الأنشطة المرمزة تزيد صعوبة محاربة البرمجيات الخبيثة

القراصنة يحولون الخدمات السحابية أسلحة لخدمة أهدافهم

لاحظ الباحثون ارتفاعاً يفوق ثلاثة أضعاف في حجم اتصالات الشبكات المرمّزة المستخدمة في عينات البرمجيات الضارة التي تمكنوا من الكشف عنها خلال 12 شهراً (رويترز)
لاحظ الباحثون ارتفاعاً يفوق ثلاثة أضعاف في حجم اتصالات الشبكات المرمّزة المستخدمة في عينات البرمجيات الضارة التي تمكنوا من الكشف عنها خلال 12 شهراً (رويترز)
TT

الأنشطة المرمزة تزيد صعوبة محاربة البرمجيات الخبيثة

لاحظ الباحثون ارتفاعاً يفوق ثلاثة أضعاف في حجم اتصالات الشبكات المرمّزة المستخدمة في عينات البرمجيات الضارة التي تمكنوا من الكشف عنها خلال 12 شهراً (رويترز)
لاحظ الباحثون ارتفاعاً يفوق ثلاثة أضعاف في حجم اتصالات الشبكات المرمّزة المستخدمة في عينات البرمجيات الضارة التي تمكنوا من الكشف عنها خلال 12 شهراً (رويترز)

يزداد تعقيد البرمجيات الضارة والخبيثة في الوقت الذي بدأ فيه المهاجمون بتحويل الخدمات السحابية إلى أسلحة تخدم أطماعهم، بينما يتفادون اكتشافهم من خلال الترميز المستخدم كأداة لإخفاء أنشطة القيادة والتحكم. ولتقليل الزمن المتاح للعمل لدى تلك الجهات، يقول خبراء الأمن بأنهم سيواصلون الاستفادة من الأدوات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي ويقضون المزيد من الوقت في التعامل معها، وذلك بحسب النسخة الحادية عشرة من تقرير «سيسكو» السنوي للأمن الإلكتروني 2018.
وفيما يهدف الترميز أصلاً إلى تعزيز الأمن، فإن الحجم المتزايد من الحركة المرمّزة عبر الإنترنت (والتي بلغت 50 في المائة في أكتوبر/تشرين الأول 2017)، سواء للأنشطة المشروعة أو الضارة، أدى إلى فرض مزيد من التحديات التي يواجهها خط الدفاع من الخبراء الذين يبذلون جهودهم لتحديد التهديدات المحتملة ورصدها. ولاحظ الباحثون المختصون بالتهديدات لدى «سيسكو» ارتفاعاً يفوق ثلاثة أضعاف في حجم اتصالات الشبكات المرمّزة والمستخدمة في عينات البرمجيات الضارة التي تمكنوا من الكشف عنها خلال فترة 12 شهراً.
ويمكن لتطبيق تقنيات التعلّم الآلي المساعدة في تعزيز الدفاعات الأمنية للشبكة، بحيث يمكنها مع مرور الوقت «تعلّم» كيفية الكشف التلقائي عن الأنماط غير المعتادة في الحركة المرمّزة على الشبكة أو البنية السحابية أو في بيئات إنترنت الأشياء. وصرّح بعض مسؤولي أمن المعلومات الذين أجريت معهم مقابلات لتقرير دراسة المقارنة المعيارية للقدرات الأمنية 2018، وعددهم 3600 مسؤول، أنهم كانوا يتطلعون لإضافة أدوات كالتعلّم الإلكتروني والذكاء الاصطناعي، إلا أنهم أصيبوا بالإحباط نظراً لعدد الإنذارات الخاطئة التي تطلقها الأنظمة. ففيما لا تزال تقنيات التعلم الإلكتروني والذكاء الاصطناعي في مراحلها المبكرة، فإنها بحاجة لمزيد من الوقت لتنضج وتتعلم ماهية الأنشطة «العادية» في بيئات الشبكات التي تعمل على مراقبتها.
في هذا السياق قال سكوت مانسون، رئيس الأمن الإلكتروني لدى «سيسكو» في الشرق الأوسط وأفريقيا: «يبيّن تطور البرمجيات الضارة في العام الماضي أن خصومنا ماضون في تعلّم المزيد، وأن علينا الآن رفع معاييرنا وجعل الأمن أحد اهتمامات القيادة وركيزة من ركائز الأعمال، بالإضافة إلى الاستثمار في التقنيات والممارسات الأمنية الفعالة. فهناك مخاطر جمّة، وتقع على عاتقنا مسؤولية التخفيف من تلك المخاطر».
وجاءت أبرز ملامح التقرير السنوي للأمن الإلكتروني 2018 كالآتي:
> التكلفة المالية للهجمات لم تعد مجرد أرقام افتراضية: فوفقاً للمشاركين في الدراسة، أدت أكثر من نصف الهجمات إلى إيقاع أضرار مادية تفوق قيمتها 500 ألف دولار أميركي في كل مرة، تشمل - على سبيل المثال لا الحصر - خسائر في الإيرادات والعملاء والفرص والتكاليف المدفوعة.
> الهجمات على سلسلة التوريد تزداد سرعة وتعقيداً. فبات يمكن لتلك الهجمات التأثير على أجهزة الحاسوب على نطاق ضخم بحيث يستمر أثرها لأشهر أو حتى سنوات. ولا بد للمدافعين أن يدركوا المخاطر المحتملة التي قد تترتب على استخدام البرمجيات أو الأجهزة لدى مؤسسات ذات موقف أمني غير مواتٍ.
> ضربت هجمتان مماثلتان المستخدمين عام 2017، وهما «نيتيا» و«سي كلينر»، بعد أن هاجمتا برمجيات موثوقة. فعلى المدافعين مراجعة اختبارات فعالية التقنيات الأمنية للطرف الثالث للمساعدة في تخفيض المخاطر المترتبة على هجمات سلسلة التوريد.
> الأمن يصبح أكثر تعقيداً فيما يتّسع نطاق الاختراق الأمني. إذ يطبق المدافعون عن أمن الشبكات مزيجاً معقداً من المنتجات التي تقدمها مجموعة من المزودين بهدف الحماية من الخرق الأمني، إلّا أن للتعقيد المتزايد ونمو حالات الاختراق آثارا ملموسة تثبّط من قدرات المؤسسة على الدفاع ضد الهجمات، كارتفاع مخاطر تعرضها للخسائر.
وفي عام 2017، قال 25 في المائة من خبراء الأمن إنهم استخدموا منتجات من 11 إلى 20 مزوداً مختلفاً، مقارنة مع 18 في المائة من خبراء الأمن عام 2016.
وقال خبراء الأمن إن 32 من حالات الاختراق أثرت على أكثر من نصف أنظمتهم، مقارنة مع 15 في المائة عام 2016.
> خبراء الأمن يرون قيمة أدوات التحليل السلوكي في تحديد مواقع المهاجمين على الشبكات. وقال 92 في المائة من خبراء الأمن إن أدوات التحليل السلوكي تحقق نتائج جيدة، فيما يرى ثلثا العاملين في القطاع الصحي، يليه قطاع الخدمات المالية، أن التحليل السلوكي مفيد للغاية في تحديد الأطراف المعادية.
> نمو استخدام البنية السحابية، والمهاجمون يستغلون تدني التقدم الأمني: ففي دراسة العام الحالي، قال 27 في المائة من خبراء الأمن إنهم يستخدمون البنية السحابية الخاصة خارج مباني مؤسساتهم، مقارنة مع 20 في المائة عام 2016.
وقال 57 في المائة منهم إنهم يستضيفون شبكات في البنية السحابية نظراً لتفوق أمن البيانات فيها، بينما قال 48 في المائة إن السبب هو قابلية التوسّع، فيما عزا 46 في المائة منهم الأمر إلى سهولة الاستخدام. وبينما توفر البنية السحابية مستوى أفضل من أمن البيانات، يستغل المهاجمون الصعوبات التي تواجهها فرق الأمن في الدفاع عن بيئاتهم السحابية الآخذة بالتطور والتوسّع. ويمكن للجمع بين أفضل الممارسات والتقنيات الأمنية المتطورة كالتعلم الآلي، بالإضافة إلى أدوات الخط الدفاعي الأول كمنصات الأمن السحابية، أن يساعد في حماية تلك البيئات بكفاءة.
توجهات
بلغ الزمن الوسيط للكشف عن التهديدات لدى سيسكو حوالي 4.7 ساعة في الفترة ما بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 وأكتوبر 2017 - وهي أقل بكثير من الزمن الوسيط البالغ 39 ساعة في نوفمبر 2015 والزمن البالغ 14 ساعة وفقاً للتقرير السنوي للأمن 2017 عن الفترة من نوفمبر 2015 إلى أكتوبر 2016.
- توصيات إضافية
> تأكيد الالتزام تجاه السياسات والممارسات المؤسسية للتطبيقات والنظم واستخدام الرقع الأمنية للأجهزة.
> الوصول إلى البيانات الدقيقة والمحدّثة لاستقصاء التهديدات، والتي تسمح بدمج البيانات في عملية الرصد الأمني.
> إجراء تحليلات أكثر عمقاً وتقدماً.
> عمل النسخ الاحتياطية من البيانات بشكل مستمر، واختبار إجراءات استعادة البيانات والعمليات الحيوية في عالم متسارع يشهد تزايد انتشار برمجيات طلب الفدية وعبر الشبكات والعديد من الأسلحة الإلكترونية المدمرة.
> إجراء مسح أمني للخدمات الدقيقة والخدمات السحابية ونظم إدارة التطبيقات.


مقالات ذات صلة

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

كشف قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي سيجري اتصالاً بالفيديو مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي ‌​بهدف التأسيس ⁠لتحرك منسق بشأن حظر استخدام القصر للتواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد نقاش نظري بل أصبح قضية تُناقش في المحاكم (بيكسلز)

كيف نحرر عقولنا من سيطرة هواتفنا؟

مع تزايد الأدلة العلمية والقانونية، تتصاعد التساؤلات حول تأثير هذا الاستخدام المكثف على الصحة النفسية والقدرات الذهنية، وما إذا كان من الممكن عكس آثاره.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية إيرانيات يجلسن داخل مقهى في طهران (أ.ف.ب)

انقطاع الإنترنت في إيران يدخل يومه الـ30 ويعزل ملايين المواطنين

دخل انقطاع الإنترنت في إيران الأحد يومه الثلاثين على التوالي مع استمرار عزل ملايين الأشخاص عن المعلومات والاتصالات منذ اندلاع الحرب مع أميركا وإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ إيرانيات يمشين في حديقة بارديسان في طهران أمس (رويترز) p-circle

ناشطون أميركيون يكثفون جهودهم لإبقاء الإيرانيين متصلين بالإنترنت عبر «ستارلينك»

يكثِّف ناشطون من كل أنحاء العالم، خصوصاً الولايات المتحدة، جهودهم لمساعدة الإيرانيين على البقاء على اتصال عبر خدمة «ستارلينك» للإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
TT

إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)

أسهمت جهود الحكومة السعودية مستندةً إلى برنامج الإسكان، أحد برامج «رؤية 2030»، في تسريع وتيرة التملك، بعدما اختُصرت فترات الانتظار الطويلة إلى إجراءات ميسّرة مدعومة بحلول تمويلية مبتكرة، ومنصات رقمية متكاملة. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة تملّك الأسر بشكل ملحوظ لتصل إلى نحو 66 في المائة خلال عقد واحد، في مؤشر واضح على فاعلية السياسات المتبعة، وقدرتها على تحقيق الاستقرار، وتعزيز جودة الحياة.

وشهد القطاع العقاري والإسكاني في المملكة تحولاً نوعياً خلال السنوات الماضية، مدفوعاً بمستهدفات «رؤية 2030»، وتدخلات الحكومة الأخيرة التي وضعت تملّك المواطنين للمساكن في صدارة أولوياتها التنموية، مع حزمة واسعة من الإصلاحات التنظيمية، والتشريعية، إلى جانب تطوير منظومة التمويل العقاري، وتوسيع الخيارات السكنية، وتمكنت الدولة خلالها من إعادة تشكيل السوق العقارية لتصبح أكثر توازناً وكفاءة في تلبية الطلب المتزايد.

ومهدت «رؤية 2030» الطريق لإصلاح البيئة التنظيمية والتشريعية للقطاع العقاري والإسكان، بهدف إيجاد حلول للتحديات التي مرَت على هذه المنظومة، في إدراك للقيمة الاجتماعية والاقتصادية للعقار.

ووضعت مستهدفاً طموحاً، وهو رفع نسبة تملك الأسر السعودية لمنازلهم، لتنتج خلال 5 أعوام فقط من رفع النسبة من 47 في المائة إلى 60 في المائة بنهاية 2020.

ضبط العلاقة الإيجارية

نجحت «رؤية 2030» في إعادة صياغة المشهد العقاري والإسكاني بالمملكة، محولة القطاع من مرحلة التحديات الهيكلية المتمثلة في فجوة العرض والطلب وطول فترات الانتظار، إلى منظومة متينة ومبتكرة تواكب المتغيرات المتسارعة. وبحلول عام 2025، أثبتت السياسات الإسكانية كفاءتها عبر اختصار رحلة المستفيد من انتظار دام لسنوات إلى دعم فوري مكن أكثر من 851 ألف أسرة من امتلاك منازلها.

كما أن محدودية الحلول والخيارات العقارية بطأت نمو المعروض، الأمر الذي استدعى تدخلاً تشريعياً وتنظيمياً يستفيد من التحول الرقمي، ورغبة الناس في بذل الخير، والمساهمة الاجتماعية.

مشروع «نساج تاون» في ضاحية الواجهة بالدمام وهو أحد مشاريع برنامج سكني بالشراكة مع القطاع الخاص (واس)

وبرز الاهتمام بمعالجة التشوهات في السوق العقارية عبر مجموعة من التوجيهات، بهدف تحقيق التوازن بين الطلب والعرض، ومن ذلك التوجيهات الصادرة للمنظومة في الرياض، والتي شملت توجيهاً بمضاعفة مشروعات الإسكان شمال العاصمة للضعفين، ورفع الإيقاف عن تطوير أكثر من 81 كيلومتراً مربعاً من الأراضي في شمال المدينة، والعمل على توفير أراضٍ سكنية مخططة ومطورة للمواطنين بعدد ما بين 10 إلى 40 ألف قطعة سنوياً خلال الـ5 سنوات بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.

وأصدرت الموافقة على الأحكام النظامية الخاصة بضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر بالرياض، بالإضافة إلى التعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء، والتوجيه برصد ومراقبة أسعار العقار في العاصمة، والمدن الأخرى، والرفع بتقارير دورية.

واستمر تنفيذ القطاع العقاري خلال العام الماضي، بما يسهم في إيجاد سوق حيوية وجاذبة، عبر التوسع في العمل على ضمان شمولية وتكامل بيانات الأراضي، والممتلكات، ليتخطى مؤشر «نسبة تغطية الأراضي والممتلكات في المملكة» مستهدفه البالغ 45 في المائة، محققاً ما نسبته 53 في المائة.

القروض العقارية

ونتيجةً لهذه الإجراءات المتتالية وجهود الـ10 أعوام الماضية منذ إطلاق «رؤية 2030»، تمكنت السعودية من تحقيق 66.24 في المائة نسبة تملّك المواطنين للمساكن خلال العام السابق، ووصول إجمالي قيمة القروض العقارية القائمة للأفراد أكثر من 907 مليارات ريال (241 مليار دولار) في الربع الثالث من 2025، وبلوغ عقود المنتجات السكنية لأكثر من مليون عقد، ومنتج الأراضي بما يزيد عن 74 ألف عقد.

وبالنسبة لعقود منتج البناء الذاتي فقد تجاوزت 286 ألفاً في العام المنصرم، ومنتج الوحدات الجاهزة بما يزيد عن 534 ألف عقد، أما نصيب عقود منتج البيع على الخريطة فقد تجاوز 114 ألف عقد.

البيئة التنظيمية والتشريعية

وازدادت قدرة المنظومة الإسكانية والعقارية على توفير الحلول المتنوعة، مستفيدة من البيئة التنظيمية والتشريعية، لتصبح هناك منتجات متنوعة شملت الأراضي، والبيع على الخريطة، والوحدات الجاهزة، والبناء الذاتي، ويحفز ذلك منصات رقمية تسهل تجربة الوصول إليها، إلى جانب منظومة تمويلية تعمل وفق ضوابط متوازنة، لتقليل الأعباء المالية على الأسر.

وأصبح أثر السياسات في الإسكان والعقار واضحاً، بتمكين الأسر السعودية من تسهيلات غير مسبوقة، إذ اختصرت رحلة المؤهلين للاستفادة من الدعم السكني المتمثل في التمويل العقاري، من انتظار يستغرق عدة سنوات إلى دعم يحصل عليه المواطن في غضون وقت قصير، ليشهد عدد الأسر التي امتلكت منازلها زيادة ملحوظة وصلت إلى أكثر من 851 ألف أسرة بنهاية العام الفائت لترتفع بدورها نسبة امتلاك المنازل.


«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.