استعدادات فلسطينية لـ«مسيرات الزحف الأكبر» يقابلها تأهب عسكري إسرائيلي

توقع مواجهات واسعة مع جيش الاحتلال في ذكرى «النكبة»

ابنتا الفلسطيني جابر أبو مصطفى (40 عاماً) الذي قُتل في مواجهات مع الجنود الإسرائيليين يوم الجمعة خلال تشييع جنازته في خانيونس بجنوب قطاع غزة أمس (رويترز)
ابنتا الفلسطيني جابر أبو مصطفى (40 عاماً) الذي قُتل في مواجهات مع الجنود الإسرائيليين يوم الجمعة خلال تشييع جنازته في خانيونس بجنوب قطاع غزة أمس (رويترز)
TT

استعدادات فلسطينية لـ«مسيرات الزحف الأكبر» يقابلها تأهب عسكري إسرائيلي

ابنتا الفلسطيني جابر أبو مصطفى (40 عاماً) الذي قُتل في مواجهات مع الجنود الإسرائيليين يوم الجمعة خلال تشييع جنازته في خانيونس بجنوب قطاع غزة أمس (رويترز)
ابنتا الفلسطيني جابر أبو مصطفى (40 عاماً) الذي قُتل في مواجهات مع الجنود الإسرائيليين يوم الجمعة خلال تشييع جنازته في خانيونس بجنوب قطاع غزة أمس (رويترز)

تسارعت الاستعدادات في قطاع غزة للتجهيز لـ«مسيرة العودة الكبرى»، أو ما أطلق عليها «مسيرات الزحف الأكبر»، التي ستشهدها حدود القطاع يومي الاثنين والثلاثاء، تزامناً مع مسيرات مماثلة دعت إليها فصائل وجهات فلسطينية مختلفة في الضفة الغربية ومناطق الشتات، ولا سيما في لبنان والأردن، في ذكرى «النكبة». وتحضرت إسرائيل لهذا المسيرات بإعلان التأهب في صفوف قواتها، فيما شنت طائراتها مساء غارات على مواقع في قطاع غزة بينها مولد للطاقة الكهربائية وآخر لمسلحين لم يتضح انتماؤهم.
وعقدت «الهيئة الوطنية العليا لمسيرة العودة الكبرى» في قطاع غزة اجتماعاً أمس (السبت) ستتبعه اجتماعات أخرى للتجهيز لمسيرات حاشدة يتوقع أن يشارك فيها عشرات الآلاف من سكان القطاع على طول الحدود مع إسرائيل، وسط مخاوف من مواجهات ستكون الأعنف مع جيش الاحتلال منذ انطلاق المسيرات في 30 مارس (آذار) الماضي.
وخلّفت «مسيرات العودة» على حدود غزة، منذ بدئها، 48 ضحية، بينهم خمسة أطفال وصحافيون، بحسب إحصائية لوزارة الصحة في قطاع غزة. وما زالت قوات الاحتلال تحتجز جثامين ثلاثة من الضحايا الفلسطينيين. وإضافة إلى القتلى، أصيب في مواجهات «مسيرات العودة» أكثر من 9520 فلسطينياً، منهم أكثر من 900 طفل و400 سيدة و200 من الطواقم الطبية و110 من الصحافيين.
وأعلنت «الهيئة العليا لمسيرات العودة» جدول فعالياتها خلال مؤتمر صحافي عقدته في غزة، معلنة تعطيل كافة المؤسسات ومرافق الحياة يوم الاثنين للمشاركة في «الزحف الأكبر» نحو الحدود استعداداً لمسيرة العودة الكبرى في اليوم الذي يليه (الثلاثاء، ذكرى إحياء النكبة). ودعت الجماهير الفلسطينية في كافة أماكن تواجدها إلى «المشاركة الفاعلة» في المسيرات، مجددة تأكيدها على أن «مسيرات العودة ستبقى شعبية جماهيرية ذات طابع سلمي»، داعية العالم إلى «الإصغاء لمطالب الشعب الفلسطيني ومطالبه العادلة بالتمسك بحق العودة، ووقف نقل السفارة الأميركية إلى القدس». كما طالبت بـ«رفع الحصار» عن قطاع غزة ورفض «ما يسمى بصفقة القرن أو الوطن البديل».
وتحدث في المؤتمر الصحافي عضو الهيئة خالد البطش، القيادي في «الجهاد الإسلامي»، فقال إن 14 مايو (أيار) الحالي سيعتبر «يوماً تاريخياً»، داعياً الجماهير إلى «الاحتشاد بشكل كبير» في المناطق الشرقية لقطاع غزة، وعلى نقاط التماس مع الاحتلال في الضفة، كما دعا سكان القدس وأراضي الـ48 إلى الاحتشاد في ساحة باب العامود وأقرب نقطة من مقر السفارة الأميركية الجديد بالمدينة المقدسة. وطالب برفع أصوات التكبير في المساجد وكل مكان عبر مكبرات الصوت بعد صلاة المغرب يوم الأحد، موجهاً نداء إلى الكنائس أيضاً لقرع أجراسها في الوقت ذاته. كذلك دعا الجهات المسؤولة عن حركة السير والمرور في الضفة وغزة إلى وقف حركة السير من الساعة 12 ظهراً لمدة خمس دقائق اليوم (الأحد)، على أن يتزامن ذلك مع إطلاق صفارات الإنذار.
وأعلن البطش عن انطلاق «قافلة العودة الرمزية» من الشاحنات التي ستحمل جموع العائدين اليوم، حيث ستحمل كل شاحنة اسم قرية من قرى فلسطين التاريخية «لتشكل مشهداً معاكساً لمشهد النكبة التي جسدت مأساة الشعب الفلسطيني في عام الـ84، وللتأكيد من خلال هذه المسيرات أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن عقارب ساعة العودة قد بدأت بالتحرك للأمام». وطالب «الفلسطينيين في الشتات والمناصرين لقضيتهم العادلة بالتوجه إلى السفارات الأميركية والإسرائيلية ومقرات الأمم المتحدة للاحتجاج على نقل السفارة الأميركية للقدس». وأكد على «استمرار الشعب الفلسطيني في مسيرات العودة وكسر الحصار، وعدم التراجع حتى تحقيق الأهداف وحق العودة كحق ثابت شرعي وقانوني»، مشدداً على أن الهيئة ستواصل فعالياتها من أجل «كسر الحصر متسلحة بإرادة الشعب الفلسطيني».
ويتزامن ذلك مع رفع حالة التأهب من قبل الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية المختلفة للتصدي للمسيرات الحاشدة المتوقعة على حدود غزة أو في الضفة الغربية التي تتزامن مع احتفالات نقل السفارة الأميركية، وكذلك ذكرى النكبة الفلسطينية. وقالت قناة «مكان» الإسرائيلية الناطقة باللغة العربية، إنه تم وضع قوات الجيش والأجهزة الأمنية المختلفة على أهبة الاستعداد تحسباً لوقوع هجمات ومواجهات في الأيام المقبلة، مشيرة إلى مخاوف من وقوع ذلك خلال مراسم نقل السفارة وأحداث يوم النكبة.
ونشرت قيادتا الجيش والشرطة الإسرائيلية قوات معززة على امتداد الحدود ونقاط الاحتكاك وداخل المدن، وتم نشر ألوية عسكرية عدة في محيط قطاع غزة وفي الضفة الغربية. وقالت مصادر أمنية إسرائيلية، إن إسرائيل «لن تتهاون مع أي محاولة للمساس بسيادتها وبحدودها».
في غضون ذلك، ذكرت القناة العبرية العاشرة، أن حركة «حماس» من خلال الأحداث على الحدود ترسل إشارات ورسائل لإسرائيل وبوسائل أخرى بأنها «ترغب في حوار» مع إسرائيل. وبحسب القناة، فإن «حماس» تريد من إسرائيل أن تتوصل معها إلى اتفاق يفضي بترتيبات لهدنة طويلة الأمد دون الاعتراف بإسرائيل. وأشارت إلى أن تل أبيب تتجاهل الإشارات والرسائل من «حماس» التي تعيش في أزمة غير مسبوقة، بحسب رأيها. وأشارت إلى أن الحركة تسعى إلى وقف إطلاق نار يتيح تحسين الوضع الحالي بغزة مع بقائها متحكمة في شؤون القطاع.
إلى ذلك، كتبت وكالة الصحافة الفرنسية تقريراً اعتبرت فيها أن «حماس» تعتمد منذ أسابيع «استراتيجية جديدة تتمثل في دعم الاحتجاجات السلمية أداةً جديدةً تختبرها في مواجهة إسرائيل» بعدما «وضعت بصورة مؤقتة الخيار العسكري جانباً، بعد أكثر من عشرة أعوام من سيطرتها على قطاع غزة وثلاث حروب مدمرة». ونقلت عن زعيم «حماس» قي قطاع غزة يحيى السنوار قوله في حديث مع وسائل الإعلام الأجنبية، يوم الخميس، إنه لا يرى ضيراً من اقتحام آلاف الفلسطينيين السياج الحدودي مع إسرائيل خلال الاحتجاجات المقررة الاثنين والثلاثاء تزامناً مع افتتاح السفارة الأميركية في القدس وذكرى نكبة فلسطين.
ونقلت الوكالة عن محللين سياسيين، إن «حماس» تسعى من خلال لجوئها إلى المقاومة السلمية إلى لفت انتباه العالم والضغط على حكومة إسرائيل لإنهاء حصارها المحكم الذي تفرضه على قطاع غزة منذ أكثر من عقد، دون المغامرة بالانزلاق نحو حرب جديدة مع الدولة العبرية.
وتتهم إسرائيل «حماس» التي تحكم القطاع الفقير وخاضت ثلاث حروب ضدها منذ نهاية 2008، باستخدام الاحتجاجات التي انطلقت في ذكرى يوم الأرض في 30 مارس، غطاءً لاستخدام العنف. ومنذ «يوم الأرض»، يتجمع الآلاف من الفلسطينيين بصورة أسبوعية في إطار «مسيرة العودة» قرب الحدود للمطالبة بحقهم في العودة إلى بلداتهم التي هجروا منها في 1948، ولم يلجأ الفلسطينيون إلى إطلاق النار وإنما قاموا برشق الحجارة ودحرجة الإطارات المشتعلة باتجاه السياج الفاصل، حيث يتمركز القناصة الإسرائيليون. وقام متظاهرون بسحب جزء من الأسلاك الشائكة التي يضعها الجيش الإسرائيلي على بعد عشرات الأمتار من السياج الحدودي.
ورداً على سؤال عما يتوقعه من الاحتجاجات الاثنين والثلاثاء المقبلين، قال السنوار «لا أحد يستطيع أن يتصور ما الذي سيكون بالضبط، لكن نستطيع أن نضمن شيئاً واحداً، وهو أن هذا الحراك سلمي»، بحسب ما أوردت الوكالة الفرنسية. وتساءل السنوار وهو الرجل القوي في «حماس»: «ما المشكلة عندما يكسر مئات آلاف المواطنين السياج الفاصل؟ هذه ليست حدوداً»، مشيراً إلى أن إسرائيل لم ترسم حدودها.



خبراء: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
TT

خبراء: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

رأى خبراء عسكريون وسياسيون يمنيون أن دخول قدرات جوية جديدة، خصوصاً الطائرات المسيّرة، إلى الخدمة لدى القوات الحكومية، يمكن أن ينقلها تدريجياً من موقع الدفاع والاستنزاف إلى المبادرة، ويوسع خيارات القيادة العسكرية والسياسية، بما يسهم في إعادة بناء معادلة القوة والردع في مواجهة الجماعة الحوثية.

وأكد الخبراء أن فاعلية هذه القدرات تبقى مرهونة بتوحيد القرار العسكري، ودمجها في منظومة عمليات مشتركة تشمل القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي، إلى جانب منظومات الاستطلاع والاتصالات والقيادة والسيطرة.

ورأوا أن التصعيد الحوثي الأخير لا يستهدف بالضرورة تحقيق نصر ميداني مباشر، بقدر ما يسعى إلى إرباك مسار إعادة بناء القوات الحكومية، واستنزاف قدراتها، واختبار جاهزيتها، ومنعها من الانتقال إلى المبادرة.

وجاءت هذه التقديرات خلال ندوة نظمها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات»، تحت عنوان «التحولات العسكرية في اليمن: موازين القوى ومسارات التصعيد ومستقبل الصراع»، بمشاركة خبراء عسكريين وسياسيين وقيادات في المقاومة الشعبية.

تحول في القوة الجوية

قال العميد الركن ياسر صالح، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن اليمن والمنطقة يمران بمرحلة بالغة الحساسية، في ظل تحولات إقليمية ودولية وضعت الصراع اليمني في قلب معادلات أمنية متداخلة.

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

وأوضح أن الحديث لا يزال يدور عن قدرات جوية حكومية محدودة، وليس عن سلاح جو متكامل بمفهومه التقليدي، إلا أن دخول مجموعات من الطائرات المسيّرة إلى الخدمة يمثل إضافة نوعية قد تحدث تحولاً في موازين القوة.

وأشار صالح إلى أن هذه القدرات تتيح تنفيذ مهام الاستطلاع، والإسناد القريب للقوات البرية، ومراقبة محاور الاقتراب، واستهداف التعزيزات وخطوط الإمداد، بما يمنح القيادة خيارات عملياتية أوسع.

وشدد، في المقابل، على أن امتلاك المسيّرات لا يكفي وحده لإحداث تغيير حاسم؛ إذ تتوقف فاعليتها على دمجها في منظومة موحدة للقيادة والنيران، وتوفير التدريب والصيانة والاتصالات الآمنة والمعلومات الاستخباراتية.

وعدّ صالح تعيين قيادة للقوات الجوية مؤشراً إلى توجه لإعادة بناء أحد أهم صنوف القوات المسلحة، موضحاً أن الاعتماد المرحلي على الطائرات غير المأهولة قد يوفر قيمة عملياتية وردعية تتناسب مع الإمكانات المتاحة، على أن يجري تطوير سلاح الجو وفق متطلبات الحرب الحديثة واحتياجات الدولة بعد انتهاء الصراع.

توحيد القرار العسكري

من جهته، قال العميد الركن محمد الكميم، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن المؤسسة العسكرية الحكومية اضطرت إلى خوض الحرب وإعادة بناء نفسها في الوقت نفسه، بعدما سيطر الحوثيون على مراكز قيادة ومعسكرات ومخازن رئيسية للدولة.

ميناء المخا تعرض لأضرار واسعة جراء الهجمات الحوثية (إعلام محلي)

وأوضح أن تعدد مراكز القرار انعكس سابقاً على أداء الجبهات، وأتاح للحوثيين نقل الضغط بين المحاور واختيار توقيت الهجمات ومواقعها، لكنه أشار إلى أن المرحلة الأخيرة شهدت خطوات متقدمة لإعادة ربط التشكيلات العسكرية بوزارة الدفاع والقيادة العليا، وتوسيع التدريب والتأهيل، وتحسين التنسيق بين الجبهات.

ورأى الكميم أن توحيد القيادة والسيطرة يمثل العامل الأهم في تغيير معادلة الحرب؛ لأن تعدد القوات لا ينتج أثراً حاسماً ما دامت كل جبهة تعمل بقرار منفصل، بينما يتيح القرار الموحد توزيع الضغط، وتحريك الاحتياط، وفتح مسارات بديلة، وانتزاع زمام المبادرة من الخصم.

وبحسب الكميم، يسعى الحوثيون من خلال التصعيد الراهن إلى تثبيت القوات الحكومية في وضع دفاعي، واستنزاف ذخائرها، واختبار جاهزيتها، وإثارة القلق في حواضنها الاجتماعية، بالتزامن مع محاولات إعادة تنظيمها وتوحيد قيادتها.

ثغرة الاتصالات

وناقشت الندوة استمرار سيطرة الحوثيين على جزء مهم من البنية الوطنية للاتصالات، وما يمثله ذلك من ثغرة استراتيجية وأمنية ومورد مالي للجماعة.

وقال العميد ياسر صالح إن القوات المسلحة طورت وسائل بديلة لإدارة العمليات ونقل الأوامر، إلا أن ذلك لا يغني عن إنشاء منظومة اتصالات وطنية مستقلة وآمنة ومشفرة ومتعددة المسارات، محذراً من أن أي مواجهة مقبلة ستتطلب انضباطاً صارماً في استخدام الاتصالات للحد من الاختراق والرصد.

عوامل بقاء الحوثيين

وحدد ياسر صالح جملة من العوامل التي مكّنت الحوثيين من الاستمرار، من بينها التعبئة الآيديولوجية، والسيطرة على مؤسسات الدولة ومواردها، والاستفادة من تشتت الخصوم، والدعم الإيراني في مجالات الصواريخ والمسيّرات والتكتيكات العسكرية، فضلاً عن التحكم بكتلة سكانية كبيرة وموقع جيوسياسي مؤثر.

صورة وزعها الحوثيون لطائرة مسيرة استهدفت ميناء المخا اليمني (إ.ب.أ)

بدوره، رأى الدكتور محمد الحميري، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن التصعيد الحوثي لا ينفصل عن التوترات الإقليمية وأمن الطاقة والملاحة في البحر الأحمر. وقال إن الجماعة تستخدم التهديد باستهداف المنشآت الحيوية والممرات البحرية للضغط على السعودية والقوى الدولية، وانتزاع تنازلات في مسار التسوية، وتحسين موقعها التفاوضي عبر نقل الأزمة اليمنية من نطاقها المحلي إلى دائرة المصالح الإقليمية والدولية.


«الحرس» الإيراني يعيد رسم خريطة تحصينات الحوثيين

مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
TT

«الحرس» الإيراني يعيد رسم خريطة تحصينات الحوثيين

مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

بالتزامن مع التصعيد العسكري الذي بدأته الجماعة الحوثية في اليمن، أعادت قياداتها توزيع مراكز وجودها وإدارة مؤسساتها في مناطق سيطرتها، وسط إجراءات أمنية مشددة؛ تحسباً لاستهدافها، شملت تحويل فنادق رئيسية في صنعاء والحديدة وصعدة ومدن أخرى إلى مقار مؤقتة لإدارة الأجهزة الأمنية والمخابراتية والمؤسسات المدنية.

وقالت مصادر أمنية يمنية لـ«الشرق الأوسط» إن ضباطاً من «الحرس الثوري» الإيراني يتولون الإشراف على إدارة التصعيد، وإن ما يسمى السفير الإيراني لدى الحوثيين، علي محمد رضائي، يشرف شخصياً على غرفة عمليات تدير الجوانب العسكرية والأمنية في مناطق سيطرة الجماعة.

ووفق المصادر، فقد تلقى مسؤولون أمنيون ومخابراتيون ووزراء ورؤساء هيئات حكومية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دولياً تعليمات بالانتقال إلى فنادق والإقامة فيها ومواصلة أداء مهامهم من هناك، في إجراء قالت المصادر إنه يهدف إلى الاحتماء بالمدنيين والنزلاء وتجنب استهداف القيادات.

القيادي الإيراني محمد رضائي (يسار) يشرف على غرفة التصعيد الحوثي (إعلام محلي)

وأفادت المصادر بأن «الحرس الثوري» أنشأ غرفة عمليات خاصة لمتابعة التصعيد الميداني والخطاب الإعلامي المواكب له، بما في ذلك الترويج لمزاعم الحصار والمطالبة بصرف رواتب الموظفين الحكوميين، في محاولة، وفق المصادر، لإظهار التصعيد على أنه مرتبطاً بقضايا داخلية، بينما يتمثل هدفه الرئيسي في دعم طهران خلال مواجهتها مع الولايات المتحدة.

وأضافت أن الضباط الإيرانيين يتوقعون أن يرد تحالف دعم الشرعية على التصعيد باستهداف القيادات الحوثية الأمنية والعسكرية والحكومية، على غرار ما حدث خلال مراحل سابقة؛ الأمر الذي دفع بالجماعة إلى اتخاذ احتياطات إضافية لحماية قادتها.

الفنادق «مخابئ»

وفق المصادر، فقد جرى نقل عدد من القيادات الحوثية إلى فنادق داخل المدن الرئيسية الخاضعة للحوثيين، واختيار عناصر مخابراتية موثوقة لتكون حلقة وصل بينها وبين الجهات التي تديرها.

وتتولى هذه العناصر نقل التوجيهات والطلبات إلى المستويات الأدنى في المؤسسات والمرافق الحكومية، إضافة إلى توفير المعلومات والاحتياجات للقيادات الموجودة في أماكن الإقامة الجديدة.

قيادات حوثية اختفت عن المشهد عقب استهداف اجتماع سري لحكومتهم (إعلام محلي)

وقالت المصادر إن هذا التغيير شمل وزراء في حكومة الحوثيين ورؤساء هيئات ومؤسسات، تلقوا توجيهات بمواصلة أعمالهم من داخل الفنادق التي جرى توزيعهم عليها في صنعاء ومدن أخرى، بينما أوكلت إلى قيادات الصف الثاني مهمة إدارة النشاط العام.

وتزامنت هذه الإجراءات مع اختفاء عدد من قادة الصف الأول وامتناعهم عن الظهور العلني، وانتقالهم إلى أماكن أكبر أمناً، وفق المصادر، التي أشارت إلى أن الجماعة فرضت في الوقت نفسه إجراءات أمنية إضافية على الفنادق، وربطت بعضها بشبكات تابعة لأجهزة المخابرات والشرطة الخاضعة لسيطرتها؛ بهدف مراقبة النزلاء والتحقق من هوياتهم ومنع أي اختراقات أمنية.

صعدة منطقة مغلقة

بشأن قيادات الصف الأول في الجماعة الحوثية، قالت المصادر إن عدداً منهم انتقل إلى محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة في شمال اليمن، التي تحولت، وفق وصفها، منطقةً أمنيةً مغلقةً تخضع إجراءات الدخول إليها والخروج منها لتدقيق وموافقات مسبقة.

وأشارت المصادر إلى وجود مواقع حوثية محصنة تحت الجبال في المحافظة تُستخدم للاحتماء وإدارة العمليات العسكرية وتخزين الأسلحة، إضافة إلى مواقع أخرى استُحدثت في محافظات مختلفة.

قيادات الصف الثاني في الجماعة الحوثية تتولى إدارة النشاط العام (إعلام محلي)

كما تلقى قادة ومشرفون حوثيون يديرون المؤسسات الحكومية المحتلة تعليمات من عناصر «الحرس الثوري» بالانتقال إلى فنادق المدن الرئيسية، في حين أُبلغ قادة الوحدات العسكرية بالبقاء في خنادق ومواقع محصنة جرى تجهيزها في مناطق مختلفة.

وقالت المصادر إن الجماعة الحوثية استحدثت شبكة من الأنفاق والمواقع المحصنة للاختباء وإدارة العمليات العسكرية، خصوصاً في محافظات إب وحجة والحديدة، ضمن إجراءات تقول المصادر إنها تستهدف تقليل احتمالات رصد القيادات ومراكز القيادة والسيطرة.

وتُرجع المصادر هذه الإجراءات إلى تجربة الجماعة خلال فترة هجماتها على حركة الملاحة في جنوب البحر الأحمر، منذ أواخر 2023 وحتى الربع الأول من 2025، حين لجأت القيادات العسكرية والأمنية إلى مواقع سرية ومساكن بعيدة عن مراكز النشاط العلني؛ مما ساعد، وفق المصادر، على تجنيب عدد من القيادات الاستهداف خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية.

إلا إن تلك الإجراءات لم تمنع استهداف اجتماع سري لحكومة الحوثيين، وفق المصادر؛ ما أدى إلى مقتل رئيس الحكومة و9 من وزرائها، إضافة إلى استهداف رئيس أركان الجماعة، رغم الإجراءات التي اتخذتها القيادات لإخفاء أماكن وجودها.

مواقع إطلاق متعددة

بالتوازي مع إجراءات حماية القيادات الحوثية، أشرف ضباط إيرانيون، وفق المصادر، على استحداث مواقع إضافية في مناطق التماس، واختيار مواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة؛ حتى لا تعتمد الجماعة على نقطة واحدة لإطلاق هجماتها.

وتقول المصادر إن توزيع مواقع الإطلاق يهدف إلى تقليل فرص رصدها واستهدافها، وإن هذه المواقع توزعت بين محافظات إب وتعز والبيضاء، وظهر ذلك خلال الهجوم الصاروخي المكثف الذي استهدف ميناء المخا.

ووفق المصادر، فقد أطلقت الجماعة نحو 20 صاروخاً من مناطق في محافظة إب، سقط بعضها في أطراف المحافظة، كما استخدمت مناطق خاضعة لسيطرتها بريف تعز لإطلاق دفعات أخرى من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

أضرار واسعة لحقت بمنشآت ميناء المخا اليمني جراء الاعتداءات الحوثية (أ.ف.ب)

وأفادت مصادر يمنية بأن الحوثيين استخدموا معسكرَي الأمن المركزي والحرس الجمهوري في مدينة إب لإطلاق عدد من الصواريخ، فيما أُطلقت صواريخ أخرى من منطقة الأقحوز بمديرية مقبنة غرب تعز، ومن منطقة الحوبان في ضواحي مدينة تعز.

كما استخدمت الجماعة، وفق المصادر نفسها، معسكراً تابعاً لها في منطقة البرح بمديرية مقبنة، القريبة من المخا، لإطلاق معظم الطائرات المسيّرة المشاركة في الهجوم.

وتشير هذه التحركات، وفق المصادر، إلى محاولة الحوثيين إعادة توزيع منظومة القيادة والسيطرة ومواقع إطلاق الأسلحة، بالتوازي مع إخفاء القيادات السياسية والأمنية والعسكرية داخل تجمعات سكانية وفنادق ومواقع محصنة؛ في مسعى لتقليل تكلفة الاستهداف خلال مرحلة التصعيد الحالية.


3 قتلى بهجوم حوثي على سفينة تجارية في باب المندب

أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)
أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى بهجوم حوثي على سفينة تجارية في باب المندب

أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)
أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)

وسّعت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران نطاق تصعيدها العسكري في اليمن، باستهداف سفينة تجارية في مضيق باب المندب، الثلاثاء، بالتزامن مع قصف صاروخي ومسيّر طال مدينة المخا الساحلية وميناءها وأحياء سكنية في مأرب ومناطق في تعز، بعد يومَين من هجمات متواصلة على مواقع عسكرية ومنشآت ومناطق مدنية.

وأفادت مصادر يمنية عسكرية، الثلاثاء، بأن هجوماً حوثياً استهدف سفينة تجارية في باب المندب، وأسفر، وفق معلومات أولية، عن مقتل ثلاثة من أفراد طاقمها، بينهم إندونيسي وباكستانيان.

صاروخ حوثي ضمن هجمات استهدفت ميناء المخا اليمني (رويترز)

ونقل الإعلام العسكري التابع لقوات المقاومة الوطنية الحكومية المرابطة في الساحل الغربي اليمني أن الجماعة الحوثية استهدفت السفينة في مضيق باب المندب، فيما لم يصدر حتى الآن تعليق من الحوثيين بشأن الهجوم أو ملابساته.

وبالتزامن، أعلنت المقاومة الوطنية أن الحوثيين استهدفوا مدينة المخا بخمسة صواريخ باليستية وعدد من الطائرات المسيّرة، في هجوم يأتي بعد سلسلة ضربات تعرضت لها المدينة وميناؤها خلال اليومين الماضيين.

هجمات مستمرة

أوضحت مصادر محلية أن الحوثيين استهدفوا، فجر الثلاثاء، مدينة المخا بثلاث ضربات صاروخية، طالت إحداها الميناء، فيما أفاد المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية بأن المدينة وميناءها تعرضا لقصف بالصواريخ الباليستية.

وجاء القصف بعد سماع انفجارات في مدينة إب، قالت مصادر محلية إنها ناجمة عن إطلاق صواريخ باليستية باتجاه المخا، وسط معلومات أولية عن إطلاقها من مناطق في شرق تعز، في حين لم تتوافر، وقت إعداد التقرير، معلومات نهائية عن حجم الأضرار أو الخسائر الناجمة عن الضربات الأخيرة.

مسيرة حوثية هاجمت بها الجماعة ميناء المخا (رويترز)

وفي مأرب، قال الجيش اليمني إن الحوثيين استهدفوا أحياء سكنية في المدينة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فيما تحدث سكان عن سماع دوي انفجارين يرجح أنهما نتجا عن تصدي الدفاعات الجوية لهجمات مسيّرة.

وتزامن التصعيد مع مواجهات على جبهة تعز، حيث أعلن الجيش اليمني إحباط محاولة تسلل حوثية في جبهة الكريفات شرق المدينة، وأفاد بأسر عدد من عناصر الجماعة، من دون تحديد عددهم أو تقديم تفاصيل إضافية عن العملية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended