انقسام في إيران حول قائمة أمنيات بومبيو

المواجهة غير محسومة بين «صقور» تحدي واشنطن و«عمليي» التراجع التكتيكي

انقسام في إيران حول قائمة أمنيات بومبيو
TT

انقسام في إيران حول قائمة أمنيات بومبيو

انقسام في إيران حول قائمة أمنيات بومبيو

للوهلة الأولى، تبدو «خريطة الطريق» الجديدة لإيران التي كشف عنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أشبه بوصفة لتغيير النظام في طهران. هذه النظرة وجدت صدى اتخذ شكل تعليقات مبدئية صدرت عن الاتحاد الأوروبي على قائمة بومبيو التي تضمّنت 12 مطلباً، والتي عرضها في مؤسسة «هيريتيدج فاونديشن» بواشنطن. فوزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون ومسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني يزعمان أنه بتخطي حدود الاتفاق النووي الإيراني المثير للجدل، قد ينفذ بومبيو أجندة خفية ضد النظام الإيراني.
هذا الزعم ليس خيالياً، فبومبيو ومستشار الرئيس الأميركي الجديد للأمن القومي جون بولتون مناديان بتغيير النظام منذ أكثر من عقدين من الزمان.
لكن نظرة أقرب على خريطة طريق بومبيو قد تكشف نهجاً أكثر تطوراً.
لقد حاول وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ربط المسألة النووية مع المسألة الأوسع، وهي سلوك إيران الذي يمس مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها. وليس من الصعب تخمين السبب وراء ذلك النهج. فإن لم تكن الجمهورية الإسلامية تهدد تلك المصالح، فلن يهم ما إذا كان لديها برنامج نووي أم لا، أو حتى إن كانت تمتلك أسلحة نووية أم لا. فالمطالب الأربعة الأولى التي طرحها بومبيو تتعلق بمشروع إيران النووي، وهي بالفعل تأتي تحت غطاء الاتفاق النووي الذي صاغه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.
- مطالب بومبيو
المطلب الأول يلزم إيران بإبلاغ «وكالة الطاقة الذرية» بجميع أوجه النشاطات العسكرية لمشروعها، وهو بالفعل ضمن بنود معاهدة «حظر الانتشار النووي» التي تعد إيران أحد الأطراف الموقعة عليها. وبعدم المطالبة بذلك خلال مرحلة مفاوضات الاتفاق النووي، المعروفة باسم «خطة العمل المشتركة» (JCPOA)، أسهم أوباما في إضعاف اتفاقية «حظر الانتشار النووي». ويريد بومبيو أن يصحح ذلك الخطأ ويعيد الزخم إلى الاتفاقية بعدما فقدته بسبب دبلوماسية أوباما غير الحكيمة.
كذلك فإن مطلب بومبيو الثاني بوضع حد لبرنامج تخصيب اليورانيوم ووقف بناء مفاعل جديد للبلوتونيوم، يجب أن يكون من السهل لإيران قبوله، شريطة ألا تخفي أجندة سرية بهدف إنتاج أسلحة نووية. ويشير الباحث الإيراني همايون نقيبي إلى أنه «ليس لإيران حتى الآن استخدامات لليورانيوم الذي تقوم بتخصيبه بدرجات أقل من 5 في المائة... وأن التوقف عن عمليات التخصيب كلها لن يتسبب في ضرر يذكر لأي من أوجه الاقتصاد الإيراني». وفيما يخص إنتاج البلوتونيوم، فقد أعدت إيران خططاً لإنشاء مفاعل لإنتاج الماء الثقيل ودخلت في مفاوضات مع الصين لإعادة تصميم مفاعل أراك البعيد تماماً عن أي استخدامات عسكرية. ولتأكيد ذلك، طالب بومبيو بتجميد عمل مفاعل أراك على الرغم من أن إيران تعمل على استخدامه في أغراض غير عسكرية. ومع هذا، لا يعد الوصول إلى حل وسط في شأن هذا المفاعل أمراً مستبعداً تماماً.
وبالنسبة لمطلب بومبيو الثالث المتمثل بسماح إيران لمفتشي «وكالة الطاقة الذرية» بالذهاب إلى أي مكان يرونه ضرورياً، تضمنه وتصونه قوانين الوكالة واتفاقية «حظر الانتشار النووي»، فإن بومبيو يريد أن يستعيد الشكل القانوني في التعامل مع إيران. ذلك أن أوباما كان قد خالف قوانين الوكالة ونصوص الاتفاقية، و«اخترع» صيغة رخوة يمكن من خلالها لإيران والوكالة أن توافق على المواقع الواجب تفتيشها.
ونصل إلى مطلب بومبيو الرابع، وهذا المطلب هو أن تتوقف إيران عن تطوير الصواريخ الباليستية وإنتاج صواريخ قادرة على حمل رؤوس حربية نووية. هنا يجب أيضاً ألا يكون الالتزام صعباً. إذ أعلنت إيران على الملأ تجميد مشروع الصواريخ التي يتخطى مداها 2400 كلم. والواقع أنه سيكون لتلك الصواريخ معنى إن كان هذا الحمل نووياً أو كيماوياً، ذلك أن حمل 675 كيلوغراماً من مادة «تي إن تي» العادية لما هو أبعد من أرض المعركة لن يكون ذا معنى من الناحية العسكرية. هنا أيضاً قرر أوباما أن ينظر في الاتجاه الآخر بأن يترك الباب مفتوحاً لكل التكهنات فيما يتعلق بنيات إيران النووية لتطوير صواريخ لها معنى فقط إذا كانت ضمن إطار الاستراتيجية النووية. وبالتالي، سيزيل مطلب بومبيو كل الغموض لما فيه صالح جميع الأطراف.
أيضاً مطلب بومبيو الخامس، الداعي للإفراج عن الرهائن الأميركيين وحلفائهم، ليس بالمطلب الغريب ولا هو صعب التنفيذ. حتى الآن هناك 32 رهينة قيد الاعتقال، لم يصدر بحق أي منهم أي اتهام ولم يدن أحدهم. و10 منهم على الأقل مواطنون أميركيون وبريطانيون كانوا من أنشط المتحمسين لإيران الخمينية في أميركا وبريطانيا. بل ومن بين هؤلاء مؤسسو «المجلس الوطني الإيراني - الأميركي» (ناياك)، وهو جماعة ضغط أسستها إيران وتمولها وهدفها الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبحسب منوشهر رضائي، وهو رجل أعمال ساعد جماعات الضغط الإيراني في الولايات المتحدة وبريطانيا، فإن «بومبيو يطالب طهران بالإفراج عن جماعات ضغطها الخاصة».
- وقف دعم حزب الله
يتعلق مطلب بومبيو السادس «بوقف الدعم الإيراني للجماعات الإرهابية» مثل الفرع اللبناني لـ«حزب الله»، وجماعة «الجهاد الإسلامي» في فلسطين و«حماس». وهنا أيضاً فإن اتهام الولايات المتحدة بانتهاج سلوك «إمبريالي» ليس في محله، فبومبيو يطالب ما سبق أن طالب به مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي مراراً وتكراراً بعدما حددوا الجماعات سالفة الذكر بالاسم «جماعات إرهابية». وحتى لو لم يقل بومبيو أي شيء في هذا الصدد، فإيران، بوصفها عضواً في الأمم المتحدة، كان من الواجب عليها التوقف عن دعم تلك الجماعات.
أما بالنسبة لمطلب بومبيو السابع فقد يكون ماضياً في سبيله للتنفيذ بفضل التطورات نفسها في العراق، وهي تطورات خارجة عن سيطرة إيران. ففي الانتخابات العامة الأخيرة، صوّت العراقيون للاستقلال، بأن ألحقوا هزيمة نكراء بالأحزاب والجماعات والشخصيات المنصاعة لإيران. وبحسب المراسل الصحافي علي جوانمردي، هرب الجنرال قاسم سليماني، الرجل المسؤول عن «تصدير الثورة» من بغداد تحت جنح الظلام بعدما فشلت مهمته في تشكيل تحالف مساند لطهران. ولخوفه على سلامته، آثر الفرار إلى السليمانية، حيث ثمة جماعة كردية مؤيدة لطهران وجد عندها الملاذ الآمن. لقد تراجعت طهران عن نهجها العدائي القديم تجاه نتائج الانتخابات العراقية التي وضعت التيار الذي يقوده مقتدى الصدر على رأس قائمة الفائزين. وفي غضون 24 ساعة، توقف الهجوم الإعلامي على الصدر، ويوم الثلاثاء قدم إيرج مسجدي، السفير الإيراني في بغداد، التحية للصدر بوصفه قائداً عظيماً يستحق الاحترام.
ومن ثم، مهما حدث لفرصة الأزمة التي خلقها بومبيو، فهناك شيء واحد مؤكد، هو أن العد التنازلي لتلاشي النفوذ الإيراني في العراق بدأ بالفعل. أما فيما يتصل بنزع أسلحة الميليشيات العراقية، فهذه ستكون إحدى المهام الأساسية للحكومة المقبلة في بغداد، لا سيما أن كل المكونات المطلوبة للتحالف المستقبلي أعلنت التزامها بها.
- الموضوع اليمني
مطلب بومبيو الثامن، هو وضع حد نهاية لدعم المتمردين الحوثيين في اليمن. ويلقى هذا المطلب الدعم في إيران نفسها. وبحسب مصادر في إيران وفي الاتحاد الأوروبي، فإن تقليص الدعم للحوثيين كان أحد المغريات التي قدمها وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إلى نظرائه في الاتحاد الأوروبي خلال الاجتماع الذي عقد بداية الشهر الحالي في بروكسل. فـ«الخطة» الإيرانية المقترحة تعتمد جزئياً على خطة أعدها وزير الخارجية البريطاني السير آلان دانكان والكويت على مدار عام مضى.
- الانسحاب من سوريا
مطلب بومبيو التاسع هو أن تبادر إيران إلى سحب قواتها من سوريا، وهو المطلب الذي يلقى حالياً الدعم من روسيا - على الأقل ضمنياً - وستجد دول الاتحاد الأوروبي صعوبة في معارضته. وقد تعترف إيران في مرحلة ما بأن «مشروعها الكبير» لسوريا لن يتحقق، وأن لا فائدة ترجى من الإبقاء على تلك القوات، حيث الهيمنة دون غطاء جوي، وإلا ستكون صيداً سهلاً لأي هجوم جوي. لقد كان مطلب الانسحاب من سوريا أحد أكثر الشعارات شعبية التي تغنى بها ملايين المحتجين المناهضين للنظام في أكثر من 150 مدينة إيرانية منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وبالتالي، بالرحيل عن سوريا، فإن المؤسسة الخمينية ستتمكن من نزع سلاح بعض المنتقدين داخل إيران. ثم إن نقص المال عنصر متنامي الأهمية في هذا الشأن، إذ تجد إيران مصاعب متزايدة بتحمل أكلاف الإبقاء على 80 ألف مقاتل ميليشياوي ومرتزق من لبنان وأفغانستان وباكستان في لعبة تتحكم فيها روسيا والولايات المتحدة.
- المطلبان الأخيران
المطلبان الأخيران اللذان قدمهما بومبيو غامضان وعموميان، وليس من الصعب الالتفاف حولهما. فإن مساندة إيران لطالبان في أفغانستان كانت مؤقتة ومتقطعة. وآخر عملياتها في منطقة فراه الأفغانية المتاخمة لإيران هدفت إلى إثارة القلاقل رداً على قرار كابل تقليص حصة إيران من الماء الوارد إليها من نهر هلمند. وهناك أيضاً مطلب توقف إيران عن تهديد إسرائيل بالإبادة والكف عن شن الهجمات الصاروخية (عبر الحوثيين) على المملكة العربية السعودية. وأيضاً مطلب تهدئة الهجوم الإعلامي على إسرائيل، وهو ليس بالمطلب الصعب، وتكرر في كثير من المناسبات في الماضي. أما بخصوص الهجمات الصاروخية على السعودية، فإن قرار وقف مساندة الحوثيين سيحقق ذلك الهدف.
- الموقف من إيران نفسها
ولكن، الأخبار السارة بالنسبة للمؤسسة الخمينية والسيئة لخصومهم داخل إيران هي أن قائمة أمنيات بومبيو لم تذكر شيئاً عن حقوق الإنسان، أو حتى نهاية للقمع داخل إيران. ويظهر هذا، على النقيض من كل المزاعم، أن بومبيو حقاً يسعى إلى تغيير سلوك طهران فيما يخص عدداً من قضايا السياسة الخارجية، ولا يهدف إلى تغيير النظام. وهو بتنفيذ ذلك، فإنه ينهي سياسة أوباما الداعمة بقوة للنظام في إيران ولكن من دون أن يعد بتدخل أميركي مباشر في صراع القوى في إيران. ومع بعض الفوارق، فإن هذا بالضبط ما قدّمه الرئيس دونالد ترمب إلى الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون. ولقد كان كيم حكيماً، أو على الأقل حسن الصرف، في قبوله العرض. ولذلك دعونا ننتظر لنرى ما سيفعله المرشد الأعلى علي خامنئي، المعجب بكوريا الشمالية، بعد تلقيه العرض نفسه.
التخمين الأفضل للوضع الراهن هو أن يحاول علي خامنئي تهدئة خاطر الأميركيين وتبريد الأمور هذه الفترة بدلاً من اللجوء إلى الاستفزاز ودفعهم باتجاه اتخاذ خطوة أشد ضد نظامه. وهذا ما يلوح لدى مراجعة عدد من البيانات والتعليقات الرسمية رداً على تحدي بومبيو ونقاطه الـ12.
إذ سعت افتتاحية نشرتها وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) يوم الأربعاء، إلى طمأنة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بأن القوات الإيرانية الموجودة في سوريا ولبنان، بما فيها ميليشيا حزب الله «لن تتحرك ضد أيٍ كان، ما لم تتعرض لهجوم يشن عليها». بكلام آخر، فإن اتفاق وقف إطلاق النار الذي عقد مع إسرائيل بوساطة فرنسية عام 2006 ما زال ساري المفعول بما يخص إيران والميليشيات التابعة لها. ولكن من أجل تسويغ وقف إطلاق النار هذا، زعمت الافتتاحية «أن النظام الصهيوني ينزلق نحو الانهيار» وهو «زائل لا محالة في المستقبل»، وعليه لا حاجة لإيران أن تأخذ أي إجراء عسكري.
المعزوفة نفسها عزفها الجنرال يحيى رحيم صفوي، القائد السابق للحرس الثوري وكبير مستشاري خامنئي العسكريين حالياً، إذ قال في كلمة ألقاها في مدينة خرّمشهر (المحمّرة) يوم الثلاثاء الماضي: «نحن موجودون في العراق وسوريا فقط كمستشارين، ولا نشارك في أي نوع من النشاط الميداني»، وأردف: «لا تشمل مهامنا الاستراتيجية أي تحرك عدواني».
وفي الاتجاه نفسه، ولكن إزاء اليمن وأفغانستان هذه المرة، تسير صحيفة «كيهان»، المعبّرة عن مواقف خامنئي. إذ جاء في افتتاحية الصحيفة يوم الأربعاء الماضي قولها: «لقد قلنا وكررنا دائماً أن الحل في اليمن لا يمكن إلا أن يكون سياسياً. والادعاء أن إيران تدعم حركة طالبان مثير للسخرية... بكل بساطة».
ولكن من جانب آخر، هناك أصوات تحث القيادة في طهران بصورة أكثر مباشرة وصراحة على إيجاد صيغة تفاهم مع الولايات المتحدة «بدلاً من السير باتجاه فخ المواجهة». من هذه الأصوات علي رضا علوي بناه، المحلل السياسي، الذي حث خلال مقابلة أبرزتها وكالة «إرنا» على صفحتها الأولى، الرئيس روحاني، على «مراجعة جوانب من سياساتنا». ومن دون أن يسمي خامنئي بالاسم لمّح علوي بناه إلى إمكانية تجاوز المرشد الأعلى بقوله: «ليس على الرئيس طلب إذن أحد لتعديل السياسة (الإيرانية)». وفي الوقت ذاته، حذّر سعيد حجّاريان، وهو أحد كبار المنظّرين «الإصلاحيين»، من أنه إذا لم ينتهز روحاني الفرصة لإظهار وجود خيارات بديلة، فإنه سيخسر الدعم المتبقي لـ«الحركة الإصلاحية» في المجتمع. والمغزى هنا هو أنه إذا أدرك الناس تماماً حجم كلفة السياسات الحالية، بما فيها التدخل في شؤون الدول الأخرى، فإنهم سيمتنعون عن تأييد استراتيجية «تصدير الثورة» التي يرمز إليها الجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري.
وبالتالي، قد تكون ثمة ملامح لتشكُّل تفاهم عريض على الحاجة لحماية النظام حتى لو كان الثمن تجرّع كأس مرة وتقبل خيبة الأمل. وهذا، في الواقع، ما عناه آية الله جعفر سبحاني عندما أكد أن «الأولوية تكمن في حماية النظام الإسلامي، وعلينا ألا نركن لوقوف الكفرة الأوروبيين مع نظامنا، ولا خوض لمعركة غير متكافئة لا نستطيع كسبها في الوقت الراهن».
وهكذا، بالنظر إلى ما تقدّم يبدو أن إحجام بومبيو عن التطرق مباشرة إلى «تغيير النظام» ساعد «العمليين» داخل النظام الإيراني، الذين يريدون اعتماد تراجع تكتيكي بانتظار إما اهتزاز رئاسة دونالد ترمب أو نهايتها. ولكن في المقابل، ما زال هناك في طهران جماعات متعطشة إلى مواجهة مع واشنطن، ما يوحي بأن الجدل المحتدم في العاصمة الإيرانية ما زال بعيداً عن الحسم.



حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.