علاقات نيودلهي وموسكو في ظل التغيرات الجيوسياسية العالمية

توددها إلى واشنطن أسفر عن التقارب بين موسكو وبكين وباكستان

يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)
يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)
TT

علاقات نيودلهي وموسكو في ظل التغيرات الجيوسياسية العالمية

يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)
يفضل مودي التفاعل مع قادة العالم كما يبدو مع بوتين بعيداً عن قيود البروتوكول (أ.ف.ب)

بعد اجتماع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين الأخير في منتجع سوتشي المطل على البحر الأسود، ادعى الجانب الروسي أن كلا الزعيمين اتفقا على ضرورة الالتزام بالإطار الأمني لعدم التكتل أو عدم الانحياز في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وقال البيان الصادر عن وزارة الخارجية الهندية في هذا الشأن: «اتفق القادة على أهمية بناء عالم متعدد الأقطاب، وقررا تكثيف عمليات التشاور والتنسيق مع بعضهما البعض، بما في ذلك ما يتعلق بمنطقة الهند والمحيط الهادئ»، في إشارة مرجعية واضحة إلى الدور الصيني المتزايد في المجال البحري.
وفي حين استخدمت الهند مصطلحاً «هندياً» للإعراب عن المنطقة المعنية التي تفضلها واشنطن ونيودلهي في الآونة الأخيرة، فإن موسكو، بطبيعة الحال، لم تعتمد التسمية الجديدة، ولا تزال تستخدم المسمى القديم، وهو آسيا والمحيط الهادئ.
بادئ ذي بدء، أثار ارتباط الهند مع المجموعة الرباعية البحرية الدولية (الهند والولايات المتحدة الأميركية واليابان وأستراليا)، بغية احتواء الصين، ردود فعل سيئة في موسكو.
كانت زيارة مودي إلى منتج سوتشي الروسي هي القمة الثانية غير الرسمية له خلال شهر واحد، وذلك بعد اجتماع غير رسمي مع الرئيس الصيني في ووهان في أبريل (نيسان) الماضي. ومن المتوقع أن يعاود الزعيمان مودي وبوتين الاجتماع عدة مرات أخرى خلال العام الحالي. وفي ضوء السياسات غير الاعتيادية لدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فإن اجتماعات القمة غير الرسمية هذه تحاول إعادة ضبط شكل ونطاق التحولات الجيوسياسية العالمية سريعة التغير، التي ترغب الهند من خلالها في ضمان مكان أكيد لها.
يقول ناندان أونيكريشنان، الزميل الباحث في مؤسسة الرصد والأبحاث الهندية، «تبدو هذه الأنشطة الفعالة ملائمة تماماً لأسلوب الدبلوماسية الذاتية الذي يعتمد على شخصية رئيس الوزراء مودي، حيث يفضل التفاعل مع قادة العالم بصورة مباشرة بعيداً عن قيود البروتوكول والمسؤولين الدوليين، وأجندات الأعمال الرسمية وتداعياتها ونتائجها».
- العقوبات الاقتصادية الأميركية
من المثير للاهتمام، أن القمة غير الرسمية تزامنت مع تهديدات بأن تواجه الهند العقوبات الأميركية بسبب المشتريات الدفاعية من روسيا، بموجب قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة، الذي تحول إلى قانون ساري المفعول في أغسطس (آب) عام 2017 الماضي، ودخل حيز التنفيذ الفعلي اعتباراً من يناير (كانون الثاني) من العام الحالي.
ويحتوي دفتر مشتريات الدفاع الهندية على 5 نظم صواريخ «إس – 400» الروسية، ويبلغ إجمالي الصفقة المبرمة نحو 6 مليارات دولار. ولقد طلبت الهند، بحسب ما ورد من تقارير، الإعفاء من القانون الأميركي الجديد غير أنها لم تتلق أي استجابة في هذا الشأن، برغم أن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس وجَّه النداء إلى الكونغرس الأميركي لمنح الهند الإعفاء المطلوب، وقال إن تجاهل الطلب الهندي في هذا الصدد قد ينعكس سلباً على الشراكة الهندية الأميركية القائمة. ومع ذلك، وفي غياب الإعفاء الأميركي، فلقد أوضحت نيودلهي بجلاء أن المشتريات الدفاعية الوطنية لن تمليها عليها واشنطن. ومن المثير للاهتمام كذلك ما كتبته كارا أبركرومبي الزميلة في برنامج مركز «كارنيغي» لجنوب آسيا، إذ قالت: «إن خُيِّرت الهند ما بين الجيش الوطني المسلح جيداً والقوي دائماً، وبين النوايا الأميركية الحسنة، فسوف تختار الجيش الوطني من دون شك».
وقال البروفسور سواران سينغ من جامعة «جواهر لال نهرو» الهندية: «تحتاج الهند إلى منظومة صواريخ (إس - 400) للدفاع الجوي لمجابهة التهديدات الجوية الناشئة. وعلى هذا الحال، وبعد التوقيع على صفقة (إس - 400) بين الهند وروسيا، سوف يبدأ تسليم المنظومة الجديدة في غضون 54 شهراً من تاريخ التوقيع. وتسعى الصين بالفعل للحصول على منظومة الدفاع الجوي الروسية نفسها».
- التحولات الجيوسياسية العالمية
وإلى جانب العقوبات الدفاعية، التقى مودي وبوتين في خضم التحولات الجيوسياسية القاسية، ومن بينها الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني، والحرب التجارية القائمة بين واشنطن وبكين، والعلاقات الروسية المتوترة مع الولايات المتحدة ومع أوروبا، التي تفاقمت كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية، والتي أدت إلى تقارب أكبر بين موسكو وبكين. لكن بوتين، من ناحية أخرى، كان من المؤيدين لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية، كما أن بكين كثيراً ما يُشار إليها في موسكو على أنها «الحليف المقرب». ومع ذلك، كانت قمة مودي وبوتين غير الرسمية في سوتشي لها محفزاتها الثنائية أيضاً. فلقد أسفرت سياسة التودد الهندية إلى الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين عن التقارب الكبير ما بين موسكو وبكين وباكستان. ولقد تراجعت الواردات الدفاعية الهندية من روسيا بشكل كبير، وهي في انخفاض مستمر، مع اعتبار أن أغلب صفقات التسلح الهندية الأخيرة كانت مع البلدان الغربية.
وعلق الدبلوماسي الهندي السابق بهادرا كومار على الأمر قائلاً: «ظلت الهند وروسيا على شراكة قريبة منذ فترة طويلة، وتجمعهما رؤى مشتركة حيال العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل أزمة غرب آسيا، والصراع السوري، وإيران، وكوريا الشمالية، والانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني. والسيناريو العالمي المتحول هو من أبرز أسباب التقارب الواضح بين هذه الدول في سعيها للوصول إلى توافق الآراء حول النظام الدولي القائم، الذي يلقى معارضة واضحة من جانب واشنطن».
شعار «أميركا أولاً» الذي أطلقه الرئيس دونالد ترمب، أضاف حالة إلحاح هندي إلى رأب الصدع الكبير في علاقاتها مع كل من بكين وموسكو، الأمر الذي يفسر الموجة المشهودة الأخيرة من الزيارات رفيعة المستوى، فضلاً عن الزيارات غير الرسمية إلى منتجعات سوتشي الروسي ثم ووهان الصيني. ولقد شهد هذا وقوف الهند إلى جانب روسيا في مواجهتها الأخيرة مع الدول الغربية، أولاً في قضية الدعم الروسي المستمر للرئيس السوري بشار الأسد، لا سيما في قضية استخدام الأسلحة الكيميائية ضد أبناء شعبه. إذ امتنعت نيودلهي عن تأييد قرار منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية، الذي يطالب بالأدلة الدامغة قبل توجيه اللوم ناحية أي جهة من الجهات المعنية.
- حالة التآلف المتزايدة بين موسكو وإسلام آباد
مع تفعيل نيودلهي لعلاقاتها مع الولايات المتحدة، شرعت روسيا في تعميق تقاربها إزاء باكستان كإجراء مضاد. وفي عام 2016 عقد الجانبان أول مناورة عسكرية مشتركة على الرغم من الطلب الهندي بالتأجيل بسبب الهجمات الإرهابية في إقليم كشمير المتنازع عليه. وزودت موسكو، باكستان، بأربع مروحيات عسكرية من طراز «مي - 35»، خلافاً لممارستها السابقة، والتزامها بعدم تزويد باكستان بالمعدات العسكرية. كما تواصلت موسكو مع حركة طالبان الأفغانية المتمردة، ونظمت اجتماعات مقررة مع كل من الصين وباكستان حول الشأن الأفغاني، واقترحت كذلك عدم ممارسة الكثير من الضغوط على إسلام آباد في السياق الأفغاني. وأعربت الهند عن قلقها الواضح من حالة التقارب الروسي الباكستاني الأخيرة. وقالت الصحافية الهندية غيتا موهان في تعليقها على الأمر: «تتبع موسكو خطاً رسمياً يقضي بأن أي تقارب هندي تجاه الولايات المتحدة يلزمه تحرك روسي موازٍ إزاء باكستان. وفي حين أن الهند تدرك أن الصين لن تفضل الهند على حساب باكستان، فلقد حان الوقت كي تضمن الهند بقاء روسيا في جانبها. ولم تكن الهند متحمسة أو مؤيدة لحالة العزلة التي يحاول الغرب فرضها على روسيا لاعتقادها بأن ذلك يدفع موسكو إلى أحضان بكين، مما يثير السخرية الدولية من التعددية القطبية في قارة آسيا. كما أن هناك قضية أخرى مهمة ألا وهي ثقل الصوت الروسي في عدد كبير من المؤسسات العالمية».
وبصرف النظر تماماً عن طبيعة التحولات التي تشهدها القيادة الجيوسياسية العالمية، فإن خلاصة القول تفيد بأن اجتماعات القمة غير الرسمية بدأت لتستمر، وسوف تتواصل على المدى البعيد، ومن المرجح أن تمنح الهند أفضل الفرص في المحافظة على التوازن غير الثابت ما بين واشنطن، وبكين، وموسكو.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended