السودان... عملية «الطائر الطنان» النسخة الإخوانية

معركة الرئاسة... الاستقطاب بين الإسلام السياسي والعسكر

السودان... عملية «الطائر الطنان» النسخة الإخوانية
TT

السودان... عملية «الطائر الطنان» النسخة الإخوانية

السودان... عملية «الطائر الطنان» النسخة الإخوانية

لا يدري أحد، أو حتى يستطيع التكهن بما قد يحدث في السودان في غضون الأيام أو الأشهر القريبة المقبلة، فالأزمة الاقتصادية «استحكمت حلقاتها»، فأنهكت هياكل البلاد، وطحنت عظم المواطنين، وحمي صراع السلطة، ليس بين الحكومة ومعارضيها وحدهم، بل حتى داخل المجموعة المتنفذة نفسها.
وانتقلت «الخلافات والصراعات المكتومة» لعقود من دائرة التذمر والهمس إلى العلن، في شكل تصريحات صادرة عن القادة وأحاديث المسؤولين وتذمر المواطنين وأصوات المحذرين من تغيير قد يؤدي إلى «انهيار الدولة»، وتحركت رمال البلاد كلها باتجاه تغيير وشيك، أطرافه معارضون وحكوميون، وإسلاميون وعسكريون.
ويخشى على نطاق واسع من نسخة سودانية لما عرف إبان «ألمانيا النازية» بـ«عملية الطائر الطنان» أو «ليلة السكاكين الطويلة». خلال تلك العملية، نفذ الجيش النازي سلسلة تصفيات سياسية ضد فرقتين شبه عسكريتين اتسمتا بالعنف والطموح، وقتل في ليلة واحدة أكثر من 85 من قيادات الفرقتين، رغم دورهما في تثبيت أركان النازية. ثم استغل أدولف هتلر الحادث لتصفية منتقدي حكمه من بين قادة الجيش النازي الذين نفذوا العملية التي أخذت الاسم الكودي: «الطائر الطنان»!

في محاولة للملمة الصراع الإسلاموي، شهد المقر الكلاسيكي للإسلاميين السودانيين، بضاحية العيلفون شرق الخرطوم، يوم الجمعة 27 أبريل (نيسان) الماضي، أعمال اجتماع مجلس شورى الحركة الإسلامية (الاسم الكودي لإخوان السودان)، بعد تعثر طويل راجت أثناءه أحاديث عن اتجاه لحل الجناح الآيديولوجي للنظام السوداني (الحركة الإسلامية)، أو في أحسن الأحوال دمجه في الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني)، الذي حين أنشئ كان الهدف أن يكون واجهة لها.
وعلى غير العادة، عقد الاجتماع في سرية تامة، بعيداً عن كاميرات وأعين الصحافيين والإعلاميين، ولم تسمع وسائل الإعلام به إلا بعد أن أكمل انعقاده وأعلن توصياته. وأهم أجندة في هذا الاجتماع كانت «حسم مستقبل الحركة»، بين حلها ودمجها وتذويبها في الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني)، لكن الاجتماع خلص إلى تعزيز وجودها، وقرر عقد مؤتمرها العام في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بعد إلغائه - أو تأجيله - لعام كامل.
واللافت في الاجتماع كان حضور الرئيس عمر البشير، بصفته رئيساً للهيئة القيادية العليا، بعد أن راج قبلها أنه «غاضب» عليها، وأن ما يتم تداوله بشأن حلها يجئ بإيعاز منه شخصياً، لكن مشاركته في اجتماع الجمعة قد تؤكد تغيراً في موقفه، لكن بعض المحللين رأوا أن القصد من المشاركة «الإشراف مباشرة» على ما قد يدور في كواليس الاجتماع. وما يعضد هذا التحليل غياب نائبه الأول رئيس الوزراء بكري حسن صالح، ساعده الموثوق الذي يشغل في الوقت ذاته منصب نائب رئيس الهيئة القيادية، أي تطبيق لـ«ثنائية تبادل الأدوار».
الرئيس البشير، الذي يتردد أنه على خلاف مع بعض رموز وقيادات الحركة الإسلامية التقليدية، طلب في كلمته للاجتماع «إفساح المجال أمام الشباب» في الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، ورهن مستقبل البلاد بمشاركتهم، كما طالب بحسب صحيفة «الصيحة»، المملوكة لأحد أقاربه، بالنزول للقواعد ودعمهم، بمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، بما يمكن تفسيره بأنه دعوة للقيادات التاريخية للتنحي.
ومنذ الانقلاب الذي نفذته الحركة الإسلامية السودانية في 30 يونيو (حزيران) 1989، فإن الصراعات بين الإسلاميين الحاكمين بدأت ولم تنته؛ بدأت أثناء عملية التمويه الماكرة لإخفاء هوية الانقلاب، التي كشفها الترابي بمقولته الشهيرة ساعة الانقلاب: «قلت للبشير: اذهب إلى القصر رئيساً، وسأذهب إلى السجن حبيساً».
وتم حبس الترابي مع قادة الأحزاب والحكم المنقلب عليه تمويهاً، وراج بعدها أن نائب الترابي وقتها، علي عثمان محمد طه، أبقى شيخه في السجن أكثر من الفترة المتفق عليها، ورتب الأوضاع بحيث تمكنه من السيطرة على مكامن القوة في النظام.
اللعبة الماكرة لم تنطل على المعارضين ورفاق الحبس، ونقل عن زعيم الشيوعيين الراحل محمد إبراهيم نقد أنه قال للترابي في المعتقل: «كفاك سجناً، فقد جاملتنا كثيراً»، لكنها على ما يبدو انطلت على إسلاميين كثر فأصبحوا «شاهد ما شافش حاجة»، ما أتاح لمجموعة طه التمكين على حساب قائدهم التاريخي.
وتردد بعد فترة من عودة الترابي للأضواء أنه «حل» الحركة الإسلامية لصالح حزب المؤتمر الوطني، الذي أنشئ في الأصل ليكون واجهة أكثر مرونة للإخوان السودانيين، ومنح قادتها «مصحفاً» فهم منه أن حركتهم أصبحت خارج اللعبة السياسية فعلياً.
ثم تواصل التذمر والتنافس و«التعارك» بين الإسلاميين الحاكمين، الذين انقسموا إلى تيارين: «القصر» وهو موال للرئيس، و«المنشية» الموالي لحسن الترابي، نتيجة لما عرف بـ«مذكرة العشرة»، التي وقعها عشرة من قادة الإسلاميين البارزين ضد الترابي، وأدت لاحقاً إلى «المفاصلة» التي قسمت الإسلاميين في الرابع من رمضان 1999.
وبحسب مقال للسياسي المعارض علي السيد، فإن من أعدوا مذكرة العشرة دفعتهم السلطة لمواجهة «كبيرهم الذي علمهم السحر»، أو أنهم لم يقدروا الأمر حق تقديره، وأن الترابي حين رأى أن أمر المذكرة يستهدفه مباشرة وشخصياً، اختار أن ينازلهم في ميدان الحزب الحاكم، مستعيناً بقواعد الحزب وجماهيره، ولسان حاله يقول: «الفيصل هو الجماهير والقواعد، والعمل عبر مؤسسات الحزب وأجهزته، وليس التدبير بليل، كما حدث بشأن مذكرة العشرة، التي حجبت عنه وتفاجأ بها تماماً في لحظة تقديمها».
يقول السيد إن الترابي حقق انتصاراً تكتيكياً حصل بموجبه على إعادة انتخابه أميناً عاماً للحزب الحاكم، وبذلك سجل نصراً تكتيكياً مؤقتاً على أصحاب المذكرة، فاستعانوا عليه بما سماه الكاتب «السلطة القاهرة وسيف الرئيس»، فسارع في الرابع من رمضان 1999 بحل المجلس الوطني «البرلمان»، الذي يترأسه الترابي ويقود عبره معركته، ثم أعلن حالة الطوارئ في البلاد.
بتلك القرارات، أبعد البشير «الإسلامي» شيخ الإسلاميين نهائياً عن دائرة التأثير، وراجت مقولة أن «الثورة السودانية أكلت أباها»، ولم يكتف الرئيس البشير بحل المجلس الوطني، بل جمد الأمانة العام للحزب الحاكم، التي كان يقودها الترابي أيضاً.
ولم تتوقف الانشقاقات و«الصراعات» داخل جسد الإسلاميين السودانيين بعد ذهاب الترابي، وتأسيسه للحزب الضرار «المؤتمر الشعبي»، فبعد انفصال جنوب السودان في يوليو (تموز) 2011، برزت إلى السطح جماعة «سائحون»، وهي جماعة مكونة في الأصل من مقاتلين (مجاهدين) سابقين إبان الحرب مع جنوب السودان، وقدمت ما عرف بمذكرة «الألف أخ»، وطالبت بإجراء إصلاحات إدارية، لكنها كانت أكثر حصافة لأنها أقرت بقاء الرئيس البشير رئيساً للحزب والدولة.
ثم جاءت مجموعة أخرى، تكونت أساساً من «أساتذة جامعات»، وانتقدت في مذكرات الأداء السياسي للنظام الحاكم، في 28 سبتمبر (أيلول) 2013، ولكن النظام قمع الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد آنذاك، ومن أبرز قادتها الإسلامي غازي صلاح الدين.
وبلغ الصراع بين هذه الجماعة ومركز السلطة وقتها (الحزب) ذروته، فبعض رجال الحزب اعتبر ما قاموا به «تطاولاً» على سلطة الحزب والدولة، فتكونت لجنة محاسبة ل 46 قيادياً وموقعاً على المذكرة، قررت في 21 أكتوبر 2013 تجميد عضوية بعضهم في الحزب الحاكم، وفصل آخرين، وتكونت تبعاً لذلك «حركة الإصلاح الآن»، بقيادة غازي العتباني.
ثم توالت أجواء الصراع تباعاً، وبلغت ذروتها بقرارات الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2013، التي أطاحت برجلي الإسلاميين القويين: علي عثمان محمد طه ونافع علي نافع، وعدد آخر من كبار المسؤولين. وقيل وقتها إن الغرض من إبعادهم «إتاحة الفرصة للشباب»، لكن التشكيلات الحكومية اللاحقة لم تلتزم بالشباب كثيراً، إذ أبقت على عدد كبير من «شيوخ الحكم» في مواقعهم، وأبرزهم رئيس الوزراء الحالي بكري حسن صالح، ورئيس المجلس الوطني إبراهيم أحمد عمر، إضافة للرئيس عمر البشير.
ووصفت المعارضة وقتها ما حدث بأنه «انقلاب»، ونقلت «الشرق الأوسط» عن المتحدث باسم تحالف المعارضة الموالي لحزب الترابي، كمال عمر، تشكيكه في الرواية الرسمية، وقوله: «هذه إقالة كاملة الدسم»، وقوله: «الرئيس منذ فترة يبحث عمن يطمئن لهم في مقبل حياته، لذا اختار أكثر الناس قرباً له، وهو نائبه الأول الجديد بكري حسن صالح».
ونسبت الصحيفة إلى عمر أن الرئيس البشير غير مطمئن لنائبه الأول، وأنه أجرى ترتيبات كثيرة الهدف منها إقصائه ومجموعته، وأنه لم يعد يرغب في سماع أصوات معارضة تحول بينه وبين وضع كل السلطات تحت يده، وقوله: «المقالون يضمرون شراً كبيراً للنظام، لكنهم انحنوا للعاصفة مؤقتاً».
المجموعة المعزولة نفسها ليست على وفاق، فقد تم تداول واسع عن صراع قوي بين طه ونافع على خلافة البشير، ظهر أول مرة بشكل لافت في مؤتمر شورى الحزب الحاكم في 2015، الذي انتهى بانقسام غير معلن، وانعكس على انتخابات 2015 التي خالفت نتائجها النسبة المألوفة للفوز (99.9) في المائة من جملة الأصوات، وتردد وقتها أن مخاشنة أعقبت الانتخابات، اتهم فيها الرئيس قيادات لا ترغب في ترشيحه بأنها خططت لتلك النتيجة المخيبة لآماله.
لكن الصراع تجدد وأخذ شكلاً جديداً مع قرب نهاية الدورة الرئاسية الحالية، التي ينص الدستور على أنها الأخيرة للبشير في السلطة، متمثلة في تيارين: يدعو أحدهما لتعديل الدستور لإتاحة دورة رئاسية جديدة للرئيس، والآخر يدعو للالتزام بالدستور، واختيار رئيس جديد من بينهم.
ورغم أنف الدستور، الذي ينص على أن الدورة الحالية للرئيس البشير في الحكم هي الأخيرة، نهضت حملة منسقة في الولايات وبعض الدوائر تدعو لتعديل الدستور، وإعادة ترشيح الرئيس البشير مجدداً في انتخابات 2020، بل وأطلق بعضهم تصريحات مثل «الدستور ليس قرآناً»، وهم يستندون أساساً إلى فرضية أن أوضاع البلاد لا «تحتمل تغييراً»، ومن الأنسب التجديد للبشير.
ويقود هذه المجموعة من خلف الكواليس النائب الأول السابق علي عثمان محمد طه، وعدد من العسكريين، وتبريرها المعلن أن بقاء البشير هو الضامن لعدم تفجر الأوضاع، لذلك تدعو لتعديل الدستور، وإتاحة دورة رئاسية أخرى للبشير. لكن المبرر غير المعلن أن «جماعة طه» لا تؤيد البشير إلا نكاية في مجموعة أخرى، وتلبس قضيتها ثوب الحرص على التيار الإسلامي من الفناء، بـ«الانحناء قليلاً» للموجة الدولية الآتية من الغرب، بتقليل نفوذ الإسلاميين في الحكم، والحيلولة دون القضاء على التيار الإسلامي كلياً.
أما المجموعة المناوئة، التي تعمل من خلف «الساتر»، فترى أن سكوت البشير على الحملة غير الرسمية لإعادة ترشيحه يعني رضاه عنها، وبالتالي خرقه لاتفاق «غير معلن» بأن يتنحى بحلول عام 2020، ليخلفه رئيس الوزراء الحالي بكري حسن صالح، ونافع علي نافع نائباً للرئيس.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «السوداني» المستقلة، فإن صوت المجموعة المناوئة لإعادة ترشيح البشير لم يعد خافتاً. ويذكر التقرير أن أبرزهم نافع علي نافع وأمين حسن عمر، وآخرين يسندونهما سراً، ويضيف: «إنهم يتسمون بالقدرة على المواجهة، والوضوح في مواقفهم دون مواربة، ولبعضهم وجود قاعدي معتبر، يراهن عليه في حسم الأمر».
الرئيس البشير بدوره، ورغم أنه لم يعلن بعد تراجعه عن تصريحاته السابقة بزهده في الحكم، اتخذ إجراءات وقرارات أعفى بموجبها بعض رموز الحكم، وعين بموجبها آخرين.
ومن بين القرارات المثيرة التي اتخذها أخيراً، قراره إعادة مدير الأمن والمخابرات السابق صلاح عبد الله «قوش» إلى منصبه، بعد عزله عنه قبل عقد من الزمن، بل واتهامه بالضلوع في انقلاب عسكري، بالتعاون مع عسكريين إسلاميين، أبرزهم العميد محمد إبراهيم «ود إبراهيم»، وسجنه في محابس جهازه التي أسسها بنفسه، قبل تقديمه للمحاكمة ثم الإفراج عنه.
وتروى الخرطوم حكاية «عودة قوش» بعدد من الروايات التي تقول إن الرجل لم يكن مشاركاً في انقلاب من حيث الأصل، لكن مجموعة من إخوانه الإسلاميين انتهزوا فرصة انقلاب العميد محمد إبراهيم «ود إبراهيم»، وألحقوه به لإبعاده من طريقهم، فيما تقول رواية أخرى إنه كان ضالعاً في ذلك الانقلاب، لكن موازين القوى والاصطراع الداخلي اضطرت البشير للاستعانة به، ليس ضد المعارضين بل ضد «إسلاميين» يملكون نفوذاً داخل الأجهزة الأمنية والاستخبارية، يشكل وجودهم خطراً على بقاء الرئيس.
وفي حكومته الأخيرة، حرص الرئيس على توظيف «عسكريين» في مناصب مهمة، فقد أوكل منصب رئيس الوزراء إلى رفيقه ومرافقة خلال حكمة بكري حسن صالح، ثم أوكل منصب وزير المالية لعسكري، وأعاد تكوين هيئة الأركان العامة بهيئة جديدة، وضع على رأسها العميد كمال عبد المعروف، بديلاً لرئيسها السابق عماد الدين عدوي.
ويقول القيادي الإسلامي رئيس جهاز الأمن الأسبق د. قطبي المهدي إن «أزمة» إعادة انتخاب الرئيس لدورة رئاسية جديدة أربكت حزب المؤتمر الوطني الحاكم، لأنها جاءت من خارجه في شكل تأييد من الولايات ومناسبات جماهيرية.
ويرى المهدي أن طرح قضية إعادة انتخاب الرئيس قبل أوانها استفزت قيادات حزبية، فخرجت عنها تصريحات متضاربة، بعضهم أيد الفكرة دون تحفظ، فيما اعترض عليها بعضهم، مضيفاً: «وضعت الحملة الحزب في حرج بالغ لأنه لم يستطع أن يقول رأياً مؤسسياً، وكان عليه التدخل كمؤسسة، لكنه لم يستطع أن يقول أي شيء».
ووصف المهدي في تعليقه على استفسار «الشرق الأوسط» عجز الحزب الحاكم عن تقديم رأي مؤسسي، وفشله في تحديد توجه جاد من المسألة، بأنه ضعيف، وقال: «للأسف، المؤتمر الوطني أصبح حزباً ضعيفاً خائفاً غير قادر على أخذ زمام المبادرة».
وأرجع المهدي تضارب المواقف بين قيادات الحزب إلى حالة الارتباك التي تشهدها الساحة السياسية، وإلى فشل الحزب في قول رأيه كمؤسسة بوضوح.
ومنذ أعوام، كان المهدي قد أعلن لـ«الشرق الأوسط» أن صلاحية حكومة الإنقاذ الحاكمة في السودان لأكثر من 3 عقود قد انتهت، بمقولته الشهيرة: «الإنقاذ دواء جيد انتهت صلاحيته». ومثله يتساءل الكاتب يس أبو صالح، وفقاً لموقع «راديو دبنقا»، لكن بلغة معارضة، عما إن كانت دورة حكم الإسلاميين للسودان قد اكتملت، وأن التحالف بينهم وبين العسكر قد بلغ ذروته، ويقول: «هناك مؤشرات كثيرة تدلل على أن التحالف القائم بين الإسلاميين والعسكر يلفظ أنفاسه».
والخطوات المتسارعة نحو صدام أو صدامات تطرح سؤالاً في غاية الأهمية حول لحظة المواجهة، سؤالاً لا يكتفي المحللون بمجرد طرحه، بل يذهبون إلى أن صراعات الإسلاميين تذهب باتجاه مواجهة وشيكة بينهم وبين العسكريين، بعد انتقال الأمر من الكواليس إلى العلن. وبرز ذلك في تصريحات على ألسنة مسؤولين رفيعي المستوى أشاروا دون مواربة إلى «مؤامرات يطلقها البعض»، بل يهمس بعضهم بأن «الأزمة الاقتصادية» الحالية، وما نتج عنها من أزمة المحروقات وارتفاع كلفة المعيشة، نتيجة تخطيط «إسلاميين» يسعون إلى الضغط على العسكريين ومؤيدي الرئيس لإفشالهم.
وجاء تحذير نائب الرئيس لشؤون الحزب ومساعده في الرئاسة د. فيصل حسن إبراهيم، في مخاطبة حزبية بحاضرة ولاية جنوب كردفان، مدينة كادوقلي، من تصفية الحسابات، مستخدماً مصطلح «الحفر»، ويعني التآمر المكتوم، تجاوزاً جريئاً للهمس إلى العلن. فقد نقلت عنه صحف الخرطوم تحذيره شديد اللهجة من التآمر الداخلي في الحزب الحاكم.
كما أن قيادياً إسلامياً شهيراً ومعروفاً بمواقفه الناقدة للنظام قطع بأن «العسكريين» بشكل عام ينحازون إلى «رفاق السلاح»، بغض النظر عن انحيازاتهم الآيديولوجية. وفي حال نشوب مواجهة بين «العسكري» البشير وإسلاميين، عبر تنظيماتهم و«ميليشياتهم» الخاصة، فإن العسكر سيتحدون «خلف قائدهم».
والقيادي الإسلامي، الذي تحفظ على ذكر اسمه لأول مرة، أشار أيضاً إلى دور جهاز الأمن والمخابرات الذي أعيد إليه «قوش» لـ«تطهيره» من العناصر الإسلامية المناوئة للرئيس، كما ألمح إلى أن قوات «الدعم السريع»، التي لا علاقة لها بالإسلاميين بل بقائدها و«مكونها»، لن تتردد لحظة في حسم أي «شغب إسلامي أو غير إسلامي» ضد البشير.
ومع تفاقم الأزمات، وانسداد آفاق الحلول، يضع الجميع أيديهم على قلوبهم، مستبطئين أو مستعجلين «عملية الطائر الطنان»، أو «ليلة السكاكين السودانية الطويلة»، وهو السؤال الوجودي الذي طرحه الكاتب المعارض فتحي الضو قبل فترة: «هل يمكن أن يؤدي اختلاف الرؤى والآراء بين الفرقاء لأن نشهد (ليلة السكاكين الطويلة) السودانية، بدوافع حب السلطة، وفقه المصالح، وغريزة البقاء»؟!


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.