موسم العودة إلى اليمين في أميركا اللاتينية

من المكسيك شمالاً إلى الأرجنتين وتشيلي جنوباً

موسم العودة إلى اليمين في أميركا اللاتينية
TT

موسم العودة إلى اليمين في أميركا اللاتينية

موسم العودة إلى اليمين في أميركا اللاتينية

لم تشهد منطقة في العالم ما شهدته أميركا اللاتينية خلال العقود الخمسة الأخيرة من تقلبّات حادة في الأنظمة السياسية؛ تأرجحت بين الديكتاتوريات العسكرية الدامية، التي ما زالت ملفّات ممارساتها الوحشية مفتوحة إلى اليوم وبين الثورات الشعبية واليسارية المسلّحة التي تفجّرت ضد أنظمة القمع والإقطاع والاستبداد، ثم انتهت بإرساء أنظمة كانت في أحيان كثيرة أشدّ قمعاً واستبداداً.
وبالمناسبة، يتفّق باحثون كثرٌ على أن جذور الأنظمة الإقطاعية والاستبدادية في أميركا اللاتينية تضرب في الموروث الاجتماعي والسياسي من عهود «الفتح» الإسباني والبرتغالي، الذي حمل معه أنماط الحكم الإقطاعي إلى شبه القارة في نهاية القرن الخامس عشر. ويُرجع هؤلاء نشوء الديكتاتوريات العسكرية إلى تأثير الحركة النازية التي فرّ العديد من قادتها إلى بلدان أميركا الجنوبية، واستقرّوا فيها بعد سقوط «الرايخ الثالث»، وبنوا علاقات وطيدة مع النخب العسكرية، خصوصاً في البلدان الأميركية الجنوبية. أما الأنظمة اليسارية والاشتراكية فظهرت غالباً نتيجة المسرى الطبيعي للتطورات السياسية، وكانت الوليد الشرعي للعلاقة السببية التي تحكم التغييرات الاجتماعية في النظم الاستبدادية على مر التاريخ، لكنها لم تترسّخ إلا في كنف شطرنج «الحرب الباردة»، وسعي الاتحاد السوفياتي إلى تطويق واشنطن من حديقتها الخلفية، أو الضغط عليها من خاصرتها الجنوبية.
يستدلّ من التطورات التي تشهدها عدد من بلدان أميركا اللاتينية منذ العام الماضي أن هيمنة الأحزاب والقوى اليسارية والشعبوية على المشهد السياسي خلال العقد الأخير من القرن الماضي والعقد الأول من هذا القرن، قد بدأت تتجه نحو الأفول أمام تقدّم الأحزاب اليمينية في بلدان مثل الأرجنتين والبرازيل والبيرو وتشيلي وغواتيمالا والباراغواي.
هذه التطورات جاءت إما نتيجة التناوب الديمقراطي علـى السلطة بعد الانتخابات، أو بفعل منعطفات شبه انقلابية فرضتها الملاحقات القضائية لفضائح الفساد، أيقظت في المخيّلة الشعبية - وبخاصة في أوساط المحللين والخبراء السياسيين - صورة اليمين العائد إلى السلطة من بوابة «نهاية الدورة» للأنظمة التقدمية.
ويستفاد من الدراسات التي أجرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية (سيبال) (CEPAL) أن انحسار «الموجة الحمراء» في هذه المنطقة لا يشكّل مفاجأة لمن يتابع عن كثب دورة التقلبات الاقتصادية، ويقرأ التطورات السياسية في ضوئها. إذ يتبيّن أن ثمة علاقة سببية واضحة بين المسرى الاقتصادي والتحولات السياسية الكبرى منذ مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، تتعاقب فصولها على وقع التطورات والأزمات الاقتصادية والمالية في العالم وتداعياتها على الساحة الأميركية اللاتينية.

معدلات النمو
في سبعينات وثمانينات القرن الماضي تراوح معدّل النمو الاقتصادي في أميركا اللاتينية بين 4 في المائة و5 في المائة، مقارنة بمعدل 2.5 في المائة، الذي استقرّ عنده النمو منذ الاستقلال تقريباً حتى منتصف ستينات القرن العشرين، ومع الارتفاع الكبير لأسعار النفط ومعظم المواد الأولية في بداية السبعينات شهدت المنطقة الممتدة بين جنوب الولايات المتحدة والقطب الجنوبي فورة استثمارية وارتفاعاً ملحوظاً في الإنفاق العام، وشاعت أجواء الرخاء الاقتصادي لترسّخ الديكتاتوريات العسكرية التي كانت سائدة في نصف بلدان أميركا اللاتينية تقريباً. ومن ثم، ساد اعتقاد بأن البحبوحة الاقتصادية وتدنّي معدلات البطالة ما هما إلا النتيجة الطبيعية لتثبيت الأمن الاجتماعي وتوطيد الاستقرار على يد الأنظمة المتشددة.
إلا أن تلك الفترة لم يكتب لها الدوام في منطقة تتحرك على وقع الاقتصاد الأميركي ومؤشر اهتمام واشنطن بـ«حديقتها الخلفية» اللاتينية. وحقاً، في منتصف الثمانينات، قررت الولايات المتحدة رفع معدلات الفائدة لاحتواء الموجة التضخمية الجامحة التي كانت تعاني منها، فدخلت أميركا اللاتينية مرحلة من الركود الاقتصادي بفعل خروج كثيف للرساميل الوطنية التي جذبتها العائدات المرتفعة لسندات الخزينة الأميركية، وتزامن ذلك مع انهيار أسعار بعض المواد الأولية التي يقوم عليها اقتصاد بعض البلدان في المنطقة.
هذه كانت فترة «العقد الضائع» التي تراجعت خلالها المعدلات الإنتاجية، ورافقتها أزمة نقدية ومصرفية سرعان ما ولَّدت موجة عارمة من الاستياء والاحتجاجات الاجتماعية، وأدّت هذه الموجة إلى انهيار الأنظمة الديكتاتورية والحكومات العسكرية التي كانت واشنطن قد بدأت تتخلى عنها. وحدها كوبا «الكاستروية» صمدت في وجه ذلك الإعصار، وبقيت لحية «الرفيق» فيديل متدليّة بتحدٍّ وإباء على مرمى حجر من سواحل ولاية فلوريدا الأميركية.

خطط وفق مبادئ واشنطن
معظم الحكومات اليمينية التي ورثت الأنظمة العسكرية بمباركة من الولايات المتحدة وضعت خطط إنقاذٍ اقتصادية قامت على المبادئ الأساسية التي كانت واشنطن قد فرضتها عبر «توافق واشنطن» بواسطة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أي: انضباط ضريبي صارم، واستقرار في الأسعار، وخصخصة مؤسسات الخدمات العامة، و«تحرير» التجارة والمبادلات المالية. وتجدر الإشارة هنا إلى ما قالته المديرة الحالية لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد في حديث خاص بـ«الشرق الأوسط»، على هامش اجتماع وزراء المال وحكّام المصارف المركزية في «مجموعة العشرين»، وهو أن «الصندوق يجري مراجعة داخلية لتأثير التدابير التي فرضها على بلدان أميركا اللاتينية أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من حيث قدرة تلك البلدان على استيعاب تداعياتها الاجتماعية وصمود الأنظمة السياسية في وجه تلك التداعيات».
وفي منتصف التسعينات كانت أزمة الديون في أميركا اللاتينية قد دخلت مرحلة الانفراج الأخيرة بعد المقايضة التي فرضتها واشنطن عبر صندوق النقد: خفض الديون مقابل «الإصلاحات» الاقتصادية، بينما كانت معدلات الفائدة في الولايات المتحدة قد تدنّت إلى مستويات مغرية استقطبت رؤوس الأموال مجدداً إلى أميركا اللاتينية. وهكذا ساد اعتقاد بأن أسواق المال هي التي ستضبط إيقاع الإنفاق في منطقة اتُهم قطاعها العام بسوء الإدارة والتبذير، على اعتبار أن المؤسسات العامة المستوفية شروط الملاءة وحسن الأداء هي وحدها المؤهلة للحصول على القروض والشروط التمويلية الميسّرة. بدا يومها أن «خلطة» الديمقراطية مع السياسات الاقتصادية والمالية الليبرالية هي العلاج الناجع للأزمات السياسية والاجتماعية التي تعاني منها دول المنطقة منذ عقود. لكن الاندلاع المفاجئ للأزمة المالية الآسيوية والإعسار الروسي أواخر التسعينات أحدثا ارتباكاً كبيراً في الأسواق العالمية، ما أدّى لهروب كميات ضخمة من رؤوس الأموال إلى خارج الأسواق الناشئة تحسبّاً لتداعيات مشابهة فيها، فعادت أميركا اللاتينية مجدداً لدوامة الاضطرابات الاجتماعية والاحتجاجات الشعبية على وقع انكماش اقتصادي حاد وأزمة نقدية ومديونية عالية.

بداية الألفية الثالثة
مع بداية الألف الثالث كانت الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية تسيطر على المشهد الاجتماعي في أميركا اللاتينية، ما أدى إلى تهاوي الحكومات اليمينية واحدة تلو الأخرى، منهزمة أمام الأحزاب والقوى اليسارية... وأحياناً اليسارية الشعبوية.
غير أن الحكومات اليسارية المعتدلة - خلافاً لليسارية الشعبوية التي قامت في فنزويلا والإكوادور وبوليفيا - لم تتخلّ عن الركائز الاقتصادية التي كانت في أساس برامج الحكومات اليمينية، مثل الانضباط الضريبي الصارم وضبط التضخم والأسواق المفتوحة، بل استندت إليها لوضع برامج اجتماعية طموحة لإعادة توزيع الثروة. وساعد على تمويل هذه البرامج المكلفة ارتفاع أسعار المواد الأولية مع بداية القرن وعودة الرساميل الأجنبية التي بلغت مستويات غير مسبوقة عام 2012 عندما بدأت الدول الصناعية تسعى وراء عائدات أفضل لاستثماراتها بعد الأزمة العالمية في 2008.
ومرة أخرى ساعد ارتفاع عائدات الصادرات من المواد الأولية و«تسونامي» الاستثمارات المالية المباشرة على حدوث طفرة اقتصادية لا سابق لها، ما رسّخ الاعتقاد بأن النجاح الاقتصادي مرهون حصراً بالسياسات الوطنية الناجحة، وبالانتقال السلمي للسلطة عبر الانتخابات الديمقراطية. ولكن مع بداية العقد الحالي هبّت على المنطقة رياح الركود الاقتصادي من جديد على وقع الأزمة في منطقة «اليورو» وتباطؤ النمو في الصين والانهيار الجديد في أسعار المواد الأولية وهروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة نحو ملاذات استثمارية آمنة.
وأفرطت الحكومات في ادعاءاتها بأن البحبوحة الاقتصادية والإنجازات الاجتماعية كانت «ثمرة» السياسات التي اتبعتها، وليست وليدة الظروف الإقليمية والدولية المواتية، ونجحت لفترة في إقناع الناخبين بصحة تلك الادعاءات، فقامت المظاهرات وعمّت الاحتجاجات عواصم البلدان التي كانت ترزح تحت وطـأة الإجراءات التقشفية والتسريحات الجماعية للعمال وخفض الخدمات الأساسية. وإذ تزامن ذلك مع انكشاف فضائح فساد كبرى طالت مسـؤولين من مستوى رؤساء الجمهورية، بدأ موسم العودة إلى الأنظمة اليمينية في بعض البلدان مثل الأرجنتين وتشيلي والبيرو، «مبشّراً» بفصول مشابهة في البلدان الأخرى المقبلة على انتخابات اشتراعية أو رئاسية هذه السنة.

البرازيل... و«لولا»
في البرازيل، كبرى بلدان أميركا اللاتينية وأقوى قواها الاقتصادية، يضيق هامش المناورة أمام الرئيس الأسبق لويس «لولا» دا سيلفا في مواجهة الملاحقات القضائية التي قد تنتهي بزجّه في السجن قريباً، وحرمانه من الترشّح لانتخابات الرئاسة في الخريف المقبل مع أنه ما زال السياسي الأكثر شعبية في البلاد. كذلك يخضع الرئيس الحالي ميشال تامر لملاحقات قانونية بتهم أكثر خطورة استطاع حتى الآن الالتفاف عليها بفضل الأكثرية البرلمانية التي يتمتع بها، والتي ترفض رفع الحصانة عنه، وأيضاً لأن أحداً من حزبه لا يرغب في خلافته راهناً.
لكن المفاجأة الحقيقية في الانتخابات البرازيلية لن تأتي من صدور حكم يحول دون ترشّح «لولا» الذي يستعدّ مرشّح آخر متحدر من أصل لبناني هو فرناندو حدّاد لخلافته، بل من النجم الشعبوي الصاعد جاير بولسونارو، الذي بات يعرف بـ«ترمب البرازيلي» لما في برنامجه وأسلوبه من تشابه مع برنامج الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومسلكه الشخصي. عندما أعلن هذا العسكري السابق والنائب عن ريو دي جانيرو ترشّحه أواخر العام الماضي كانت نسبة التأييد الشعبي له دون العشرة في المائة، لكن الاستطلاعات الأخيرة أظهرت ارتفاعاً كبيراً في شعبيته التي قاربت 25 في المائة ليغدو منافس «لولا» الأول.
لا يوارب بولسونارو في إشهار تأييده للديكتاتورية العسكرية السابقة في البرازيل، ولا يتورّع عن القول: «إن الديكتاتورية أخطأت عندما عذّبت ولم تقتل»، ثم إنه يدافع عن حق المواطنين في اقتناء السلاح والإعدامات خارج القانون للمجرمين وتجار المخدرات على طريقة رودريغو دوترتي رئيس الفلبين. ويعزو المراقبون الصعود السريع في شعبيته لموجة العنف التي تجتاح البرازيل بمعدّل 60 ألف جريمة قتل سنوياً، ولاقتناع كثيرين بأن لا مخرج حالياً من الأزمات السياسية والاقتصادية والأخلاقية بالطرق التقليدية.

«الجارة» المكسيك
أما المكسيك، ثاني كبرى دول المنطقة و«جارة الولايات المتحدة»، فتستعّد من جهتها لانتخابات عامة ورئاسية في مطلع يوليو (تموز) المقبل في أجواء من القلق الاجتماعي والأمني المتزايد، نتيجة موجة العنف غير المسبوقة والتأزم في العلاقات مع واشنطن بعد دخول ترمب إلى البيت الأبيض.
المرشح الأوفر حظاً حتى الآن هو الزعيم الشعبوي لوبيز أوبرادور، الذي هُزم في الانتخابات الرئاسية عام 2006 بعد فضيحة مدوّية بتزوير النتائج، ورفضه لأشهرٍ القبول بها. وبينما يعلّق المكسيكيون آمالاً كبيرة على أوبرادور لمكافحة الفساد المستشري وتطهير الإدارة من كبار المسؤولين المتهمين بالتواطؤ مع تجّار المخدرات والمنظمات الإجرامية التي تنشر الرعب في البلاد، يخشى مراقبون من تفاقم العلاقة المتوترة مع واشنطن في هذه المرحلة الحساسة التي يعيد الطرفان خلالها التفاوض حول «اتفاقية التجارة الحرة» التي تشكّل حجر الأساس بالنسبة لعلاقات المكسيك التجارية مع محيطها الإقليمي والركيزة الأساسية لاقتصادها.

كوبا... والحليف الفنزويلي
في أي حال، الرياح اليمينية التي تهبّ مجدداً على أميركا اللاتينية كالأعاصير الموسمية التي اعتادت عليها المنطقة، ستتلاشى مرة أخرى أمام السواحل الكوبية التي ما زالت عصيّة على أي تغيير حقيقي، وليس هناك ما يدلّ على أنها ستتمكّن من اختراق الستار المنسدل على الكارثة التي تعصف منذ سنوات في فنزويلا. ففي التاسع عشر من الشهر الحالي سيترجل راؤول كاسترو عن صهوة الثورة التي اختصرها مع شقيقه الأكبر فيديل طوال ستة عقود، وللمرة الأولى سيتولّى مقاليد السلطة فيها رئيس لا يحمل كِنية كاسترو.
ميغيل ديّاث كانيل هو الخلَف الذي وقع الاختيار عليه ليقود هذه الثورة المعمّرة والمنهكة التي أوقدت نيران الحركات اليسارية في طول أميركا اللاتينية وعرضها، والتي تجهد للبقاء منذ سنوات بفضل المساعدات التي يضخّها النظام الفنزويلي في عروق اقتصادها المتيبّسة بعد انهيار الراعي السوفياتي وانقطاع مساعداته السخيّة.
أهميّة كوبا في معادلة اليمين واليسار لا تقتصر على رمزيتها العالية إقليمياً وعالمياً، بل تكمن اليوم خصوصاً في سيطرتها شبه الكاملة على نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، التي رغم الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي تتخبّط فيه، تملك أحد أكبر مخزونات العالم النفطية. ومنذ صعود الرئيس الفنزويلي اليساري السابق أوغو تشافيز إلى الحكم، بمساعدة مباشرة من نظام كاسترو، سخّرت كوبا أفضل مهاراتها ومؤسساتها ومواردها للتحكّم بمراكز القرار الهامة للحكومة الفنزويلية في كراكاس انطلاقاً من اعتبار استقرار النظام الكوبي مرهوناً ببقاء حكومة موالية له في فنزويلا. التعيينات الرئيسة في القوات المسلحة والسلطة القضائية وأجهزة الأمن والاستخبارات كانت تستند إلى «المشورة» أو التوجيهات الكوبية. ورغم الأزمة المعيشية والتموينية الطاحنة التي تعاني منها فنزويلا، ما زالت الإمدادات النفطية المجانية مستمرة لكوبا. كذلك تسدد الحكومة الفنزويلية بسخاء فاتورة عشرات الآلاف من الأطباء والمدرّبين والمستشارين الكوبيين المنتدبين لمساعدة فنزويلا، فضلاً عن العمولات التي تتقاضاها المؤسسات الرسمية الكوبية التي تلعب دور الوسيط في صفقات الاستيراد الفنزويلية للمواد الغذائية وغيرها. وبفضل المساعدات النفطية التي تقدمها فنزويلا إلى البلدان الجُزُرية في البحر الكاريبي، ونفوذ النظام الكوبي في الجهاز الدبلوماسي الفنزويلي، استطاعت سلطات هافانا استقطاب هذه البلدان بعدما أخرجتها من دائرة نفوذ واشنطن.
بيد أن الوضع في فنزويلا بلغ درجة من الانهيار وتراجع التأييد الشعبي للنظام بحيث بات من المستحيل المراهنة على بقائه بالصيغة الحالية. وما عاد مستبعداً في مثل هذه الظروف، خصوصاً بعد تجميد واشنطن سياسة الانفتاح علـى كوبا، أن تتجه هافانا إلى ما تتداوله بعض الأوساط الدبلوماسية عن «صفقة» مع بعض أطياف المعارضة الفنزويلية التي تسيطر على ثلثي مقاعد البرلمان، تقصي مادورو عن السلطة وتأتي برئيس تؤمّن له كوبا الدعم الاستشاري واللوجيستي بفضل شبكة أنصارها في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، مقابل الحفاظ على المساعدات الاقتصادية الحيوية بالنسبة للنظام الكوبي.
مثل هذه الصفقة من شأنها أن تفتح باباً لحلحلة الأزمة السياسية المستعصية ومعالجة الوضع الإنساني المتدهور في فنزويلا، وتسلّم السلطة إلى حكومة يمينية، ولكن بغطاء ودعم من آخر ثورة شيوعية على قيد الحياة في العالم.

أميركا اللاتينية... في سطور
> «أميركا اللاتينية» مصطلح عرقي جغرافي يُطلق على مجموعة البلدان الواقعة في القارة الأميركية، التي تتكلم إحدى اللغات المشتقّة من اللاتينية (نسبة إلى منطقة لاتزيو الإيطالية التي تقع فيها مدينة روما)، خصوصاً الإسبانية والبرتغالية، وبنسبة أقلّ الفرنسية.
ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى في مطالع القرن التاسع عشر الميلادي، وما زال إلى اليوم موضع انتقاد ومثار جدل لتجاهله الحضارات واللغات التي كانت قائمة في تلك البلاد قبل الفتح الإسباني. وهو الفتح - أو الاحتلال - الذي عقب وصول كريستوف كولومبوس وسيطرته على جزء كبير من القارة الأميركية، ثم الفتح البرتغالي الذي سيطر على ما بات اليوم البرازيل، وتبعته بريطانيا وفرنسا وهولندا التي سيطرت على مجموعة من الجزر الصغيرة ما زال بعضها تابعاً لها إلى اليوم.
ويرى باحثون وحركات عديدة أن مفهوم أميركا اللاتينية، أو بعض مرادفاته مثل «أميركا الأيبرية» أو «أميركا الإسبانية»، لا يعكس الواقع التاريخي والحضاري والعرقي لتلك المنطقة. إذ إنه يتجاهل مئات الثقافات وعشرات الحضارات المزدهرة التي كانت قائمة فيها قبل وصول الأوروبيين. ثم إن الشعوب أو الأعراق المحلية التي كانت تعيش فيها، ما زالت إلى اليوم تشكّل غالبية السكان في بعض البلدان مثل بوليفيا والبيرو وغواتيمالا والإكوادور.
معظم البلدان الأميركية اللاتينية نالت استقلالها عن إسبانيا والبرتغال وفرنسا في القرن التاسع عشر على خطى الحركة الاستقلالية المناهضة للاستعمار البريطاني، التي انطلقت في الولايات المتحدة في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. وتبلغ المساحة الإجمالية لبلدان أميركا اللاتينية نحو 20 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 13.5 في المائة من مساحة الكرة الأرضية، ويناهز عدد سكانها 625 مليون نسمة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».