كانط... أكبر فيلسوف في العصور الحديثة؟

المبادئ التي دعا إليها أصبحت مبادئ للشعب الألماني والشعوب الأوروبية

كانط
كانط
TT

كانط... أكبر فيلسوف في العصور الحديثة؟

كانط
كانط

نعم السؤال المطروح هو التالي: من هو أكبر فيلسوف في العصور الحديثة؟ قد تقولون بأنه ديكارت. وربما قلتم بأنه نيتشه أو هيدغر. ولكن هناك شبه إجماع على أنه كانط. لماذا كانط وليس هيغل؟ أعتقد أنه يوجد بعض الظلم هنا. لنقل بأنه كانط وهيغل في آنٍ معاً. كلاهما عظيم. كلاهما اكتشف قارة جديدة مختلفة من قارات الفكر البشري. ولكن ماذا عن ديكارت مؤسس الفلسفة الحديثة؟ ماذا عن سبينوزا مؤسس النقد الفلسفي العميق للأصولية اليهودية؟ لكن من هو كانط هذا؟ لقد ولد في مدينة كونيغ سبيرغ بشمال ألمانيا يوم 22 أبريل (نيسان) من عام 1724. وهي الآن روسية ولم تعد ألمانية. وكان ذلك في عائلة فقيرة متواضعة. ولكنهم ربوه على مكارم الأخلاق منذ نعومة أظفاره، الشيء الذي ترك في نفسه أعظم الأثر حتى نهاية حياته. وقد قال فيما بعد: ما كان بالإمكان أن أتلقى تربية أخلاقية أفضل من ذلك. ويعود الفضل في ذلك إلى أمه الغالية التي كانت تقية ورعة وطيبة جداً. وهنيئاً لمن حظي بأم كهذه. وعندما أصبح عمره ستة عشر عاماً سجل نفسه في جامعة المدينة وراح يدرس فلسفة لايبنتز الذي كان أكبر فيلسوف ألماني في ذلك الزمان. وعندما أصبح في الثلاثين من عمره حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة. ثم عينوه أستاذاً في الجامعة نفسها على أثر ذلك. ثم انخرط كانط بعدئذ في مطالعات فكرية واسعة شملت نيوتن وهيوم وبالأخص جان جاك روسو. وقد اعترف لاحقاً بأن قراءة هذا الأخير وضعته على الطريق الصحيح القويم، وأثارت لديه نوعاً من الثورة الفكرية. لماذا؟ لأن روسو وضع الأخلاق فوق العلم وأفهمنا أن العلم من دون أخلاق أو ضمير أو نزعة إنسانية لا يساوي قشرة بصلة. وهذا ما انحرفت عنه الحضارة الغربية لاحقاً للأسف الشديد. ولذلك فقدت بريقها ومصداقيتها في أعين الشعوب الأخرى.
ثم تدرج كانط في المناصب الجامعية حتى وصل إلى أعلى المراتب وأصبح كبير مثقفي الألمان دون منازع. ثم أصبح عميداً للجامعة عام 1786. وفي أثناء ذلك نشر أعظم المؤلفات الفلسفية في عصره كنقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة المحاكمة أو التمييز، والدين ضمن حدود العقل فقط... إلخ.
هذا وقد انخرط كانط في مناقشات فلسفية مع كبار مفكري أوروبا. وكانت المسألة المطروحة آنذاك تخص التنوير وكيفية الخروج من الفهم المتزمت والظلامي للدين المسيحي. وهي ذات المشكلة التي تشغل المثقفين العرب اليوم. وعندئذ نشر في جريدة برلين نصه الشهير: ما هو التنوير؟ عام (1784). وكان إيمانه الفلسفي بوجود الله قد حرره من القلق من النهاية القصوى أو الخوف من الموت. ثم ألقى آخر محاضرة جامعية له عام 1796، ومات عام 1804 عن عمر يناهز الثمانين عاماً. وهو عمر كبير جدا بالنسبة لذلك العصر ويساوي المائة عام اليوم وربما أكثر. ومن يُرد أن يعرف همومه الفكرية التي شغلته طيلة حياته كلها فينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الأسئلة الأربعة التي طرحها عام 1793 بعد أن بلغ السبعين من العمر. هذه الأسئلة هي: ما الذي يمكن أن أعرفه؟ ما الذي ينبغي أن أفعله في هذه الحياة؟ ما الذي هو مسموح لي أن آمله وأرجوه؟ ما هو الإنسان؟
هذه هي الأسئلة الأربعة الكبرى التي وجهت كل أعماله الفلسفية. والسؤال الأول أجاب عنه من خلال كتابه الشهير: نقد العقل الخالص. وفيه بيَّن الحدود التي يمكن للعقل أن يذهب إليها أو لا يذهب. وقال ما معناه: ينبغي العلم بأن العقل البشري ليس قادراً على كل شيء على عكس ما نتوهم. ولكنه قادر على أشياء كثيرة. وينبغي أن نعرف ما الذي يمكن أن يكتشفه العقل بإمكاناته الخاصة وما لا يمكن أن يكتشفه. والشيء الذي يمكن للعقل أن يفهمه هو ظواهر العالم المادي والقوانين التي تتحكم بالكون. وهذا ليس بالشيء القليل. ولكن لا يمكن للعقل أن يفهم العالم الموجود خلف الظواهر المادية المحسوسة: أي العالم الماورائي أو ما يدعى اصطلاحاً بالعالم الميتافيزيقي. وذلك على عكس ما توهم الفلاسفة السابقون. ولذلك دعا كانط كتابه: نقد العقل الخالص، أي نقد العقل الميتافيزيقي في الواقع. وهو العقل المتوهم بأنه قادر على فهم كل شيء بما في ذلك العالم الآخر. هذا الوهم الجبار هو الذي حطمه كانط في كتابه الشهير.
وقال للبشر: اهتموا بما تستطيعون فهمه والبرهنة عليه بشكل منطقي أو علمي واتركوا ما تبقى. لا تضيعوا وقتكم فيما لا طائل تحته. ولا تهيموا في متاهات الغيب والميتافيزيقا. يكفيكم أن تفهموا ظواهر هذا العالم المادي المحسوس. ويكفي العقل فخراً أنه اكتشف القوانين التي تمسك الكون على يد نيوتن، وبالأخص قانون الجاذبية الكونية. ولولا هذه الاكتشافات العلمية لما توصلنا إلى اختراع الآلات التكنولوجية الحديثة التي ساعدت الإنسان على تحقيق كل أمانيه في تذليل الطبيعة والسيطرة عليها. وبالتالي فالعقل البشري قادر على فعل أشياء كثيرة، بل وتأسيس حضارة كبيرة. وهو ما فعله في أوروبا على مدار القرون الأربعة الماضية. ولكن العقل لا يستطيع الإجابة على الأسئلة الميتافيزيقية الأساسية من نوع: ما الذي سيحصل بعد الموت؟ هل تفنى الروح مع الجسد أم لا؟ هنا تتوقف حدود العقل وتبتدئ حدود الإيمان. الدين وحده قادر على الإجابة على هذه الأسئلة.
وأما على السؤال الثاني: ما الذي ينبغي أن أفعله؟ فقد أجاب عليه كانط من خلال كتاب ضخم أيضاً هو: نقد العقل العملي. وفيه بلور الأخلاق بالمعنى الحديث للكلمة. وقال بما معناه: لا تفعل للآخرين الشيء الذي لا تحب أن يفعلوه لك. بمعنى آخر: هل هناك من شخص على وجه الأرض يحب أن يضربه الآخرون أو يسرقوه أو يقتلوه أو يعتدوا عليه أو يحتقروه؟ بالطبع لا. ولذا فلا ينبغي عليك أن تفعل هذه الأشياء البغيضة للآخرين. بمعنى آخر: افعل للآخرين ما تحب أن يفعلوه لنفسك. وعلى هذا النحو تنتظم أمور المجتمع ويصبح أخلاقياً، متقدماً، راقياً. وهذا ما تحقق لاحقاً في المجتمعات الأوروبية المتقدمة حيث أصبح الناس حضاريين يتعاملون مع بعضهم بعضا باحترام. ولم يعودوا يحلون خصوماتهم بالقوة العضلية أو بالضرب كما يفعل الناس البدائيون الهمجيون وإنما من خلال الاحتكام إلى الدولة وسلطة القانون.
وبالتالي فالمبادئ التي نص عليها كانط لم تبقَ حبراً على ورق وإنما تجسدت أمراً واقعاً وأصبحت بمثابة المبادئ شبه المقدسة التي يسير على هداها الشعب الألماني وبقية الشعوب الأوروبية المتطورة.. وهذا يعني أن فكره طُبق عملياً على أرض الواقع وساهم في تشكيل الحضارة الحديثة كلها. بهذا المعنى فإن كانط هو أستاذ الحضارة الأوروبية كلها بعد ديكارت وجان جاك روسو. وأما على السؤال الثالث: ما الذي يمكن أن آمله أو أرجوه في هذه الحياة؟ فقد أجاب عليه كانط من خلال كتابه الشهير: الدين ضمن حدود العقل فقط. وفيه ينتقد الأصولية المسيحية المتزمتة ويبلور الفهم العقلاني للدين، أي الفهم المناسب لمجتمعات الحداثة.
ويرى كانط أن التعصب الديني هو سبب الشرور والحروب المذهبية التي مزقت ألمانيا وعموم أوروبا من خلال حرب الثلاثين عاماً (1618 - 1648). وقد جرت بين المذهبين الأساسيين، الكاثوليكي والبروتستانتي، وذهب ضحيتها ملايين الأشخاص من كلا الطرفين.
وبالتالي فينبغي التخلي عن المفهوم القديم والظلامي للدين وتبني مفهوم يندرج ضمن إطار العقل. وعندئذ تحصل المصالحة التاريخية بين العلم والإيمان، أو بين الفلسفة والدين. وقد ساهم كانط من خلال مؤلفاته في تحقيق هذه المصالحة الكبرى. نضيف بأن كانط كان مؤسساً للفلسفة المثالية الألمانية أي الفلسفة التي تؤمن بأهمية الأفكار والمثل العليا وأنها قادرة على تغيير الحياة وتحسينها نحو الأفضل. وبالتالي فكونوا مثاليين أيها الأصدقاء ولا تخافوا من المثالية. ولكن كونوا واقعيين أيضاً.
وكان يؤمن بقدرة العقل البشري على تحقيق المعجزات على هذه الأرض عن طريق العلم الفيزيائي والرياضي الذي نبغ فيه إسحاق نيوتن. وقد استفاد كثيراً من نظريات هذا العالم إلى درجة أن بعضهم قال: لولا نيوتن لما كان كانط! فنيوتن أعطاه الثقة بنفسه وبمقدرة العلم الحديث على حل ألغاز الكون وفهم أسراره. ينبغي العلم بأن كانط ولد وعاش في القرن الثامن عشر أي في عصر التنوير الكبير. وبالتالي فقد ساهم في تبديد غياهب الظلام المحيطة بالعقول. وحارب التعصب الديني وتأطير العقول بالقوة أو تدجينها. كما حارب الكسل العقلي والتواكل والاستسلام للمقدور. وقد عرَّف التنوير على النحو التالي:
إنه خروج الإنسان من مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أو سن الرشد. وعرَّف القصور العقلي على أساس أنه التبعية للآخرين وعدم القدرة على تكوين التفكير الشخصي أو السلوك في الحياة أو اتخاذ أي قرار من دون استشارة الشخص الوصي علينا والذي يقف فوق رأسنا كالأب والشيخ والكاهن... إلخ. وهذا يعني أننا نظل في مرحلة الطفولة العقلية حتى بعد أن نصبح رجالاً كباراً.
ولذلك صرخ كانط قائلاً: استخدموا عقولكم أيها الناس! لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم! فالله زودكم بالعقل لكي تستخدموه لا لكي تلغوه. لا تتواكلوا بعد اليوم ولا تستسلموا للكسل والمقدور والمكتوب. ولا تقبلوا شيئا قبل إخضاعه لمحكمة العقل والتمييز والغربلة والتمحيص.
ولكن كانط لم يفهم التنوير على أساس أنه مضاد للإيمان أو للاعتقاد الديني. وإنما قال عبارته الشهيرة: حيث تنتهي حدود العقل، تبتدئ حدود الإيمان. ولم يدعُ كانط الناس إلى تقديم الطاعة العمياء للقادة أو لرجال الدين كما حصل في بروسيا لاحقاً. وحارب التدجين الفكري أو التلقين الإجباري للفكر كما رأيناه. ولكن للأسف الشديد فإن ألمانيا خرجت على مبادئه أكثر من مرة وبخاصة إبان المرحلة النازية أو الهتلرية. فقد أصبح مبدأ الطاعة العمياء هو السائد. وأصبح الألماني ينفذ الأوامر حتى ولو كانت مضادة لقناعاته العميقة تطبيقاً لمبدأ نفذ ثم لا تعترض!
أما كانط فقد بنى كل فلسفته التربوية على المبدأ الأساسي التالي: ينبغي عدم اتخاذ الإنسان كوسيلة وإنما دائماً كغاية. بمعنى آخر: ينبغي عدم احتقار الكرامة الإنسانية لدى الشخص الآخر بأي شكل كان حتى ولو كان هذا الآخر خادمة بسيطة في المنزل.



إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان
TT

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية التي انتهت إلى ثورة عام 1979 عبر منظور يربط بين هشاشة البنى المؤسسية والنزوع السلطوي المتعاقب، متجاوزاً الطرح الاختزالي الذي يرى في أحداث تلك الحقبة مجرد صعود فجائي للتيار الديني، ليُقدِّم بدلاً من ذلك أطروحةً سوسيولوجيةً ونفسيةً معقدةً تبحث في جذور الانقطاع التاريخي والمفهوم المثير للجدل الذي يسميه «المجتمع قصير المدى».

تُستمَد القوة النظرية للكتاب من التقاطه الأوهام البنيوية المشتركة بين الأنظمة الشمولية المختلفة، مبيناً كيف تلتقي راديكالية الدولة مع الراديكالية الآيديولوجية المعارضة في نقطة إنكار الواقع المجتمعي، ومبرزاً التناقض الجوهري بين رغبة السلطات المتعاقبة في الضبط المطلق، ونزوع المجتمع الطبيعي نحو التَّعدُّد والتشظي خارج أطر التوجيه القسري.

يتتبع كاتوزيان بكفاءة عالية، وعبر لغة تجمع بين التجريد الفلسفي والتوثيق التاريخي، فترات التَّحوُّل الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث بدءاً من سقوط رضا شاه عام 1941، مروراً بالانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، وصولاً إلى اللحظة الشمولية - المستمرة - التي توجت أحداث السبعينات.

وفي تفكيكه لـ«الثورة البيضاء» التي قادها الشاه محمد رضا بهلوي، يُحدِّد المفارقة في أنَّ التحديث المادي المفروض من الأعلى، والمتمثِّل في شَقِّ الطرق وبناء الجامعات وتطوير الجيش، واكبه تجريفٌ كاملٌ للمؤسسات السياسية القادرة على استيعاب التعددية، وهضم قنوات التعبير الشرعية.

ينكشف للمتأمل في فصول الكتاب منطق التفسير الفلسفي لظاهرة الاستبداد، حيث يؤصل لفكرة أنَّ السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها السريع بفعل العزلة النفسية التي تفرضها على الحاكم، ويصف كيف أدَّى سلوك الدولة البهلوية القائم على التسيير الأحادي والاعتماد على جهاز «السافاك» إلى نشوء قطيعة شعورية ونفسية هائلة بين الحكم والناس، لدرجة جعلت المجتمع يرفض الاعتراف بأي منجز مادي تُقدِّمه له السلطة.

يتيح هذا المنظور للقارئ فهم الثورة في 1979 بوصفها انفجاراً مجتمعياً شاملاً شاركت فيه القوى الليبرالية واليسارية والقومية جنباً إلى جنب مع رجال الدين، حيث توحَّدت هذه الأطياف المتناقضة على هدف هدم البنية القائمة، غافلة في الوقت ذاته عن طبيعة البديل المقبل ومآلات التمرُّد الأعزل عن الوعي المؤسسي.

يتجلى عمق التحليل عند مناقشة التداعيات الدولية والإقليمية التي أعقبت لحظة التحول الشاملة، خصوصاً حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية التي يصفها المؤلف بالحدث الكارثي الذي دفع بالبلاد نحو عزلة دولية خانقة وعزَّز من قبضة الراديكالية الدينية في الداخل، ويوثق الكيفية التي استغلت بها السلطة الجديدة هذا المناخ الاستثنائي، مضافاً إليه ظرف الحرب الطويلة مع العراق، لفرض عملية أسلمة قسرية وشاملة للحياة العامة وتطهير المؤسسات من العناصر غير المتماهية مع الآيديولوجيا الرسمية.

هذه القراءة الفلسفية لطبيعة السلطة الثورية تكشف كيف يتحوَّل التمرد على الطغيان، في غياب أطر قانونية راسخة، إلى صياغة طغيان جديد يستعير أدوات القمع السابقة ويغلفها بقداسة غيبية، ما يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بمسوغات ميتافيزيقية أشد وطأة على الوعي الفردي والجمعي.

تتبدى في المقابل جوانب ضعف منهجية واضحة تحد من قدرة هذا العمل على تقديم دليل موضوعي مطلق لفهم الراهن الإيراني. إذ يسقط المؤلف في فخ الانحياز الفكري المسبق عند معالجته السياسة الخارجية المعاصرة للجمهورية الإسلامية، حيث يتجلى في ثنايا تحليله ميل لتحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة عن تعثر المساعي الدبلوماسية وأزمات الشرق الأوسط، مغفلاً الدور البنيوي للآيديولوجيا التوسعية للنظام نفسه. هذا الخلل في التوازن التحليلي يضعف من رصانة الأطروحة الفلسفية حول المسؤولية السياسية والمجتمعية، ويجعل القراءة السياسية للأحداث الأخيرة تبدو مفتقرة إلى الحياد الأكاديمي الصارم، متغافلة عن حقيقة أن التطرف يغذي بعضه بعضاً في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والصراع على مجالات النفوذ الحيوي.

يؤخذ على الكتاب كذلك وقوعه في التعميم التاريخي المفرط من خلال تمديد مفهوم «المجتمع قصير المدى» - وهي النظرية التي يستخدمها المؤلف لوصف تكرار هدم البناء المؤسسي بالكامل، ثم إعادة تشييده من جديد على نحو يمنع تراكم الإنجاز القومي - ليشمل فترات التحول الكبرى كافة في إیران. وبينما يبدو هذا المفهوم فلسفياً وجذاباً من الناحية النظرية، فإنَّه يتناسى الخصائص الفريدة والتعقيدات السوسيولوجية التي ميَّزت كل حقبة على حدة، كاختلاف الديناميات بين الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906 وثورة 1979. يضاف إلى ذلك اختزال دور الثقافة الشيعية العميقة التي شكلت الوجدان الشعبي الثائر، والتركيز الزائد على سردية المجموعات السياسية الهامشية بدلاً من تشريح اللحظة الثورية ذاتها.

مع ذلك، كتاب كاتوزيان وثيقة فكرية بالغة الأهمية تحفز على التفكير النقدي في مصائر الأمم التي تعيش تحت وطأة التجاذب بين التحديث السطحي والأصالة المنغلقة، وبين المطرقة والسندان في صراع الآيديولوجيات المتطرفة.

وينجح العمل في إثبات أنَّ الشرعية السياسية قيمة معنوية تولد من رحم العقد الاجتماعي الحقيقي، ويستحيل تصنيعها عبر القوة العسكرية أو فرضها بواسطة الأجهزة الأمنية. لذلك فالإضافة الأساس لهذي المراجعة التاريخية تكمن في التذكير بأن الصراع المستمر في إيران، والذي يتجسد في الاحتجاجات الشعبية المتكررة وحركات الرفض المتصاعدة، هو في جوهره كفاح طويل من أجل استعادة المجتمع صوته الذاتي، وإجبار الدولة على الخضوع لمنطق المساءلة الإنسانية والقانونية، بعيداً عن أوهام الخلاص الثوري الزائف.


معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر
TT

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا، كما أمر بإطلاق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لإيجاد عمل مناسب لمن لم يستطع من هؤلاء العبيد العودة إلى بلاده الأصلية.

هذا ما يرصده الباحث ناجي غابة في كتابه «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر»، الصادر عن «دار العربي» في القاهرة، إلا أنه يذكر أنه من الواضح أن «الباشا» لم يقتنع على الإطلاق بإلغاء تجارة الرقيق لما سوف ينتج عن ذلك من مشكلات لمشروعه التنموي، وسيُحرم من مورد مالي مهم يتمثل في الجمارك المفروضة على العبيد المجلوبين من السودان.

ومع وصول سعيد باشا للسلطة في مصر عام 1853، تبدلت الأمور، حيث يعتبر سعيد أول حاكم مصري يفرض حظراً جاداً على هذه التجارة، إذ أصدر أمراً إلى المفتش العام للوجه القبلي في ديسمبر (كانون الأول) 1854 بمنع دخول العبيد إلى مصر من السودان، كما صدرت أوامر أخرى مشابهة إلى كثير من المديريات والمحافظات، وكذلك إلى جمرك أسوان وإلى ديوان المالية.

نصت هذه الأوامر على إعادة من يرد إلى مصر من السودانيين بغرض البيع ذكوراً أو إناثاً إلى بلادهم مع تدشين ما سُمي بالبوليس النهري في السودان للتأكد من خلو السفن من الرقيق المجلوبين لمصر وإنشاء نقطة تفتيش عند «فاشودة» كانت مهمتها تفتيش كل المراكب الآتية إلى النيل الأبيض والاستيلاء على أي رقيق مهرب.

لم تهتم إنجلترا على المستويين الرسمي والشعبي بالموضوع، حيث كانت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بدأ من جانبه فرض حظر على هذه التجارة في فبراير (شباط) 1857، وعلى أثرها أرسل فرماناً لسعيد باشا يعلمه بوجوب إلغاء هذه التجارة، ومنعها منعاً مطلقاً، وتنفيذ ذلك خلال مهلة أقصاها ستة أسابيع، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة فإن الرقيق المجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلاده.

وأوضح أنه إذا قام «الجلاب» بإحضار رقيق مرة ثانية يعاقب بالسجن لمدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنتين. ومنح هذا الفرمان حق سفن الأسطول الحربي العثماني ضبط السفن وتفتيشها وعتق من فيها من الأرقاء وإرسال التجار إلى الآستانة لمحاكمتهم هناك.

تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مفادها أن معيشتهم كانت قائمة على هذه التجارة، وأن هذا سوف يعرضهم لخسائر كبيرة.

وحين تبوأ الخديو إسماعيل الولاية انضم إلى حركة العاملين على تحرير الرقيق، كما حدث مع الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، فبذل جهوداً مكثفةً في هذا المجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلى حكمدار السودان حمدي باشا يأمره بتعقب تجار الرقيق لقطع دابرهم، فصدع الحكمدار للأمر وكانت النتيجة ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء الذين تم إطلاق سراحهم وإعادتهم لبلادهم، واعتقال التجار الذين لم يفرج عنهم إلا بعد أن أقروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية.

حتى ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يعاقب التجار الذين يتم ضبطهم بالرقيق، حيث كان يكتفى بمصادرة ما معهم من العبيد، وفي عام 1864 صدرت أولى العقوبات تجاه «الجلابة»، وهي السجن لمدة شهرين حال ضبطهم بأي رقيق وارد لمصر. ووقعت العقوبة على ستة من «الجلابة» الذين تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتفعت العقوبة لستة أشهر لرجال الإدارة المتهاونين في محاربة تجارة الرقيق.

وفي عام 1877 أجريت مفاوضات شاقة ومضنية بين مصر وإنجلترا، حيث أرادت الأخيرة توسيع نفوذها في أفريقيا، خصوصاً في المناطق الجديدة التي سيطر عليها إسماعيل، بينما أردات مصر كسب اعتراف إنجلترا بحقوق السيادة المصرية على ساحل بلاد الصومال حتى نهر جوبا جنوباً. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس (آذار) 1877 على أن تشمل السيادة المصرية ساحل الصومال، تم عقد معاهدتين؛ إحداهما في 4 أغسطس (آب) 1877 خاصة بالتعاون بين الطرفين في محاربة تجارة الرقيق.

وافق الخديو إسماعيل على عقد المعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن الاتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لم يأبه باعتراضه بل عزله من منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 1880 أنشأ الخديو توفيق «مصلحة إلغاء الرق»، وعُين لرئاستها الكونت ديلا سالا الذي اشتُهر بحماسته في محاربة هذه التجارة وكان أحد كبار الضباط الكبار في حرب المكسيك، كما ابتكر خططاً فعالة لمحاربة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجراءاته القوية.

أما في فترة الثورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضد تجار الرقيق، وقد أعلن عرابي أنه «ليس في مصر من يود أن يكون له عبيد غير أمراء بيت الخديو والباشوات الأتراك الذين تعودوا على استعباد المصريين، وأن الإصلاحات الجديدة سوف توجد المساواة بين الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين».

واتخذت الحكومة الثورية عدة خطوات عملية في هذا المجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية الأحرار السودانيين» كان هدفها مساعدة الأرقاء المحررين وتقديم المعونات لهم.

بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض المراكز لمتابعة حركة تجارة الرقيق لتكون بمثابة نقاط حراسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبلغت تكاليف إنشائها 600 جنيه مصري، وتم تكليف البكباشي لوتون الإنجليزي الجنسية لقيادتها، كما أصدر في 20 مايو (أيار) 1892 أمراً بإبطال استخدام الرقيق في المقاهي والمحلات العمومية مراعاة للآداب العامة.

وتعتبر معاهدة 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1895 مكملة للمعاهدة السابقة، حيث لا تختلف عنها كثيراً، وتزيد فقط في أنها نصت على منع التجارة في جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك المماليك والجواري البيض، كما أضيف إليها ملحق يتعلق بالإجراءات التفصيلية المختصة بتجارة الرقيق، سواء البائعين أو المشترين.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، صدرت مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الرقيق إلى مدة تتراوح ما بين خمسة أشهر وخمس سنوات.

نتيجة لهذه القوانين الصارمة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تجارة الرقيق في مصر، ولم يتبق منها سوى آثار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» الموقعة بين مصر وبريطانيا في 19 يناير (كانون الثاني) 1899 على مادة نصت على منع تجارة الرقيق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره.


رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»
TT

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان الذي يبوح بقلقه وأحلامه، والإنسان الذي يرى في الحب شراكة فكر وحياة لا عاطفة عابرة.

الكتاب الصادر عام 2025 عن «دار كنعان» للدراسات والنشر في دمشق، في 512 صفحة، يفتح نافذة على جانب وجداني وفني من شخصية المخرج والممثل الراحل حاتم علي، الذي عرفه الجمهور من خلف الكاميرا بهندسته المتقنة للمشهد، وأمامها ممثلاً، فيما تكشف رسائله إلى الكاتبة السورية دلع الرحبي عن عالم حميم يتقاطع فيه الحب مع الفن، والسيرة الشخصية مع أسئلة المسرح والدراما والقضية.

وتقوم خصوصية الكتاب على أنه لا يقدم رسائل حب فقط، بل يرسم ملامح سيرة غير اعتيادية لفنان في بداياته، قبل أن يعرفه الجمهور مخرجاً لأعمال تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السورية والعربية، ففي هذه الرسائل يظهر حاتم علي شاباً في مقتبل العمر، منشغلاً بتدريبات المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، يكتب إلى دلع الرحبي لا ليحكي تفاصيل يومه فحسب، بل ليشاركها خطواته الأولى في الطريق إلى الفن.

وتبدو دلع الرحبي في هذه الرسائل شريكة فكر وحلم، تتلقى الحب بعقل الكاتبة المثقفة وقلب العاشقة، وتتابع ما يصنع خلف الكواليس من قلق واجتهاد وطموح، ومن هنا يتحول البوح الشخصي إلى وثيقة وجدانية وفنية، تكشف عن كيف بدأ وعي حاتم علي يتشكل من المسرح، بوصفه «أبو الفنون»، قبل أن يصبح واحداً من أبرز صناع الدراما السورية.

كتب مقدمة الكتاب الفنان جمال سليمان، الصديق المقرب للعائلة، مشيراً إلى أن «الكتاب وثيقة ثقافية أدبية تحكي قصة حب استثنائية بين حاتم علي ودلع الرحبي، لا تتكون من فصل أو فصلين كما جرت العادة، بل من أربعة فصول، تعود إلى البدايات في المعهد العالي للفنون المسرحية وصولاً إلى مرحلة الزواج».

واعتبر سليمان أن الكتاب هو النقطة الأخيرة في مرحلة «أدب الرسائل» التي امتدت لمئات السنين، آخذاً القارئ في رحلة إلى زمن يمزج بين الشأن الشخصي والمسرحي والدرامي، عبر يوميات وثقها الراحل في رسائله».

تأخذ رسائل حاتم علي بعداً وجدانياً وفنياً؛ إذ يعبّر فيها عن حب روحي يتجاوز ومضات العاطفة السريعة، ليبدو أقرب إلى مشروع حياة قائم على المشاركة والثقة، وقد مزج فيها بين حساسية الفنان الشاب، ولغة المتأمل، ووعي المبدع الذي يدرك أن الفن لا ينفصل عن التجربة الإنسانية.

وتكتسب الرسائل أهميتها أيضاً لأنها كتبت بخط اليد، قبل أن تغزو وسائل الاتصال الحديثة علاقات الناس ومشاعرهم، لذلك تحمل صفحاتها متعة الانتظار، ورائحة الورق، ودفء اليد التي كتبت، في امتداد لسلسلة «أدب الرسائل» التي عرفتها الثقافة العربية، من رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة، ورسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وغيرهما.

من خلال الرسائل، يمكن تلمس بدايات عقود من إبداع حاتم علي؛ إذ تبدو خشبة المسرح منطلقاً أول لصقل موهبته في الإخراج والتمثيل، وركيزة لصناعة مخرج قدّم لاحقاً أعمالاً درامية خالدة في الدراما السورية الاجتماعية، وعكست صورة العائلة بكل دفئها.

كما تحضر في الرسائل القضية الفلسطينية، متداخلة مع تأثر علي برسائل غسان كنفاني، ومعايشته لبيئة المخيمات الفلسطينية في دمشق، وهو ما يفسر الزخم الإنساني والفني الذي ظهر لاحقاً في إخراجه مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ذلك العمل الأيقوني الذي حمل ألم التهجير وضياع الهوية والحنين إلى الوطن، ونقل الوجدان العربي إلى مدن حيفا وعكا وذاكرة فلسطين.

صحيح أن الكتاب رسائل حب، لكنه في الوقت نفسه يسرد سيرة فنان من خطواته الأولى، قبل أن يعرف العالم ذلك المخرج المبدع، فهو يصور الاجتهاد والعمل والقلق والأحلام.