باري دوغلاس... من عامل إصلاح مبردات إلى منتخب اسكوتلندا

الظهير الأيسر مرشح للعب في الدوري الممتاز في حال تأهل وولفرهامبتون الموسم المقبل

الاسكوتلندي باري دوغلاس (يمين) في مواجهة المجر الثلاثاء الماضي (أ.ب)
الاسكوتلندي باري دوغلاس (يمين) في مواجهة المجر الثلاثاء الماضي (أ.ب)
TT

باري دوغلاس... من عامل إصلاح مبردات إلى منتخب اسكوتلندا

الاسكوتلندي باري دوغلاس (يمين) في مواجهة المجر الثلاثاء الماضي (أ.ب)
الاسكوتلندي باري دوغلاس (يمين) في مواجهة المجر الثلاثاء الماضي (أ.ب)

يجري تصوير وولفرهامبتون وندررز باعتباره أبرز أندية دوري الدرجة الأولى (تشامبيون شيب) والبطل المتوقع، لكن ثمة قصة رائعة وراء ذلك. وشهد الثلاثاء الماضي مشاركة باري دوغلاس، 28 عاماً، للمرة الأولى في صفوف المنتخب الاسكوتلندي أمام المجر.
وفي فترة ماضية، كان دوغلاس في صفوف فريق هامبدين بارك، وشارك على امتداد موسمين كاملين في صفوف كوينز بارك، نادي الهواة المنتمي إلى الأدوار الدنيا من بطولة الدوري الاسكوتلندي، قبل أن ينتقل إلى دندي يونايتد ليبدأ مسيرة تبدو جديرة بالاحتفاء بها حتى من قبل أن يصل إلى الآفاق المأمولة. وثمة تفاصيل رائعة تكمن خلف سطور هذه القصة. كان دوغلاس قد شارك في تدريبات ما قبل انطلاق الموسم مع كوينز بارك بناءً على دعوة تلقاها من المدرب الذي انبهر بموهبته عندما كان يشارك في مباراة خماسية مع أصدقائه. ولم تطرأ على ذهن دوغلاس قط أحلام الصعود والترقي، الأمر الذي غرسته فيه نشأته في بناية متواضعة في منطقة بولوك القاسية في غلاسكو وبعض التوجيهات الصارمة من أفراد أسرته.
وعن حياته، قال الظهير الأيسر: «كنت أخوض تدريباً للعمل بمجال إصلاح المبردات وأجهزة تكييف الهواء. وحانت أمامي فرصة المشاركة بدوام كامل في كوينز بارك، لكن جدي دائماً ما كان يقول لي: (احرص على أن تكون لك مهنة تستند إليها). وعليه، مضيت في التدريب المهني». وأضاف: «كان دائماً لدي طموح. ودائماً ما اعتقدت أنني جيد بما يكفي لممارسة كرة القدم الاحترافية، لكن الأمر برمته ارتبط بالحصول على إجازة، ثم المشاركة على أعلى مستوى ممكن».
منذ عقد مضى، كان دوغلاس يضطر للاستيقاظ في الخامسة صباحاً والاستمرار في العمل أحياناً حتى السادسة مساءً. وفي بعض الأيام، كان يضطر للانتقال بالسيارة مباشرة من العمل إلى التدريب. وعن هذا، قال: «بفضل هذه الأيام، كلما حققت أمراً في عالم كرة القدم أشعر بامتنان بالغ لذلك. إنني لا أتعامل مع أي شيء باعتباره مضموناً لأنني خبرت العالم الواقعي جيداً وأدرك تماماً كيف تسير به الأمور». وقال: «في أي وقت أقابل شخص يرتبط بالفترة التي خضت خلالها التدريب المهني، أتوقف لتبادل الحديث معه. ومن الرائع دوماً الإبقاء على صلاتي بهذا العالم، ولا أنوي تغيير أي شيء في نهج حياتي الراهن. إنني في وضع ممتاز فيما يخص كرة القدم وربما يستمر ذلك لفترة طويلة. وحتى اليوم، لا تعتبر مسرتي المهنية بالرديئة».
يبدو واضحاً تميز دوغلاس بالتواضع، رغم مكانته كواحد من أفضل لاعبي وولفرهامبتون وندررز خلال الموسم الحالي - فريق يبدو في طريقه نحو الصعود إلى الدوري الممتاز. يذكر أنه لدى رحيله عن دندي يونايتد عام 2013، انضم دوغلاس إلى فريق ليخ بوزنان البولندي. وأعقب ذلك حصده للقب الدوري البولندي وبطولة كأس والمشاركة الأوروبية. وبذلك، يعتبر دوغلاس من أوائل اللاعبين الاسكوتلنديين الذين يحالفهم النجاح داخل دولة أجنبية.
من جانبه، قال اللاعب: «كانت تلك مجرد فرصة بالنسبة لي. وقد ذهبت لمشاهدة المنشآت والتجهيزات وكانت ممتازة، ثم رغبت في إثبات نفسي وقدرتي على النجاح. ثمة نموذج نمطي عن اللاعب الاسكوتلندي أو البريطاني باعتباره يعجز عن النجاح في الخارج. ورغبت من جانبي أن أثبت خطأ هذه الرؤية. لقد كان نادياً كبيراً، ولم أدرك مدى عظمته الحقيقية سوى لدى مشاركتي في صفوفه. أعتقد أن جزءا كبيرا من الأمر يتعلق بالخيارات المتاحة. ربما فرص الانتقال إلى الخارج غير متوافرة أمام الصبية الاسكوتلنديين، ولذاك يصبح من الأسهل أمامهم الانتقال إلى إنجلترا للمشاركة في الأدوار الأدنى من الدوري. عن نفسي، عدت من الخارج أكثر ثقة في قدراتي. لقد عايشت أوقاتاً رائعة فيما يتعلق بكرة القدم والحياة بوجه عام، لكن كان من الرائع كذلك العودة لأصبح جزءا من مشروع وولفرهامبتون وندررز. ولا أعتقد أن أحداً توقع منا مثل هذا الإنجاز، رغم أننا في حقيقة الأمر لم نحقق أي شيء فعلياً بعد. لقد كنت مدركاً لحقيقة طموحاتهم وعلمت أنهم سيلعبون بجدية وعلى نحو يلائم أسلوبي في اللعب».
فيما بين المشاركة مع بوزنان والانتقال مقابل 750.000 يورو إلى وولفرهامبتون، قضى دوغلاس فترة في تركيا في صفوف نادي قونيا سبور. ومن جديد، نجح دوغلاس في التألق أوروبيا. وعن هذا، قال: «في الواقع، لقد استمتعت بالسفر، واستمتعت بالمغامرة وخروجي عن الدائرة المألوفة لي. ومن جديد، عندما لاحت أمامي الفرصة قلت في نفسي: ولم لا. كان هذا أسلوباً مختلفاً في كرة القدم، خاصة أنه ليس بإمكان المرء ممارسة الضغط على الخصم طيلة 90 دقيقة في ظل مثل تلك الحرارة المرتفعة. وعليه، كانت تجربة تعلمت منها الكثير».
ورغم أن المدربين الاسكوتلنديين أخفقوا في الالتفات إلى موهبته، فإن دوغلاس ليس من النوع الذي يتوقف كثيراً عند مثل هذه الأمور. وأكد اللاعب أنه: «لم أركز كثيراً على هذا الأمر في الحقيقة. وربما كنت بعيداً بعض الشيء عن الأنظار والأذهان هنا، فالمرء لا يحصل على تغطية إعلامية كبيرة عندما يلعب خارج البلاد، لكن هذا الأمر لم يثر قلقي قط. وكنت دوماً لأشعر بالفخر إزاء استدعائي للمشاركة في المنتخب وكنت سعيداً بترك الأمور تسير كما شاء لها القدر».
ويضحك دوغلاس عندما يمعن النظر في حقيقة أن اثنين من أفضل اللاعبين الاسكوتلنديين - كيران تيرني وآندي روبرتسون - كانا يلعبان في مركز الظهير الأيسر. وبسبب إصابة تيرني، فإن دوغلاس شارك أمام المجر الثلاثاء الماضي. وعن ذلك الأمر، أكد دوغلاس: «لدي رغبة في التدريب واللعب مع أفضل اللاعبين، لذا لن يضرني شيء إذا ما تدربت مع هؤلاء اللاعبين، فأنت تلعب لصالح بلادك في أي وقت تحين أمامك الفرصة لذلك. وإذا طلبت مني المشاركة، سأحرص على التأقلم مع أي دور يوكل إلي». وبعد ذلك، يواجه دوغلاس تحدي الصعود مع وولفرهامبتون وندررز إلى الدوري الممتاز للمرة الأولى منذ عام 2012، وعن هذا، قال: «الأمر لا يتعلق بالفوز فقط، وإنما كيفية تحقيقه. لقد قدمنا بعض المباريات الجيدة، وهذا أمر أستمتع به كثيراً».


مقالات ذات صلة

بايرن ميونيخ يقترب من تجديد عقد لايمر

رياضة عالمية لاعب الوسط النمساوي كونراد لايمر (رويترز)

بايرن ميونيخ يقترب من تجديد عقد لايمر

ذكرت تقارير أن لاعب الوسط النمساوي كونراد لايمر اقترب من تجديد عقده مع بايرن ميونيخ الألماني.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عربية المدرب الفرنسي الجوال هيرفي رينارد (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: مهمة «كوماندوز» جديدة لرينارد مع تونس

يعود المدرب الفرنسي الجوال هيرفي رينارد، الذي تم تعيينه الثلاثاء على رأس المنتخب التونسي في خضم نهائيات كأس العالم، إلى منتخب أفريقي، أرض إنجازاته الأولى.

«الشرق الأوسط» (مونتيري)
رياضة عالمية تدريبات منتخب كندا في فانكوفر (أ.ب)

المنتخب الكندي يصل فانكوفر استعداداً لمواجهة قطر وسويسرا

وصلت بعثة المنتخب الكندي لكرة القدم إلى مدينة فانكوفر استعداداً لخوض مباراتيه المقبلتين في نهائيات كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (فانكوفر)
رياضة عالمية سون هيونغ-مين في تدريبات كوريا الجنوبية بغوادالاخارا (أ.ف.ب)

لاعبو كوريا الجنوبية يقاطعون الإعلام إثر تصريحات عن خدمة سون العسكرية

امتنع لاعبو كوريا الجنوبية عن الظهور الإعلامي بكأس العالم، بعد تقارير أفادت بقيام عدد من الصحافيين بالسخرية من قضية الخدمة العسكرية لقائد الفريق سون هيونغ-مين.

«الشرق الأوسط» (غوادالاخارا )
رياضة عالمية المدرب الألماني لمنتخب إنجلترا توماس توخيل (أ.ف.ب)

الرئيس التنفيذي للاتحاد الإنجليزي: تجديد عقد توخيل يبعد التشتيت

قال مارك بولينغهام الرئيس التنفيذي للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم إنه يشعر بأن تجديد عقد المدرب الألماني توماس توخيل مع المنتخب سيبعد أي عوامل تشتيت.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي)

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.