مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1): كنا عائلة من ثلاثة أفراد يدير شؤونها المنزلية طاقم من خمسة

حياتي دوائر مغلقة.. وأقسى الدروس تعلّمته خلال سبعة أشهر من العزلة

اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين
اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين
TT

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1): كنا عائلة من ثلاثة أفراد يدير شؤونها المنزلية طاقم من خمسة

اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين
اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين

الصدفة وحدها قادتني إلى لقاء البروفسور محمود شريف بسيوني، في «المعهد الدولي لتدريب القضاة» في مدينة سيراكوزا الإيطالية. صدفة فتحت لي الطريق لإجراء حوار صحافي معه، حول عمله كرئيس للجنة التحقيق في البحرين. حين التقيته، وجدت نفسي أمام رجل بسيط، دمث، شديد التواضع، على وجهه الذي تظلّله ابتسامة لا تفارقه، ملامح طفل، على الرغم من بلوغه السادسة والسبعين من العمر.
تحدثنا طويلا، وكان حديث بسيوني الشيق والممتع، يعكس حماسا قويا للمشروعات الكثيرة التي يخطط لها أو تلك التي يديرها. وبدا ملما بتفاصيل كل الأعمال التي تجري من حوله، على الرغم من وجود منفذيها في أميركا وأوروبا وعدد من البلدان العربية.
وكما «شاءت الأقدار»، كما يقول بسيوني ويكرر، أن نلتقي من أجل حوار، «شاءت» دهشتي به وانشدادي إلى شخصيته، أن يدفعاني إلى سؤاله بعفوية، أن يسمح لي باقتحام ماضيه، والذهاب بعيدا من الحوار الصحافي إلى دواخله، ومسارات حياته الشخصية.
قلت له: «أريد أن أتعرف على بسيوني (الآخر)، بسيوني الإنسان، العادي، في حياته اليومية».
رحب البروفسور بالفكرة. وبعد مراسلات عدة، التقيته في سيراكوزا من أجل الاتفاق، مبدئيا، على إجراء سلسلة من المقابلات. وافق البروفسور بسيوني، والتقينا في شيكاغو في حوار امتد أسبوعين، وكانت حصيلته، عشر حلقات من السرد الممتع.
هنا الحلقة الأولى من مذكرات محمود بسيوني.

فكرت كثيرا كيف أبدأ حديثي، فتبادر إلى ذهني أن أقول ما يعن لي. لذلك أقول:
ولدت عام 1937 ابنا وحيدا لعائلتي. كان أبي دبلوماسيا من عائلة مرموقة، وكذلك كانت والدتي. وهكذا نشأت في بيئة عائلية يسود حياتها الاطمئنان الاقتصادي وتتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة. ومع ذلك، لم تخل تربية والدتي لي من الشدة، لكنها علمتني ووالدي وأجدادي معنى الحياة والمثابرة والجدية في العمل.
كنا في البيت ثلاثة: والدي ووالدتي وأنا. وكان لدينا طاقم من خمسة أفراد، يعمل في تدبير الشؤون المنزلية، تعودت على احترام جميع أفراده. ومنذ بلغت الخامسة من العمر، لم يتوقف والدي عن تذكيري بضرورة احترام الآخرين، أيا كانوا، وأهمية ذلك في حياتنا. وكانت والدتي تقول لي: «قبل أن تطلب خدمة من أي شخص يعمل لدينا، عليك أن تسبق طلبك بقول: من فضلك. وحين تلبى حاجتك أو يتحقق ما طلبته، لا تنس أن تشكر من قام به».
كان جدي يملك أراضي زراعية كبيرة، أورثها لوالدي، وتوليت أنا تدبير شؤونها لاحقا. حين كان جني المحاصيل ينتهي، وينقل إلى «القرن»، أي المخزن، كنت أوزع حصة منه على العاملين في المزرعة، وعلى الفقراء، حتى قبل أن تأخذ العائلة نصيبها أو تبيع شيئا منه. كانت الأولوية دائما للعاملين والفقراء. أما جدي لأبي، فقد علمني في صغري الكثير. كان محمود بسيوني رئيسا لمجلس الشيوخ في مصر. وكان يعمل محاميا في أسيوط. كان رجلا متواضعا ويحظى بتقدير ومحبة كبيرين بين الناس. كان يقول لي، ولغيري أيضا، إن نصف من كان يقدم خدمات قانونية لهم، كانوا من الأغنياء. وكان يرى أنهم يدفعون للنصف الثاني من زبائنه أي الفقراء. وبهذا كان نصف ما يقوم به في عمله القانوني من خدمات، وكان أساسا في ميدان العمل الجنائي، دفاعا عن الفقراء ومن لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. لقد منحهم جدي، خمسين في المائة من وقته وعمله. ولهذا انتخب عضوا في مجلس الشيوخ في أول برلمان مصري تشكل عام 1923، ثم انتخب رئيسا لمجلس الشيوخ نفسه، ثم رئيسا لنقابة المحامين المصريين. وقد حقق فوزا كاسحا. فقد أيده في ذلك الحين، أقباط أسيوط ومنحوه مائة في المائة من أصواتهم، ولم تتمكن شخصيات قبطية من التفوق عليه. ففي انتخابات رئاسة نقابة المحامين، واجه جدي منافسا قبطيا يحظى بشهرة كبيرة جدا، وتغلب عليه بأصوات الأقباط أنفسهم. كان شعاره مثل قوله الذي لا يكفّ عنه: إن الوطن للجميع والدين لكل فرد، ولكل فرد علاقته الدينية بربه، ولا علاقة للوطن والحكومة بما يقتنع به شخص ما أو بطقوسه وديانته. لذلك كان محبوبا من قبل الجميع. كان بسيوني الجد، يحترم الفقراء على الدوام. كان يصحبني وأنا طفل، في جولات على الأرض الزراعية. وحين كنا نمر بين المزارعين والعاملين الآخرين، كان يتلقى دعوات كثيرة لتناول الشاي معهم، أو مع أحدهم. وكان جدي (الباشا رئيس مجلس الشيوخ)، يتوقف وأقف إلى جانبه. ثم ويجلس أرضا مع الفلاحين. يتبادل معهم الحديث، ويحدثهم عن سنوات الأربعينات، بينما يتناول كوبه من الشاي.

* مع غاندي ونهرو

* هكذا رافقتني صورة جدي وكلماته ونصائحه منذ وقت مبكر، فأصبح بمرور الوقت قدوة لي. فهو بالإضافة إلى كل ما ذكرت، قاد ثورة 1919 في صعيد مصر. وكان رئيس الثورة فيما يسمى بوجه قبلي، في زمن سعد زغلول ومصطفى النحاس. كان ضد العنف بفطرته، ولم يكن يؤمن به أبدا. لذلك كان يقود المظاهرات في أنحاء الصعيد كله، أي في مناطق تمتد على مساحة 800 كلم، من القاهرة إلى أسوان. ويتقدم خلال المظاهرات إلى نقاط الشرطة والمواقع العسكرية البريطانية. وكانت هذه، تطلق النار على المتظاهرين. لم يحمل سلاحا قط، ولم يدع إلى حمله. وكان سلاحه الدائم الذي لا يتخلى عنه أبدا، عبارة عن شمسية (مظلة) بيضاء صارت جزءا من شخصيته.
ذات يوم من أيام 1936، سمع جدي، وكان عضوا في مجلس الشيوخ، عن شخصية مثيرة في الهند تدعى غاندي، تقود ثورة سلمية ضد البريطانيين، وتدعو إلى نبذ العنف. أجرى اتصالات بشخصيات عدة، وخصوصا بعض الدبلوماسيين الأجانب، لمعرفة الطريق إلى غاندي. وعلم أن غاندي يعمل على مقربة من مدينة اسمها مومباي. اختار ثلاثة من أصدقائه، من بين أعضاء حزب الوفد، وذهبوا جميعا إلى السويس. ومن هناك استقلوا مركبا أخذهم إلى مومباي. هبط جدي ورفاقه على شواطئ مومباي وكان يعتمر طربوشه الأحمر، الذي كان رمزا للوطنية المصرية آنذاك. وقد أمضى ثلاثة أسابيع في البحث عن غاندي، إلى أن تمكن من معرفة مكانه والتقى به، وكان يعمل لديه مساعدا في ذلك الحين، شاب صغير يدعى نهرو. وما زلت أحتفظ بصور التقطت لجدي مع الزعيم الهندي في تلك الزيارة، التي أمضى جدي خلالها أسبوعا كاملا مع غاندي، يتنقلان في المنطقة التي التقاه فيها. كما رافقه في مظاهرات انطلقت هناك، على الرغم من أنه لم يكن يتحدث اللغة الإنجليزية. وقد استعان وقتذاك، بمحمود أبو الفتح، رحمه الله، الذي أسس مجلة «المصور» في مصر، وكان ضمن من رافقوا جدي في رحلته، فقد كان يتحدث الإنجليزية؛ وتولى الترجمة بين الطرفين.
شاءت الظروف، وسبحان الله، كل شيء في حياتي ينتهي بدائرة، أن يذهب أبي عام 1950 إلى الهند، سفيرا لبلاده مصر فيها. كان نهرو وقتها، يترأس الحكومة الهندية. وقد التقاه أبي حيث رحب به الزعيم الهندي كثيرا. وشاءت الظروف، أن تلقي الشرطة الفرنسية القبض علي عام 1957، حين كنت في البلاد، بسبب الدور الذي لعبته لصالح الثورة الجزائرية. فبعد انتهاء معركة بورسعيد، وكنت حينها ضابطا في فدائيي الحرس الوطني برتبة قائد فصيلة، أي ملازما ثانيا، شاءت الظروف، أن تُسند إلى مهمة سرية، هي تدريب 220 ضابطا جزائريا ينتمون إلى جبهة التحرير الوطنية (إف إل إن)، تتراوح أعمارهم بين 24 و65 عاما، جاءوا إلى مصر في ديسمبر (كانون الأول) 1956. وكانوا سياسيين تحولوا إلى ضباط عسكريين. وبعد أن عادوا إلى الجزائر، حارب كثير منهم في معركة مدينة الجزائر. لقد اتضح أن هؤلاء الجزائريين لا يجيدون اللغة العربية. وكان العثور على ضباط مصريين يتقنون الفرنسية أمرا صعبا. كنت طالب بعثة في فرنسا في سنتي الثانية. وفي أغسطس (آب) من عام 1956، في أعقاب تأميم قناة السويس، توصّلت إلى أنه لا جدوى من البقاء في فرنسا. عدت إلى مصر، وتطوعت مع فدائيي الحرس الوطني في حرب 1956. وأسندت إلي بعدها، مهمة تدريب الجزائريين من دون علمي. ولما انتهى تكليفنا في الحرس الوطني، في نهاية يناير (كانون الثاني) 1957، عدت إلى فرنسا لاستكمال دراستي، وطبعا من دون أي وعي أو فهم للأمور السياسية، لأنني لم أكن ناضجا سياسيا آنذاك.
رحت أتحدث مع الجميع عما حدث. وكانت الحكومة الفرنسية تقول دائما، إن الجيش المصري هُزم. وكنت أحاول الدفاع عن شجاعة الشعب المصري وبسالته، لأن الجيش لم يهزم.. هزم فعلا سنة 1956، ليس لأنه لم يكن قادرا على المواجهة، ولكن بسبب عجز ضباطه في القيادة العسكرية، وخصوصا عبد الحكيم عامر الذي لم يكن مؤهلا ليكون قائدا أعلى، وأصبح كذلك، لأسباب سياسية، ونظرا لعلاقته الشخصية بجمال عبد الناصر. وقد فشل تماما في عامي 1956 و1967.
قبضت الشرطة الفرنسية عليّ، على أساس أنني كنت مدربا لعدد من الجزائريين الذين كانوا يقومون بحرب وطنية ضد فرنسا. وطبعا، أبلغت السفارة المصرية في فرنسا ووزارة الخارجية، التي أبلغت بدورها والدي. وكان آنذاك متقاعدا. اتصل والدي هاتفيا بنهرو، وذكّره بأنه كان سفيرا في بلاده، وبصداقته، وبجدي. فاتصل نهرو بداغ همرشيلد (ثاني أمين عام للأمم المتحدة 1953-1961- المحرر). واتصل همرشيلد، بدوره، بوزير خارجية فرنسا وقتها، كريستيان بينو، وخلال ثلاثة أيام، أفرج عنّي ورُحّلتُ إلى سويسرا.
لقد تم غلق دائرة في حياتي، هي «دائرة الهند»، التي بدأت بزيارة جدي سنة 1936، وانتهت بتدخل نهرو للإفراج عني.

* اتفاقية دولية لمنع التعذيب

* بقيت في سويسرا مدة قصيرة، بدأت فيها الدراسة من جديد. ثم عدت إلى مصر في أغسطس (آب) 1957، لقضاء الإجازة الصيفية. اقترب مني بعض الضباط، على أساس أحاديث جرت عن تعييني في رئاسة الجمهورية، كضابط من الضباط الصغار الذين يعملون فيما كان يسمى «هيئة الرئاسة»، التي كانت تعد آنذاك، السلطة الحقيقية للدولة. كانوا يأخذون الشباب الذين يتأملون فيهم خيرا. ولم أكن أعلم بذلك، لفترة ما على الأقل، خاصة أن علامة استفهام وضعت حولي في وقت من الأوقات، على اعتبار أنني أنتمي لعائلة وفدية (نسبة إلى حزب الوفد المصري - المحرر) عريقة، كما كانوا يقولون. وأن جدي كان رئيسا لمجلس الشيوخ، وبالتالي طرحت تساؤلات كثيرة في تلك الفترة التي كانت ثورية، اشتراكية. وكان أي شخص ينتمي إلى عائلة مرموقة، تثار شكوك حوله. وكان مصطلح «العائلات الإقطاعية» مثلا، من بين مصطلحات كثيرة استخدمت في تلك الفترة، وقصد به، علاقة هذه العائلات بالأسرة الملكية أو بأسر أخرى، على الرغم من أن عائلتنا لم تكن ضمن هذا المكان أو المجال. وبغض النظر عن الشخصيات المعنية، فقد كانت المسألة وقتها آيديولوجية أكثر من أي شيء آخر.
مع هذا تواصل الحديث معي حول المهمة. كنت أتردد على الرئاسة حين اتصل بي بعض الضباط، ولم أكن أعلم أن اتصالهم لم يكن بغرض الصداقة، كما كنت أتصور لصغر سني وعدم معرفتي بالسياسة، بل كان الغرض التقرب مني للتعرف علي وما إذا كنت شخصا يمكن ائتمانه والاطمئنان إليه. وبالطبع، كان معروفا وقتها، أن من يعمل مع جهاز الدولة، لا بد أن يكون أهلا للثقة. فقد كان مطلوبا «أهل ثقة» لا «أهل خبرة»، على أن يتحلى أهل الثقة بالطاعة، أي أن يطيع ولا يسأل أي شيء. لكن تكويني وتعليمي، سواء ما تلقيته منه في مصر أو في فرنسا، على العكس من ذلك تماما حيث تعودت على أن أسأل. كنت مستعدا لطاعة الأمر إن كنت مقتنعا بسلامة ذلك الأمر، ولم يكن هذا يتماشى مع ما يريدون طبعا.
وفي يوم ما، شاءت الظروف أن يعرض علي أحدهم مشاهدة صورة شخصية. ولم أكن أعلم إن كانت الصورة حقيقية أم مركبة، لكن الغرض منها، كان إثارة مشاعري واختباري. كانت الصورة لشخص، حول رأسه من أعلى، أي على جبينه، طوق حديدي ملفوف إلى الخلف ومربوط بقوة، وبدت جمجمته متفجرة ومفتوحة، ويتصاعد من مخه الدخان.
تملكتني قشعريرة، فأخبرني الضابط أن الشخص الذي في الصورة، كان من المعارضين للنظام، ومن الأشخاص الخطرين تماما، وأنهم اضطروا إلى تعذيبه للاعتراف بما كان سيقوم به من أعمال خطيرة ضد الدولة، لكنه لم يعترف، فاضطروا إلى أن يصعدوا التعذيب حتى الوصول إلى هذه الدرجة وقد مات. والسؤال هو: هل لو أعطي لك مثل هذا الأمر كنت تطيعه دون أي سؤال؟
أجبت: بالتأكيد لن أستطيع أن أقوم بهذا، أو أن أعذب أي إنسان آخر.
وتبادرت إلى ذهني وقتها الآية القرآنية التي تقول: «ولقد كرمنا بني آدم»، فقلت له إن الله خلق بني آدم وكرمه ولا يختلف تكريم الرجل عن المرأة، أو المسلم عن المسيحي أو البوذي، أو الأبيض عن الأسود؛ لأن الله سبحانه هو الخالق، لذلك حين نقوم بمثل هذا الفعل، فإننا نقوم بعمل ضد الله ونهدر ما كرمّه، ولذلك فأنا لا أستطيع القيام بهذا. واستمر الكلام، وحصلت مشادة كانت نتيجتها القبض عليّ، ووضعت فيما يسمى «الإقامة المحددة»، أو «الإقامة الجبرية» داخل شقتي، وكانت النوافذ من خشب فقاموا بتسميرها، وأزيل الهاتف من البيت وجهاز الراديو أيضا، وفصلوا الكهرباء، وكان يأتي شخص يوميا يترك لي الطعام داخل الشقة. كان الظلام تاما، وكان هناك عنصر الخوف والتعذيب النفسي والمعنوي، ومن حين لآخر كان يأتي شخص ويقول لي إنني سأنقل في يوم ما إلى مراكز التعذيب وأعذب مثلما رأيت غيري يعذب.
بالنسبة لهم، «العالم كان إما معي أو ضدي».. مع بعض الأشخاص في زمن جمال عبد الناصر، وخصوصا مع بعض الأشخاص الذين يعملون في مجال المخابرات، ثم بعد ذلك في مباحث أمن الدولة، ليس في أيام عبد الناصر فقط، بل في أيام السادات وحسني مبارك أيضا. وأعتقد أن هذا المنهج ما زال موجودا، لأنه لا يمكن أن يتوقف إلا إذا كانت هناك سيادة قانون في أي دولة، لأن سيادة القانون هي التي تحكم المواطن بغض النظر عما فعله، فالقانون هو الفارق، وليس استعمال العنف ضد أي شخص.
بقيت في هذا المأزق سبعة أشهر. ومنذ الأربعة أيام الأولى، لم أتمكن من التحرك في الشقة. وكان مكاني الوحيد غرفة النوم، ومعظم وقتي في الفراش. ولم يكن مسموحا بأية زيارات إطلاقا، ولا أي اتصال. والفكرة أساسا كانت عزلي، والعزلة النفسية في الظلام تخلق الخوف، خصوصا مع التهديد، وقتها فهمت معنى التهديد النفسي. لم يكن هناك مساس شخصي لي، ولكن استخدام الخوف يعتبر من التعذيب، التهديد بالتعذيب وإمكانية التعذيب لهذا الشخص وأنت تعيش وحدك معزولا عن الكل، وكل يوم يمر تزداد العزلة وتشعر أنك أصبحت منسيا من العالم كله، ولا صلة لك بالعالم ولا يعلم عنك أحد شيئا، وكأنك في جحر في الأرض، هذا الشعور له أثر نفسي كبير.
ولكن أكرمني الله من 1957 إلى نهاية 1977، وفي نهاية 1977 بداية 1978، عينت رئيسا مناوبا للجنة الخبراء لوضع اتفاقية دولية لمنع التعذيب. فكان زميلي الرئيس المناوب الآخر إنجليزيا، وكان شخصية مرموقة جدا. كان عضوا في مجلس النواب الإنجليزي ورئيسا سابقا في مجلس اتويلس. كان هذا الشخص وكان اسمه نيل مكدورمت، ترك لي صياغة هذه الاتفاقية، وقدمت المشروع الأولي، بصفتي واسمي الشخصي. وكونت لجنة لهيئة خبراء الأمم المتحدة، وكان معي طبعا نيل مكدورمت. ترأسناها بناء على هذا المشروع الذي تبنته دولة السويد وقدمته لهيئة الأمم في سنة 1978. وفي سنة 1984 أعلنت هيئة الأمم رسميا هذه الاتفاقية، وهي اتفاقية منع التعذيب التي صادقت عليها دول عربية كثيرة من بينها مصر.
رأيت أن الدائرة وصلت إلى نهايتها؛ فمن شخص معذب أصبحت أنا، بفضل الله، من أسندت إليه صياغة هذه الاتفاقية، التي في صياغتها النهائية كان نحو ثلثيها تقريبا من الصياغة التي استخدمتها في مشروعي الأساسي.
وأعود إلى مسألة ثانية، هي أنه بعد انتهاء هذه الفترة في مصر، قرروا الإفراج عني. وبعد أن خرجت من المنزل وجدت أن ممتلكات العائلة صودرت، وسحب جواز سفري، وصدر قرار بمنعي من العمل، ولا أدري من كان صاحب القرار. كنت وقتها، كلما تقدمت لجهة ما لطلب عمل جرى رفضي. كانت والدتي قد سافرت إلى أميركا سنة 1957، ووالدي كان متقاعدا ويعيش في الإسكندرية بمرتبه التقاعدي، وبقية العائلة منصرفة، وقد عانوا في هذه الفترة؛ حيث فصل عمي محمود من عمله الدبلوماسي، في ظل سياسة ما كان يسمى «التطهير». عمي الآخر، كان مقدما في القوات المسلحة، وخرج من الخدمة على أساس أنه كان من عائلة وفدية عريقة، نظرا للتطهير الذي كان ساريا على كل العائلات الكبرى. كانت العائلة مشتتة وقتها، وكان أفرادها يشعرون بالظلم، فلم أجد دعما وكنت وحيدا، بالإضافة إلى أنني كنت كلما تحدثت إلى شخص، كان هناك عناصر من المخابرات أو المباحث يسألونه عما دار بيننا من حديث، فابتعدت عن الجميع خوفا من الحرج.

* محمود شريف بسيوني.. أبو القانون الجنائي الدولي المعاصر
* ألف 27 كتابا وحرر 45.. وكتب 265 مقالا في القانون

* يُشار إلى بسيوني من قبل وسائل الإعلام، على أنه «أبو القانون الجنائي الدولي المعاصر»، كونه لعب دورا مركزيا في استحداث كل أداة أساسية من أدوات القانون الجنائي الدولي، على مدار الخمسين عاما المنصرمة، بما في ذلك اتفاقية مناهضة التمييز العنصري، واتفاقية مناهضة التعذيب، ولائحة روما للقانون الجنائي الدولي، التي لعب فيها دورا رئيسا، وكان مرشحا للحصول على جائزة نوبل للسلام في عام 1999.
يعمل البروفسور شريف بسيوني، المولود في القاهرة بمصر عام 1937، أستاذا فخريا للقانون بجامعة دي بول في شيكاغو، وقام بتدريس القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان في الفترة من عام 1964 إلى عام 2012. وكان بسيوني عضوا مؤسسا في المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول، الذي شارك في تأسيسه عام 1990 وشغل منصب الرئيس في الفترة من عام 1990 إلى 1997، ثم رئيسا شرفيا.
في عام 1972، كان بسيوني أحد المؤسسين للمعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية والكائن مقره في سرقوسة بإيطاليا، حيث تولى منصب عميد المعهد بداية من عام 1972 حتى عام 1989، ثم منصب رئيس المعهد حتى وقتنا الحاضر.
تقلد بسيوني أيضا، منصب الأمين العام للجمعية الدولية لقانون العقوبات في باريس، خلال الفترة من عام 1974 إلى عام 1989. ثم شغل منصب رئيس الجمعية لثلاث ولايات، مدة كل ولاية منها خمس سنوات في الفترة من عام 1989 إلى عام 2004، حين اُختير رئيسا شرفيا.
منذ عام 1975، عُين البروفسور بسيوني في المناصب التالية في الأمم المتحدة:
- رئيس ثم عضو بلجنة التحقيق بشأن ليبيا (في الفترة من عام 2011 إلى عام 2012).
- خبير مستقل في لجنة شؤون حقوق الإنسان في أفغانستان (خلال المدة من عام 2004 إلى عام 2006).
- خبير مستقل في مسائل الحق في الاسترداد والتعويض ورد الاعتبار لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية (في الفترة من عام 1998 إلى عام 2000).
علاوة على ذلك:
- رئيس للجنة الصياغة في المؤتمر الدبلوماسي للأمم المتحدة المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية (في عام 1998).
- عين نائبا لرئيس اللجنة التحضيرية التي شكلتها الجمعية العامة لإنشاء محكمة جنائية دولية (من عام 1996 إلى عام 1998).
- عين نائبا لرئيس اللجنة المخصصة التابعة للجمعية العمومية لإنشاء محكمة جنائية دولية (في عام 1995).
- عين رئيسا للجنة خبراء الأمم المتحدة التي أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 780 (في عام 1992) للتحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي في يوغوسلافيا السابقة (خلال المدة من عام 1993 حتى عام 1994).
- وتولى مهمة المقرر الخاص للجنة المعنية بجمع الحقائق وتحليلها (في الفترة من عام 1992 إلى عام 1993)، حيث لعب دورا مهما في عملية الاعتراف بالاعتداء الجنسي على المرأة، على أنه جريمة حرب بعد الأعمال الوحشية الفظيعة التي اُرتكبت في البوسنة في أوائل التسعينات.
وبالإضافة إلى ذلك:
- عُين بسيوني مستشارا لمؤتمر الأمم المتحدة السادس والسابع المعني بمنع الجريمة (في الفترة من عام 1980 إلى عام 1985).
- عين مستشارا للجنة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا (من عام 1980 إلى عام 1981).
- عين رئيسا مشاركا في لجنة الخبراء المستقلة المعنية بصياغة اتفاقية مناهضة التعذيب (في عام 1978).
- عين نائبا للرئيس الفخري لمؤتمر الأمم المتحدة الخامس بشأن منع الجريمة (في عام 1975).
وعلاوة على ذلك:
- شغل بسيوني منصب رئيس اللجنة البحرينية المستقلة التي أُنيط بها التحقيق في الأحداث التي وقعت في البحرين عام 2011، حيث عينه الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البحرين، شخصيا، رئيسا للجنة.
وقد لعب بسيوني دورا نشطا على مدار سنوات في العديد من المحاولات لإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط. وبوصفه أحد مستشاري الرئيس المصري أنور السادات، كان بسيوني واحدا من مهندسي اتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل في عام 1978. وقد دعم مبادرة توجه أسطول الحرية إلى غزة في عام 2010. وفيما يخص الصراع الحالي في سوريا، طلب بسيوني من الأمم المتحدة إنشاء لجنة تحقيق لتجميع أدلة بشأن جرائم الحرب تمهيدا لإجراء محاكمات مستقبلية بشأن تلك الجرائم.
كان البروفسور بسيوني باحثا زائرا في مركز وودو ويلسون الدولي للباحثين في واشنطن العاصمة (في عام 1972)، وأستاذا زائرا للقانون في كلية الحقوق بجامعة نيويورك (في عام 1971) وأستاذا للقانون الجنائي الدولي في مؤسسة فولبرايت - هايز في جامعة فريبرغ في ألمانيا (في عام 1970)، وأستاذا غير متفرغ للقانون الجنائي بجامعة القاهرة في الفترة من عام 1996 إلى عام 2006. وبالإضافة إلى ذلك، عمل بسيوني محاضرا في العديد من الجامعات في الولايات المتحدة الأميركية والخارج.
خلال الفترة ما بين عامي 1973 و1980، تقلد بسيوني منصب مستشار بوزارتي الخارجية والعدل الأميركيتين في مشروعات تتعلق بالاتجار الدولي في المخدرات (في عام 1973) ومكافحة الإرهاب دوليا (في أعوام 1975 و1978 و1979) وعمل كذلك مستشارا لوزارة الخارجية الأميركية بشأن الدفاع عن رهائن الولايات المتحدة في إيران (من عام 1979 حتى عام 1980).



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.