الإعلام الكردي يلجأ إلى صفحات التواصل الاجتماعي لمخاطبة جمهوره

الحرب وغياب الدعم المالي زادا من التحديات

كادر وفريق إذاعة فون إف إم بمقر الراديو بمدينة القامشلي أقصى شمال سوريا
كادر وفريق إذاعة فون إف إم بمقر الراديو بمدينة القامشلي أقصى شمال سوريا
TT

الإعلام الكردي يلجأ إلى صفحات التواصل الاجتماعي لمخاطبة جمهوره

كادر وفريق إذاعة فون إف إم بمقر الراديو بمدينة القامشلي أقصى شمال سوريا
كادر وفريق إذاعة فون إف إم بمقر الراديو بمدينة القامشلي أقصى شمال سوريا

داخل استوديو إعلامي مجهّز بمعدات بسيطة وغرف ملونة بمدينة القامشلي الواقعة أقصى شمال سوريا، يحرص كادر إذاعة «فون إف إم» وتعني بالعربية صوت الناس، على الاجتماع مرة واحدة على الأقل يومياً لمناقشة المواد والتقارير التي ستنشر على منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالراديو. يختارون مقاطع الفيديو والصور، ثم يكتبون النص قبل إرسالها إلى مدير الصفحات لنشرها.
«إذاعة محلية مجتمعية تتناول الفئات المهمّشة ضمن المجتمعات المحليَّة التي امتحنت التطرف»، بهذه الكلمات عرف الإعلامي جوان تتر رئيس تحرير راديو فون لـ«الشرق الأوسط» محتوى الإذاعة، وأضاف بأنهم يركزون على قضايا الشباب والمرأة والأطفال، وقال: «كعناصر رئيسية عانت من آثار الحرب السورية المستعرة منذ ثمان سنوات، كما نعمل على باقة من البرامج المجتمعية والخدمية الهادفة».
وانطلقت «فون إف إم» من مدينة القامشلي بداية يونيو (حزيران) 2017، كأول تجربة إذاعة تبث برامجها وأثير موجاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات السوشيال ميديا، ومع انتشار الهواتف الذكية والحواسب اللوحية؛ يعمل كادر الإذاعة على تصميم برامج مرئية ومقاطع صوتية تتناسب مع خدماتها، ونقل تتر: «عندما ناقشنا الفكرة كّنا على يقين بأن خدمة الإنترنت سحبت البساط من الإعلام التقليدي، كبريات الإذاعات الدولية مثل راديو (مونتي كارلو) يبث معظم برامجه ونشراته الإخبارية عبر الإنترنت».
إلا أن التجربة واجهت الكثير من التحديات والعقبات، ويضيف جوان قائلاً: «قلة الكادر الإذاعي المتخصص بالعمل عبر صفحات التواصل الاجتماعي، تمكنا من التغلب على هذه العقبة عبر تدريب فريقنا بورشات متخصصة هنا وفي بيروت، يضاف أن انقطاع التيار الكهربائي وخدمة الإنترنت مرتبطة بها».
فيما تزيد صعوبة العمل واستمراريته غياب الدعم المالي لمثل هذه التجارب بحسب تتر، منوهاً: «بالمقاربة بين التكلفة الإنتاجية للإذاعات التقليدية وإذاعتنا، أكيد التكلفة أقل حيث لا نحتاج إلى أبراج للبث، وفنيين لتوصيل شبكاتها وصيانة هذه الأبراج، في الوقت نفسه نشكو أيضا من التكلفة الباهظة في شراء قوالب جاهزة (مالتي ميديا) لأن معظم برامجنا تحتاج إلى هذه الخدمات».
أما سوسن حسن، التي تعمل معدة ومقدمة برامج في راديو فون، نقلت إنها تجربتها الأولى بالظهور أمام عدسة الكاميرا، لكن هذه المرة أطلت عبر إذاعة محلية تبث برامجها على صفحات التواصل الاجتماعي. وفي الحلقة الثالثة من برنامج (كيف) الأسبوعي والذي يبث ظهيرة كل يوم اثنين في الإذاعة، طرحت قضية بيع مياه الشرب عبر الصهاريج، على مسؤولة في دائرة مياه مدينة القامشلي وأثارت الموضوع معها.
وفي حديثها إلى «الشرق الأوسط» قالت: «على الرغم من أنّ الإذاعة تبث برامجها على شبكة الإنترنت، لكن هناك رهبة بالوقوف أمام الكاميرا، حقيقةً أعاني من هذه الحالة قبل تقديم كل حلقة».
وتبث الإذاعة الكثير من البرامج باللغتين الكردية والعربية.
وفي 22 من شهر أبريل (نيسان) الماضي، أضاءت الصحافة الكردية الشمعة العشرين بعد المائة لميلاد أول جريدة كردية، إذ استطاع الأمير مقداد مدحت بدرخان إصدار جريدة «كردستان» من العاصمة المصرية القاهرة في 22 أبريل عام 1898، وتم طباعة أعدادها الخمسة الأولى في القاهرة، وبعد ذلك أصبحت الجريدة تصدر من جنيف بسويسرا ثم عادت طباعتها مرة أخرى من القاهرة، وصدر منها (31) عدداً لتتوقف بعد هذا العدد نهائياً في عام 1902.
أما اليوم؛ ظهرت العشرات من الإذاعات الكردية، والصحف والمجلات المطبوعة والدوريات الخاصة في سوريا، لتؤسس إعلاماً محلياً موجهاً للجمهور باللغتين الكردية والعربية، إحداها صحيفة بوير بريس وتعني بالعربية «الخبر» حيث انطلقت بداية عام 2014، فيما صدر العدد الأول من مجلة «سورمَي» بالعربية نهاية 2015، وهي دورية مطبوعة تصدر كل شهرين مرة في مدينة القامشلي، تنشر أعدادها باللغتين العربية والكردية في شمال وشمال شرقي سوريا، في حين صدر العدد الأول من مجلة (RÊ) في القامشلي أواخر 2016، وتعني بالعربية (الطريق)، وهي مجلة أدبية ثقافية تنشر بالعربية والكردية، تنفرد بموضوعات المسرح والشعر والقصة والرواية والنقد والترجمة.
«ننظم الصورة ليكتمل الواقع»، تحت هذا الشعار انطلقت شبكة «آسو الإخبارية» وتعني بالعربية «الأفق»، عملها نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2016، كأول تجربة لشبكة إخبارية تغطي الأحداث وتنقل مجريات الوقائع على الأرض، من خلال مجموعة من المراسلين يغطون مدن وبلدات الشمال السوري.
واختار كادرها العمل في مجال الصحافة الرقمية والاعتماد على منصات السوشيال ميديا للإطلالة على الجمهور ومتابعي صفحاتها. بدأت الشبكة عملها بكادر محترف وهاو، وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط» يقول الصحافي سردار ملا درويش المدير العام لشبكة آسو: «اخترنا فريقا من المراسلين من ذوي الخبرة ومن المواطنين الصحافيين والهاوين، لأن المشروع يهدف لترسيخ مفهوم وقيمة الإعلام المحلي»، لافتاً أنّ الشبكة وبشكل مستمر تسعى إلى تطوير عمل الهواة والمواطنين الصحافيين نحو الاحترافية.
وتختلف وسائل وأدوات العمل الصحافي لدى الوسائل الإعلامية التي تنشر موادها عبر صفحات التواصل الاجتماعي، عن مثيلاتها في الإعلام المطبوع والمرئي والمسموع، ويشرح ملا درويش هذه الفروق ويقول: «بالنسبة للقوالب الصحافية فالأساسيات في أي نوع صحافي واحدة، لكن الأسلوب يختلف، فالصحافة الرقمية اليوم تعتمد على الرؤية البصرية وترجمة المكتوب إلى صور وفيديوغراف وإنفوغراف، ومعروف أن الجمهور الحالي الذي يستخدم صفحات السوشيال ميديا التواصل الاجتماعي يتأثر بالصورة أكتر من الكتابة».
وانتشرت المئات من الصفحات الإخبارية والاجتماعية على مواقع التواصل الاجتماعي تغطي الأخبار المحلية، وقبل عام ونصف أسس نشطاء من مدينة عامودا أقصى شمال سوريا، صفحة «بوابة الحسكة» المتخصصة بنشر القصص الإنسانية، وتستهدف الشخصيات المهمشة في المجتمع، لكن في قالب كتابي مبسط يندرج تحت تسمية قصة صورة، كما يتناولون ضمن القوالب المرئية قصص نجاح أو شخصية تراثية أو فنية.
وعن تجربة بوابة الحسكة، يقول جيان حج يوسف مدير الصفحة في لقائه مع «الشرق الأوسط»: «نتناول شخصيات ما بعد خطوط النار، غايتنا تسليط الضوء عليها وعلى تفاصيل الحياة اليومية التي تعيشها، نحن نرصد المعاناة ليس بالصورة المباشرة التقليدية في عرض هكذا أنماط من الشخصيات، نحن نظهر معاناتها دون أن نُظهرها كشخصيات ضعيفة، على العكس، هم أبطال في الفيديو الذي نعمل عليه، إنهم يملكون حياةً لا تخلو من تفاصيل جميلة».
وتنشر الصفحة بشكل يومي تفاصيل أشخاص بسيطين، باعة جوالين يشترون أدوات مستعملة ومعادن رخيصة، كما ترصد واقع عمال النظافة، وأصحاب البسطات الصغيرة في السوق، إلى جانب تسليط الضوء على النازحين والعاملين في الحقول الزراعية، ويضيف الحاج يوسف: «في أثناء إجراء المقابلات معهم هؤلاء الأبطال يجذبوننا عندما يسردون تفاصيل حياتهم، نحن نعمل على إضفاء لمسة جمالية وحميمية على المواد المكتوبة والمرئية، ونبتعد قدر الإمكان عن الأساليب والقوالب التقليدية المستهلكة والشعاراتية».
يذكر أنّ أكراد سوريا يشكلون نحّو 12 في المائة من التعداد السكاني العام (23 مليون نسمة)، عانوا على مدى عقود طويلة، تهميشاً وحرماناً من القراءة والكتابة بلغتهم الأم.



عمرو الليثي: عصر التلفزيون التقليدي انتهى

د عمرو الليثي، رئيس "اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي" (اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي)
د عمرو الليثي، رئيس "اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي" (اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي)
TT

عمرو الليثي: عصر التلفزيون التقليدي انتهى

د عمرو الليثي، رئيس "اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي" (اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي)
د عمرو الليثي، رئيس "اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي" (اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي)

بعد نصف قرن من تأسيس «اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي»، يرى رئيسه الدكتور عمرو الليثي أن التحدّي لم يعد في استمرار مؤسسة إعلامية تجمع هيئات البث في 57 دولة، إنما في إعادة صياغة دورها بما يتناسب مع التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام. بالنسبة للّيثي، الذي ينتمي في الأساس إلى الإعلام المؤسسي والتلفزيون التقليدي، فإن التحوّل الرقمي لم يعد خياراً؛ بل بات ضرورة للبقاء. وهو يقول في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «عصر التلفزيون التقليدي الذي يفرض محتواه على الجمهور انتهى»، معتبراً أن «مستقبل الصناعة سيكون للمحتوى القادر على الوصول إلى الجمهور أينما كان، وعلى المنصة التي يفضلها».

ملفات عمل عليها «الاتحاد»

يضع الليثي في كلامه عن حصيلة فترة رئاسته لـ«الاتحاد» الاستقرار المالي، والتحوّل الرقمي، والتدريب، وبناء القدرات، وتطوير التبادل الإخباري، في مقدمة الملفات التي عمل عليها «الاتحاد». ويشير إلى نجاحه في استعادة نحو1.77 مليون دولار من مُستحقّات قديمة كان بعضها يُعد «شبه معدوم»، إلى جانب إدارة فوائض مالية تصل إلى 5 ملايين دولار. واليوم يطمح الليثي إلى أن يقود مشروع «الكلاود الإخباري»، المنتظر التوسّع في تشغيله إبّان عام 2027، إلى إنشاء «شبكة إعلامية متكاملة» تستفيد من الانتشار الجغرافي لمؤسسات «الاتحاد»، بحيث تصبح قادرة على تقديم روايتها ومحتواها، بدلاً من الاعتماد الدائم على ما تنتجه الشبكات الدولية عن المنطقة.

عمرو الليثي يشارك في إحدى الفعاليات (اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي)

الاستقرار مالي

عمرو الليثي يؤمن بأن «التحول الأهم هو انتقال الاتحاد من مؤسسة تقليدية إلى منظومة إعلامية أكثر فاعلية وحداثة واستدامة، لها حضور فاعل بين مؤسسات الإعلام في دول منظمة التعاون الإسلامي». ويذكر أن هدفه الأول كان «التطوير المؤسّسي والحوكمة، والاستقرار المالي، والتحول الرقمي، وتطوير التبادل الإخباري، إضافة إلى التدريب وبناء القدرات»، لافتاً في هذا الصدد إلى تأسيسه «أكاديمية الاتحاد».

الواقع أن الطريق لم يكن سهلاً، وكان الوضع المالي لـ«الاتحاد» من أهم التحديات التي واجهت رئيسه، الذي يفصح أن «تحقيق الاستدامة المالية كان رهناً بقدرة الاتحاد على الاستمرار والتطوير»، قبل التطرق إلى «تعامله مع الملف المالي بمنهجية مؤسسية تقوم على ترشيد الإنفاق، وتعظيم الموارد، وتحصيل المستحقات المتأخرة بهدف استحداث قاعدة مالية صلبة تسمح للاتحاد بتنفيذ مشاريعه وتقديم خدماته لمنسوبيه».

بحسب الليثي، مكّنت هذه المنهجية «الاتحاد» من تحصيل نحو 1.77 مليون دولار من ديون وُصفت بأنها «شبه معدومة»، ويضيف رئيس «الاتحاد» موضحاً أنه عندما تولى رئاسة «الاتحاد» كانت هناك مستحقات متراكمة لدى عدد من الأعضاء، وبعضها يعود إلى سنوات طويلة. ويتابع: «لقد ساهم التواصل المباشر المستمر مع المؤسسات الأعضاء، إلى جانب تطوير وتوسيع نطاق الخدمات التي يقدمها الاتحاد، في تحصيل هذه المستحقات... هذا ليس نجاحاً مالياً فقط، بل هو مؤشِّر مرجعي مُهم على استعادة الثقة في اتحاد إعلامي يُعد من الأكبر مهنياً في العالم».

من ثم، ومع تفعيل الإدارة والرقابة والحوكمة لكل أنظمة «الاتحاد» في إطار مؤسسي، تمكّن «الاتحاد»، وفق الليثي، من إدارة فائض مالي يقدر بنحو5 ملايين دولار، وفق أطر مالية واضحة، ما حافظ أولاً على رأس المال، مع تحقيق عائد مناسب يتراوح في المتوسط بين 3.8 و4.2 في المائة.

لن نحارب المنصات

من جهة أخرى، منذ تولّي عمرو الليثي مسؤولياته، شرع في التبادل البرامجي والإخباري وفق «خطة زمنية محكمة»، ما حقّق تدفّقاً مضطرداً للمواد المتبادلة. بيد أنه يؤكد: «لم نصل بعد إلى نهاية الطريق، فطموحنا أكبر من مجرد منصة للتبادل. إننا نطمح إلى بناء شبكة إعلامية متكاملة تستفيد من وجود مؤسسات الاتحاد في 57 دولة بحيث تصبح سرعة تبادل المحتوى وجودته وتنوعه منافساً حقيقياً مع الشبكات العالمية».

في سياق ثانٍ ومهم، يرى الليثي، الذي عمل لسنوات في التلفزيون، إن «عصر التلفزيون التقليدي الذي يفرض محتواه على جمهور يأتي إليه انتهى. فالمحتوى يجب أن يذهب الآن إلى الجمهور أينما كان، وعلى المنصّة التي يفضلها، وبالشكل الذي يوافق عاداته في المشاهدة».

ثم يوضح أن «التحدّي ليس تلفزيوناً في مواجهة وسائل التواصل الاجتماعي؛ إنما محتوى جيد متنوع في مواجهة محتوى تقليدي، وإذا استطاع التلفزيون أن يواكب هذا التحوّل فسيبقى». ويستدرك من ثم، فيقول إن «التلفزيون لا يموت، لكن طريقة مشاهدته هي التي تتغير، والخطأ أن نحاول إجبار الجيل الجديد على استهلاك الإعلام بالطريقة التي استهلكناه بها نحن... الشباب يريد السرعة والتفاعل والمحتوى المختصر والوصول إليه في أي وقت ومن أي مكان، لذلك يجب أن يتحول التلفزيون من مجرد شاشة إلى منتج محتوى متعدد المنصات». وهنا يشدد على أنه «لا ينبغي أن نحارب المنصات، مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(يوتيوب)، بل علينا أن نكون موجودين عليها بمحتوى مهني وجذّاب وموثوق».

الذكاء الاصطناعي فرصة ذهبية

بالتوازي، يرى عمرو الليثي في الذكاء الاصطناعي «فرصة ذهبية للإعلام والصحافة» لو أحسن استخدامه، ولا سيما أنه «يوفّر للصحافي أدوات متطوّرة في البحث والتحليل والترجمة وإدارة البيانات الضخمة وإنتاج المحتوى».

لكن يظل هناك «خط أحمر»، يتمثل بحسب الليثي في «ألا يحل الذكاء الاصطناعي محل المسؤولية المهنية والإنسانية للصحافي»، منوّهاً بـ«اهتمام الاتحاد بأخلاقيات العمل الإعلامي، وإصداره ميثاق الشرف الإعلامي كإطار مهني وأخلاقي يسترشد به الإعلاميون في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وما تفرضه تقنيات الذكاء الاصطناعي من تحديات».

وضمن هذا الإطار، يشدد على أن «الصحافي يحتاج إلى التكنولوجيا واستعادة الثقة والمصداقية معاً، لكن تبقى المصداقية أولاً... إذ ما قيمة أن يمتلك الصحافي أحدث الأدوات إذا فقد الجمهور ثقته فيه؟».

ولأن فلسطين قضية العرب الرئيسة لم يغفلها «الاتحاد»، إذ يقول رئيس «اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي» إن «فلسطين لبّ قضيتنا، وهي رسالة حاضرة بصورة مستمرة في عملنا الإعلامي». ثم يؤكد أن دور «الاتحاد» لا يقتصر على «بيانات التضامن، بل يشمل دعم وصول الرواية الفلسطينية الأصلية إلى المؤسسات الإعلامية في الدول الأعضاء، وتبادل الأخبار والمواد التي توثق ما يجري، وإبراز الانتهاكات التي يتعرّض لها الصحافيون، والدعم من خلال شبكة الاتحاد الواسعة في إيصال صوتهم إلى العالم بأسره».

في الذكاء الاصطناعي فرصة ذهبية للإعلام والصحافة لو أحسن استخدامه

الليثي

فضاء إعلامي مشترك

الليثي، حقاً، يعتز بأنه تمكّن إبان فترة رئاسته لـ«الاتحاد» من «تغيير شكل ومفهوم الاتحاد ليصبح أكثر قوة وتأثيراً وإنسانية، وأكثر قرباً وتلامساً من مؤسساته الأعضاء واحتياجاتها... مرسخاً بذلك ثقافة الإدارة المستدامة المؤسسية وروح الفريق، ليصبح النجاح مسؤولية جماعية، وليس مرتبطاً بشخص». غير أنه بالرغم من هذه النجاحات لا يزال يطمح إلى المزيد، آملاً أن ترتبط فترة ولايته للاتحاد بجعله أكثر قوة وإنسانية وتأثيراً ووجوداً على الخريطة العالمية.

وهنا يشدد الليثي على أن «ما تحقق من إنجاز هو نتاج عمل جماعي ومنظومة متكاملة، وأنا لا أريد أن يُقال إن عمرو الليثي تولى رئاسة الاتحاد لعدة سنوات؛ بل أريد أن يُقال إنه عندما تولّت مصر رئاسة الاتحاد تركت الاتحاد أقوى مما تسلمه».

ويردف الليثي أنه «يقبل أن يُحاسَب بالأرقام، بما تم استرداده من مستحقّات، وبما تحقّق من وفر وفائض مالي، وبعدد الصحافيين الذين أمكن تدريبهم، وبعدد المشاريع التي أطلقت، وبمدى التحول الرقمي الذي تحقق، وبحجم التعاون الحقيقي بين الدول الأعضاء». وهذا، قبل أن يقول: «الإنجاز الأكبر هو أن يتحول الاتحاد بعد 50 سنة من تأسيسه إلى مؤسسة إعلامية حديثة ومؤثّرة، يشعر كل عضو فيها أن الاتحاد يقدم له قيمة حقيقية. مؤسسة مستقرة مالياً، متطورة تكنولوجياً، قوية مهنياً، ولديها جيل جديد قادر على استكمال الطريق».

ختاماً، يتهيأ رئيس «اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول التعاون الإسلامي» لدخول عام 2027 «بخطة مليئة بالمشاريع الكبرى، مثل تشغيل وحدة الكلاود الإخباري، والتوسّع في نشاط الأكاديمية، وتدعيم مزيد من المكاتب الخارجية». ويوضح: «قطعنا شوطاً مهماً، لكن لم نصل لنهاية الطريق. هدفنا أكبر من مجرد منصة تقنية، نريد فضاءً إعلامياً مشتركاً يسمح للدول الأعضاء بتبادل الأخبار والصور والتقارير والمحتوى بسرعة وكفاءة».


تعديل قواعد قياس المشاهدات بـ«يوتيوب» يُربك معلنين ومؤثرين

شعار "يوتيوب" (د ب أ)
شعار "يوتيوب" (د ب أ)
TT

تعديل قواعد قياس المشاهدات بـ«يوتيوب» يُربك معلنين ومؤثرين

شعار "يوتيوب" (د ب أ)
شعار "يوتيوب" (د ب أ)

أعلنت «يوتيوب» عن تعديل في طريقة احتساب مشاهدات الفيديوهات، من شأنه التأثير على أساليب القياس المعتمدة حالياً، ما أحدث «ارتباكاً» للمعلنين والمؤثرين.

وبحسب بيان رسمي للمنصة أخيراً، فإنه اعتباراً من 24 أغسطس (آب) الحالي سيصار إلى توحيد جميع أنظمة احتساب المشاهدات على «يوتيوب» لتتماشى مع المنهجية المعتمدة في مقاطع «شورتس»، بحيث تُحتسب المشاهدة الواحدة بمجرد بدء تشغيل الفيديو أياً كان قالبه، أكان فيديو طويلاً، أم بثاً مباشراً، أم فيديو قصيراً.

وأوضحت المنصة أنها «اعتمدت تاريخياً على أنظمة متعددة لاحتساب المشاهدات بحسب نوع المحتوى... وأن صُناع المحتوى أعربوا عن رغبتهم في التخلص من هذا الالتباس بشأن قياس المشاهدات، والحصول على فهم أدق لحجم انتشار أعمالهم الفعلي، وهو ما دفع المنصة لإجراء هذا التعديل».

وفق الطريقة المتّبعة حالياً، تُحتسب مشاهدة فيديو «يوتيوب» العادي حين يضغط المشاهد على زر التشغيل ويستمر في المشاهدة 30 ثانية على الأقل، وينطبق الأمر ذاته على البث المباشر، بينما تُحتسب مشاهدة مقاطع «شورتس» بمجرّد ظهورها على الشاشة وبدء تشغيلها تلقائياً.

ومن المتوقع أن يؤدي هذا التغيير إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد المشاهدات المعلنة مع بقاء مقياس «المشاهدات الفعلية» أساساً معتمداً لعمليات تحقيق الدخل. لكن «يوتيوب» أشارت إلى أن التعديل «لن يؤثر على أرباح صُناع المحتوى، ولا على شروط مدى مطابقتهم لبرنامج الشركاء».

محمد مالك، رئيس قسم الاتصال في جامعة خورفكان بدولة الإمارات، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً، إنه يجب أولاً التفريق بين زيادة رقم المشاهدات الظاهر للجمهور وتحسن أداء المحتوى فعلياً داخل خوارزمية «يوتيوب».

وأردف أن «احتساب المشاهدة بمجرد بدء تشغيل الفيديو سيؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع الأرقام المعلنة؛ لكنه لا يعني بالضرورة أن الجمهور شاهد المحتوى أو تفاعل معه أو قضى وقتاً أطول في متابعته». وتابع أن «التغيير لا يمنح صانع المحتوى تلقائياً أفضلية خوارزمية؛ إذ تظل القيمة الحقيقية مرتبطة بمؤشرات أعمق كمدة المشاهدة والاحتفاظ بالجمهور». ويرى أن «يوتيوب» تنتقل هنا من مفهوم المشاهدة إلى مفهوم الوصول أو بدء التشغيل في الرقم الظاهر للعامة.

ووفق مالك، فإن «الخطر لا يكمن في فقدان الثقة بـ(يوتيوب)، بل في تراجع القيمة التفسيرية لرقم المشاهدات منفرداً؛ لأن القول إن فيديو حقق مليون مشاهدة لن يكون كافياً للحكم على نجاحه ما لم نعرف أيضاً كم استمر الجمهور في المشاهدة، وما نسبة الاحتفاظ، وما حجم التفاعل».

وبشأن تأثير القرار على تسعير صفقات الرعاية، يرى مالك أن «التأثير الأكبر سيكون في اقتصاد المؤثرين أكثر من إعلانات (يوتيوب) التقليدية، فالعلامة التجارية التي تدفع لمؤثر استناداً إلى عدد المشاهدات فقط قد تجد نفسها أمام أرقام أعلى، لا تعكس بالضرورة زيادة حقيقية في حجم الانتباه».

من ناحية ثانية، توقع مالك أن تتجه العلامات التجارية نحو حزمة أوسع من المؤشرات تشمل «المشاهدات المتفاعلة، ومتوسط مدة المشاهدة، ونسبة الاحتفاظ بالجمهور، ومعدل التفاعل، والنقرات، والتحويلات»، وأضاف أن العقود المرتبطة بعدد محدد من المشاهدات ستحتاج إلى إعادة تعريف المقصود بالمشاهدة تعاقدياً، وأن «سوق الإعلان عبر المؤثرين ستتجه نحو قدر أكبر من النضج؛ إذ ستنتقل القيمة تدريجياً من سؤال: كم شخصاً شغّل الفيديو؟ إلى: كم شخصاً انتبه للمحتوى وتأثر به؟».

من جهته، لا يرى الباحث المصري محمد عاطف، المتخصص في الإعلام الرقمي، أن قرار «يوتيوب» يحمل «شبهة تضليل متعمد»؛ لأن المنصة أعلنت بوضوح أنها غيَّرت تعريف المشاهدة، وستظل توفر مقاييس أخرى مثل قياس المشاهدة الأكثر جدية.

إلا أن الباحث المصري تطرّق في لقاء مع «الشرق الأوسط» إلى مشكلة حقيقية في دلالة الرقم، وهي أن كلمة «مشاهدة» لم تعد بالضرورة تعبر عن اهتمام فعلي بالمحتوى، بل أصبحت أقرب إلى قياس التعرّض للمحتوى أو بدء تشغيله. ولذا يحذر من مقارنة أرقام تحققت بعد التعديل بأخرى سابقة.

أما حول استفادة المؤسسات وصُناع المحتوى فيوضح عاطف أن «هناك استفادة حقيقية من القرار؛ لأن الرقم الجديد يعطي صورة أوضح عن حجم توزيع المحتوى ووصوله الأولي»، ويشير إلى إمكانية الفصل بين مرحلتي وصول المحتوى للجمهور ونجاحه في الاحتفاظ به.

ثم يلفت إلى أن «يوتيوب» طبقت هذه المنهجية على «شورتس» منذ مارس (آذار) 2025، والمؤسسات وصُناع المحتوى سيحصلون غالباً على أرقام أعلى يمكن تقديمها للرعاة، لكنه يستدرك فيحذّر من «خطر وقوع صانع المحتوى في فخ هذه الأرقام، وذلك لأن زيادة المشاهدات لا تعني تلقائياً أن المحتوى أصبح أفضل أو أن الإيرادات ارتفعت».

ووفق عاطف، «فالمستفيد الأكبر استراتيجياً من التعديل هو (يوتيوب)؛ لأن المنصة تعيد تعريف العملة الأكثر شهرة في اقتصاد الفيديو بطريقة تظهر حجم استهلاك الفيديو بصورة أكبر وأكثر قابلية للمقارنة مع المنافسين». وينهي شارحاً أن «صُناع المحتوى يأتون بعد المنصة في الاستفادة؛ لأنهم سيحصلون على ميزة إضافية، أما المعلن فهو مستفيد فقط إذا كان واعياً بالتغيير».


الإعلام المتخصِّص في لبنان... السياسة تتصدّر والبقية تأتي

حسن شرارة (الشرق الأوسط)
حسن شرارة (الشرق الأوسط)
TT

الإعلام المتخصِّص في لبنان... السياسة تتصدّر والبقية تأتي

حسن شرارة (الشرق الأوسط)
حسن شرارة (الشرق الأوسط)

بين قطاعات الرياضة والفن والاقتصاد، برزت منصّات ومواقع إخبارية اختارت أن تضع التخصّص في صلب عملها في الماضي القريب، كان للإعلام المتخصّص مساحته الخاصة في الصحف والمجلّات، ثم تطوّر لينتقل إلى الشاشة الصغيرة، ومنها إلى المواقع الإلكترونية والمنصّات الرقمية. وكانت مجموعة من المجلات الفنية تحظى بشعبية واسعة، وينتظر اللبناني صدورها من أسبوع إلى آخر للاطّلاع على أحدث أخبار الفنانين ونجوم الشاشة. في المقابل، تمتّعت مجلَّات أخرى متخصّصة في الاقتصاد أو الرياضة بشعبية لا يستهان بها، ولاحقت تطوّرات هذين القطاعين وأخبارهما.

وحقاً، في جميع الحالات، بقي الإعلام السياسي هو السائد. بل كلما اشتدّت العواصف الأمنية وتوالت الحروب، سجّل الإعلام السياسي حضوراً أوسع، وفرض نفسه على أجندة المتابعين. أما في فترات الأمن والاستقرار، فيعود اللبناني إلى متابعة أخبار متنوعة تُبعده نسبياً عن السياسة.

وهذا ما لوحظ، مثلاً، إبّان نهائيات كأس العالم لكرة القدم، حين انصبّت معظم المواضيع والأحاديث على متابعة المنافسات ونتائجها. مع أن قضية حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة ظلّت بين الأخبار الأبرز في الصفحات السياسية والاقتصادية، نظراً إلى تشابك ملفه مع أزمة المصارف والمودعين والتحوّلات الاقتصادية التي شهدها لبنان. أما عن الأخبار الفنية، فإنها تبقى محط متابعة دائمة لدى جمهور كل فنان، يرى في تتبع أخبار فنانِه المفضّل هواية تحلو متابعتها باستمرار.

وسائل التواصل الاجتماعيمن جهة ثانية، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن القول إن الإعلام اللبناني ما عاد رهينة لمواكبة الأخبار السياسية والمحلية، بل شهد توسعاً لافتاً في الإعلام المتخصّص الذي يتوجه إلى جمهور يبحث عن معلومة أكثر دقة وعمقاً في مجالات محددة.

مثلاً، بين قطاعات الرياضة والفن والاقتصاد، برزت منصّات ومواقع إخبارية اختارت أن تضع التخصّص في صلب عملها، مواكبةً تطوّرات كل قطاع، ومُقدِّمة تقارير وتحليلات ومتابعات تتجاوز الخبر العاجل.

وإذا كانت الصحافة الرياضية تسعى إلى مواكبة المنافسات والنتائج وقراءة المشهد الرياضي بأبعاده المختلفة، فإن الإعلام الفني أصبح يلعب دوراً أساسياً في رصد الحركة الفنية والثقافية، في حين ما زال الإعلام الاقتصادي بحاجة إلى مقاربة أكثر تخصصاً لفهم تحوّلات الأسواق والمصارف والاستثمار وأحوال الاقتصاد اللبناني. ومع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، فرض هذا النمط من الإعلام نفسه تدريجياً في المشهد الصحافي اللبناني.

بين الأمس واليوموبين الأمس واليوم، تبدلت أوجه الإعلام بشكل عام، وتغيرت أيضاً أسماء ووجوه الإعلام المتخصص. فالمنافسة التي كانت تدور بين كبار نقّاد الفن والمحللين الاقتصاديين والمعلقين الرياضيين أصبحت من «ذكريات» المشهد الإعلامي السابق؛ إذ يغزو اليوم المواقعَ الإلكترونية المتخصِّصة جيلٌ جديد من الصحافيين وصنّاع المحتوى.

ومَن كان يتابع المواضيع الفنية الموقّعة بقلم الراحل جورج إبراهيم الخوري، أصبحت ذكرياته تنتمي إلى زمن إعلامي آخر. ومَن يتذكر المعلّقَين الرياضيين لبيب بطرس وعلي حميدي صقر وحماستهما لدعم النشاطات الرياضية لا يجد اليوم سوى قلة تحفظ هذه التجربة. ومن كان ينتظر تحليلات أو آراء وزراء ومصرفيين وخبراء ماليين حول الاقتصاد اللبناني، يجد نفسه اليوم متابعاً للفقرة الاقتصادية التي يقدمها موريس متَّى ضمن نشرة أخبار قناة «إم تي في»، أو خالد أبو شقرا على قناة «الجديد».

الدخلاء على المهنة غيَّروا ملامحهاتعدّ الإعلامية هلا المرّ، رئيسة تحرير موقع «الفن» الإلكتروني، من جيل الإعلام الذي عاصر المرحلتين الذهبية والحالية في مجالها. وبفضل مشوارها الطويل في الصحافة الفنية، صار لديها رؤية واضحة لملامح تطوّرها. وهنا تقول: «جيلنا كان يتألف من الصحافيين الحقيقيين الذين درسوا الإعلام وعملوا بالمهنة على أصولها. أما اليوم، فغالبية العاملين في هذا القطاع دخلاء. كانوا إما من (فانزات) (جمع «فان») هذا الفنان، وإما من مرافقي تلك الفنانة».

هالة المرّ (الشرق الأوسط)

وبالنسبة إلى النقد الفني، الذي كان الفنان يخشى أن يطاله، لم يعد، في رأي المرّ، يتمتع بالموضوعية والدراية... و«من يعتب على فنان معيّن يكتب عنه بشكل سلبي، ومَن ينتفع من الفنان الفلاني يمدحه باستمرار». ثم تذكر أن كل شيء تغيّر في الصحافة الفنية المتخصّصة، موضحة أن «التعاطي مع الصحافة الفنية اليوم يرتكز على تبييض الوجه. والسوشيال ميديا زادت الأمر سوءاً؛ لأن توليد الإشاعات أصبح سريعاً جداً. ويُمكن بين ليلة وضحاها أن تسري مفاعيل إشاعة تقف وراءها جهة معينة تنتسب إلى حزب الفنان المستفيد منها. فيصبح الفنان المستهدف بحاجة إلى من يدافع عنه. وهنا تقع الكارثة؛ لأن الإعلامي الصادق والمحايد بات نادراً».

الشاشة الصغيرة على خط الإعلام المتخصصبالتوازي، بعدما كانت الصحف تجذب قراءها بـ«مانشيت» سياسي أو فني أو اقتصادي، استحوَذت المواقع الإخبارية والشاشة الصغيرة على مكانتها تدريجياً. وأضحت المطبوعات خارج المنافسة، فمَن بقي منها على قيد الحياة لجأ إلى نشر محتواه إلكترونياً.

وفي عصر تغزوه المنصّات الرقمية، تحاول القنوات التلفزيونية حجز مكانٍ لها على ساحة الإعلام المتخصّص. ولذا، لجأت معظم القنوات المحلّية إلى تلوين نشرات الأخبار بفقرات رياضية وفنية واقتصادية. وصارت هذه الفقرات منتظرة في ختام النشرات من شريحة لا يستهان بها من المشاهدين. وضخّ هذا النوع من الأخبار نبضاً إعلامياً مختلفاً، انعكس متابعة يومية من قبل المشاهد.

أما الفقرات الرياضية، فكان من أبرز روادها على شاشات التلفزيون الرائدان الراحلان ناصيف مجدلاني - مؤسس «الحياة الرياضية» - وخليل نحاس. ثم لمع خلال الثمانينات الراحل لبيب بطرس. وفي الألفية الثانية، شكّلت مادة إخبارية في قناتي «إل بي سي آي» و«المستقبل». وكانت تواكب يومياً الأحداث والنشاطات الرياضية المحلية والعالمية. غير أن انطلاق قنوات فضائية عربية متخصّصة في الرياضة أسهم لاحقاً في تراجع أهميتها؛ إذ أصبحت تلك المحطات تستحوذ على جزء كبير من متابعة الخبر الرياضي وتغطيته حول العالم.

القنوات الرياضية تقيّد الصحافةالإعلامي المتخصص في الأخبار الرياضية على شاشة «الجديد» حسن شرارة، يقول إن ثمة تراجعاً ملحوظاً في حضور الأخبار الرياضية على الإعلام المرئي. ويعطي مثالاً على ذلك خلال مباريات كأس العالم الأخيرة، فيشرح: «القنوات الرياضية المتخصّصة قيّدت مادتنا الرياضية العالمية في نشرات الأخبار. وكنا في (المونديال) نلجأ إلى صورة أو لقطة غير متحرّكة للإشارة إلى هدف تم تسجيله أو حادث وقع على أرض الملعب».

ثم يضيف: «هذه القنوات تملك الحقوق الكاملة لبث مباريات المونديال، وكذلك بطولات الدوري في إسبانيا وإنجلترا وإيطاليا وغيرها. وبناءً عليه، اضطررنا في أحيان كثيرة إلى وضع صورة وإرفاقها بتعليق مسجّل للتكلم عن نشاط رياضي عالمي. وهو ما جعلنا نكتفي بإذاعة الأخبار الرياضية المحلية. لقد أصبحت الأمور أكثر صعوبة، والبرامج الرياضية التي نستضيف فيها أبطال لعبة معينة هي البديل». وبالتالي، يرى شرارة أن وسائل التواصل «عزّزت نشر المعلومة السريعة الخاصة بالرياضة، وهو ما دفع الإعلاميين الرياضيين إلى البحث عن مادة مغايرة، وإلا وقعوا في فخ التكرار ونسخ الأخبار».

رؤوف أبو زكي (الشرق الأوسط)

ثم إن الإعلام المتخصص قد يواجه عقبات وحواجز في خضم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فالمشهد الإعلامي برمّته تبدّل، حتى السياسي منه، بعدما أصبح في إمكان أي شخص تحقيق «سكوب» (سبق) عبر هاتفه الجوّال ومن خلال لقطة مصوّرة صادفها في الشارع.

ومع ذلك، يحتفظ الإعلام الاقتصادي اليوم بقيمة خاصة لدى اللبنانيين، في ظل توالي الأزمات الاقتصادية والمالية في لبنان. فأزمة الدولار، وتراجع قيمة الليرة، وأزمة أموال المُودِعين في المصارف، إضافة إلى الحروب التي أوقفت استثمارات عدة، جعلت من الفقرة الاقتصادية في نشرات الأخبار أو على المواقع الإلكترونية مادة متابعة من نسبة كبيرة من اللبنانيين.

نقص في الصحافة المتخصصة بالاقتصاد

الإعلامي الاقتصادي المخضرم رؤوف أبو زكي عاصر حقباتٍ زمنيةً طويلةً شهد فيها لبنان متغيراتٍ كثيرةً على المستوى الاقتصادي. وكان أبو زكي أول من أطلق وكالة أنباء اقتصادية في سبعينات القرن الماضي هي «أورينت برس». ثم عمل في صحيفة «النهار»، وكذلك في العاصمة الفرنسية باريس مراسلاً صحافياً اقتصادياً لقنوات تلفزيونية لبنانية. واليوم يكمل أبو زكي مسيرة مجلة أسّسها عام 1977، هي «الاقتصاد والأعمال»، التي تُعدّ من أقدم المؤسسات الإعلامية المتخصّصة في الشؤون الاقتصادية والأعمال على مستوى المنطقة العربية.

أبو زكي يخبر «الشرق الأوسط» عن أوضاع الإعلام الاقتصادي اليوم، فيقول: «لا يوجد عندنا صحافيون متخصصون بالشؤون الاقتصادية والعملية. قد نصادف مراسلين وصحافيين يقارِبون الساحة الميدانية، أما فيما يخصّ التحليل الاقتصادي، فإننا نعاني من قلة المتخصصين الذين يجيدونه».

ويشير أبو زكي إلى أن «الإعلام الاقتصادي عاش في الماضي عصره الذهبي»، حتى إن المصرف المركزي كان يوليه اهتماماً كبيراً، موضحاً أنه كان يهتم شخصياً بإجراء تحقيقات عن الاحتكارات في لبنان. ويضيف: «كنت أسمّي الأشياء كما هي، وكان الراحل غسان تويني (عميد «دار النهار») يضع هذه الأخبار في الصفحة الأولى من جريدة (النهار)». ثم يلفت إلى أن الإعلام الاقتصادي مهم من جوانب أخرى؛ «فهو يتداخل مع القطاع الفني من باب أجور الفنانين والحفلات التي يحيونها، وكذلك مع الرياضة؛ لأن الاقتصاد يلعب دوراً أساسياً في ميزانيات النوادي والألبسة الخاصة بالفرق».

ويختم رؤوف أبو زكي قائلاً: «لا شك في أن هناك اليوم أشخاصاً جيدين يتمتّعون بكفاءات عالية. لكن هناك، مع الأسف، مَن يمارس الصحافة الصفراء ويطالب بمبالغ من المال من باب التهديد والابتزاز. ومن ثم، يبقى القول إن الصحافة بشكل عام واقعة في مأزق كبير بسبب التغييرات المتسارعة التي تضربها؛ فكما السوشيال ميديا، كذلك المواقع الإخبارية الإلكترونية تنافس اليوم الصحافة اليومية».