حفتر يمهل رعايا قطر وتركيا 48 ساعة لمغادرة شرق ليبيا

البرلمان يقر ميزانية الدولة بمقدار 46 مليار دولار

سيف الإسلام القذافي ينتظر محاكمته وراء القضبان في الزنتان أمس (رويترز)
سيف الإسلام القذافي ينتظر محاكمته وراء القضبان في الزنتان أمس (رويترز)
TT

حفتر يمهل رعايا قطر وتركيا 48 ساعة لمغادرة شرق ليبيا

سيف الإسلام القذافي ينتظر محاكمته وراء القضبان في الزنتان أمس (رويترز)
سيف الإسلام القذافي ينتظر محاكمته وراء القضبان في الزنتان أمس (رويترز)

في تصعيد جديد في ليبيا، منح الجيش الوطني الذي يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الرعايا القطريين والأتراك مهلة 48 ساعة اعتبارا من لمنتصف ليلة أول من أمس، لمغادرة شرق ليبيا المضطرب، متهما الدولتين بدعم «الإرهاب». وهدد العقيد محمد حجازي، الناطق باسم الجيش الوطني، في تصريحات له أمس باعتقال أي من المواطنين الأتراك أو القطريين عقب انتهاء هذه المهلة، وقال إن «الجيش الوطني سيتخذ في حقهم الإجراءات اللازمة».
ولم يعلن حجازي تفسيرا رسميا لهذا القرار المفاجئ، لكنه كشف في المقابل لوسائل إعلام محلية النقاب عن تقارير تتحدث عن أن بعض من يحملون الجنسيتين، التركية والقطرية، يعملون كـ«عناصر مخابراتية» على الأراضي الليبية. وقال حجازي إنه يجب على كل مواطني تركيا وقطر مغادرة ليبيا في غضون 48 ساعة، موضحا أنه ينبغي على القطريين والأتراك مغادرة المنطقة الممتدة من بلدة مساعد على الحدود مع مصر إلى مدينة سرت في وسط ليبيا، مهددا أن قوات حفتر «غير مسؤولة عمن يحملون هاتين الجنسيتين على الأراضي الليبية».
وجاءت هذه الخطوة عقب اتهام حفتر لقطر قبل نحو أسبوعين بدعم الميليشيات المسلحة في ليبيا وبالتورط في محاولة اغتياله الأخيرة. وتقول عدة أطراف ليبية وعربية، إن تركيا وقطر تدعمان جماعة الإخوان المسلمين، التي أعلنتها مصر ودول خليجية عربية مثل السعودية منظمة «إرهابية».
وكانت وزارة الخارجية التركية أعلنت في الرابع عشر من الشهر الحالي، أن أنقرة سحبت دبلوماسييها بشكل مؤقت من قنصليتها بمدينة بنغازي ونصحت رعاياها بالرحيل، بعد انفجار انتحاري استهدف نقطة تفتيش تتبع الجيش في برسس، على بعد 50 كيلومترا شرق بنغازي، مما أسفر عن مقتل المهاجم وإصابة ستة آخرين. وتركيا من آخر الدول التي أبقت على تمثيل دبلوماسي في بنغازي، في حين ما زالت بعثة دبلوماسية محدودة تمثلها في العاصمة الليبية طرابلس.
من جهة أخرى، عاد الهدوء مجددا إلى وسط مدينة بنغازي، حيث انتشرت قوة عسكرية تابعة للكتيبة 21 صاعقة، وعناصر من جهاز الإسناد الأمني، في محيط ميناء بنغازي البحري عقب هجوم مسلح شنه مسلحون على عناصر الغرفة الأمنية المشتركة المتمركزة أمام بوابة الميناء، مما أسفر عن سقوط أربعة قتلى و15 جريحا، بحسب مصادر طبية ليبية.
وقالت الغرفة الأمنية في بيان لها، إن عصابات مسلحة هاجمت قوات تابعة لها متمركزة بميناء بنغازي الرئيس أثناء قيامها بحرق كمية من مخدر الحشيش جرى ضبطها بالميناء أول من أمس بحضور النيابة العامة، مؤكدة أن هذه الأعمال الإجرامية لن تثنيها عن قيامها بواجبها تجاه مدينة بنغازي وأهلها.
من جهته، قال العقيد ونيس بو خمادة، آمر القوات الخاصة، إن الهجوم المسلح ضد ميناء بنغازي كان بهدف الاستحواذ على سبعة أطنان من الحشيش، مشيرا في تصريحات لقناة تلفزيونية مساء أول من أمس إلى أن قواته لم تشارك بقوة حفاظا على حياة المدنيين، كون المسلحين كانوا يوجدون وسط السكان.
وكان محمد العمامي، مدير ميناء بنغازي، أعلن وفقا لوكالة الأنباء المحلية، أن مكتب مكافحة التهريب والمخدرات بالتعاون مع الجهات الأمنية، ضبط نحو ستة أطنان من مخدر الحشيش مخبأة في صناديق فواكه في ثلاث حاويات مبردة بطول أربعين قدما على متن سفينة قادمة من مالطا.
لكن مصدرا مسؤولا قلل لوكالة الصحافة الفرنسية من دقة رواية الغرفة الأمنية، قائلا إن «خلفيات الاشتباكات راجعة للحساسيات المعلنة بين الجيش والثوار»، بينما قال متحدث باسم الثوار، إن «قوات من الجيش حاولت الدخول إلى معسكر للثوار يقع بالقرب من ساحة الحرية في المدينة وتعرضوا لمواجهة من قبل سكان المنطقة وثوارها». ويقع المعسكر المذكور بمقابل ميناء بنغازي البحري وتحديدا في الساحة التي شهدت اعتصامات الثورة طيلة عام 2011.
وكانت القوات الخاصة والصاعقة ومشاة البحرية وسلاح الجو والقوات البرية وعدد من وحدات مديرية الأمن أعلنت انشقاقها الشهر الماضي عن المؤسسات الرسمية للدولة وانضمت للقوة شبه العسكرية التي يقودها اللواء حفتر، في حين تتكون قوات درع ليبيا من الثوار السابقين الذين أسهموا في إسقاط نظام معمر القذافي في عام 2011 ويعد معظم أفرادها المنضوون تحت رئاسة الأركان العامة للجيش شكليا من الإسلاميين. في غضون ذلك، عدت الحكومة الانتقالية أن المشاركة في الانتخابات البرلمانية لاختيار مجلس النواب الجديد رسالة واضحة على عزم الشعب الليبي لبناء دولته الديمقراطية. وقال أحمد الأمين، الناطق الرسمي باسم الحكومة التي يترأسها عبد الله الثني، إن اللجنة الوزارية المشكلة لدى الحكومة اتخذت كل التدابير اللازمة لإنجاح هذا العمل الديمقراطي من خلال توفير الأمن في جميع مراكز الاقتراع بليبيا ونشر رجال الشرطة والجيش لهذا الغرض.
من جانبه، عد عماد السايح، رئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الاحتكام إلى صناديق الاقتراع هو الخيار الوحيد أمام الليبيين جميعا في هذه المرحلة. وقال في كلمة لدى افتتاح المركز الإعلامي للمفوضية، إن «الانتخابات القادمة تؤسس لمبدأ التداول السلمي للسلطة، وتعزز مستقبلا بناء دولة ديمقراطية». وبعدما لفت إلى أن «المفوضية هي أداة لتحقيق آمال وتطلعات شعبنا نحو مستقبل أفضل يعمه الوئام والرخاء». أشاد السايح بالمؤتمر الوطني العام (البرلمان) وحكومة الثني، لتوفيرهما متطلبات العملية الانتخابية القادمة.
على صعيد آخر، أعلن متحدث باسم المؤسسة الوطنية للنفط الليبية الحكومية، إن ميناء مرسى الحريقة النفطي في شرق ليبيا أعيد فتحه واستقبل أول ناقلة لتحميل شحنة من النفط، بعدما دفعت الحكومة رواتب محتجين من حراس أمن حكوميين في الميناء. وقال متحدث باسم الشركة المشغلة للميناء، إن ناقلة ثانية مستعدة للرسو، لكن المحادثات لا تزال مستمرة مع محتجين يشتكون من أن حكومة طرابلس لم تلب جميع مطالبهم.
ونقلت وكالة «رويترز» عن محمد الحراري، المتحدث باسم المؤسسة الوطنية للنفط، أنه جرى تحميل الناقلة الأولى بشحنة قدرها 750 ألف برميل من النفط في ميناء مرسى الحريقة أول من أمس، وأنه كان من المتوقع تحميل الناقلة الثانية أمس بشحنة قدرها 600 ألف برميل. لكن المتحدث باسم شركة الخليج العربي للنفط (أجوكو) المشغلة للميناء عمر الزوي قال إن حرس المنشآت النفطية سمحوا أمس بدخول الناقلة الأولى كبادرة على حسن النيات بعدما تلقوا رواتبهم المتأخرة عن شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) الماضيين. وأضاف الزوي، أن «هناك ناقلة أخرى تنتظر التحميل، لكن المفاوضات مستمرة مع حرس المنشآت النفطية للسماح ببدء تحميل الناقلة نظرا لأنهم لم يتلقوا بعد مرتبات شهر مايو (أيار)».
وقال الحراري، إن حقل الفيل النفطي في غرب ليبيا - الذي تديره المؤسسة الوطنية للنفط وإيني الإيطالية - يعمل بشكل طبيعي بعد انتهاء الاحتجاجات هناك منذ نحو أسبوع، وينتج 95 ألف برميل يوميا، مشيرا إلى أن ذلك سيرفع إجمالي إنتاج ليبيا من النفط إلى 270 ألف برميل يوميا. وأضاف أن هناك جهودا قائمة لإعادة فتح حقل الشرارة النفطي في جنوب غربي البلاد، والذي تبلغ طاقته 340 ألف برميل يوميا، علما بأن محتجين أغلقوا الميناء وخط الأنابيب الذي يمتد منه الإنتاج عدة مرات منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.