرب الناس عن مللهم وغضبهم من النزاع على المناصب مثلما كانت تفعل الأحزاب التقليدية، ولكن الحكام، في أي حال، يسمون الوضع الجديد «الجمهورية الثالثة»!
لاحظت الجماهير أن إيطاليا أصبحت حديث العالم منذ أن وصفت صحيفة «الفايننشال تايمز» البريطانية الوضع بـ«أن البرابرة اقتحموا أسوار روما» مثلما سمعنا في التاريخ عقب انهيار الإمبراطورية الرومانية. ووضعت مؤسسات الاتحاد الأوروبي يدها على قلبها حين سمعت أن وزير الاقتصاد والمالية المقترح البروفسور باولو سافونا (81 سنة) أبدى حنينه للعودة إلى الليرة الإيطالية القديمة والخروج من عملة اليورو، لأنه يعاير أن «ألمانيا سجنت إيطاليا في قفص».
حينذاك بدأ مقياس «سبريد» - أو مؤشر المجازفة بالقياس إلى الثابت المالي الألماني - في الارتفاع، أو بعبارة أخرى الفرق في العائدات المالية بين السندات الحكومية في ألمانيا وإيطاليا، الذي يجعل إيطاليا أكثر خطورة على المستثمرين. هذا يعني إعادة تصنيف الاقتصاد الإيطالي بدرجة أدنى نتيجة زيادة المخاطر في الاستثمار فيها، ما أثار الرعب لدى البنوك إزاء قدرة إيطاليا بالوفاء بديونها المتراكمة. والسبب أن الفائدة على الديون ستزيد بنسبة زيادة «سبريد» الذي تخطى 300 نقطة ثم انخفض إلى 235 نقطة بعد تأليف الحكومة وكان نصف ذلك قبل الانتخابات نتيجة التحسن البطيء للاقتصاد الإيطالي هذا العام.
- أزمة بسبب سافونا
في ظل هذا الوضع، وضع رئيس الجمهورية سيرجيو ماتاريلا (76 سنة) قدمه على مكبح السيارة، وبذل قصارى جهده لإقصاء سافونا عن هذا المنصب الحساس الذي قد يهدد البلاد بإعلان الإفلاس، فاعتذر كونته عن تشكيل الحكومة ومضى عائدا إلى جامعته في فلورنسا بالقطار السريع.
بعد ذلك، استدعى ماتاريلا خبيراً سابقاً في صندوق النقد الدولي هو كارلو كوتاريللي. كوتاريللي جاء من مدينة ميلانو والتحق بالقصر الجمهوري على عجل، ومعه حقيبة السفر لتشكيل الحكومة باعتبار رئيس الجمهورية الحارس الأمين على مبادئ الدستور، ولأن قضية الخروج من اليورو لم تبحث أثناء الحملة الانتخابية. غير أن هذا التطور أثار حنق لويجي دي مايو، زعيم رابطة «خمس نجوم» التي فازت بثلث أصوات الناخبين في 4 مارس (آذار) المنصرم، فطلب في ثورة غضبه عزل رئيس الجمهورية من منصبه.
استمرت هذه الفوضى والمسرحية الهزلية أربعة أيام، أعلن بعدها دي مايو وماتيو سالفيني زعيم حركة «الرابطة» (التي كان اسمها «رابطة الشمال» سابقا لأنها كانت تسعى للانفصال عن بقية إيطاليا) أنهما اتفقا على تبديل سافونا وإعطاء حقيبة وزارة الاقتصاد والمالية للبروفسور جيوفاني تريا (69 سنة) الذي لا يريد الخروج من منطقة اليورو، ومن ثم، إرضاء سافونا بمنصب وزير دون وزارة للشؤون الأوروبية!
وفجأة انتهت «المسرحية»... إذ رجع كوتاريللي إلى القصر الجمهوري ثم اختفى عائداً إلى منصبه السابق في ميلانو، بينما عاد كونته فورا بسيارة تاكسي إلى القصر الجمهوري، وخرج بعد بضع ساعات ليعلن التشكيل النهائي للحكومة. لقد سلم رئيس الوزراء المستقيل باولو جنتيلوني جرس الحكومة الصغير، الذي يضبط فيه رئيس الوزراء مناقشات المجلس بشكل رمزي طبعاً، وجلس كونته بجانب رئيس الجمهورية ماتاريلا إبان العرض العسكري في وسط روما احتفالا بالعيد الوطني يوم 2 يونيو (حزيران) وكأن شيئا لم يكن، وحافظ الجميع على المراسم بأكملها، لكن كان واضحاً أن اليوم التالي ليس يوماً طبيعياً عاديا في حياة إيطاليا.
- السلطة لدي مايو سالفيني
يلحظ أي مراقب محايد منصف أن سلطة الحكم الفعلي ستكون بيد دي مايو وسالفيني، فهما مَن اختار رئيس الوزراء كونته وليس العكس. ذلك أن كونته مقرب من حركة «خمس نجوم»، التي أسسها الممثل الفكاهي الشهير بيبي غريللو قبل 9 سنوات، والتي تكره الطبقة الحاكمة وتفضل ديمقراطية الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بعد رمي الساسة القدامى العجائز الذين «نهبوا الأخضر واليابس وأصبحوا مثل الآثار الرومانية التاريخية» إلى سلة المهملات. وهذا ما ينطبق، في رأس الحركة، على سيلفيو برلوسكوني رئيس الوزراء الأسبق والحليف السابق لسالفيني الذي ما زال يأمل في العودة إلى الواجهة السياسية، وأجنحة الحزب الديمقراطي اليساري المتناحرة والمتشرذمة باستمرار.
لقد تسلّم كل من دي مايو وسالفيني منصب نائب رئيس الوزراء وسيبقيان الحاكمين الفعليين في المستقبل القريب. وما يهم دي مايو (31 سنة)، الذي لم يكمل دراسته الجامعية والمكلف بوزارة العمل ووزارة التنمية الاقتصادية، هو خلق فرص العمل والتقليل من البطالة التي تصل إلى 11 في المائة حسب الإحصائيات الرسمية، وتأمين راتب المواطنة لمن لا عمل لديهم أو ذوي الدخل المحدود ومنحهم 780 يورو (أو 905 دولارات) شهريا. هذا الوعد جلب الكثير من الأصوات في الانتخابات لحركة «خمس نجوم» حتى أن بعض المواطنين في جنوب إيطاليا كانوا يبحثون عن الاستمارة التي يتوجب إملاؤها للحصول على هذا الراتب.
أما سالفيني (45 سنة)، الذي كان يؤيد الحزب الشيوعي الإيطالي في شبابه ثم انحاز إلى أقصى اليمين في السنوات الأخيرة، فهمه الأول كوزير للداخلية هو طرد المهاجرين غير الشرعيين من إيطاليا، ومنع تدفق سفن إنقاذ اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط. وهو بالفعل، طالبهم منذ اليوم الأول بحزم حقائبهم والعودة إلى بلدانهم، ثم مفاوضة الدول الأوروبية الأخرى لتخفيض قبول عدد اللاجئين إلى إيطاليا هذا العام واتباع سياسة صارمة إزاءهم، والبحث مع دول شمال أفريقيا منع المهاجرين من ركوب السفن المتجهة إلى إيطاليا. وللعلم، يتهم البعض سالفيني بأنه يفضل غرق المهاجرين في البحر على وصولهم إلى جزيرة صقلية، كما حصل منذ أيام حين غرق 48 من التونسيين في البحر، إذ أنه لا يعتبرهم لاجئين فارين من الحروب والاضطهاد... بحجة أن تونس تعيش بسلام، وأن دوافعهم هي تحسين وضعهم الاقتصادي على حساب العاطلين الإيطاليين. كما أنه اتهم تونس بإرسال المحكومين بالسجن إلى إيطاليا... وهو ما أثار سخط السلطات التونسية ودهشتها.
بطبيعة الحال، في طليعة المعجبين بسالفيني في أوروبا قادة اليمين المتطرف من أمثال مارين لو بين، زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا، وفيكتور أوربان رئيس الوزراء المجري، وفي أميركا ستيف بانون المستشار العقائدي والاستراتيجي السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي وصل إلى إيطاليا بعد الانتخابات ليبشر بـ«ثورة ترمب» ويهنئ سالفيني ودي مايو كنموذج يحتذى في أوروبا والولايات المتحدة. بل، ودعا بانون إلى تعاون الحركات الشعبوية من اليمين واليسار مثل «الرابطة» و«خمس نجوم» للإطاحة بالطبقة الحاكمة في بلدانها بحجة أنها «سببت» الأزمة الاقتصادية العالمية قبل عشر سنوات، وهي الأزمة التي ما زالت إيطاليا تعاني من نتائجها ومن الركود الاقتصادي المستمر.
- برلوسكوني: غير متجانسين
سيلفيو برلوسكوني يرى أن الحكومة الجديدة «تحمل آراء متضاربة غير متجانسة لمسؤولين قليلي الخبرة سيضطرون إلى الارتجال والتعلم أثناء ممارسة العمل»، على رأسهم رئيس الوزراء كونته الذي لم يسبق له أن شغل منصبا رسميا من قبل، إلا أنه - رغم ذلك - ويلقب نفسه «محامي الشعب» (مثل روبيسبير إبان الثورة الفرنسية).
أما الحزب الديمقراطي اليساري، برئاسة موريتزيو مارتينا، فقد أعلن معارضته القوية للحكومة الشعبوية الراديكالية وأكد تمسكه بـ«الاتحاد الأوروبي» وعملة اليورو وتأييده المطلق لرئيس الجمهورية. ومن ثم، ستتألف المعارضة من حزب برلوسكوني اليميني المسمى «فورتسا إيطاليا» (إلى الأمام يا إيطاليا)، والحزب الديمقراطي وخاصة زعيمه السابق ماتيو رينزي الذي حاول إصلاح النظام لكنه مني بالفشل. وفي ظل الأمر الواقع، تجد الطبقة الحاكمة القديمة نفسه الوضع الجديد الذي لا يعرف أحد كيف سيتطور، أو كيف سينفذ وعوده الانتخابية المكلفة رغم فقر إيطاليا للموارد،... ومَن سيطعن مَن في الظهر للاستئثار بالسلطة بعد أشهر. وهنا، لا ننسى ما قاله غريللو، مؤسس الـ«خمس نجوم» خلال العام الماضي عن سالفيني «إنه خائن سياسي وأفعاله أقبح من برلوسكوني ورينزي معاً». وأيضاً ما قاله دي مايو أيضا «أنا من نابولي... من الجنوب، وسالفيني من الشمال الذي كان يأمل أن تمحو حمم بركان فيزوف مدينة نابولي. إن التحالف معه مستحيل لأنه يبحث فقط عن المناصب وكرسي الحكم». وهكذا، فحركات وتصرفات الحكام الحديثي النعمة تنبئ عن ارتباكهم وصعوبة تصديقهم أنهم تولوا الحكم، حتى رغم فوز الحكومة بالثقة في البرلمان، ثم سفر رئيسها إلى كندا لحضور «قمة الدول الصناعية السبع» (السبعة الكبار) في كندا قبل أن يتمكن من دراسة عميقة للملف بأكمله.
- تحدّيات المستقبل
نعم، تعيش إيطاليا هذه الأيام تحولاً تاريخياً يحمل عدة تحديات قد يؤثر على مستقبل أوروبا بأكملها... وقد ينتهي بفشل سريع.
يكمن التحدي الأول في تحسين الوضع الاقتصادي المأزوم، ومن يتمشّى في شوارع روما هذه الأيام سيرتاع لمدى الإهمال الكبير في صيانة هذه العاصمة الجميلة المليئة بالسائحين. فالحفر في كل مكان، من الأرصفة إلى الشوارع المعبدة، ويسخر بعض الأهالي من عمدة المدينة فيرجينيا راجي (من الـ«خمس نجوم») قائلين «إذا لم تجد المال الكافي لتنظيف الحدائق العامة من الأعشاب الضارة فنقترح عليها جلب الخرفان للرعي فيها مجاناً!
هل ستبقى إيطاليا مرتبطة باليورو وتحاول تحسين علاقاتها المتوترة مع ألمانيا وفرنسا؟ أم ستستمر في الانتقاد الذي يمهد لأزمة مالية عالمية، خاصة إذا تطوّر الوضع إلى إجراء انتخابات نيابية جديدة قبل نهاية العام الحالي مع احتمال فوز حزب «الرابطة» بمزيد من المقاعد النيابية - كما توحي الاستطلاعات الراهنة - لأن سالفيني يعبر بقوة عن فكرة التمرّد والزعامة القوية والنزعة العنصرية المكبوتة منذ أيام زوال موسوليني والحكم الفاشي؟ ولقد رد سالفيني بعنف على انتقادات الاتحاد الأوروبي التي تقول أنه يتوجب على الإيطاليين أن يفكروا بالأرقام لا بالكلمات لتأمين مستقبلهم وعليهم العمل بجهد أكبر وبفساد أقل، فتساءل: هل تقرر الأسواق المالية مستقبل البلاد أم صناديق الاقتراع؟ وماذا تبقى إذاً من الديمقراطية الليبرالية إذا قرر الأغنياء لوحدهم مصيرنا؟
ومن ثم، يعتقد الخبراء أن إيطاليا ستحاول في نهاية المطاف الحصول على تسوية ما لأنها تدرك أنها جزء لا يتجزأ من أوروبا وأن المغامرة في المجهول ستكون مكلفة وربما كارثية. ذلك أن العودة إلى الليرة وتخفيض قيمة العملة باستمرار الذي ساعد في الماضي الفئات الصغيرة ومتوسطي الحال من المنتجين لن يتحقق مجدداً في العصر الحديث لأن التهرب من دفع الضرائب سيكون أكثر صعوبة في التقنيات الحديثة، وكذلك قوانين العمل والتشغيل البائدة والفساد المفضوح والإيحاء بأن الإصلاح يأتي بضغط خارجي. ويتكهن الكثير من المراقبين بأن الإيطاليين سيصوتون بالبقاء في منطقة اليورو إذا قامت الحكومة بإجراء استفتاء عام رغم تضرر الكثر من الالتحاق بالعملة الموحدة.
التحدي الثاني هو في كيفية معالجة مشكلة اللاجئين. لقد بدأ سالفيني عمله كوزير للداخلية فور أدائه اليمين، واستدعى إلى مكتبه في الليل قائد الشرطة وكبار المسؤولين في الوزارة. ثم سافر يوم العطلة الأسبوعية إلى جزيرة صقلية ليراقب بنفسه ما يجري هناك يومياً من تهريب للمهاجرين غير الشرعيين، وغالبيتهم من أفريقيا جاؤوا عبر الموانئ التونسية والليبية من قبل عصابات منظمة. والحق أن فرص العمل ضئيلة في إيطاليا لكنها مجبرة على قبول اللاجئين لأنها المكان الأول لنزولهم من السفن حسب قوانين الاتحاد الأوروبي وضغوط الكنيسة الكاثوليكية لدواع إنسانية.
أما التحدي الثالث، فهو في كيفية تمويل الوعود الانتخابية بينما تفتقر الخزينة إلى الأموال الكافية لتنفيذ الالتزامات الراهنة. خاصة إذا جرت الموافقة على الضريبة الثابتة للدخل بنسبة 15 في المائة لعموم الشعب و25 في المائة للأغنياء. ويكرّر مارتينا، من الحزب الديمقراطي المعارض، أن وعود حكام «الجمهورية الثالثة» ليست سوى كلام معسول لا يمكن الوفاء به. من سيموّل البرنامج الطموح للحكم الجديد؟ وهل ستكون ألمانيا والاتحاد الأوروبي «البقرة الحلوب» لإنجاح التجربة الإيطالية في حين تطبق على نفسها التقشف والميزانية الرشيدة، مع العلم، أن المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل لا تريد أن تصبح أوروبا اتحادا للمديونين؟ ولماذا تتسم مواقف الحكومة الشعبوية الإيطالية بالغموض في المسائل المالية... فهي تنوي تخفيض الضرائب وتخفيض سن التقاعد ما يزيد من الأعباء على الخزينة... فهل سيموّل الشمال الغني في إيطاليا جنوب البلاد الموبوء بالمافيا والفقر؟ للعلم، تقدّر كلفة تنفيذ الوعود مبلغاً ضخماً يزيد على 65 مليار يورو (أو 76 مليار دولار) وربما على ضعفي ذلك المبلغ، ولا يبدو في الأفق القريب مَن يدري كيف سيجري تمويل هذه الأحلام. إذ أن الأنفاق العام المتصاعد محفوف بالمخاطر وما جرى في الأزمة المالية مع اليونان قبل سنوات أفضل مثال. ولعل حل أزمة البقاء لشركة اليطاليا للطيران أمر مستعجل وسيعطي مؤشرا عن طريقة عمل واختيارات الحكومة الجديدة.
أخيراً، التحدي الرابع، هو اتجاه السياسة الخارجية الإيطالية. وزير الخارجية الجديد إنزو موافيرو ميلانيزي (63 سنة) قانوني مستقل مخضرم، عمل سابقاً في الاتحاد الأوروبي، ثم تبوأ منصب وزير للشؤون الأوروبية قبل سبع سنوات في حكومة التقشف - آنذاك - ولا يمكنه استبعاد تأثر سالفيني باعتباره نائبا لرئيس الوزراء وهو من المطالبين دوماً برفع العقوبات الاقتصادية عن روسيا. وكان الملياردير المجري جورج سوروس، المعروف باستثماراته الدولية الضخمة، قد أبدى خلال زيارته الحالية لإيطاليا قلقاً شديداً على مستقبل البلاد نظرا للعلاقات الوطيدة بين بوتين وسالفيني، من منطلق أن روسيا لا تبغي تدمير أوروبا بل استغلالها لأن روسيا تملك المواد الخام الأولية بينما تختص أوروبا بالصناعة المتطورة. ولا يختلف دي مايو كثيرا عن مواقف سالفيني تجاه العلاقات مع روسيا بل يفضل إعادة العلاقات مع النظام الحالي في سوريا والابتعاد عن سياسة الاتحاد الأوروبي الذي يتهمه بأنه «خرّب الاقتصاد الإيطالي بسياسة الصرامة والتزمت». ومن جهة أخرى، أعلن كل من نائبي رئيس الوزراء في العقد الذي يجمعهما لتشكيل الحكومة الحالية عن السياسة الودية التقليدية تجاه الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترمب والولاء لحلف الأطلسي (الناتو).
- الإيطاليون على مفترق طرق
> إيطاليا الآن على مفترق طرق. فالنظام الحاكم اليوم يقف ضد الطبقة الحاكمة القديمة وسياساتها المعروفة ومؤسساتها التقليدية، إلا أنه يحتاج إلى طرق عصرية غير مألوفة للنجاح. ولا أحد يعرف كيف ستخرج إيطاليا من عصارة الفواكه بعد هرس الثمرة الناضجة وأي طعم ستكون عليه. الانتخابات التي أجريت قبل 3 أشهر كانت انفجاراً غاضباً على الطرق السائدة والفساد وسوء الإدارة، وضرباً بالعصي على الحزب الديمقراطي الذي أخفق في تبديل المؤسسات وتعديل الدستور، وتوبيخاً قاسيا لبرلوسكوني على مسلكه واستهتاره وتفضيله لطبقة الأغنياء ومصالحه الخاصة.
الرسالة كانت: كفى... نريد تحطيم القديم، ولكن المشكلة تبقى في العاقبة والنتائج. والأهم هو إيجاد الحلول الاقتصادية الواقعية، وهذا أمر لا تضمنه الكلمات والوعود والقرارات الحكومية. إن إيجاد فرص العمل ليست سهلة في عالم يتطور بسرعة في تنافس مستمر وبتقنيات عالية في الذكاء الاصطناعي والإنسان الآلي.
يمتاز الإيطاليون بالذكاء والقدرة على إيجاد الحلول غير المتوقعة، لكن التحديات كبيرة هذه المرة ومن الصعب التكهن بالمستقبل إذا لم يكن الحل مناسباً لحجم إيطاليا.


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.