استعدادات فلسطينية لـ«مسيرات الزحف الأكبر» يقابلها تأهب عسكري إسرائيلي

توقع مواجهات واسعة مع جيش الاحتلال في ذكرى «النكبة»

ابنتا الفلسطيني جابر أبو مصطفى (40 عاماً) الذي قُتل في مواجهات مع الجنود الإسرائيليين يوم الجمعة خلال تشييع جنازته في خانيونس بجنوب قطاع غزة أمس (رويترز)
ابنتا الفلسطيني جابر أبو مصطفى (40 عاماً) الذي قُتل في مواجهات مع الجنود الإسرائيليين يوم الجمعة خلال تشييع جنازته في خانيونس بجنوب قطاع غزة أمس (رويترز)
TT

استعدادات فلسطينية لـ«مسيرات الزحف الأكبر» يقابلها تأهب عسكري إسرائيلي

ابنتا الفلسطيني جابر أبو مصطفى (40 عاماً) الذي قُتل في مواجهات مع الجنود الإسرائيليين يوم الجمعة خلال تشييع جنازته في خانيونس بجنوب قطاع غزة أمس (رويترز)
ابنتا الفلسطيني جابر أبو مصطفى (40 عاماً) الذي قُتل في مواجهات مع الجنود الإسرائيليين يوم الجمعة خلال تشييع جنازته في خانيونس بجنوب قطاع غزة أمس (رويترز)

تسارعت الاستعدادات في قطاع غزة للتجهيز لـ«مسيرة العودة الكبرى»، أو ما أطلق عليها «مسيرات الزحف الأكبر»، التي ستشهدها حدود القطاع يومي الاثنين والثلاثاء، تزامناً مع مسيرات مماثلة دعت إليها فصائل وجهات فلسطينية مختلفة في الضفة الغربية ومناطق الشتات، ولا سيما في لبنان والأردن، في ذكرى «النكبة». وتحضرت إسرائيل لهذا المسيرات بإعلان التأهب في صفوف قواتها، فيما شنت طائراتها مساء غارات على مواقع في قطاع غزة بينها مولد للطاقة الكهربائية وآخر لمسلحين لم يتضح انتماؤهم.
وعقدت «الهيئة الوطنية العليا لمسيرة العودة الكبرى» في قطاع غزة اجتماعاً أمس (السبت) ستتبعه اجتماعات أخرى للتجهيز لمسيرات حاشدة يتوقع أن يشارك فيها عشرات الآلاف من سكان القطاع على طول الحدود مع إسرائيل، وسط مخاوف من مواجهات ستكون الأعنف مع جيش الاحتلال منذ انطلاق المسيرات في 30 مارس (آذار) الماضي.
وخلّفت «مسيرات العودة» على حدود غزة، منذ بدئها، 48 ضحية، بينهم خمسة أطفال وصحافيون، بحسب إحصائية لوزارة الصحة في قطاع غزة. وما زالت قوات الاحتلال تحتجز جثامين ثلاثة من الضحايا الفلسطينيين. وإضافة إلى القتلى، أصيب في مواجهات «مسيرات العودة» أكثر من 9520 فلسطينياً، منهم أكثر من 900 طفل و400 سيدة و200 من الطواقم الطبية و110 من الصحافيين.
وأعلنت «الهيئة العليا لمسيرات العودة» جدول فعالياتها خلال مؤتمر صحافي عقدته في غزة، معلنة تعطيل كافة المؤسسات ومرافق الحياة يوم الاثنين للمشاركة في «الزحف الأكبر» نحو الحدود استعداداً لمسيرة العودة الكبرى في اليوم الذي يليه (الثلاثاء، ذكرى إحياء النكبة). ودعت الجماهير الفلسطينية في كافة أماكن تواجدها إلى «المشاركة الفاعلة» في المسيرات، مجددة تأكيدها على أن «مسيرات العودة ستبقى شعبية جماهيرية ذات طابع سلمي»، داعية العالم إلى «الإصغاء لمطالب الشعب الفلسطيني ومطالبه العادلة بالتمسك بحق العودة، ووقف نقل السفارة الأميركية إلى القدس». كما طالبت بـ«رفع الحصار» عن قطاع غزة ورفض «ما يسمى بصفقة القرن أو الوطن البديل».
وتحدث في المؤتمر الصحافي عضو الهيئة خالد البطش، القيادي في «الجهاد الإسلامي»، فقال إن 14 مايو (أيار) الحالي سيعتبر «يوماً تاريخياً»، داعياً الجماهير إلى «الاحتشاد بشكل كبير» في المناطق الشرقية لقطاع غزة، وعلى نقاط التماس مع الاحتلال في الضفة، كما دعا سكان القدس وأراضي الـ48 إلى الاحتشاد في ساحة باب العامود وأقرب نقطة من مقر السفارة الأميركية الجديد بالمدينة المقدسة. وطالب برفع أصوات التكبير في المساجد وكل مكان عبر مكبرات الصوت بعد صلاة المغرب يوم الأحد، موجهاً نداء إلى الكنائس أيضاً لقرع أجراسها في الوقت ذاته. كذلك دعا الجهات المسؤولة عن حركة السير والمرور في الضفة وغزة إلى وقف حركة السير من الساعة 12 ظهراً لمدة خمس دقائق اليوم (الأحد)، على أن يتزامن ذلك مع إطلاق صفارات الإنذار.
وأعلن البطش عن انطلاق «قافلة العودة الرمزية» من الشاحنات التي ستحمل جموع العائدين اليوم، حيث ستحمل كل شاحنة اسم قرية من قرى فلسطين التاريخية «لتشكل مشهداً معاكساً لمشهد النكبة التي جسدت مأساة الشعب الفلسطيني في عام الـ84، وللتأكيد من خلال هذه المسيرات أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن عقارب ساعة العودة قد بدأت بالتحرك للأمام». وطالب «الفلسطينيين في الشتات والمناصرين لقضيتهم العادلة بالتوجه إلى السفارات الأميركية والإسرائيلية ومقرات الأمم المتحدة للاحتجاج على نقل السفارة الأميركية للقدس». وأكد على «استمرار الشعب الفلسطيني في مسيرات العودة وكسر الحصار، وعدم التراجع حتى تحقيق الأهداف وحق العودة كحق ثابت شرعي وقانوني»، مشدداً على أن الهيئة ستواصل فعالياتها من أجل «كسر الحصر متسلحة بإرادة الشعب الفلسطيني».
ويتزامن ذلك مع رفع حالة التأهب من قبل الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية المختلفة للتصدي للمسيرات الحاشدة المتوقعة على حدود غزة أو في الضفة الغربية التي تتزامن مع احتفالات نقل السفارة الأميركية، وكذلك ذكرى النكبة الفلسطينية. وقالت قناة «مكان» الإسرائيلية الناطقة باللغة العربية، إنه تم وضع قوات الجيش والأجهزة الأمنية المختلفة على أهبة الاستعداد تحسباً لوقوع هجمات ومواجهات في الأيام المقبلة، مشيرة إلى مخاوف من وقوع ذلك خلال مراسم نقل السفارة وأحداث يوم النكبة.
ونشرت قيادتا الجيش والشرطة الإسرائيلية قوات معززة على امتداد الحدود ونقاط الاحتكاك وداخل المدن، وتم نشر ألوية عسكرية عدة في محيط قطاع غزة وفي الضفة الغربية. وقالت مصادر أمنية إسرائيلية، إن إسرائيل «لن تتهاون مع أي محاولة للمساس بسيادتها وبحدودها».
في غضون ذلك، ذكرت القناة العبرية العاشرة، أن حركة «حماس» من خلال الأحداث على الحدود ترسل إشارات ورسائل لإسرائيل وبوسائل أخرى بأنها «ترغب في حوار» مع إسرائيل. وبحسب القناة، فإن «حماس» تريد من إسرائيل أن تتوصل معها إلى اتفاق يفضي بترتيبات لهدنة طويلة الأمد دون الاعتراف بإسرائيل. وأشارت إلى أن تل أبيب تتجاهل الإشارات والرسائل من «حماس» التي تعيش في أزمة غير مسبوقة، بحسب رأيها. وأشارت إلى أن الحركة تسعى إلى وقف إطلاق نار يتيح تحسين الوضع الحالي بغزة مع بقائها متحكمة في شؤون القطاع.
إلى ذلك، كتبت وكالة الصحافة الفرنسية تقريراً اعتبرت فيها أن «حماس» تعتمد منذ أسابيع «استراتيجية جديدة تتمثل في دعم الاحتجاجات السلمية أداةً جديدةً تختبرها في مواجهة إسرائيل» بعدما «وضعت بصورة مؤقتة الخيار العسكري جانباً، بعد أكثر من عشرة أعوام من سيطرتها على قطاع غزة وثلاث حروب مدمرة». ونقلت عن زعيم «حماس» قي قطاع غزة يحيى السنوار قوله في حديث مع وسائل الإعلام الأجنبية، يوم الخميس، إنه لا يرى ضيراً من اقتحام آلاف الفلسطينيين السياج الحدودي مع إسرائيل خلال الاحتجاجات المقررة الاثنين والثلاثاء تزامناً مع افتتاح السفارة الأميركية في القدس وذكرى نكبة فلسطين.
ونقلت الوكالة عن محللين سياسيين، إن «حماس» تسعى من خلال لجوئها إلى المقاومة السلمية إلى لفت انتباه العالم والضغط على حكومة إسرائيل لإنهاء حصارها المحكم الذي تفرضه على قطاع غزة منذ أكثر من عقد، دون المغامرة بالانزلاق نحو حرب جديدة مع الدولة العبرية.
وتتهم إسرائيل «حماس» التي تحكم القطاع الفقير وخاضت ثلاث حروب ضدها منذ نهاية 2008، باستخدام الاحتجاجات التي انطلقت في ذكرى يوم الأرض في 30 مارس، غطاءً لاستخدام العنف. ومنذ «يوم الأرض»، يتجمع الآلاف من الفلسطينيين بصورة أسبوعية في إطار «مسيرة العودة» قرب الحدود للمطالبة بحقهم في العودة إلى بلداتهم التي هجروا منها في 1948، ولم يلجأ الفلسطينيون إلى إطلاق النار وإنما قاموا برشق الحجارة ودحرجة الإطارات المشتعلة باتجاه السياج الفاصل، حيث يتمركز القناصة الإسرائيليون. وقام متظاهرون بسحب جزء من الأسلاك الشائكة التي يضعها الجيش الإسرائيلي على بعد عشرات الأمتار من السياج الحدودي.
ورداً على سؤال عما يتوقعه من الاحتجاجات الاثنين والثلاثاء المقبلين، قال السنوار «لا أحد يستطيع أن يتصور ما الذي سيكون بالضبط، لكن نستطيع أن نضمن شيئاً واحداً، وهو أن هذا الحراك سلمي»، بحسب ما أوردت الوكالة الفرنسية. وتساءل السنوار وهو الرجل القوي في «حماس»: «ما المشكلة عندما يكسر مئات آلاف المواطنين السياج الفاصل؟ هذه ليست حدوداً»، مشيراً إلى أن إسرائيل لم ترسم حدودها.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.