الشقير: علم الاجتماع خضع لنفوذ الصحوة

الباحث السعودي كتب في رأس المال الثقافي وألف في التاريخ واعتنى بالسير والتراجم

عبد الرحمن الشقير
عبد الرحمن الشقير
TT

الشقير: علم الاجتماع خضع لنفوذ الصحوة

عبد الرحمن الشقير
عبد الرحمن الشقير

في هذا الحوار، الذي أجري معه في الرياض، يؤكد الباحث السعودي عبد الرحمن الشقير على ضرورة علم الاجتماع باعتباره «مطلبا تنمويا وشرعيا واقتصاديا وسياسيا»، في مجتمع يُعّد أحد أهم وأكبر المعامل الاجتماعية في العالم. وقد تناولت دراسات أكاديمية وصحافية عديدة في أميركا وأوروبا هذا المجتمع بالدراسات الميدانية المستمرة وبخاصة المؤسسات الدينية، على عكسنا نحن.
وهو يرى أن حقل علم الاجتماع يواجه مرحلة ركود علمي ونشاطات بحثية وثقافية هشة، رغم أهمية هذا العلم في تفسير مشكلات المجتمع ورصد آلاف القضايا التي يتعامل معها الأفراد يوميا، ومع ذلك هو يعتقد أن هناك علماء سعوديين لهم نشاطات علمية مستقلة لها تأثيرها في الفكر الاجتماعي وتحظى بالتقدير.
ويشير الشقير إلى أن من أهم مشكلات علم الاجتماع في السعودية هو الصراع بين تقليدي متنفذ ومبدع بلا نفوذ، كما أن أبرز موانع الإبداع العلمي في هذا الجانب غياب مراكز للدراسات الاجتماعية الفكرية المتخصصة في صناعة القرار. وهنا نص الحوار:
* كيف تؤثر دراسة علم الاجتماع في تعميق الفهم بتطورات المجتمع؟
- لم تعد دراسات علم الاجتماع الحديثة تنظر للمجتمع بوصفه مجموعة أفراد أو جماعات يتفاعلون في ما بينهم، وﻻ كمؤسسات وبناءات سياسية واقتصادية ودينية، وإنما تنظر إلى مجتمع واقعي تقليدي بدأ يتلاشى، ومجتمع افتراضي تقني اتصالي في تزايد، ولكل واحد منهما مشكلاته وطموحاته ونظريات تفسرها، كما توسعت مفاهيم علم الاجتماع لتزيل الحدود الوهمية بين العلوم الاجتماعية، بل بين أكثر العلوم عامة، فحياة الإنسان بلغت مبلغها من التعقيد، وتداعيات تأثير التقنية والرفاهية والتصنيع عليها درجة كبيرة، بحيث أصبح الإنسان يتعامل في حياته اليومية مع عناصر اجتماعية ونفسية وفيزيائية وطبية وجغرافية وميكانيكية وهكذا. علم الاجتماع علم نقدي جدلي، وهو يعنى بالكشف عن أسباب الظواهر في المجتمع، وبملاحظة بذور التغيرات الاجتماعية، والتنبؤ ببدائل الواقع.
* وماذا يعني علم الاجتماع بالنسبة للمجتمع؟
- يعتبر المجتمع هو مهمة علم الاجتماع الرئيسة، ومجال دراساته، وفي رأيي يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسين: الأول تمثله فروع علم الاجتماع التقليدية التي تهتم بالأسرة والجريمة والصناعة والطب والحضر والريف وهكذا، وهذه الفروع تدرس تأثير المجتمع على الفرد والعكس، وتحلل القضايا الفردية التي تؤثر على المجتمع مثل الطلاق والبطالة وأوقات الفراغ. والقسم الثاني فكري بحت، ويمثله علم اجتماع المعرفة وتاريخ الأفكار ودراسة العلوم، وهي تهتم في جانب منها بالعوامل التي تتحكم في سلوكنا وتوجه تفكيرنا مثل الآيديولوجيات والوعي وتأثير التقنية وكيف تنشأ المعرفة العلمية، وبهذا المفهوم العام فإن كلا القسمين مهم. وإذا دُرس المجتمع بأي شكل منهما بصدق فإنه سيخدمه، وهو ما يسبب صداعا للحكومات ويفضح ممارسات الشركات.
* وما ضرورة علم الاجتماع إذا كان «مزعجا» لهذه الدرجة؟
- لدي إيمان تام بضرورة علم الاجتماع، بل أعد وجوده مطلبا أخلاقيا وشرعيا واقتصاديا وتنمويا وسياسيا، فهو يقدم النصح للحكومة ويساعد متخذي القرار ويفضح أساليب الشركات التي تسوق لمنتجاتها على حساب استنزاف المجتمع وتفكيك الأسرة وتوسيع الفجوة بين الأجيال وتشويه تقاليدنا تحت شعارات الموضة والعصرنة، ويكشف الوعي الزائف الذي يمارسه الإعلام على المجتمع، ويسهم في تفسير مشكلات المجتمع التي يتعامل معها الأفراد يوميا مثل قضايا المرأة والبطالة والعمالة وأوقات الفراغ وعدم انعكاس تعاليم الدين في الحياة اليومية وغيرها آلاف القضايا وليس المئات.

* الحالة السعودية
* دعنا نتساءل عن واقع علم الاجتماع في السعودية..
- للأسف يواجه حقل علم الاجتماع في السعودية، سواء بمقارنته مع علم الاجتماع العربي أو بمقارنته بالعلوم الاجتماعية السعودية، مرحلة ركود علمي ونشاطات بحثية وثقافية هشة، وغياب الندوات وحركة الترجمة. وعلى مستوى التدريس فمعروف أن العلوم الاجتماعية صممت مناهجها على يد الاستعمار لتكون تبعيتها للغرب، وصار علم الاجتماع العربي عالة على علم الاجتماع الغربي، ولكن علم الاجتماع السعودي لا يزال عالة على علم الاجتماع المصري، ولم يستقل أو يطور مقرراته ومناهجه حتى الآن، ولم يحتك مباشرة بعلم الاجتماع الغربي إلا بحدود بعثات طلابية صادفت مرحلة الطفرة وحاجة البلد آنذاك إلى الكم وليس الكيف. ومع ذلك فقد برز منهم علماء مميزون لهم نشاطات علمية مستقلة لها تأثير في الفكر الاجتماعي وتحظى بالتقدير أمثال أبو بكر باقادر وسعد الصويان وغيرهما.
* ما أسباب ذلك الركود في نظرك؟
- الأسباب كثيرة ومتنوعة، منها أن علم الاجتماع لا يزال يصنف من العلوم الأكاديمية المتخصصة، وليس علما شعبيا وثقافيا مثل التاريخ والأدب واللغة وبعض العلوم الشرعية، مما أضعف إثراءه من قبل الباحثين المستقلين والهواة، وكذلك غياب حركة النقد التي تعتبر وظيفته الأساسية، وسيطرة الأساتذة التقليديين على الأقسام العلمية بالجامعات وفرضهم لهذا الركود ومحاربتهم للأساتذة المتميزين.
ومن المعروف أن جودة جميع العلوم وسمعتها في المجتمع، ومنها علم الاجتماع، ترتبط بعمليات الإنتاج العلمي وتعتبر الجامعات من أكبر وأهم المحاضن العلمية التي تسهم في تغير المجتمع وتطوره أو ركوده. ولذلك خضع لنفوذ الصحوة في الثمانينيات وتغلغلها في الجامعات وفرْض كثير من آيديولوجياتها على المؤسسة الأكاديمية، حيث استطاعت أن تمنع تدريس الفلسفة والأنثربولوجيا، وهما العلمان الشقيقان لعلم الاجتماع، وحل محلها مشروع محاولة توطين وأسلمة علم الاجتماع الذي بدأ في جامعة الإمام وكان يمكن أن يكون واعدا ويعيد صياغة التراث الإسلامي بنظريات ويؤكدها بدراسات ميدانية، لكنه توقف.
* وماذا يمكن أن يقدم علم الاجتماع للمجتمع السعودي؟
- يستطيع علم الاجتماع تقديم مفاهيم ونظريات ودراسات ميدانية تكشف عن فهم حقيقة الواقع وتسهم في النمو الاقتصادي والتنمية وتحسين مستوى المعيشة، وتقديم النصح لراسمي السياسات ومتخذي القرار بتصور بدائل الواقع، ويستطيع مساعدة الفرد على التكيف الاجتماعي في ظل عالم مشحون بالتوترات والتناقضات وسرعة التغير، ويمنحه الثقة في نفسه وفي مجتمعه وقيمه ويساعده في تطوير ذاته، كما يسهم فكريا في مواجهة المشكلات بواقعية وبتجديد دراسة الخطاب الديني والتنبؤ بمستقبل المجتمع ورصد تاريخ الأفكار المتداولة فيه وتوجيهها.
ويمكن أن يقدم من الناحية البحثية الإنتاج العلمي المميز، إذ يعتبر المجتمع السعودي أحد أهم وأكبر المعامل الاجتماعية في العالم، ويمكن تنفيذ دراسات ميدانية لها ثلاثة مستويات، أبسطها الاستكشافية وتكون للموضوعات الجديدة التي لم تكتشف بعد، وذلك باستخدام منهج المسح الاجتماعي بالاستبانة، والمستوى المتعمق في الموضوعات المطروقة باستخدام مناهج دراسة الحالة بالمقابلة وتحليل المضمون، وثالثا، التعمق بدقة عالية للموضوعات التي تحتاج فهمها من داخلها برؤية الباحث باستخدام المنهج «اﻹثنوجرافي» وأداته الملاحظة من خلال مشاركة المجتمع الذي يدرسه وكأنه واحد منهم، مثل مجتمع السجناء والفقراء والمنحرفين والمشردين وهكذا، ويمكن تطبيق الدراسات على كثير من الظواهر مثل التفاعلات في مواسم الحج والعمرة، وأسباب تأثير القبيلة في مجتمع عصري متعلم، وكذلك ظاهرة الوهابية وعمق تأثيرها عالميا وجاذبيتها الشعبية، والثقافات الفرعية والمجتمعات الحدودية، والهوية، وصورتنا الذهنية في الخارج، وظاهرة استخدام الشركات لجسد المرأة وصوتها وملامحها كسلعة لها قيمة تبادلية ووضعها في التسويق والاستقبال، بينما استخدام ملامح الرجل الصارمة في استخلاص الحقوق والمطالبات وفي إدارة المواجهة التصادمية مع الجمهور، إضافة إلى ما تمثله بلادنا من تراث تاريخي وأدبي واجتماعي.
* وماذا بشأن دراسة الظواهر الاجتماعية؟
- هناك ظواهر اجتماعية جديرة بالدراسات المعمقة، وهي مغيبة أو تدرس بشكل سطحي مثل: البروز السريع لظاهرة الرفاهية كالمقاهي ومحلات المساج والأندية الرياضية والتفاعلات داخلها، أو الاتفاق الجمعي على «تويتر» كملتقى اجتماعي يومي كبديل شكلي عن ملتقى الأسرة وعن الإعلام الرسمي، وانتشار بدائل الزواج التقليدي كالمسيار والزواج بنية الطلاق، وقدرة الهويات المغيبة والطبقات المهمشة على أن تعرف بنفسها عبر التقنية ووسائل الاتصال، وتأثير تحول المباني في المدن الكبيرة من أفقية إلى عمودية، ونحوها.
كذلك، من الناحية التدريسية هناك فروع جديدة لعلم الاجتماع يحتاجها المجتمع وسوق العمل، مثل علم اجتماع المستقبل، والمعرفة، والعلم، والنقد، والتقنية ووسائل الاتصال ونحوها من فروع علم الاجتماع التي تحتاج تدريبا وممارسة بحثية وتعلم مهارات، فهذه الاهتمامات هي التي تجعل منه علما واقعيا ويلامس الحياة اليومية ويؤدي دوره الفكري والتنموي والأخلاقي الذي أسس من أجله، ومن ناحية المسؤولية الاجتماعية يمكن أن ينفتح علم الاجتماع على المجتمع ويشارك أفراده المعرفة بتنفيذ دورات ومحاضرات ومجلات غير محكمة وتبسيط النظريات وإعداد برامج تفاعلية عبر التقنية ووسائل الاتصال، فغالبية كتب تطوير الذات إنما هي نظريات اجتماعية مبسطة.
* وما الذي يمنع من تحقيق ذلك؟
- مثل هذه المطالبات والتطلعات تعد بعيدة المنال قياسا بواقع أقسام وأساتذة علم الاجتماع، على الرغم من وجود جيل من الباحثين الشباب المتحفزين للإبداع في تنويع المناهج وطرق موضوعات جديدة. ومن أهم مشكلات علم الاجتماع في السعودية هو الصراع بين تقليدي متنفذ ومبدع بلا نفوذ، وهذا أحد أبرز موانع الإبداع العلمي في جامعاتنا، ومنها أن السعودية لا تملك مركزا للدراسات الاجتماعية الفكرية المتخصصة في صناعة القرار المعروفة باسم «ثينك تانك»، وإنما تملك مراكز للدراسات الاجتماعية التقليدية، ولذلك نلحظ أن الدراسات الاجتماعية تأتي نتيجة تفاعل مع الطرح الإعلامي واستجابة لضغوطه وليست بمبادرات استباقية.
* لكن الأبحاث الاجتماعية تحظى بالدعم ولا تزال المؤسسات الحكومية تستعين بالأكاديميين؟
- إذا طالعنا حجم ما أنفق على الدراسات الاجتماعية للاحظنا بون المسافة بين ضعف المخرجات من كفاءات بحثية ومن دراسات ومؤتمرات ومجلات وما أنفق عليها من أموال. فالأطروحات العلمية وكثير من مؤلفات الأكاديميين ضعيفة المحتوى، وغالبيتها لا تعدو اختيار موضوعات عادية تقوم على المنهج المسحي عبر توزيع استبانات، ثم تخرج بنتائج عادية يمكن أن يلاحظها رجل الشارع العادي من دون دراسة، وهذا المنهج مع أنه وضع لأغراض علمية معينة وله عيوب واضحة، إﻻ أن جعله المنهج المهيمن على دراسات الباحثين والأطروحات يعد نقصا علميا وخللا أكاديميا.
وانعكس على ذلك عدم ثقة المؤسسات الحكومية والخاصة في كثير من إنتاجها العلمي ولا في نتائجها لعدم فاعليتها وانخفاض حرية التعبير ومحاولة إرضاء المسؤولين بنتائج متلاعب فيها بإحصاءات مضللة، مما أضعف محتواها، لذلك حلت محلها كثافة الدراسات الأكاديمية والصحافية في أميركا وأوروبا والتي تتناول مجتمعنا بالدراسات الميدانية المستمرة وبخاصة التاريخ الآني، ومعروف أن المجتمع السعودي يحظى باهتمام دولي وبخاصة المؤسسة الدينية، وصارت المؤسسات الحكومية تستعين ببيوت الخبرة العالمية إذا أرادت اتخاذ قرار مبني على دراسة جادة.
* إذن، ما الأسلوب الأمثل للنهوض بعلم الاجتماع لكي يؤدي دوره في المجتمع؟
- يحتاج واقع علم الاجتماع السعودي إلى مواجهة نفسه بشفافية وعقد الندوات للبحث عن الخلل، ونشر مبادئ «التفكير الناقد» في البيئة الجامعية، ورفع سقف الحرية في اختيار الموضوعات العصرية والمناهج المتنوعة للأطروحات العلمية، أسوة بالأطروحات المتميزة المعمول بها في أقسام التربية وعلم النفس، وهي تمتاز بالجدية في ضبط الإجراءات المنهجية والعمق في التعامل مع النظريات، ومن ثم فعلم الاجتماع يحتاج إلى قرارات جريئة لا تكتفي بالبحث في سبل النهوض بها، من أهمها الدعم الحكومي ودعم القطاع الخاص وبخاصة دعم جيل من الباحثين يملكون الخيال الاجتماعي والحس البحثي، فعلم الاجتماع يعتمد بشكل رئيس على ملكة النقد والخيال الاجتماعي والتحليل وليس على التعليم البنكي القائم على إيداع المعلومات وسحبها.
ومن أهم الإصلاحات تصحيح مسار علم الاجتماع في الجامعات وفصله عن «الخدمة الاجتماعية» لعدم وجود مبرر منطقي يجمع بينهما، فعلم الاجتماع فكر ومفاهيمه مفتوحة، و«الخدمة الاجتماعية» رغم تطوره وقدرته على مواجهة المشكلات الاجتماعية، فإن تطوره لم يدخل أقسام الخدمة وصار مجرد ممارسة مفاهيمها مغلقة ومحدودة، وكذلك تطوير مناهج علم الاجتماع وإضافة مسارات خاصة بالأنثربولوجيا وبالفلسفة والنقد، وإلغاء فروع علم الاجتماع القديمة التي يمكن تحصيلها بالقراءة واستبدالها فروع علم الاجتماع العصرية بها. ومن مظاهر التطوير الالتزام بتقاليد الجامعات وأعرافها بعقد مؤتمرات سنوية وتأسيس مجلات علمية محكمة وغير محكمة موجهة لغير المتخصص والدخول في شراكات مع المراكز العالمية المتخصصة.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».