الشقير: علم الاجتماع خضع لنفوذ الصحوة

الباحث السعودي كتب في رأس المال الثقافي وألف في التاريخ واعتنى بالسير والتراجم

عبد الرحمن الشقير
عبد الرحمن الشقير
TT

الشقير: علم الاجتماع خضع لنفوذ الصحوة

عبد الرحمن الشقير
عبد الرحمن الشقير

في هذا الحوار، الذي أجري معه في الرياض، يؤكد الباحث السعودي عبد الرحمن الشقير على ضرورة علم الاجتماع باعتباره «مطلبا تنمويا وشرعيا واقتصاديا وسياسيا»، في مجتمع يُعّد أحد أهم وأكبر المعامل الاجتماعية في العالم. وقد تناولت دراسات أكاديمية وصحافية عديدة في أميركا وأوروبا هذا المجتمع بالدراسات الميدانية المستمرة وبخاصة المؤسسات الدينية، على عكسنا نحن.
وهو يرى أن حقل علم الاجتماع يواجه مرحلة ركود علمي ونشاطات بحثية وثقافية هشة، رغم أهمية هذا العلم في تفسير مشكلات المجتمع ورصد آلاف القضايا التي يتعامل معها الأفراد يوميا، ومع ذلك هو يعتقد أن هناك علماء سعوديين لهم نشاطات علمية مستقلة لها تأثيرها في الفكر الاجتماعي وتحظى بالتقدير.
ويشير الشقير إلى أن من أهم مشكلات علم الاجتماع في السعودية هو الصراع بين تقليدي متنفذ ومبدع بلا نفوذ، كما أن أبرز موانع الإبداع العلمي في هذا الجانب غياب مراكز للدراسات الاجتماعية الفكرية المتخصصة في صناعة القرار. وهنا نص الحوار:
* كيف تؤثر دراسة علم الاجتماع في تعميق الفهم بتطورات المجتمع؟
- لم تعد دراسات علم الاجتماع الحديثة تنظر للمجتمع بوصفه مجموعة أفراد أو جماعات يتفاعلون في ما بينهم، وﻻ كمؤسسات وبناءات سياسية واقتصادية ودينية، وإنما تنظر إلى مجتمع واقعي تقليدي بدأ يتلاشى، ومجتمع افتراضي تقني اتصالي في تزايد، ولكل واحد منهما مشكلاته وطموحاته ونظريات تفسرها، كما توسعت مفاهيم علم الاجتماع لتزيل الحدود الوهمية بين العلوم الاجتماعية، بل بين أكثر العلوم عامة، فحياة الإنسان بلغت مبلغها من التعقيد، وتداعيات تأثير التقنية والرفاهية والتصنيع عليها درجة كبيرة، بحيث أصبح الإنسان يتعامل في حياته اليومية مع عناصر اجتماعية ونفسية وفيزيائية وطبية وجغرافية وميكانيكية وهكذا. علم الاجتماع علم نقدي جدلي، وهو يعنى بالكشف عن أسباب الظواهر في المجتمع، وبملاحظة بذور التغيرات الاجتماعية، والتنبؤ ببدائل الواقع.
* وماذا يعني علم الاجتماع بالنسبة للمجتمع؟
- يعتبر المجتمع هو مهمة علم الاجتماع الرئيسة، ومجال دراساته، وفي رأيي يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسين: الأول تمثله فروع علم الاجتماع التقليدية التي تهتم بالأسرة والجريمة والصناعة والطب والحضر والريف وهكذا، وهذه الفروع تدرس تأثير المجتمع على الفرد والعكس، وتحلل القضايا الفردية التي تؤثر على المجتمع مثل الطلاق والبطالة وأوقات الفراغ. والقسم الثاني فكري بحت، ويمثله علم اجتماع المعرفة وتاريخ الأفكار ودراسة العلوم، وهي تهتم في جانب منها بالعوامل التي تتحكم في سلوكنا وتوجه تفكيرنا مثل الآيديولوجيات والوعي وتأثير التقنية وكيف تنشأ المعرفة العلمية، وبهذا المفهوم العام فإن كلا القسمين مهم. وإذا دُرس المجتمع بأي شكل منهما بصدق فإنه سيخدمه، وهو ما يسبب صداعا للحكومات ويفضح ممارسات الشركات.
* وما ضرورة علم الاجتماع إذا كان «مزعجا» لهذه الدرجة؟
- لدي إيمان تام بضرورة علم الاجتماع، بل أعد وجوده مطلبا أخلاقيا وشرعيا واقتصاديا وتنمويا وسياسيا، فهو يقدم النصح للحكومة ويساعد متخذي القرار ويفضح أساليب الشركات التي تسوق لمنتجاتها على حساب استنزاف المجتمع وتفكيك الأسرة وتوسيع الفجوة بين الأجيال وتشويه تقاليدنا تحت شعارات الموضة والعصرنة، ويكشف الوعي الزائف الذي يمارسه الإعلام على المجتمع، ويسهم في تفسير مشكلات المجتمع التي يتعامل معها الأفراد يوميا مثل قضايا المرأة والبطالة والعمالة وأوقات الفراغ وعدم انعكاس تعاليم الدين في الحياة اليومية وغيرها آلاف القضايا وليس المئات.

* الحالة السعودية
* دعنا نتساءل عن واقع علم الاجتماع في السعودية..
- للأسف يواجه حقل علم الاجتماع في السعودية، سواء بمقارنته مع علم الاجتماع العربي أو بمقارنته بالعلوم الاجتماعية السعودية، مرحلة ركود علمي ونشاطات بحثية وثقافية هشة، وغياب الندوات وحركة الترجمة. وعلى مستوى التدريس فمعروف أن العلوم الاجتماعية صممت مناهجها على يد الاستعمار لتكون تبعيتها للغرب، وصار علم الاجتماع العربي عالة على علم الاجتماع الغربي، ولكن علم الاجتماع السعودي لا يزال عالة على علم الاجتماع المصري، ولم يستقل أو يطور مقرراته ومناهجه حتى الآن، ولم يحتك مباشرة بعلم الاجتماع الغربي إلا بحدود بعثات طلابية صادفت مرحلة الطفرة وحاجة البلد آنذاك إلى الكم وليس الكيف. ومع ذلك فقد برز منهم علماء مميزون لهم نشاطات علمية مستقلة لها تأثير في الفكر الاجتماعي وتحظى بالتقدير أمثال أبو بكر باقادر وسعد الصويان وغيرهما.
* ما أسباب ذلك الركود في نظرك؟
- الأسباب كثيرة ومتنوعة، منها أن علم الاجتماع لا يزال يصنف من العلوم الأكاديمية المتخصصة، وليس علما شعبيا وثقافيا مثل التاريخ والأدب واللغة وبعض العلوم الشرعية، مما أضعف إثراءه من قبل الباحثين المستقلين والهواة، وكذلك غياب حركة النقد التي تعتبر وظيفته الأساسية، وسيطرة الأساتذة التقليديين على الأقسام العلمية بالجامعات وفرضهم لهذا الركود ومحاربتهم للأساتذة المتميزين.
ومن المعروف أن جودة جميع العلوم وسمعتها في المجتمع، ومنها علم الاجتماع، ترتبط بعمليات الإنتاج العلمي وتعتبر الجامعات من أكبر وأهم المحاضن العلمية التي تسهم في تغير المجتمع وتطوره أو ركوده. ولذلك خضع لنفوذ الصحوة في الثمانينيات وتغلغلها في الجامعات وفرْض كثير من آيديولوجياتها على المؤسسة الأكاديمية، حيث استطاعت أن تمنع تدريس الفلسفة والأنثربولوجيا، وهما العلمان الشقيقان لعلم الاجتماع، وحل محلها مشروع محاولة توطين وأسلمة علم الاجتماع الذي بدأ في جامعة الإمام وكان يمكن أن يكون واعدا ويعيد صياغة التراث الإسلامي بنظريات ويؤكدها بدراسات ميدانية، لكنه توقف.
* وماذا يمكن أن يقدم علم الاجتماع للمجتمع السعودي؟
- يستطيع علم الاجتماع تقديم مفاهيم ونظريات ودراسات ميدانية تكشف عن فهم حقيقة الواقع وتسهم في النمو الاقتصادي والتنمية وتحسين مستوى المعيشة، وتقديم النصح لراسمي السياسات ومتخذي القرار بتصور بدائل الواقع، ويستطيع مساعدة الفرد على التكيف الاجتماعي في ظل عالم مشحون بالتوترات والتناقضات وسرعة التغير، ويمنحه الثقة في نفسه وفي مجتمعه وقيمه ويساعده في تطوير ذاته، كما يسهم فكريا في مواجهة المشكلات بواقعية وبتجديد دراسة الخطاب الديني والتنبؤ بمستقبل المجتمع ورصد تاريخ الأفكار المتداولة فيه وتوجيهها.
ويمكن أن يقدم من الناحية البحثية الإنتاج العلمي المميز، إذ يعتبر المجتمع السعودي أحد أهم وأكبر المعامل الاجتماعية في العالم، ويمكن تنفيذ دراسات ميدانية لها ثلاثة مستويات، أبسطها الاستكشافية وتكون للموضوعات الجديدة التي لم تكتشف بعد، وذلك باستخدام منهج المسح الاجتماعي بالاستبانة، والمستوى المتعمق في الموضوعات المطروقة باستخدام مناهج دراسة الحالة بالمقابلة وتحليل المضمون، وثالثا، التعمق بدقة عالية للموضوعات التي تحتاج فهمها من داخلها برؤية الباحث باستخدام المنهج «اﻹثنوجرافي» وأداته الملاحظة من خلال مشاركة المجتمع الذي يدرسه وكأنه واحد منهم، مثل مجتمع السجناء والفقراء والمنحرفين والمشردين وهكذا، ويمكن تطبيق الدراسات على كثير من الظواهر مثل التفاعلات في مواسم الحج والعمرة، وأسباب تأثير القبيلة في مجتمع عصري متعلم، وكذلك ظاهرة الوهابية وعمق تأثيرها عالميا وجاذبيتها الشعبية، والثقافات الفرعية والمجتمعات الحدودية، والهوية، وصورتنا الذهنية في الخارج، وظاهرة استخدام الشركات لجسد المرأة وصوتها وملامحها كسلعة لها قيمة تبادلية ووضعها في التسويق والاستقبال، بينما استخدام ملامح الرجل الصارمة في استخلاص الحقوق والمطالبات وفي إدارة المواجهة التصادمية مع الجمهور، إضافة إلى ما تمثله بلادنا من تراث تاريخي وأدبي واجتماعي.
* وماذا بشأن دراسة الظواهر الاجتماعية؟
- هناك ظواهر اجتماعية جديرة بالدراسات المعمقة، وهي مغيبة أو تدرس بشكل سطحي مثل: البروز السريع لظاهرة الرفاهية كالمقاهي ومحلات المساج والأندية الرياضية والتفاعلات داخلها، أو الاتفاق الجمعي على «تويتر» كملتقى اجتماعي يومي كبديل شكلي عن ملتقى الأسرة وعن الإعلام الرسمي، وانتشار بدائل الزواج التقليدي كالمسيار والزواج بنية الطلاق، وقدرة الهويات المغيبة والطبقات المهمشة على أن تعرف بنفسها عبر التقنية ووسائل الاتصال، وتأثير تحول المباني في المدن الكبيرة من أفقية إلى عمودية، ونحوها.
كذلك، من الناحية التدريسية هناك فروع جديدة لعلم الاجتماع يحتاجها المجتمع وسوق العمل، مثل علم اجتماع المستقبل، والمعرفة، والعلم، والنقد، والتقنية ووسائل الاتصال ونحوها من فروع علم الاجتماع التي تحتاج تدريبا وممارسة بحثية وتعلم مهارات، فهذه الاهتمامات هي التي تجعل منه علما واقعيا ويلامس الحياة اليومية ويؤدي دوره الفكري والتنموي والأخلاقي الذي أسس من أجله، ومن ناحية المسؤولية الاجتماعية يمكن أن ينفتح علم الاجتماع على المجتمع ويشارك أفراده المعرفة بتنفيذ دورات ومحاضرات ومجلات غير محكمة وتبسيط النظريات وإعداد برامج تفاعلية عبر التقنية ووسائل الاتصال، فغالبية كتب تطوير الذات إنما هي نظريات اجتماعية مبسطة.
* وما الذي يمنع من تحقيق ذلك؟
- مثل هذه المطالبات والتطلعات تعد بعيدة المنال قياسا بواقع أقسام وأساتذة علم الاجتماع، على الرغم من وجود جيل من الباحثين الشباب المتحفزين للإبداع في تنويع المناهج وطرق موضوعات جديدة. ومن أهم مشكلات علم الاجتماع في السعودية هو الصراع بين تقليدي متنفذ ومبدع بلا نفوذ، وهذا أحد أبرز موانع الإبداع العلمي في جامعاتنا، ومنها أن السعودية لا تملك مركزا للدراسات الاجتماعية الفكرية المتخصصة في صناعة القرار المعروفة باسم «ثينك تانك»، وإنما تملك مراكز للدراسات الاجتماعية التقليدية، ولذلك نلحظ أن الدراسات الاجتماعية تأتي نتيجة تفاعل مع الطرح الإعلامي واستجابة لضغوطه وليست بمبادرات استباقية.
* لكن الأبحاث الاجتماعية تحظى بالدعم ولا تزال المؤسسات الحكومية تستعين بالأكاديميين؟
- إذا طالعنا حجم ما أنفق على الدراسات الاجتماعية للاحظنا بون المسافة بين ضعف المخرجات من كفاءات بحثية ومن دراسات ومؤتمرات ومجلات وما أنفق عليها من أموال. فالأطروحات العلمية وكثير من مؤلفات الأكاديميين ضعيفة المحتوى، وغالبيتها لا تعدو اختيار موضوعات عادية تقوم على المنهج المسحي عبر توزيع استبانات، ثم تخرج بنتائج عادية يمكن أن يلاحظها رجل الشارع العادي من دون دراسة، وهذا المنهج مع أنه وضع لأغراض علمية معينة وله عيوب واضحة، إﻻ أن جعله المنهج المهيمن على دراسات الباحثين والأطروحات يعد نقصا علميا وخللا أكاديميا.
وانعكس على ذلك عدم ثقة المؤسسات الحكومية والخاصة في كثير من إنتاجها العلمي ولا في نتائجها لعدم فاعليتها وانخفاض حرية التعبير ومحاولة إرضاء المسؤولين بنتائج متلاعب فيها بإحصاءات مضللة، مما أضعف محتواها، لذلك حلت محلها كثافة الدراسات الأكاديمية والصحافية في أميركا وأوروبا والتي تتناول مجتمعنا بالدراسات الميدانية المستمرة وبخاصة التاريخ الآني، ومعروف أن المجتمع السعودي يحظى باهتمام دولي وبخاصة المؤسسة الدينية، وصارت المؤسسات الحكومية تستعين ببيوت الخبرة العالمية إذا أرادت اتخاذ قرار مبني على دراسة جادة.
* إذن، ما الأسلوب الأمثل للنهوض بعلم الاجتماع لكي يؤدي دوره في المجتمع؟
- يحتاج واقع علم الاجتماع السعودي إلى مواجهة نفسه بشفافية وعقد الندوات للبحث عن الخلل، ونشر مبادئ «التفكير الناقد» في البيئة الجامعية، ورفع سقف الحرية في اختيار الموضوعات العصرية والمناهج المتنوعة للأطروحات العلمية، أسوة بالأطروحات المتميزة المعمول بها في أقسام التربية وعلم النفس، وهي تمتاز بالجدية في ضبط الإجراءات المنهجية والعمق في التعامل مع النظريات، ومن ثم فعلم الاجتماع يحتاج إلى قرارات جريئة لا تكتفي بالبحث في سبل النهوض بها، من أهمها الدعم الحكومي ودعم القطاع الخاص وبخاصة دعم جيل من الباحثين يملكون الخيال الاجتماعي والحس البحثي، فعلم الاجتماع يعتمد بشكل رئيس على ملكة النقد والخيال الاجتماعي والتحليل وليس على التعليم البنكي القائم على إيداع المعلومات وسحبها.
ومن أهم الإصلاحات تصحيح مسار علم الاجتماع في الجامعات وفصله عن «الخدمة الاجتماعية» لعدم وجود مبرر منطقي يجمع بينهما، فعلم الاجتماع فكر ومفاهيمه مفتوحة، و«الخدمة الاجتماعية» رغم تطوره وقدرته على مواجهة المشكلات الاجتماعية، فإن تطوره لم يدخل أقسام الخدمة وصار مجرد ممارسة مفاهيمها مغلقة ومحدودة، وكذلك تطوير مناهج علم الاجتماع وإضافة مسارات خاصة بالأنثربولوجيا وبالفلسفة والنقد، وإلغاء فروع علم الاجتماع القديمة التي يمكن تحصيلها بالقراءة واستبدالها فروع علم الاجتماع العصرية بها. ومن مظاهر التطوير الالتزام بتقاليد الجامعات وأعرافها بعقد مؤتمرات سنوية وتأسيس مجلات علمية محكمة وغير محكمة موجهة لغير المتخصص والدخول في شراكات مع المراكز العالمية المتخصصة.



الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة. 

 


فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
TT

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008، وهو بمثابة «متحف موقع»؛ تعود كل القطع المحفوظة فيه إلى هذا القصر الأموي وما يتبعه من مرافق معمارية، وتشكّل مجموعات متنوّعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، وألواح الفسيفساء، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية، إضافة إلى كثير من الأواني الفخارية والأدوات المصنوعة من الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة من إرث ضاع الجزء الأكبر منه مع الأسف.

تعود هذه القطع في الأصل إلى أرضيات رُصفت على شكل سجادات متعدّدة الأحجام، تزيّن مجموعة من قاعات القصر الداخلية، وهي تحتل مساحة تمتد بين الجدران؛ شمال القصر وجنوبه، كما شرقه. تجمع هذه القطع بين التقاسيم الهندسية والعناصر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبرزها في قطعة مستطيلة، تعود إلى طرف الزاوية الجنوبية الشرقية من أرضية تزيّن قاعة حملت رقم «4» في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضاع الجزء الأكبر من هذه الأرضية، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عمودياً وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائريتان مع مساحتين بيضاويتين، ويتكرّر هذا التقسيم في القسم الأسفل. وفي القسم الأوسط، تحل مساحتان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان.

يحيط بهذه الشبكة إطار عريض، قوامه شريط مزخرف، بقي منه طرفه الأعلى، وهو الطرف المحفوظ على شكل لوح مستطيل في «متحف آثار قصر الحلابات». يحد هذا اللوحَ شريطٌ زخرفي قوامه زهرة اللوتس التي تحل في صياغة مجرّدة من أي ثقل، وتتحوّل عنصراً هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه 3 مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بصورة منعكسة لها. في القسم الأعلى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يحلّ اللون الأخضر بتدرجاته، في صياغة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة.

يتكوّن شريط الإطار من مساحات متشابكة مجدولة، تمتدّ على مساحة نحو 75 سنتيمتراً. تجمع هذه الشبكة بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مشابهة من المربعات المنحنية، تربط بينهما سلسلة من الضفائر المجدولة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمساحات المقوسة، والمساحات اللولبية، في تأليف محكم يشهد لحرفة عالية في الصياغة والابتكار. تدخل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في 3 أنواع تحلّ في صياغة مختزلة؛ هي: الرمان، والبرتقال، والإجاص. تحضر الثمرة الأولى بشكل مفرد، وتأتي على شكل دائرة تعلوها نتوءات بارزة. وتحضر الثمرة الثانية بشكل ثلاثي، مع طرف من غصنها. أما الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تأخذ الصياغة اللونية شكلاً تجريدياً جامعاً، وقوامها 3 ألوان متعاقبة، تتكرر في تشكيل كل ثمرة من هذه الثمار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر اللازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط.

يقابل هذا الشريط الزخرفي المحكم جزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحلّ في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجح من فصيلة الحجل، يتواجهان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الدائرية البيضاء. تعلو هذه المساحة المقوّسة مساحتان فارغتان، يسكن كلّ منهما حيوان من الفصيلة الوحشية، بقي واحد منهما، ضاع رأسه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هذا الحيوان المتوحّش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقضّ إلى الأمام، شاهراً مخالبه، وظهرت منها تلك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف.

يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوسط، يظهر أرنب بري ضمن مربع يحيط به إطار مجدول، ويبدو حانياً رأسه وهو يقضم عنقود عنب مكوّناً من 9 حبات. تحت هذا الأرنب، يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحاً فكّي فمه، كاشفاً عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طويل. في الزاوية المقابلة لصورة هذا الذئب، يظهر غزال له قرنان طويلان مقوسان ولحية متصلة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بيضاء مجردة، تزينها شتلتان مورقتان تعلو إحداهما ثمرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير من فصيلة الحجل في وضعية مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هذا الطير في الأصل حجلٌ مشابهٌ ضاع أثره، وترتفع بين الطيرين شتلة مورقة، تمتد أغصانها بشكل متجانس على خلفية بيضاء مجرّدة. تتعدّد العناصر الحيوانية وتتنوّع في هذا التأليف كما يبدو. بين الذئب والغزال، تظهر سمكة وسط إطار مقوّس، وتبدو في وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي.

تكشف بقايا أرضيات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في القاعة التي تحمل رقم «10»، يظهر حيوان ضاع رأسه، وما بقي من عنقه وصدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي القاعة التي تحمل رقم «25»، تظهر بطة داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة.

تجد هذه العناصر الحيوانية ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتعكس مناخاً فردوسياً جامعاً تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل.