الحوثي يجابه هزيمته الوشيكة في الحديدة بتصعيد حملات البطش

اعتقالات واستقطابات في أوساط المواطنين وتحشيد وتوزيع أموال... ووعيد بتعقب الإعلاميين

TT

الحوثي يجابه هزيمته الوشيكة في الحديدة بتصعيد حملات البطش

استنفدت الميليشيات الحوثية في الأيام الأخيرة كافة أدوات البطش والاستقطاب، لإرهاب المناهضين من جهة، ولتحشيد المجندين من صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لها من جهة أخرى، وذلك في سياق سعيها لمجابهة هزيمتها الوشيكة في الساحل الغربي، حيث تتأهب القوات اليمنية المشتركة المسنودة بتحالف دعم الشرعية، لحسم المعركة وتحرير مدينة الحديدة ومينائها الحيوي.
وتوعدت الميليشيات، في هذا السياق، بتعقب الإعلاميين والناشطين المناهضين لها في مناطق سيطرتها والتنكيل بهم، فيما كثفت من حملات الاعتقال والاختطاف بحق المواطنين في صنعاء والحديدة والمحويت وحجة وتعز وإب، بالتزامن مع استمرارها في أعمال التحشيد في أوساط القبائل، وقيامها بتوظيف الأموال لاستقطاب المجندين، وتسخير منابر المساجد، ومضاعفة أعمال الجباية وفرض الإتاوات على التجار.
كما صعدت الجماعة الحوثية، في صنعاء وبقية مناطق سيطرتها، وعلى نحو مكشوف، من استثمار ورقة المعونات الإنسانية، تحت عناوين طائفية، في سياق مساعيها لاستقطاب مجندين جدد للقتال في صفوفها، إلى جانب سعيها المتأخر من أجل تحسين صورتها في أوساط السكان، من خلال استدرار عواطفهم، بما توزعه عليهم من وجبات طعام، وسلال غذائية.
وأفادت مصادر قبلية وحزبية، لـ«الشرق الأوسط»، بأن عناصر الميليشيات استمروا في تنفيذ حملات مكثفة في صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة للجماعة لاعتقال المواطنين الذين يرفضون الخضوع للجماعة، والناشطين الموالين لحزب «المؤتمر الشعبي» والعسكريين الذين تعتقد الجماعة أنهم يمارسون أدواراً عدائية ضدها بالتنسيق مع قوات الحكومة الشرعية والتحالف الداعم لها.
وذكرت المصادر، أن حملات الاعتقال والاختطاف الحوثية شملت خلال يومين عشرات الأشخاص، ممن وجهت لهم الجماعة تهم التخابر مع الشرعية وقوات التحالف، وممن زعمت أنهم كانوا يخططون للالتحاق بمعسكرات الشرعية في مأرب وعدن والساحل الغربي.
وقالت مصادر في حزبـ«المؤتمر الشعبي»، إن عناصر الميليشيات الحوثية الذين يسيطرون على كافة أجهزة الأمن والاستخبارات في مناطق سيطرتهم، اعتقلوا في صنعاء القيادي في الحزب وعضو لجنته الدائمة، محمد أبو عسكر، والذي يشغل منصب مدير مكتب الشباب والرياضة في مديرية شعوب، بعد أن اتهموه بتنظيم مسابقة رياضية دون التنسيق معهم.
وجاء اعتقال القيادي المحلي في حزب «المؤتمر» بعد أيام من اعتقال قياديين آخرين، تم اختطافهما من قبل الميليشيات إثر خروجهما من صالة للعزاء في حي «حدة» وسط العاصمة، وهما رئيس الدائرة الفنية للحزب خالد أبو عيدة، ونائب رئيس فرع الحزب في مديرية شعوب، عامر رفيق، ووسط أنباء بتوجيه اتهامات إليهما بإجراء اتصالات مع قيادات في الحزب في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية.
وبحسب ما أفادت مصادر قبلية في مديرية نهم (شمال شرقي صنعاء) أقدم مسلحو الجماعة في قرية الحول، على تفجير منزل مواطن يدعى مسعد جحيش، على خلفية اتهامه بالتعاون مع قوات جيش الشرعية. وقالت المصادر، إن منزل جحيش هو سابع منزل تفجره الميليشيات في القرية نفسها.
وبحسب ما يقوله مراقبون، تسعى الميليشيات عبر العنف المفرط وأساليب التنكيل وتفجير المنازل واختطاف الناشطين، إلى ترهيب السكان الخاضعين في مناطقها، ودفعهم إلى تجنب القيام بأي محاولات مناهضة تواكب الضغط العسكري والخسائر الميدانية التي تتكبدها الجماعة في جبهات الساحل الغربي وصعدة.
إلى ذلك، اعترفت الميليشيات الحوثية، يوم الجمعة، بحسب ما أوردته وسائل إعلام الجماعة، بأنها ألقت القبض على عدد من المواطنين، في الحديدة والمحويت وحجة، زاعمة أنهم متورطون في أعمال لصالح قوات الشرعية والتحالف الداعم لها. وذكرت النسخة الحوثية من وكالة «سبأ»، أن عناصر أمن الميليشيات، أوقفوا ثلاثة مواطنين في مديرية الطويلة بالمحويت، زعمت أنهم كانوا يعملون «على نشر الشائعات الكاذبة والترويج لها، والتحريض ضد النظام والقانون بهدف التخريب والإضرار بأمن وسكنية المجتمع».
وفي الوقت الذي تتصاعد مخاوف الميليشيات من اختراق صفوفها ومن احتمال اندلاع انتفاضات شعبية ضدها بالتزامن مع انكساراتها العسكرية والانحسار المتسارع للجغرافيا التي تسيطر عليها، زعمت الجماعة في بيان رسمي على لسان مصدر أمني وجود نشاط استخباراتي وإعلامي مكثف ضدها لاستهداف جبهتها الداخلية من قبل تحالف دعم الشرعية.
وحضت الجماعة الحوثية أتباعها الطائفيين على التعاون مع أجهزتها الأمنية للإبلاغ عمن يعرفونهم من الناشطين والإعلاميين المعارضين لها، والذين زعمت أنهم باتوا يمارسون أدواراً دعائية تسعى إلى النيل من الروح المعنوية لدى عناصر ميليشياتها المنخرطين في جبهات القتال. وتوعدت الجماعة بأنها لن تتهاون مع مروجي الشائعات والمشاركين في الحملات الإعلامية، ضدها، وبأنها ستنكل بكل الناشطين والصحافيين المناهضين لها «سواء بالقول أو الفعل أو بأي شكل من الأشكال». على حد ما جاء في وعيدها.
وفي السياق نفسه، اعترفت الجماعة بأنها اعتقلت مواطناً، في منطقة عاهم في محافظة حجة (شمال غرب)، واتهمته بأنه من أخطر المناهضين لها، لجهة قيامه برصد تحركات ميليشياتها وتقديم معلومات لقوات الشرعية وللتحالف الداعم لها، كما اعترفت بأن أجهزتها الأمنية بمدينة الحديدة، اعتقلت أربعة مواطنين، زاعمة أنهم يشكلون خلية للرصد وتقديم الإحداثيات لقوات الجيش والتحالف الداعم للشرعية.
وأكدت مصادر محلية وحزبية في محافظات ريمة والمحويت وإب وذمار، بأن الميليشيات الحوثية أطلقت يدها في الأيام الأخيرة عبر قيامها بحملات اختطاف وأعمال قمع وابتزاز بحق المئات من المدنيين، وذلك على وقع مخاوفها المتصاعدة من تفجر انتفاضات غاضبة ضدها، بالتزامن مع اشتداد الضغط الميداني عليها في الساحل الغربي.
وذكرت المصادر، أن القادة المحليين للميليشيات الحوثية، في إب وريمة وعمران والمحويت، استمروا في أعمال التحشيد في أوساط القبائل، وأرغموا عناصر حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضعين لهم على المشاركة في حض أتباعهم على الانخراط في صفوف الجماعة وعلى حضور الأمسيات والفعاليات الليلية التي ينظمها قادة الميليشيات من أجل هذا الغرض.
إلى ذلك، أفادت لـ«الشرق الأوسط» مصادر مطلعة على ما يدور في أروقة حكم الجماعة في صنعاء، بأن رئيس مجلس حكم الميليشيات مهدي المشاط، استشاط غضباً من تدني الاستجابة للحشد في أوساط قبائل طوق صنعاء؛ وهو ما جعله، بحسب المصادر، يستدعي محافظ الجماعة في صنعاء (أرياف العاصمة) حنين قطينة، ليناقش معه أسباب هذا الإخفاق.
وفي حين ذكرت المصادر، أن المشاط أمر قطينة بتسخير موارد محافظة صنعاء لإغراء القبائل والقاصرين والعاطلين عن العمل بالمال، أفادت المصادر الرسمية للجماعة، بأن الأخير شرع على الفور في تنفيذ التوجيهات؛ إذ عقد اجتماعاً مع معاونيه، وقرر توزيع 40 مليون ريال (الدولار يساوي 483 ريالاً) في شكل عاجل على العشرات ممن نجحت الجماعة في تحشيدهم باتجاه الحديدة، مع تخصيص جزء من المبلغ لصالح أسر القتلى الذين وصلتهم جثثهم، الجمعة الماضي، إلى مستشفيات صنعاء.
وعلى صعيد قيام الجماعة باستثمار ورقة المعونات الإنسانية على أساس طائفي، وتسخيرها من أجل التحشيد، أفاد السكان في صنعاء، بأن عناصر الجماعة، وزعوا عشرات الآلاف من السلال الغذائية على أتباعهم، من خلال الجمعيات المحلية التي كانت أنشأتها الجماعة للاستحواذ على الدعم الإنساني الدولي.
وعوضاً عن أن تصل المساعدات الإنسانية المقدمة من قبل المجتمع الدولي، إلى عموم الفئات المستحقة من سكان صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة للجماعة، أكدت المصادر أن عملية توزيع المعونات اقتصرت فقط على الأسر المحسوبة طائفياً وسلالياً على الجماعة الحوثية.
وبحسب المصادر، خصصت الميليشيات، جزءاً من المعونات الغذائية، لتوزيعها في أوساط مسلحيها وعناصرها القبليين في عمران، مع التركيز على توزيع نسبة أكبر على السكان في حجة والحديدة، من أجل استرضائهم واستقطاب أبناء الأسر الفقيرة للقتال معها.
وتتولى نحو 6 جمعيات محلية أنشأتها الجماعة الحوثية توزيع أغلب المساعدات الإنسانية، تحت عناوين طائفية؛ إذ تأتي الحملات، تحت شعارات تمجد الجماعة وقادتها وعناصرها القتلى؛ وهو ما يجعل الكثير من السكان يعتقدون أن هذه المساعدات جاءت تكرماً من قبل الميليشيات، وليست من قبل المنظمات الدولية العاملة في اليمن.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.