سينما البطولة السوداء لها تيار وتاريخ

أطلقت نجوماً وأفلاماً ذات قضايا

تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار  في «شافت»
تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار في «شافت»
TT

سينما البطولة السوداء لها تيار وتاريخ

تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار  في «شافت»
تامارا دوبسون حاربت الجريمة في «كليوباترا جونز» - ريتشارد راوندتري قاد التيار في «شافت»

بينما يحتفل صانعو فيلم «بلاك بانثر» بنجاح تجاوز سقف توقعاتهم بلغ ملياراً و244 مليون دولار، فإن الظاهرة التي يمثلها هذا الفيلم هي نجاح الفيلم المبني على شخصية بطل أسود ونجاح الممثل الذي يقود تلك الشخصية وبالتالي الفيلم. وها هو «باسيفيك ريم: ثورة»، يؤكد ذلك من حيث إن بطولته الحقيقية هي لشخصية أفرو - أميركية.
ويتردد الآن في هوليوود أن ديزني التي أطلقت «بلاك بانثر» تقوم بتعديل بعض مشاهد الجزء المقبل من «The Avengers‪:‬ Infinity War» المبرمج للعروض بعد أقل من شهر لكي ترفع من حضور شخصية «بلاك بانثر» فيه.

بيضة ذهب

لكنها ليست المرّة الأولى الذي يستطيع فيها نجم الممثلين السود في هوليوود على نحو تيار أو ظاهرة، وليست المرّة الأولى أيضاً التي تسعى فيه هوليوود للاستفادة من زخم إقبال مفاجئ على بطل فيلم أكشن أسود وهي التي داومت الاعتماد على ممثلين بيض في مثل هذه الأدوار منذ نشأتها.
فالنجاح الحالي يذكِّر بنجاح مفاجئ آخر كان وقع في مطلع السبعينات عندما توالى خروج مجموعة كبيرة من أفلام البطولة السوداء قدّمتها شركات هوليوودية رئيسية بمصاحبة شركات هوليوودية أصغر شأناً. في الحالتين (الماضية والحاضرة) يمكن لنا تلمس قدر من عطش المشاهدين للتغيير ولتلوين الشاشة بشخصيات تختلف، ولو تنميطاً، عن سواها.
التيار المذكور في مطلع السبعينات وحتى ما قبل نهاية ذلك العقد بقليل، سمي بتيار «الاستغلال الأسود» (Black Exploitation) وتم تأليف كلمة واحدة من هذه العبارة الفاضحة للمرمى المنشود من هذا التيار، وهي «Blaxploitation» التي شملت كل فيلم محض تجاري قامت هوليوود بإنتاجه في ذلك الحين لأجل استهلاك واستغلال الممثلين الأفرو - أميركيين لبطولات أفلام لا يُتوخى منها أكثر من أن تبيض ذهباً، ومعظمها فعل ذلك لأن تكاليفها كانت زهيدة (بالمقارنة) وتحقيقها كان سريعاً ولم تتطلب كتابتها سوى تقديم بطل أسود يواجه أشراراً من السود والبيض معاً ويحمل مسدساً (أو رشاشاً) يحل به مشكلاته ومشكلات مواطنيه.
هذا لا يمنع من تسجيل حقيقتين بالغتي الأهمية.
الأولى أن هذا التيار انطلق في البداية كنقد للمنوال التي تجاهلت فيه هوليوود السود الأميركيين إلا من بعض اللفتات المحدودة التي كان لا بد منها.
الثانية أن هذا التيار التجاري المحض أنتج أفلاما جيدة بقدر ما أنتج أفلاماً هزيلة لا قيمة فنية أو ضمنية لها.
أيضاً لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن تلك الموجة العارمة من الأفلام كانت في الأساس مشاركة من قِبل السينمائيين القائمين بها في التعليق على العقد السابق الذي حفل بسعي الأفرو - أميركيين للحصول على حقوق اجتماعية وقانونية متساوية مع خلانهم البيض.
هذا ما كان في بال ملفين فان بيبلز (ولد الممثل والمخرج الحالي ماريو فون بيبلز) عندما أنجز، سنة 1971، كتابة وإنتاج وتصوير ووضع موسيقى وتمثيل وإخراج فيلم حمّله عنواناً التقى سريعاً مع نبض الشارع الأسود وهو Sweet Sweetback‪›‬s Baadasssss Song. صوره في أسبوعين بميزانية بضعة ألوف من الدولارات حول بطل أسود في صراع مع المؤسسة النظامية الجائرة حسب الفيلم وبالتلاقي مع ملايين المشاهدين الأميركيين السود في الولايات المتحدة.
بعد أشهر قليلة، خرج استوديو «مترو غولدوين ماير» بمفاجأة كبيرة: فيلم بوليسي من بطولة تحر خاص أسود اسمه جون شافت. الفيلم (وعنوانه Shaft) تحلّى بأغنية من وضع وتأليف أيزاك هايز وبإخراج من الأفرو - أميركي غوردن باركس. وللبطولة تم اختيار ممثل لم يسبق له أن ظهر على الشاشة الكبيرة مطلقاً هو رتشارد راوندتري (لديه الآن قرابة 70 فيلماً في جعبته). شافت سيعاين أسباب الجريمة التي تقع في حي هارلم النيويوركي وسيجد من هي القوى البيضاء التي تعمل مع عناصر سوداء محلية لإشاعة المخدرات، ولم ينس الفيلم وجود تحر عنصري من المؤسسة الرسمية ولا مشاهد غرامية تلهب المشاهدين بصرف النظر عن لون بشرتهم في الوقت التي تمنح فيه بطل الفيلم الموقع الإثاري المتقدم الذي يغازل ذكورية الرجل الأسود.

سيل أكبر

«شافت» الذي تكلف مليون دولار جلب سريعاً 12 مليون دولار بحسبة ذلك الزمان، والشركة المنتجة لم تتأخر وأقدمت في العام التالي على تحقيق جزء ثانٍ بعنوان «ضربة شافت الكبيرة» Shaft‪›‬s Big Score.
لكن السينما لم تكن في وضع انتظار الجزء الثاني بل ألهب نجاح «شافت» و«سويت سويتباك» حماس الآخرين سريعاً فتم إطلاق سيل من تلك الأفلام في الأشهر الأخيرة من سنة 1971 وطوال العام التالي. أحد أهم هذه الأفلام كان «الحافلة آتية» (The Bus is Coming) لوندل جيمس فرانكلين وموضوعه يصبّ مباشرة في موضوع العنصرية كون بطله مايك ب. سيمس عاد من فيتنام ليجد أن شقيقه قُتل على أيدي عصبة من رجال البوليس العنصريين فقرر الانتقام منهم.
على أثره فيلم أقرب إلى «شافت» منه إلى «الحافلة آتية» وهو «نسيم بارد» (Cool Breeze) الذي سارعت م. ج. م. لتحقيقه قبل إطلاقها «ضربة شافت الكبيرة». هذا الفيلم كان إعادة صنع لفيلم كلاسيكي بعنوان «الغابة الإسفلتية» (The Asphalt Jungle) الذي أخرجه جون هيوستون ولم يحمل، تبعاً للقصة التي وضعها ويليام بارنت أي شخصية ملوّنة. «نسيم بارد» أخرجه سينمائي أبيض هو باري بولاك.
‫في مطلع عام 1972 بدأ سيل أكبر بالوثوب إلى شاشات العرض وبنجاحات متوالية. والفيلم الأول من بينها كان من إخراج غوردن باركس جونيور، أي ابن غوردن باركس الذي حقق «شافت». الفيلم الذي اختاره بوليسي المعالجة وعنوانه «سوبر فلاي» مع أغنية مناسبة من كيرتس مايفيلد تحذّر من سطوة بطله رون أو نيل الذي كان ظهر في فيلم من بطولة سيدني بواتييه عنوانه «المنظمة» (The Organisation لدون مدفورد).‬
دور سيدني بواتييه، وهو الممثل الذي كان حقق نجومية كبيرة قبل بداية تيار «الاستغلال» لكن في أفلام أعلى شأناً درامياً وفنياً وإنتاجياً من تلك الموجة (من بينها مثلاً «في حرارة الليل» لنورمان جويسون)، كان مصاحباً وموحياً لتلك الحقبة. كان اعتبر من أواخر الستينات بمثابة الأمل الأسود الكبير بين أترابه. تحوّل إلى نجم بموازاة نجوم الشاشة البيضاء آنذاك ومنهم وورن بايتي وجاك نيكولسون وروبرت ردفورد. لكنه لم يشترك في فيلم رخيص التكلفة ومنتم إلى تيار السينما الاستهلاكية التي بدت أقل شأناً من تلك الإنتاجات الأرقى التي كانت هوليوود لا تزال تنجزها.
بعض ممثلي هذه السينما الاستهلاكية تبوأوا لاحقاً مكانة موازية لمكانة سيدني بواتييه أو كادت ومنهم جيم براون الذي انطلق بفيلم عنوانه «سلوتر»، من إخراج جاك ستارت، ونجاح هذا الفيلم أدى لجزء ثان هو «غنيمة سلوتر الكبيرة».
سنة 1972 ذاتها شهدت الانتقال إلى استخدام شخصيات رعب كلاسيكية تم تلوينها مثل «دراكولا» الذي بات اسمه «بلاكولا»، وفي العام التالي «بلاك فرنكنستين»، كلاهما ضخَّ بعض النجاح لكنهما ابتعدا عن جادة المعالجات المعادية للعنصرية. هذه المعالجات استمرت في سلسلة من الأفلام من بينها «هامر» (من بطولة فرد ويليامسون الذي أكمل الدرب حتى ما بعد انتهاء سنوات التيار منفرداً) و«رجل المتاعب» و«بلاك غن» و«تريك بايبي» وكلها كانت من إخراج سينمائيين بيض سارعوا لامتطاء الجياد المتوفرة.
لكن عام 1973 شهد تطوراً مثيراً للملاحظة، وهو: دخول المرأة مجال البطولة لهذه الأفلام وبدأ كل شيء بفيلم رديء الصنع اسمه «كوفي» (باسم القهوة السوداء) الذي قامت ببطولته بام غرير التي تحوّلت إلى أيقونة في هذه السينما. «كوفي» تعلن الحرب على مروّجي المخدرات بعدما تسبب مروّجوها بإدمان شقيقتها الصغيرة. أخرج هذا الفيلم (الأبيض) جاك هِل الذي اشتغل أيضاً على سلسلة من أفلام السجون النسائية.
أفضل من «كوفي» كان «كليوباترا جونز» إخراج جاك ستارت مع تامارا بودبسون في دور مقاتلة في سبيل الغاية ذاتها، وهي إيقاف انتشار المخدرات. الفيلم يبدأ بإشراف كليوباترا على حرق حقل من حشيشة الكيف في تركيا، قبل أن ينتقل إلى قلب هارلم لأن إحدى العصابات تتضرر مما قامت به البطلة وتقرر قتلها.
نهاية الموجة العامرة دنت بحلول سنة 1977، وبعد أن شهدت أكثر من 40 فيلماً من هذا النوع. فيلم النهاية كان «أخوة» (إنتاج «وورنر») الذي عاد إلى نطاق الأوضاع العنصرية التي فجرت ذلك التيار بداية. «أخوة» كان في الوقت ذاته رومانسياً مستوحى من أحداث فعلية المناضلة المعروفة أنجيلا ديفيز.

أين هم الآن؟

> تامارا دوبسون بطلة Cleopatra Jones: اعتزلت التمثيل سنة 1983 بعد حفنة أخرى من الأفلام آخرها فيلم سجون اسمه «Chained Heat».
> بام غرير: بعد «كوفي» وأفلام أخرى مشابهة وجدت سبيلاً للتمثيل في أفلام درامية أفضل لكنها غابت لفترة إلى أن وضعها كوينتن تارانتينو بطلة فيلمه «جاكي براون» سنة 1997.
> جيم براون: حالياً منتج منفذ لحلقات The All Summit التلفزيونية. سينمائياً شق طريقه بنجاح حتى منتصف الثمانينات قبل قيامه بأدوار مساندة غالباً.‬



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.