علاقات نيودلهي وموسكو في ظل التغيرات الجيوسياسية العالمية

توددها إلى واشنطن أسفر عن التقارب بين موسكو وبكين وباكستان

يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)
يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)
TT

علاقات نيودلهي وموسكو في ظل التغيرات الجيوسياسية العالمية

يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)
يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)

بعد اجتماع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين الأخير في منتجع سوتشي المطل على البحر الأسود، ادعى الجانب الروسي أن كلا الزعيمين اتفقا على ضرورة الالتزام بالإطار الأمني لعدم التكتل أو عدم الانحياز في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وقال البيان الصادر عن وزارة الخارجية الهندية في هذا الشأن: «اتفق القادة على أهمية بناء عالم متعدد الأقطاب، وقررا تكثيف عمليات التشاور والتنسيق مع بعضهما البعض، بما في ذلك ما يتعلق بمنطقة الهند والمحيط الهادئ»، في إشارة مرجعية واضحة إلى الدور الصيني المتزايد في المجال البحري.
وفي حين استخدمت الهند مصطلحاً «هندياً» للإعراب عن المنطقة المعنية التي تفضلها واشنطن ونيودلهي في الآونة الأخيرة، فإن موسكو، بطبيعة الحال، لم تعتمد التسمية الجديدة، ولا تزال تستخدم المسمى القديم، وهو آسيا والمحيط الهادئ.
بادئ ذي بدء، أثار ارتباط الهند مع المجموعة الرباعية البحرية الدولية (الهند والولايات المتحدة الأميركية واليابان وأستراليا)، بغية احتواء الصين، ردود فعل سيئة في موسكو.
كانت زيارة مودي إلى منتج سوتشي الروسي هي القمة الثانية غير الرسمية له خلال شهر واحد، وذلك بعد اجتماع غير رسمي مع الرئيس الصيني في ووهان في أبريل (نيسان) الماضي. ومن المتوقع أن يعاود الزعيمان مودي وبوتين الاجتماع عدة مرات أخرى خلال العام الحالي. وفي ضوء السياسات غير الاعتيادية لدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فإن اجتماعات القمة غير الرسمية هذه تحاول إعادة ضبط شكل ونطاق التحولات الجيوسياسية العالمية سريعة التغير، التي ترغب الهند من خلالها في ضمان مكان أكيد لها.
يقول ناندان أونيكريشنان، الزميل الباحث في مؤسسة الرصد والأبحاث الهندية، «تبدو هذه الأنشطة الفعالة ملائمة تماماً لأسلوب الدبلوماسية الذاتية الذي يعتمد على شخصية رئيس الوزراء مودي، حيث يفضل التفاعل مع قادة العالم بصورة مباشرة بعيداً عن قيود البروتوكول والمسؤولين الدوليين، وأجندات الأعمال الرسمية وتداعياتها ونتائجها».
- العقوبات الاقتصادية الأميركية
من المثير للاهتمام، أن القمة غير الرسمية تزامنت مع تهديدات بأن تواجه الهند العقوبات الأميركية بسبب المشتريات الدفاعية من روسيا، بموجب قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة، الذي تحول إلى قانون ساري المفعول في أغسطس (آب) عام 2017 الماضي، ودخل حيز التنفيذ الفعلي اعتباراً من يناير (كانون الثاني) من العام الحالي.
ويحتوي دفتر مشتريات الدفاع الهندية على 5 نظم صواريخ «إس – 400» الروسية، ويبلغ إجمالي الصفقة المبرمة نحو 6 مليارات دولار. ولقد طلبت الهند، بحسب ما ورد من تقارير، الإعفاء من القانون الأميركي الجديد غير أنها لم تتلق أي استجابة في هذا الشأن، برغم أن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس وجَّه النداء إلى الكونغرس الأميركي لمنح الهند الإعفاء المطلوب، وقال إن تجاهل الطلب الهندي في هذا الصدد قد ينعكس سلباً على الشراكة الهندية الأميركية القائمة. ومع ذلك، وفي غياب الإعفاء الأميركي، فلقد أوضحت نيودلهي بجلاء أن المشتريات الدفاعية الوطنية لن تمليها عليها واشنطن. ومن المثير للاهتمام كذلك ما كتبته كارا أبركرومبي الزميلة في برنامج مركز «كارنيغي» لجنوب آسيا، إذ قالت: «إن خُيِّرت الهند ما بين الجيش الوطني المسلح جيداً والقوي دائماً، وبين النوايا الأميركية الحسنة، فسوف تختار الجيش الوطني من دون شك».
وقال البروفسور سواران سينغ من جامعة «جواهر لال نهرو» الهندية: «تحتاج الهند إلى منظومة صواريخ (إس - 400) للدفاع الجوي لمجابهة التهديدات الجوية الناشئة. وعلى هذا الحال، وبعد التوقيع على صفقة (إس - 400) بين الهند وروسيا، سوف يبدأ تسليم المنظومة الجديدة في غضون 54 شهراً من تاريخ التوقيع. وتسعى الصين بالفعل للحصول على منظومة الدفاع الجوي الروسية نفسها».
- التحولات الجيوسياسية العالمية
وإلى جانب العقوبات الدفاعية، التقى مودي وبوتين في خضم التحولات الجيوسياسية القاسية، ومن بينها الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني، والحرب التجارية القائمة بين واشنطن وبكين، والعلاقات الروسية المتوترة مع الولايات المتحدة ومع أوروبا، التي تفاقمت كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية، والتي أدت إلى تقارب أكبر بين موسكو وبكين. لكن بوتين، من ناحية أخرى، كان من المؤيدين لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية، كما أن بكين كثيراً ما يُشار إليها في موسكو على أنها «الحليف المقرب». ومع ذلك، كانت قمة مودي وبوتين غير الرسمية في سوتشي لها محفزاتها الثنائية أيضاً. فلقد أسفرت سياسة التودد الهندية إلى الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين عن التقارب الكبير ما بين موسكو وبكين وباكستان. ولقد تراجعت الواردات الدفاعية الهندية من روسيا بشكل كبير، وهي في انخفاض مستمر، مع اعتبار أن أغلب صفقات التسلح الهندية الأخيرة كانت مع البلدان الغربية.
وعلق الدبلوماسي الهندي السابق بهادرا كومار على الأمر قائلاً: «ظلت الهند وروسيا على شراكة قريبة منذ فترة طويلة، وتجمعهما رؤى مشتركة حيال العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل أزمة غرب آسيا، والصراع السوري، وإيران، وكوريا الشمالية، والانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني. والسيناريو العالمي المتحول هو من أبرز أسباب التقارب الواضح بين هذه الدول في سعيها للوصول إلى توافق الآراء حول النظام الدولي القائم، الذي يلقى معارضة واضحة من جانب واشنطن».
شعار «أميركا أولاً» الذي أطلقه الرئيس دونالد ترمب، أضاف حالة إلحاح هندي إلى رأب الصدع الكبير في علاقاتها مع كل من بكين وموسكو، الأمر الذي يفسر الموجة المشهودة الأخيرة من الزيارات رفيعة المستوى، فضلاً عن الزيارات غير الرسمية إلى منتجعات سوتشي الروسي ثم ووهان الصيني. ولقد شهد هذا وقوف الهند إلى جانب روسيا في مواجهتها الأخيرة مع الدول الغربية، أولاً في قضية الدعم الروسي المستمر للرئيس السوري بشار الأسد، لا سيما في قضية استخدام الأسلحة الكيميائية ضد أبناء شعبه. إذ امتنعت نيودلهي عن تأييد قرار منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية، الذي يطالب بالأدلة الدامغة قبل توجيه اللوم ناحية أي جهة من الجهات المعنية.
- حالة التآلف المتزايدة بين موسكو وإسلام آباد
مع تفعيل نيودلهي لعلاقاتها مع الولايات المتحدة، شرعت روسيا في تعميق تقاربها إزاء باكستان كإجراء مضاد. وفي عام 2016 عقد الجانبان أول مناورة عسكرية مشتركة على الرغم من الطلب الهندي بالتأجيل بسبب الهجمات الإرهابية في إقليم كشمير المتنازع عليه. وزودت موسكو، باكستان، بأربع مروحيات عسكرية من طراز «مي - 35»، خلافاً لممارستها السابقة، والتزامها بعدم تزويد باكستان بالمعدات العسكرية. كما تواصلت موسكو مع حركة طالبان الأفغانية المتمردة، ونظمت اجتماعات مقررة مع كل من الصين وباكستان حول الشأن الأفغاني، واقترحت كذلك عدم ممارسة الكثير من الضغوط على إسلام آباد في السياق الأفغاني. وأعربت الهند عن قلقها الواضح من حالة التقارب الروسي الباكستاني الأخيرة. وقالت الصحافية الهندية غيتا موهان في تعليقها على الأمر: «تتبع موسكو خطاً رسمياً يقضي بأن أي تقارب هندي تجاه الولايات المتحدة يلزمه تحرك روسي موازٍ إزاء باكستان. وفي حين أن الهند تدرك أن الصين لن تفضل الهند على حساب باكستان، فلقد حان الوقت كي تضمن الهند بقاء روسيا في جانبها. ولم تكن الهند متحمسة أو مؤيدة لحالة العزلة التي يحاول الغرب فرضها على روسيا لاعتقادها بأن ذلك يدفع موسكو إلى أحضان بكين، مما يثير السخرية الدولية من التعددية القطبية في قارة آسيا. كما أن هناك قضية أخرى مهمة ألا وهي ثقل الصوت الروسي في عدد كبير من المؤسسات العالمية».
وبصرف النظر تماماً عن طبيعة التحولات التي تشهدها القيادة الجيوسياسية العالمية، فإن خلاصة القول تفيد بأن اجتماعات القمة غير الرسمية بدأت لتستمر، وسوف تتواصل على المدى البعيد، ومن المرجح أن تمنح الهند أفضل الفرص في المحافظة على التوازن غير الثابت ما بين واشنطن، وبكين، وموسكو.



ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.