أمل دنقل... التمرد على السائد والمغامرة الجمالية

بعد 35 سنة على غيابه

أمل دنقل
أمل دنقل
TT

أمل دنقل... التمرد على السائد والمغامرة الجمالية

أمل دنقل
أمل دنقل

إذا كان الزمن هو الناقد الأهم والعامل الحاسم في الحكم على نتاج الشعراء والمبدعين، فإن المرء لا يجافي الحقيقة بشيء إذا اعتبر أن أمل دنقل هو أحد الشعراء القلائل الذين نجحوا في امتحان الزمن، وتمكنت نصوصهم من الرسوخ بثبات في ذاكرة القراء والمتابعين على المستويين المصري والعربي. ففي حين كان النسيان جاهزاً لتلقف العشرات من مجايلي الشاعر، فإن العشرات من نصوص أمل دنقل، الذي رحل في مثل هذه الأيام قبل ثلاثة عقود ونصف العقد، لا تزال نابضة بالحياة وقادرة على الإفلات من أسر اللحظة العابرة لمعاينة عراك الإنسان، العربي بوجه خاص، مع نفسه من جهة، ومع محيطه وسلطاته القامعة وقدره المأساوي من جهة أخرى. على أن قدرة دنقل على مقارعة النسيان لم تتوفر بفعل موهبته العالية وحدها، بل بفعل عوامل عدة، من بينها إخلاصه التام لهذه الموهبة، وتعهده لها بالكدح والاطلاع، وصدقه النادر في علاقته بنفسه وبالآخرين، إضافة إلى اندفاعته الضارية باتجاه الحياة، ورفضه الحاسم لعقد الصفقات المادية والأخلاقية مع سلطة الأمر الواقع، أو للتنازل عن كل ما يتعلق بالحرية والعدالة وكرامة الإنسان.
لم تكن شخصية أمل دنقل من جهة ثانية لتتسم بالمرونة واللين وتدوير الزوايا، ولا كان صاحبها قابلاً للانصياع للأعراف والتقاليد السائدة، بل ظل طيلة حياته مخلصاً لنزاهته وصدقه وصوته الداخلي. ورغم أنه انخرط بكليته في عوالم القاهرة وطقوسها المدينية وصراعات مجتمعها الثقافي، فإن ميله الجارف إلى الصعلكة والتسكع وارتياد الحانات والمقاهي لم يستطع أن يقتلعه من جذوره الصعيدية التي أصَّلت في داخله قيم الفروسية والشهامة والكرم والحدب على الآخرين. على أن صاحب «تعليق على ما حدث» لم يكن ليقيم في الوسط من أي شيء، ولا ليقبل بأنصاف الصفات والحلول، بل يوثر الذهاب إلى تخوم الأضداد، حيث يلتقي النزق مع الخجل الريفي، واللسان السليط مع القلب المنفطر، والعدائية الفظة مع البكاء المكتوم والدموع الخرساء. ولعل أفضل بورتريه عاكس لظاهر أمل وباطنه هو ذلك الذي قدمته حبيبته ورفيقة سنيّه الأخيرة عبلة الرويني في كتاب «الجنوبي»، حيث تشير إلى تناقضاته السلوكية بالقول: «استعراضي يتيه بنفسه في كبرياء لافت للأنظار. بسيط بساطة طبيعية يخجل معها إذا أطريته وأطريت شعره... صخري شديد الصلابة لا يخشى شيئاً ولا يعرف الخوف أبداً، لكن من السهل إيلام قلبه». أما إشارة الرويني إلى انفعالية زوجها وميله إلى المشاحنات الحادة والعراك الجسدي، فقد عاينتها بشكل مباشر أثناء سهرة جامعة أقامها أحد الكتاب في بيروت بمناسبة انعقاد «ملتقى الشقيف الشعري» في أوائل الثمانينات، حيث تعارك أمل مع أحد شعراء العراق المعروفين بعد أن عمد هذا الأخير إلى اتهام المصريين بالمساومة، والتفريط بحقوق الفلسطينيين. فأمل الذي لم يستسغ آنذاك تجاهل البعض للتضحيات الجسيمة التي قدمها آلاف المصريين على مذبح القضايا العربية المختلفة لم يستطع أن يدافع عن كبريائه الجريح بغير ذلك النوع من العنف اللفظي والجسدي.
لم يبتعد أمل دنقل عن الموضوعات الوطنية والقومية التي تناولها العديد من أترابه الذين عُرفوا اصطلاحاً بجيل الستينات، والذين وجدوا أنفسهم ممزقين بحكم الظروف العربية الصعبة بين الذهاب بمغامرة الحداثة حتى تخومها الرؤيوية والجمالية، وبين اعتبار الشعر أداة فعالة من أدوات التغيير السياسي والاجتماعي. ولعل هذا الارتباك بين المفهومين قد عكسته بشكل جلي مجلة «الآداب» البيروتية، كما دار «الآداب»، اللتان احتفتا في الآن ذاته بفكرة اللا منتمي عند كولن ولسون وبمبدأ الأدب الملتزم عند جان بول سارتر. ومع أن دنقل قد انحاز بشكل واضح إلى فكرة الالتزام في الأدب وإلى تقليص المسافة التي تفصل الشعر عن جمهوره، إلا أنه حرص كل الحرص على ألا يتم ذلك على حساب القيمة الإبداعية والجمالية للنص. وإذا كان عمله الأول «مقتل القمر» لا يختلف عن النصوص السائدة في زمنه، رغم ما فيه من إرهاصات تعبيرية وصورية واعدة، فقد أخلد الشاعر إلى الصمت سنوات عدة ليخرج بعدها بمجموعته المتميزة «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» التي بدت بعض نصوصها إرهاصاً واضحاً بهزيمة يونيو (حزيران)، وبفقدان الجدوى من أي تغيير في ظل مازوشية الأمة الجمعية والاستسلام التلقائي لأنظمة القهر والاستبداد. وهو ما تعكسه بوضوح قصيدة «كلمات سبارتاكوس الأخيرة» التي يخاطب فيها الشاعر «قيصر الصقيع» قائلاً: «يا قيصر العظيم: قد أخطأتُ / إني أعترفْ / دعني على مشنقتي ألثم يدكْ / ها أنذا أقبّل الحبل الذي في عنقي يلتفْ فهو يداكَ / وهْو مجدك الذي يجبرنا أن نعبدكْ... يا إخوتي الذين يعبرون في الميدان بانحناءْ / لا تحلموا بعالم سعيدْ / فخلف كل قيصرٍ يموت قيصرٌ جديد». وبعد وقوع الهزيمة بأيام معدودة يكتب أمل في القصيدة التي جعلها عنواناً لمجموعته «أيتها العرافة المقدسة / ماذا تفيد الكلمات البائسة؟ قلتِ لهم ما قلت عن قوافل الغبارْ / فاتهموا عينيك يا زرقاء بالبوارْ / وحين فوجئوا بحد السيف / قايضوا بنا / والتمسوا النجاة والفرارْ».
ثمة نبرة من المرارة وخيبة الأمل تطل من وراء كل قصيدة كتبها أمل دنقل بعد الهزيمة. ففي مجموعته اللاحقة «تعليق على ما حدث»، يتنقل الشاعر في أزقة مدينته الكبرى، فلا يسمع سوى نشيج البشر التائهين فوق أزقة الفقر والخنوع والإذلال، حيث الماء يسقط دماً في الصنابير، والنيل يبحث عن أوراقه الثبوتية لكي يُسمح له بالجريان، والشاعر المنكفئ إلى داخل نفسه يتوق إلى الصراخ ضد ما يحدث فيصاب بالرعب مخافة أن يحمل الصدى نداءه إلى «الهوائيات فوق أسطح البيوت». أما «العهد الآتي»، فتشكل من حيث التكثيف الدلالي والنضج المعرفي وتوظيف التراث الإنساني واحدة من أفضل مجموعات الشاعر وأكثرها تمثيلاً لمهاراته وتحولاته المتسارعة. فالشاعر إذ يستعير من النص الديني بعض رموزه ومفاتيحه اللغوية والأسلوبية يبدو وكأنه يعيد على طريقته كتابة هذا النص من منظور التاريخ الفعلي، لا من منظور المثاليات المجردة. وهو تبعاً لذلك يقدم لقرائه إصحاحات ومتواليات حوارية تجسد رؤيته إلى واقع البشر وحقيقتهم الصادمة: «قلت: فليكن العدل في الأرض / عينٌ بعينٍ وسنٌّ بسنْ / قلت: هل يأكل الذئب ذئباً أو الشاة شاة / ولا تضع السيف في عنق اثنين: طفلٍ وشيخ مسنْ / ورأيت ابن آدم يردي ابن آدم / يشعل في المدن النار / يغرس خنجره في بطون الحوامل / يلقي أصابع أطفاله علفاً للخيول / يقص الشفاه وروداً تزيّن مائدة النصر... وهي تئنْ». ولم يفت الشاعر بالمقابل الإفادة من المرويات والسير الشعبية المتغلغلة في وجدان العرب من محيطهم إلى خليجهم، بغية الحث على مواجهة الظلم والانتصار للحقوق المغتصبة والدم المراق. وهو ما عكسته قصيدته الملحمية «أقوال جديدة عن حرب البسوس» التي أثبت فيها الشاعر مرة أخرى أن ما يحدد قيمة العمل الفني ليس موضوعه بل قدرة صاحبه على رفده بطاقة المغايَرة، والتأويل، وشحنات التوهج الإبداعي. وما زلت أذكر حتى الآن تلك اللحظات المؤثرة التي صعد فيها أمل دنقل، متكئاً بسبب المرض على عصاه، إلى منبر الشعر في الذكرى الخمسين لغياب شوقي وحافظ، حتى إذا شرع بالقراءة وعاين بالملموس حب جمهوره له استعاد حيويته المعروفة، وهو يردد بلسان كليب مخاطباً أخاه المهلهل قبل أن يلفظ أنفاسه: «لا تصالحْ ولو منحوك الذهبْ / أتُرى حين أفقأ عينيك / ثم أثبّت جوهرتين مكانهما هل تَرى؟ هي أشياء لا تُشترى... إنها الحرب ُقد تُثقل القلب لكن خلفك عار العربْ لا تصالح ولا تتوخّ الهربْ».
في عمله الأخير «أوراق الغرفة رقم 8» الذي كتبت معظم نصوصه في المستشفى، تبلغ تجربة أمل ذروة شفافيتها ونقائها التعبيري والروحي. ليس ثمة من مكان هنا للغة الصاخبة والغضب من تردي الواقع، بل تصفية حساب مع الحياة، واستعداد للعبور إلى الضفة الأخرى. والكتابة هنا تشتغل على خط الدمج بين مصير الكائن الفرد وبين المآلات المماثلة للأشياء والكائنات، كما في قصائد «الخيول» و«الطيور» و«الزهور» التي تهدى إلى المرضى، وتحمل «اسم قاتلها في بطاقة». وإذا كان ثمة شبه واضح بين تجربتي المرض لدى بدر شاكر السياب وأمل دنقل، إضافة إلى شبه آخر في الشكل والملامح، فإن الثاني مدفوعاً بأنفة وكبرياء نادرين لا يحول معاناته إلى فرصة للنواح والتفجع وطلب الاستغاثة، بل إلى أسئلة ممضة عن مغزى وجودنا العابر على الأرض. وحتى في قصيدته «ضدّ من» لا يكتفي بالإشارة إلى ما يعتمل في داخله من حرقة النفس ووهن الجسد، بل يشير إلى المفارقة الملغزة بين بياض أماكن الموت وسواد التعبير عن حضوره «لون الأسرة / أربطة الشاش والقطن / قرص المنوّم / أنبوبة المصل / كوب اللبنْ / كلّ هذا البياض يذكّرني بالكفنْ / فلماذا إذا متّ يأتي المعزّون متّشحين بشارات لون الحدادْ / هل لأن السوادْ هو لون النجاة من الموت / لون التميمة ضدّ الزمنْ / ضدّ مَنْ؟ ومتى القلب في الخفقان اطمأنْ؟».
لا بد أخيراً من طرح السؤال الذي طالما طرحه المختصون والنقاد على أنفسهم: هل حالت السياسة والالتزام بقضايا الوطن والأمة دون ذهاب أمل دنقل بعيداً في مغامرة الكتابة؟ وإذا كنت أجيب من زاويتي الشخصية بالنفي فليس من باب المجاملة، والشاعر لم يعد بيننا اليوم، بل لأن موهبة أمل المتوقدة وانصهاره الوجداني بموضوعاته وقراءته العميقة للتاريخ قد أسهمت جميعها في النأي بتجربته عن التقريرية والمباشرة والشعارات الطنانة، وأتاحت لشعره أن يوائم بين الحفر المعرفي والرؤيوي من جهة، وبين براعة التأليف الماكر والقدرة على الإدهاش من جهة أخرى. كما أن هجوم أمل الضاري على الحياة والتحامه بورودها وأشواكها، أبعد شعره عن الافتعال والتجريد الذهني، ووفر له مروحة واسعة من المرئيات والتفاصيل والحواريات السردية التي ترسم للبشر المتعبين ملامحهم وهواجسهم وتلاحق مصائرهم إلى محطاتها الأخيرة. إنه شعر حواس وروائح ومذاقات وأخلاط وغرائز ورغبات طازجة وشقاوات وآلام، بقدر ما هو شعر ارتطام شبقي بالعالم وكائناته وأشيائه. إضافة إلى كل ذلك ثمة قدرة لافتة على التجريب والمغامرة الشكلية التي تجعله يضع نصين متوازيين على صفحة واحدة، أو يستثمر على إيقاعات البحور وجوازاتها وشطورها بما يعصم النص من الرتابة والتنميط الأسلوبي. وهو يلح على استخدام الرجز لأن هذا البحر يتيح أكثر من سواه التعبير عن خلجات النفس وتوتراتها، بعيداً عن التطريب والإنشاء العاطفي الصرف. كما يُظهر الشاعر براعة استثنائية في اجتراح التناظرات الدقيقة بين الجمل واختيار القوافي الساكنة ذات الرنين الصوتي المتناغم. أما المعيار الأهم للحكم على شاعرية أمل دنقل فيتمثل في تجاوزها بنجاح لامتحان الزمن، بحيث يمكن لنا أن نقرأها مرات ومرات دون أن يفارقنا الشعور الغامر بمتعة القراءة أو لذة الاكتشاف.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.