الخرطوم على خريطة الأدب

محمد محجوب يكتب بالإنجليزية عن مدينته من زوايا عدة

جانب من الخرطوم
جانب من الخرطوم
TT

الخرطوم على خريطة الأدب

جانب من الخرطوم
جانب من الخرطوم

«خط في النهر: الخرطوم مدينة الذكرى» كتاب صدر في هذا العام عن دار «بلومزبري للنشر» بلندن من تأليف جمال محجوب.
والمؤلف روائي ولد في لندن، وشبّ في مدينة الخرطوم عاصمة السودان، تنقل بين عدد من المدن: لندن والقاهرة وآرهوس (في الدانمرك) وبرشلونة، وهو الآن يقيم في أمستردام بهولندا. يضم رصيده من الأعمال الأدبية سبع روايات، فضلاً عن روايات بوليسية ينشرها تحت اسم باركر بلال.
عنوان الكتاب «خط في النهر» إشارة إلى قلب الخرطوم، حيث يلتقي فرعا النيل الكبيران: النيل الأزرق منحدراً من مرتفعات إثيوبيا، والنيل الأبيض الذي يجيء متعرجاً من مستنقعات الجنوب.
ويقول المؤلف في مطلع كتابه: «إن هذا الكتاب هو أكثر أعماله اتساماً بالطابع الشخصي وأكثرها طموحاً. إنه ليس أطروحة أكاديمية وإنما هو مجموعة من الانطباعات. هذه صورة الخرطوم كما عرفها، وهو يكتب عنها من منظورين: أحدهما أفريقي والآخر غربي. ثم هو يربطها بما يجري في بقاع أخرى من العالم: بالعنصرية إزاء السود في الولايات المتحدة الأميركية، وارتفاع مد اليمين المتطرف في أوروبا، واضطهاد الأقليات في بلدان كثيرة».
وفي تتبعه لمسيرته الحياتية يتوقف محجوب عند محطات عدة: أسرته (كان جده وجدته بريطانيين)، إخوته، طفولته، مناقشاته مع أبيه عما سيكون عليه مستقبله، تعليمه، شعوره بالغربة؛ إذ يحمل جواز سفر بريطانياً في السودان، بدء استيقاظ وعيه السياسي، تمرده في مراهقته، اختياراته، أول رواية كتبها على آلته الكاتبة اليدوية وقد استغرق تأليفها منه عامين، وبطلها باحث عن الذات كالمؤلف الشاب ذاته، وقد غلب عليها طابع التشاؤم، بل إن أحد محرري دار النشر التي قدمها إليها كتب في تقريره إنها أكثر الروايات التي وقعت عليها عينه كراهية للبشر.
وفي ثنايا كتابه يشير محجوب إلى رواية جوزيف كونراد «قلب الظلمات» (لها ترجمة عربية بقلم د. هدى حبيشه)، وهي إدانة لمزاعم الرجل الأبيض أنه جاء إلى قلب القارة السمراء لكي ينشر فيها المدنية والنور (تدور أحداث الرواية في الكونغو البلجيكي في أواخر القرن التاسع عشر). وكذلك، يشير إلى كتاب فرانز فانون «الملعونون في الأرض»، وإلى قصة «مكتبة بابل» للروائي والشاعر الأرجنتيني خورخه لويس بورخيس. ويرتد إلى الوراء في حديثه عن تاريخ السودان فيذكر مؤرخين وجغرافيين ورحالة مثل ديودور الصقلي (في القرن الأول ق. م) وهيرودوت وابن بطوطة.
أما الخرطوم - عاصمة الذكرى والذكريات - فنحن نراها هنا من زوايا عدة: كيف تبدو من الطائرة، طابعها الكوزموبوليتاني، جغرافيتها، الحي الأوروبي (أيام الاحتلال البريطاني)، فنادقها، بنيتها التحتية، ضوضاؤها، كيف تبدو ليلاً، أهلها، مشكلاتها، أسماء شوارعها، جامعتها (تم تعريب التعليم فيها منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، وكان لجامعة القاهرة فرع بها).
وكما هو الشأن في تقنية السينما، حيث يتم الانتقال من مشهد إلى مشهد؛ فإن محجوب ينتقل أيضاً من الخرطوم إلى مدن أخرى، حسب ومضات الذاكرة. إنه يصف مثلاً كيف عمل أميناً لمكتبة صغيرة في مدينة آرهوس الدانمركية، فكان في لحظات فراغه من عمله يتصفح محتويات المكتبة (وهي تابعة لـ«معهد الأنثروبولوجيا الاجتماعية» الدانمركي)؛ مما أتاح له التعرف على أعمال علماء أنثروبولوجيا (علم الإنسان) ومفكرين مثل ليفي ستروس ومالينوفسكي وميشيل فوكو، والإلمام بطقوس قبائل اليمن وأهل البرازيل الأصليين. وعمّق ذلك من وعيه بهويته السودانية – الغربية في آن.
والكتاب مزدان بصور فوتوغرافية كثيرٌ منها من أرشيف المؤلف الخاص، وبعضها يصور شخصيات من تاريخ السودان منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، مثل الجنرال غوردون (كان ثمة كلية سودانية تحمل اسمه) والعقيد جون جارانج، وحسن الترابي، وجعفر النميري، وغيرهم.
لقد أصبح الوعي المديني جزءاً من الأدب الحديث منذ زحفت المدن على الريف، وهاجر أغلب السكان إليها، وتقلصت مساحات الأراضي الزراعية (انظر مثلاً إلى الدور الذي تلعبه مدينة لندن عند ديكنز، أو باريس عند بودلير، أو دبلن عند جويس). وجمال محجوب، وإن لم يكن من قامة هؤلاء الرجال، قد خطا خطوة نحو وضع الخرطوم على خريطة الأدب. إن كتابه يندرج في باب ما دعاه الجغرافي المصري الراحل الدكتور جمال حمدان: عبقرية المكان.
يقول محجوب: «إن كل المدن مقدسة. فهي تنهض من الأرض لكي تبلغ عنان السماء». ويسوق قول الفيلسوف النمساوي فتجنستاين: إن اللغة أشبه بمدينة قديمة، متاهة من الشوارع والبيوت، قديمة وحديثة. ويضيف محجوب: ربما كانت المدن قصصاً لم تكتمل، تحاول أن تبتكر لغة تعبر بها عن نفسها. وكتابه مجموعة مفردات تحاول بها العاصمة السودانية أن تعبر عن نفسها.



لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».


سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية
TT

سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية

عاش جبران خليل جبران مرحلةً مفصليةً من حياته في العاصمة الفرنسية باريس. ففي الأول من يوليو (تموز) عام 1908، غادر مدينة بوسطن متوجهاً إلى باريس ليدرس الفنون، وذلك بفضل الدعم المالي من راعيته وملهمته الأميركية ماري هاسكل. وشكلت هذه الرحلة المنعطف الأبرز في مسيرته الروحية والفنية، إذ تحول من فنان هاوٍ يعتمد كلياً على موهبته الفطرية، إلى رسام محترف يمتلك رؤية رمزية عميقة. وهناك صقل مهاراته في الرسم بالألوان الباستيلية والزيتية. تشبع جبران بالمدارس الفنية والفلسفية في عاصمة النور؛ فانبهر بلوحات يوجين كارير الرمزية، واكتشف فن ويليام بليك، كما اطلع على أعمال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه التي تركت أثراً بالغاً على كتاباته اللاحقة. ورغم تأكيده على تأثره العميق بالنحات أوغست رودان الذي التقاه ورسم له بورتريه بالقلم الرصاص ضمن سلسلة وجوه لعدة فنانين، إلا أنه لم تجمعهما علاقة شخصية وطيدة.

ما إن وطئت قدما جبران أرض باريس، حتى أُسر بمشهدها الثقافي. واختار السكن في حي مونبارناس الذي كان يُعرف بكونه ملتقى للفنانين والمبدعين، واستقر تحديداً في 14 شارع مين. وهناك، انخرط بشكل مكثف في دراسته؛ فالتحق بـ«مدرسة الفنون الجميلة» وأكاديمية «جوليان» لتعلم أصول الرسم الأكاديمي والنحت وتدريب عينه على المنظور والتشريح. غير أن جبران سرعان ما شعر بالغربة إزاء التعليم الأكاديمي الصارم، فترك الأكاديمية لينتقل لاحقاً إلى أكاديمية «كولاروسي» بحثاً عن بيئة فنية أكثر حريةً وتجريبيةً. في تلك الأجواء، تأثر بشدة برواد الرمزية، لا سيما الرسام الفرنسي أوجين كاريير الذي استلهم منه الأسلوب الضبابي، وتأثر بالعمق الروحي لأعمال ليوناردو دافنشي، كما تدرب على يد النحات العالمي أوغست رودان الذي ترك أثراً مباشراً في تعزيز ثقة جبران بفنه وتطوير رؤيته.

شهدت إقامة جبران نشاطاً مكثفاً؛ فقد شارك في «معرض الربيع» - أكبر تظاهرة فنية آنذاك - بلوحة زيتية عنوانها «الخريف» لفتت انتباه رودان. كما بدأ مشروعه الفني في رسم وجوه كبار أعلام الفكر والأدب، وتُوجت جهوده بدعوته رسمياً لعرض لوحاته في «معرض الاتحاد الدولي للفنون الجميلة». ولم يقتصر إبداعه على الرسم؛ إذ شهدت سنواته الباريسية إصدار كتابه الشهير «الأرواح المتمردة» عام 1908، الذي أحدث ضجة دينية وسياسية واسعة في الشرق.

في وقت لاحق، جاب جبران شوارع لندن بصحبة الكاتب أمين الريحاني، وتقاسما ذكريات الحنين إلى لبنان والانخراط في القضايا الاجتماعية. وفي يونيو (حزيران) 1909، تلقى جبران نبأ وفاة والده، وما خفف من وطأة حزنه إدراكه أن والده باركه قبل رحيله متخلياً عن طباعه الاستبدادية.

حلم يتحقق في «القصر الصغير»

تميزت إقامة جبران بنضج فني كبير، تجلى في رؤيته الرمزية للجسد البشري والطبيعة، وهو التحول الروحي والفلسفي الذي مهد لولادة رائعته الأدبية «النبي» لاحقاً. تُوجت هذه المرحلة بقبول لوحته «الخريف» في معرض الجمعية الوطنية للفنون الجميلة عام 1910، ودعوته للمشاركة بست لوحات في معارض مرموقة أخرى.

«إن من أعز أحلامي هو هذا: في مكان ما، تُعلّق مجموعة من أعمالي، لعلها خمسون أو خمس وسبعون لوحة، معاً في مدينة كبرى، حيث يراها الناس، وربما يحبونها». بهذه الكلمات عبّر جبران عن أعمق أمنياته، وهو الحلم الذي تحقق في الأول من مارس (آذار) عام 2018. فبفضل جهود سينتيا سركيس بيروس (عبر مؤسستها Luxury Limited Edition)، نُظم معرض «حياة جبران» في «القصر الصغير» (Petit Palais) بباريس، تلاه حفل عشاء فخم. سلط المعرض الضوء على النزعة الصوفية في أعماله وشغفه بأسرار الأديان، مجسداً مقولته: «الفن خطوة من المألوف والمعلوم، نحو الخفي والمجهول». وقد رأى هذا الحدث النور بدعم من الراعي أندريه جورج إيليوفيتس، و«لجنة جبران الوطنية» التي ساهمت في إبرازه للعالم كفنان تشكيلي وليس ككاتب فحسب.

التحولات الفنية

كانت باريس نقطة التحول التي نقلت جبران من الهواية إلى الاحتراف الفني، حيث انفتح على آفاق فلسفية أعادت صياغة رؤيته للكون والإنسان. تأثر بالنزعة الصوفية على يد أستاذه في «أكاديمية جوليان» بيير مارسيل بيرونو، وتشرب نظرية «الدفعة الحيوية» للفيلسوف هنري برجسون، وأعاد اكتشاف الرومانسية الفرنسية (روسو وهوغو). كما تأثر بشدة بالنحات أوغست رودان وطريقته الدرامية في تعبير الأجساد، حتى إن رودان شبّهه بالشاعر والفنان البريطاني وليم بليك.

وقد شهدت هذه المرحلة ولادة مجموعة من أبرز أعماله التي عكست نضجه الرمزي والتعبيري، كما في لوحة «الخريف»، وهي عمل زيتي يفيض بالشاعرية والشجن، استخدم فيه جبران درجات الألوان الترابية والدافئة ليعكس ذبول الطبيعة وتداخلها مع المشاعر الإنسانية، مجسداً فكرة الموت البطيء للطبيعة كمقدمة لولادة جديدة. وكذلك في سلسلة «الأرض والأم»، وضمت رسومات منفذة بالفحم والحبر الصيني، تصف أجساداً بشرية عارية وملتفة كالجذور لترمز إلى وحدة الوجود والاتصال الأنطولوجي بالأرض. شكلت هذه الرؤية البصرية الأساس الفني لرسوماته اللاحقة في كتاب «النبي»، وأيضاً في بورتريه الشاعر «أمين الريحاني»، الذي ركز فيه جبران على تصوير الهوية الروحية بدلاً من الملامح الدقيقة، مستخدماً الظلال القوية وضربات الفرشاة العريضة لإبراز عمق التفكير والنزعة المتمردة، مما جعله تجسيداً «للفكر الساكن في الجسد».

نجح جبران في عرض بعض هذه اللوحات في «صالون الفنون الجميلة» (Salon des Beaux-Arts) عام 1910، وهو إنجاز كبير لفنان قادم من الشرق آنذاك.

كانت مقاهي باريس وجسور نهر السين مسرحاً لنقاشات يومية عميقة بين جبران والريحاني حول الفن والدين. وعبر جبران عن ضيقه بالقيود الاجتماعية والدينية في العالم العربي، مبشراً بثورة روحية شكلت النواة الأولى لأفكاره التحررية الصادمة. هناك، اطلع جبران على الفلسفة الحديثة وأفكار نيتشه حول «الإنسان المتفوق»، التي ألهمته كتابة مؤلفات متمردة مثل «المواكب» و«العواصف». كما صقلت حرية العاصمة الفرنسية نزعته الكونية، فبدأ يرى الإنسانية ككل لا يتجزأ، ممهداً لولادة رائعته «النبي».

لعبت ماري هاسكل، مديرة المدرسة الأميركية التي تكبر جبران بأعوام، الدور الأبرز في تمكينه من خوض مغامرته الباريسية. فبفضل إيمانها المطلق بعبقريته الفنية، تحملت كافة نفقات سفره وإقامته؛ إذ تولت دفع تكاليف دراسته في «أكاديمية جوليان»، ووفرت له مخصصات شهرية ثابتة أتاحت له التفرغ الكامل للإبداع بعيداً عن شبح العوز الوشيك.

ذكريات يوسف الحويك

وثّق الفنان اللبناني يوسف الحويك في مذكراته تفاصيل الحياة اليومية لجبران، حيث تشاركا العيش في محترفات متواضعة بحيّ مونبارناس. اقتسم الصديقان قسوة الفقر والقروش القليلة لشراء الخبز وأدوات الرسم، وكان الحويك سنداً لجبران في لحظات كآبته وانعزاله. أما رفيق دربه الحويك، فقد اختار البقاء في باريس لفترة أطول لمتابعة صقل مهاراته في النحت الكلاسيكي قبل عودته لاحقاً إلى لبنان. ورغم الفراق الجغرافي الذي فرضه المحيط الأطلسي، لم ينقطع الرابط الروحي بين الصديقين؛ إذ ظلت رسائلهما المتبادلة تنبض بذكريات أيام الجوع والفن في حي مونبارناس، وهي الصداقة التي توجها الحويك لاحقاً بإصدار كتابه التوثيقي «ذكرياتي مع جبران». تجلى التباين الإبداعي بين الصديقين في طريقة التعامل مع المادة والفكرة؛ فكان جبران يمثل «الرسام الشاعر» الذي يغزل بالفحم والحبر والزيت خطوطاً انسيابية وأجساداً ضبابية تجسد الأفكار الميتافيزيقية بعيداً عن القيود المادية. في المقابل، كان الحويك يمثل «النحات الكلاسيكي» الذي يتعامل مع الصلصال والرخام، باحثاً عن الكتلة، والأبعاد، والتوازن التشريحي، ليركز على الواقعية المحكمة والقوة البدنية للأشكال.

نهاية الرحلة

بحلول خريف عام 1910، شعر جبران أنه استهلك ما يمكن لباريس أن تقدمه له من أدوات تقنية وتيارات فنية، وبات يمتلك الثقة الكاملة في هويته المستقلة بعد مشاركته الناجحة في «صالون الفنون الجميلة».

تزامن هذا النضج الفني مع اشتداد الأزمة المالية؛ فتكاليف الحياة المرتفعة في باريس ورغبة جبران في مساعدة رفاقه جعلت الميزانية تضيق، كما واجهت هاسكل بدورها ضغوطاً مادية في أعمالها التعليمية بأميركا. وبناءً على خطابات صريحة بينهما، اتفق الطرفان على أن الرحلة حققت أهدافها بصقل أدواته. أُضيف إلى ذلك رغبته الملحة في العودة لرعاية شقيقته «ماريانا» التي تُركت وحيدة في بوسطن، وقناعته بأن نيويورك هي الميدان الأرحب لطموحاته. وعليه، أرسلت له هاسكل ثمن تذكرة العودة عبر المحيط الأطلسي، ليغادر باريس في أكتوبر (تشرين الأول) 1910. عاد جبران إلى بوسطن، لكنه لم يبقَ فيها طويلاً؛ إذ سرعان ما انتقل عام 1911 إلى المركز الثقافي الصاخب «نيويورك». هناك، استأجر محترفه الشهير الذي أطلق عليه اسم «الصومعة» (The Hermitage) في شارع غرب العاشر، وهو المكان الذي قضى فيه بقية حياته، وتحوّل إلى ملتقى للمفكرين والمهاجرين العرب، والشاهد الأول على كتابة روائعه الخالدة.

لم تنس فرنسا زيارة صاحب «النبي»، لذلك احتفت بعبقرية جبران إذ أطلقت العاصمة باريس اسمه على مساحة خضراء في الدائرة الخامسة عشرة، ليُعرف بـ«ممشى جبران خليل جبران» (26 رصيف أندريه سيتروين سابقاً). وقد أشاد عمدة الدائرة، السيد فيليب غوجون، بهذا التكريم، معتبراً إياه احتفاءً بواحد من أبرز شخصيات العالم، وتكريماً لجذوره ووطنه لبنان.

لم تنس فرنسا جبران إذ أطلقت باريس اسمه على مساحة خضراء في الدائرة الخامسة عشرة لتعرف بـ«ممشى جبران خليل جبران»