سيناريو الانتخابات التركية المبكرة يقفز إلى الواجهة بقوة

المفوضية الأوروبية: أنقرة ابتعدت عن الاتحاد الأوروبي بخطوات كبيرة

إردوغان في البرلمان التركي (أ.ب)
إردوغان في البرلمان التركي (أ.ب)
TT

سيناريو الانتخابات التركية المبكرة يقفز إلى الواجهة بقوة

إردوغان في البرلمان التركي (أ.ب)
إردوغان في البرلمان التركي (أ.ب)

قفز سيناريو الانتخابات المبكرة في تركيا إلى الواجهة من جديد، بعد دعوة رئيس حزب الحركة القومية المعارض دولت بهشلي إلى تقديم موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية، المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وإعلان حزب العدالة والتنمية الحاكم، المتحالف معه انتخابياً، ترحيبه بالمقترح، والبدء في دراسته. وأعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، فور طرح بهشلي اقتراحه خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه بالبرلمان أمس (الثلاثاء)، أنه سيعقد اجتماعاً معه اليوم لمناقشة المقترح. وقال بهشلي إن حزب الحركة القومية يفضل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية مبكراً، انطلاقاً من اعتقاده أنه من غير المنطقي إطالة موعد الانتخابات الرئاسية. وعلى الفور، قال نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة بكير بوزداغ، تعليقاً على اقتراح بهشلي: «هذا الأمر يتم تداوله داخل أروقة حزب العدالة والتنمية، ومن ثم سيُدلى بتصريح حوله».
وتترقب الأوساط السياسية اجتماع اليوم بين إردوغان، الذي يترأس حزب العدالة والتنمية الحاكم، وبهشلي، وما سيسفر عنه بشأن إجراء الانتخابات في 26 أغسطس (آب) المقبل.
وترأس إردوغان، أمس، اجتماعين لمجلس الأمن القومي ومجلس الوزراء لمناقشة الأوضاع الداخلية والخارجية التي تؤثر على أمن تركيا، وتمديد حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر جديدة، اعتباراً من الخميس.
وفرضت حالة الطوارئ في البلاد عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في منتصف يوليو (تموز) 2016، وتم تمديدها 7 مرات، وسط انتقادات من المعارضة وحلفاء تركيا في الغرب، حيث استخدمت في حملة تطهير واسعة، شملت اعتقال أكثر من 60 ألفاً، وإقالة أو وقف أكثر من 160 ألفاً آخرين عن العمل في مختلف مؤسسات الدولة.
ويرفض حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، الموافقة على تمديد حالة الطوارئ، وقد نظم مسيرات احتجاجية في أنحاء البلاد، أول من أمس، كما يرفض إجراء الانتخابات في ظل الطوارئ.
وسيخوض حزب العدالة والتنمية الحاكم، وحزب الحركة القومية المعارض، الانتخابات المقبلة تحت مظلة تحالف انتخابي تشكل في فبراير (شباط) الماضي، وأقر البرلمان تعديلات في قانون الانتخابات والأحزاب السياسية في مارس (آذار) الماضي، تتيح للتحالفات الانتخابية خوض الانتخابات. وستجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية معاً في يوم واحد، بموجب تعديلات دستورية لإقرار النظام الرئاسي بدلاً عن النظام البرلماني، ما يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة أقرت في استفتاء شعبي في 16 أبريل (نيسان) 2017.
وقال إردوغان، أمس، إن التعديلات في الدستور ستطبق بالكامل في الانتخابات الرئاسية.
وكان الناخبون الأتراك قد وافقوا على التعديلات الدستورية بنسبة طفيفة، وصلت إلى 51.4 في المائة، ما أنعش آمال المعارضة في إنهاء سيطرة إردوغان والعدالة والتنمية على السلطة منذ 2002. واعتبر إردوغان أن التعديل الدستوري ساهم في التغلب على العقبات الموجودة أمام النظام الإداري، الذي يعد أحد أهم الأسباب للأزمات الاقتصادية والسياسية التي عانت منها تركيا خلال الحقب الماضية.
ويقول مراقبون إن طرح سيناريو الانتخابات المبكرة يرجع إلى مخاوف من استمرار تردي الوضع الاقتصادي في البلاد، مع الانهيار الذي تشهده الليرة التركية منذ أسابيع، وارتفاع معدل التضخم إلى نحو 12 في المائة، على الرغم من ارتفاع معدل النمو في 2017 إلى 7.4 في المائة، ما قد يؤثر على شعبية العدالة والتنمية.
وفي سياق متصل، عبرت المفوضية الأوروبية عن انتقادات شديدة اللهجة لسياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم. وجاء في التقرير الذي نشرته المفوضية، أمس، بشأن تقييمها لمفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، أن «تركيا ابتعدت عن الاتحاد الأوروبي بخطوات كبيرة». وركزت المفوضية، في تقريرها، بشكل خاص على ما اعتبرته تردياً في أحوال دولة القانون وحرية الصحافة والرأي، غير أن المفوضية، كما جاء في تقرير الوكالة الألمانية، لم تصدر توصية بوقف محادثات انضمام تركيا للاتحاد، وهي المحادثات المجمدة من الناحية الفعلية، حيث رأت قيادات المفوضية أن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تهدد على سبيل المثال الاتفاقات المبرمة بين الاتحاد وتركيا بشأن اللاجئين.
وتعتبر اتفاقية اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا هي السبب وراء تراجع أعداد المهاجرين الذين وصلوا في الآونة الأخيرة لأوروبا بشكل واضح، مقارنة بعام 2015. وبعد تقييم التطورات في تركيا، أجرت المفوضية أيضاً تقييماً للوضع في الدول الأخرى المرشحة للانضمام للاتحاد، وهي ألبانيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو ومقدونيا ومونتينيغرو وصربيا.
وحصلت دول البلقان الست على درجة أفضل بكثير مما حصلت عليه تركيا، وهو ما جعل المفوضية توصي ببدء المفاوضات رسمياً مع ألبانيا ومقدونيا. ولا تجرى مباحثات من هذا النوع في الوقت الحالي سوى مع مونتينيغرو وصربيا، حيث تعتبر البوسنة والهرسك وكوسوفو مرشحتين محتملتين فقط لدخول هذه المفاوضات.
ومن جانب آخر، رفضت محكمة يونانية، أمس، طلب تركيا تسليمها أحد أعضاء حزب جبهة التحرير الشعبية الثورية، المصنف كمنظمة إرهابية في تركيا، الذي يحاكم في اليونان منذ نوفمبر الماضي. وأصدرت محكمة استئناف لاريسا قراراً برفض طلب تركيا تسليمها براق أغارميش، العضو في الحزب، بناء على طلب المدعي العام الذي رفض تسليم أغارميش إلى تركيا، بدعوى أن وضع حقوق الإنسان في تركيا «غير جيد».
وهذا هو سادس طلب تسليم من تركيا، متعلق بـ9 من أعضاء الحزب اليساري المتطرف الذين ألقي القبض عليهم في نوفمبر الماضي في مداهمة لمنزل بأثينا، يرفضه القضاء اليوناني. ويحاكم هؤلاء بتهم «حيازة مواد متفجرة وأسلحة» و«عضوية منظمة إرهابية» و«حيازة وثائق مزورة».
وعثرت فرق مكافحة الإرهاب اليونانية خلال المداهمة على أدوات تستخدم في صناعة المتفجرات، ومواد متفجرة، وهويات مزورة. ونشرت وسائل إعلام يونانية أن هناك مؤشرات على أن المجموعة كانت تحضر لشن هجوم خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لليونان، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...