أمل دنقل... التمرد على السائد والمغامرة الجمالية

بعد 35 سنة على غيابه

أمل دنقل
أمل دنقل
TT

أمل دنقل... التمرد على السائد والمغامرة الجمالية

أمل دنقل
أمل دنقل

إذا كان الزمن هو الناقد الأهم والعامل الحاسم في الحكم على نتاج الشعراء والمبدعين، فإن المرء لا يجافي الحقيقة بشيء إذا اعتبر أن أمل دنقل هو أحد الشعراء القلائل الذين نجحوا في امتحان الزمن، وتمكنت نصوصهم من الرسوخ بثبات في ذاكرة القراء والمتابعين على المستويين المصري والعربي. ففي حين كان النسيان جاهزاً لتلقف العشرات من مجايلي الشاعر، فإن العشرات من نصوص أمل دنقل، الذي رحل في مثل هذه الأيام قبل ثلاثة عقود ونصف العقد، لا تزال نابضة بالحياة وقادرة على الإفلات من أسر اللحظة العابرة لمعاينة عراك الإنسان، العربي بوجه خاص، مع نفسه من جهة، ومع محيطه وسلطاته القامعة وقدره المأساوي من جهة أخرى. على أن قدرة دنقل على مقارعة النسيان لم تتوفر بفعل موهبته العالية وحدها، بل بفعل عوامل عدة، من بينها إخلاصه التام لهذه الموهبة، وتعهده لها بالكدح والاطلاع، وصدقه النادر في علاقته بنفسه وبالآخرين، إضافة إلى اندفاعته الضارية باتجاه الحياة، ورفضه الحاسم لعقد الصفقات المادية والأخلاقية مع سلطة الأمر الواقع، أو للتنازل عن كل ما يتعلق بالحرية والعدالة وكرامة الإنسان.
لم تكن شخصية أمل دنقل من جهة ثانية لتتسم بالمرونة واللين وتدوير الزوايا، ولا كان صاحبها قابلاً للانصياع للأعراف والتقاليد السائدة، بل ظل طيلة حياته مخلصاً لنزاهته وصدقه وصوته الداخلي. ورغم أنه انخرط بكليته في عوالم القاهرة وطقوسها المدينية وصراعات مجتمعها الثقافي، فإن ميله الجارف إلى الصعلكة والتسكع وارتياد الحانات والمقاهي لم يستطع أن يقتلعه من جذوره الصعيدية التي أصَّلت في داخله قيم الفروسية والشهامة والكرم والحدب على الآخرين. على أن صاحب «تعليق على ما حدث» لم يكن ليقيم في الوسط من أي شيء، ولا ليقبل بأنصاف الصفات والحلول، بل يوثر الذهاب إلى تخوم الأضداد، حيث يلتقي النزق مع الخجل الريفي، واللسان السليط مع القلب المنفطر، والعدائية الفظة مع البكاء المكتوم والدموع الخرساء. ولعل أفضل بورتريه عاكس لظاهر أمل وباطنه هو ذلك الذي قدمته حبيبته ورفيقة سنيّه الأخيرة عبلة الرويني في كتاب «الجنوبي»، حيث تشير إلى تناقضاته السلوكية بالقول: «استعراضي يتيه بنفسه في كبرياء لافت للأنظار. بسيط بساطة طبيعية يخجل معها إذا أطريته وأطريت شعره... صخري شديد الصلابة لا يخشى شيئاً ولا يعرف الخوف أبداً، لكن من السهل إيلام قلبه». أما إشارة الرويني إلى انفعالية زوجها وميله إلى المشاحنات الحادة والعراك الجسدي، فقد عاينتها بشكل مباشر أثناء سهرة جامعة أقامها أحد الكتاب في بيروت بمناسبة انعقاد «ملتقى الشقيف الشعري» في أوائل الثمانينات، حيث تعارك أمل مع أحد شعراء العراق المعروفين بعد أن عمد هذا الأخير إلى اتهام المصريين بالمساومة، والتفريط بحقوق الفلسطينيين. فأمل الذي لم يستسغ آنذاك تجاهل البعض للتضحيات الجسيمة التي قدمها آلاف المصريين على مذبح القضايا العربية المختلفة لم يستطع أن يدافع عن كبريائه الجريح بغير ذلك النوع من العنف اللفظي والجسدي.
لم يبتعد أمل دنقل عن الموضوعات الوطنية والقومية التي تناولها العديد من أترابه الذين عُرفوا اصطلاحاً بجيل الستينات، والذين وجدوا أنفسهم ممزقين بحكم الظروف العربية الصعبة بين الذهاب بمغامرة الحداثة حتى تخومها الرؤيوية والجمالية، وبين اعتبار الشعر أداة فعالة من أدوات التغيير السياسي والاجتماعي. ولعل هذا الارتباك بين المفهومين قد عكسته بشكل جلي مجلة «الآداب» البيروتية، كما دار «الآداب»، اللتان احتفتا في الآن ذاته بفكرة اللا منتمي عند كولن ولسون وبمبدأ الأدب الملتزم عند جان بول سارتر. ومع أن دنقل قد انحاز بشكل واضح إلى فكرة الالتزام في الأدب وإلى تقليص المسافة التي تفصل الشعر عن جمهوره، إلا أنه حرص كل الحرص على ألا يتم ذلك على حساب القيمة الإبداعية والجمالية للنص. وإذا كان عمله الأول «مقتل القمر» لا يختلف عن النصوص السائدة في زمنه، رغم ما فيه من إرهاصات تعبيرية وصورية واعدة، فقد أخلد الشاعر إلى الصمت سنوات عدة ليخرج بعدها بمجموعته المتميزة «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» التي بدت بعض نصوصها إرهاصاً واضحاً بهزيمة يونيو (حزيران)، وبفقدان الجدوى من أي تغيير في ظل مازوشية الأمة الجمعية والاستسلام التلقائي لأنظمة القهر والاستبداد. وهو ما تعكسه بوضوح قصيدة «كلمات سبارتاكوس الأخيرة» التي يخاطب فيها الشاعر «قيصر الصقيع» قائلاً: «يا قيصر العظيم: قد أخطأتُ / إني أعترفْ / دعني على مشنقتي ألثم يدكْ / ها أنذا أقبّل الحبل الذي في عنقي يلتفْ فهو يداكَ / وهْو مجدك الذي يجبرنا أن نعبدكْ... يا إخوتي الذين يعبرون في الميدان بانحناءْ / لا تحلموا بعالم سعيدْ / فخلف كل قيصرٍ يموت قيصرٌ جديد». وبعد وقوع الهزيمة بأيام معدودة يكتب أمل في القصيدة التي جعلها عنواناً لمجموعته «أيتها العرافة المقدسة / ماذا تفيد الكلمات البائسة؟ قلتِ لهم ما قلت عن قوافل الغبارْ / فاتهموا عينيك يا زرقاء بالبوارْ / وحين فوجئوا بحد السيف / قايضوا بنا / والتمسوا النجاة والفرارْ».
ثمة نبرة من المرارة وخيبة الأمل تطل من وراء كل قصيدة كتبها أمل دنقل بعد الهزيمة. ففي مجموعته اللاحقة «تعليق على ما حدث»، يتنقل الشاعر في أزقة مدينته الكبرى، فلا يسمع سوى نشيج البشر التائهين فوق أزقة الفقر والخنوع والإذلال، حيث الماء يسقط دماً في الصنابير، والنيل يبحث عن أوراقه الثبوتية لكي يُسمح له بالجريان، والشاعر المنكفئ إلى داخل نفسه يتوق إلى الصراخ ضد ما يحدث فيصاب بالرعب مخافة أن يحمل الصدى نداءه إلى «الهوائيات فوق أسطح البيوت». أما «العهد الآتي»، فتشكل من حيث التكثيف الدلالي والنضج المعرفي وتوظيف التراث الإنساني واحدة من أفضل مجموعات الشاعر وأكثرها تمثيلاً لمهاراته وتحولاته المتسارعة. فالشاعر إذ يستعير من النص الديني بعض رموزه ومفاتيحه اللغوية والأسلوبية يبدو وكأنه يعيد على طريقته كتابة هذا النص من منظور التاريخ الفعلي، لا من منظور المثاليات المجردة. وهو تبعاً لذلك يقدم لقرائه إصحاحات ومتواليات حوارية تجسد رؤيته إلى واقع البشر وحقيقتهم الصادمة: «قلت: فليكن العدل في الأرض / عينٌ بعينٍ وسنٌّ بسنْ / قلت: هل يأكل الذئب ذئباً أو الشاة شاة / ولا تضع السيف في عنق اثنين: طفلٍ وشيخ مسنْ / ورأيت ابن آدم يردي ابن آدم / يشعل في المدن النار / يغرس خنجره في بطون الحوامل / يلقي أصابع أطفاله علفاً للخيول / يقص الشفاه وروداً تزيّن مائدة النصر... وهي تئنْ». ولم يفت الشاعر بالمقابل الإفادة من المرويات والسير الشعبية المتغلغلة في وجدان العرب من محيطهم إلى خليجهم، بغية الحث على مواجهة الظلم والانتصار للحقوق المغتصبة والدم المراق. وهو ما عكسته قصيدته الملحمية «أقوال جديدة عن حرب البسوس» التي أثبت فيها الشاعر مرة أخرى أن ما يحدد قيمة العمل الفني ليس موضوعه بل قدرة صاحبه على رفده بطاقة المغايَرة، والتأويل، وشحنات التوهج الإبداعي. وما زلت أذكر حتى الآن تلك اللحظات المؤثرة التي صعد فيها أمل دنقل، متكئاً بسبب المرض على عصاه، إلى منبر الشعر في الذكرى الخمسين لغياب شوقي وحافظ، حتى إذا شرع بالقراءة وعاين بالملموس حب جمهوره له استعاد حيويته المعروفة، وهو يردد بلسان كليب مخاطباً أخاه المهلهل قبل أن يلفظ أنفاسه: «لا تصالحْ ولو منحوك الذهبْ / أتُرى حين أفقأ عينيك / ثم أثبّت جوهرتين مكانهما هل تَرى؟ هي أشياء لا تُشترى... إنها الحرب ُقد تُثقل القلب لكن خلفك عار العربْ لا تصالح ولا تتوخّ الهربْ».
في عمله الأخير «أوراق الغرفة رقم 8» الذي كتبت معظم نصوصه في المستشفى، تبلغ تجربة أمل ذروة شفافيتها ونقائها التعبيري والروحي. ليس ثمة من مكان هنا للغة الصاخبة والغضب من تردي الواقع، بل تصفية حساب مع الحياة، واستعداد للعبور إلى الضفة الأخرى. والكتابة هنا تشتغل على خط الدمج بين مصير الكائن الفرد وبين المآلات المماثلة للأشياء والكائنات، كما في قصائد «الخيول» و«الطيور» و«الزهور» التي تهدى إلى المرضى، وتحمل «اسم قاتلها في بطاقة». وإذا كان ثمة شبه واضح بين تجربتي المرض لدى بدر شاكر السياب وأمل دنقل، إضافة إلى شبه آخر في الشكل والملامح، فإن الثاني مدفوعاً بأنفة وكبرياء نادرين لا يحول معاناته إلى فرصة للنواح والتفجع وطلب الاستغاثة، بل إلى أسئلة ممضة عن مغزى وجودنا العابر على الأرض. وحتى في قصيدته «ضدّ من» لا يكتفي بالإشارة إلى ما يعتمل في داخله من حرقة النفس ووهن الجسد، بل يشير إلى المفارقة الملغزة بين بياض أماكن الموت وسواد التعبير عن حضوره «لون الأسرة / أربطة الشاش والقطن / قرص المنوّم / أنبوبة المصل / كوب اللبنْ / كلّ هذا البياض يذكّرني بالكفنْ / فلماذا إذا متّ يأتي المعزّون متّشحين بشارات لون الحدادْ / هل لأن السوادْ هو لون النجاة من الموت / لون التميمة ضدّ الزمنْ / ضدّ مَنْ؟ ومتى القلب في الخفقان اطمأنْ؟».
لا بد أخيراً من طرح السؤال الذي طالما طرحه المختصون والنقاد على أنفسهم: هل حالت السياسة والالتزام بقضايا الوطن والأمة دون ذهاب أمل دنقل بعيداً في مغامرة الكتابة؟ وإذا كنت أجيب من زاويتي الشخصية بالنفي فليس من باب المجاملة، والشاعر لم يعد بيننا اليوم، بل لأن موهبة أمل المتوقدة وانصهاره الوجداني بموضوعاته وقراءته العميقة للتاريخ قد أسهمت جميعها في النأي بتجربته عن التقريرية والمباشرة والشعارات الطنانة، وأتاحت لشعره أن يوائم بين الحفر المعرفي والرؤيوي من جهة، وبين براعة التأليف الماكر والقدرة على الإدهاش من جهة أخرى. كما أن هجوم أمل الضاري على الحياة والتحامه بورودها وأشواكها، أبعد شعره عن الافتعال والتجريد الذهني، ووفر له مروحة واسعة من المرئيات والتفاصيل والحواريات السردية التي ترسم للبشر المتعبين ملامحهم وهواجسهم وتلاحق مصائرهم إلى محطاتها الأخيرة. إنه شعر حواس وروائح ومذاقات وأخلاط وغرائز ورغبات طازجة وشقاوات وآلام، بقدر ما هو شعر ارتطام شبقي بالعالم وكائناته وأشيائه. إضافة إلى كل ذلك ثمة قدرة لافتة على التجريب والمغامرة الشكلية التي تجعله يضع نصين متوازيين على صفحة واحدة، أو يستثمر على إيقاعات البحور وجوازاتها وشطورها بما يعصم النص من الرتابة والتنميط الأسلوبي. وهو يلح على استخدام الرجز لأن هذا البحر يتيح أكثر من سواه التعبير عن خلجات النفس وتوتراتها، بعيداً عن التطريب والإنشاء العاطفي الصرف. كما يُظهر الشاعر براعة استثنائية في اجتراح التناظرات الدقيقة بين الجمل واختيار القوافي الساكنة ذات الرنين الصوتي المتناغم. أما المعيار الأهم للحكم على شاعرية أمل دنقل فيتمثل في تجاوزها بنجاح لامتحان الزمن، بحيث يمكن لنا أن نقرأها مرات ومرات دون أن يفارقنا الشعور الغامر بمتعة القراءة أو لذة الاكتشاف.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».