الشقير: علم الاجتماع خضع لنفوذ الصحوة

الباحث السعودي كتب في رأس المال الثقافي وألف في التاريخ واعتنى بالسير والتراجم

عبد الرحمن الشقير
عبد الرحمن الشقير
TT

الشقير: علم الاجتماع خضع لنفوذ الصحوة

عبد الرحمن الشقير
عبد الرحمن الشقير

في هذا الحوار، الذي أجري معه في الرياض، يؤكد الباحث السعودي عبد الرحمن الشقير على ضرورة علم الاجتماع باعتباره «مطلبا تنمويا وشرعيا واقتصاديا وسياسيا»، في مجتمع يُعّد أحد أهم وأكبر المعامل الاجتماعية في العالم. وقد تناولت دراسات أكاديمية وصحافية عديدة في أميركا وأوروبا هذا المجتمع بالدراسات الميدانية المستمرة وبخاصة المؤسسات الدينية، على عكسنا نحن.
وهو يرى أن حقل علم الاجتماع يواجه مرحلة ركود علمي ونشاطات بحثية وثقافية هشة، رغم أهمية هذا العلم في تفسير مشكلات المجتمع ورصد آلاف القضايا التي يتعامل معها الأفراد يوميا، ومع ذلك هو يعتقد أن هناك علماء سعوديين لهم نشاطات علمية مستقلة لها تأثيرها في الفكر الاجتماعي وتحظى بالتقدير.
ويشير الشقير إلى أن من أهم مشكلات علم الاجتماع في السعودية هو الصراع بين تقليدي متنفذ ومبدع بلا نفوذ، كما أن أبرز موانع الإبداع العلمي في هذا الجانب غياب مراكز للدراسات الاجتماعية الفكرية المتخصصة في صناعة القرار. وهنا نص الحوار:
* كيف تؤثر دراسة علم الاجتماع في تعميق الفهم بتطورات المجتمع؟
- لم تعد دراسات علم الاجتماع الحديثة تنظر للمجتمع بوصفه مجموعة أفراد أو جماعات يتفاعلون في ما بينهم، وﻻ كمؤسسات وبناءات سياسية واقتصادية ودينية، وإنما تنظر إلى مجتمع واقعي تقليدي بدأ يتلاشى، ومجتمع افتراضي تقني اتصالي في تزايد، ولكل واحد منهما مشكلاته وطموحاته ونظريات تفسرها، كما توسعت مفاهيم علم الاجتماع لتزيل الحدود الوهمية بين العلوم الاجتماعية، بل بين أكثر العلوم عامة، فحياة الإنسان بلغت مبلغها من التعقيد، وتداعيات تأثير التقنية والرفاهية والتصنيع عليها درجة كبيرة، بحيث أصبح الإنسان يتعامل في حياته اليومية مع عناصر اجتماعية ونفسية وفيزيائية وطبية وجغرافية وميكانيكية وهكذا. علم الاجتماع علم نقدي جدلي، وهو يعنى بالكشف عن أسباب الظواهر في المجتمع، وبملاحظة بذور التغيرات الاجتماعية، والتنبؤ ببدائل الواقع.
* وماذا يعني علم الاجتماع بالنسبة للمجتمع؟
- يعتبر المجتمع هو مهمة علم الاجتماع الرئيسة، ومجال دراساته، وفي رأيي يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسين: الأول تمثله فروع علم الاجتماع التقليدية التي تهتم بالأسرة والجريمة والصناعة والطب والحضر والريف وهكذا، وهذه الفروع تدرس تأثير المجتمع على الفرد والعكس، وتحلل القضايا الفردية التي تؤثر على المجتمع مثل الطلاق والبطالة وأوقات الفراغ. والقسم الثاني فكري بحت، ويمثله علم اجتماع المعرفة وتاريخ الأفكار ودراسة العلوم، وهي تهتم في جانب منها بالعوامل التي تتحكم في سلوكنا وتوجه تفكيرنا مثل الآيديولوجيات والوعي وتأثير التقنية وكيف تنشأ المعرفة العلمية، وبهذا المفهوم العام فإن كلا القسمين مهم. وإذا دُرس المجتمع بأي شكل منهما بصدق فإنه سيخدمه، وهو ما يسبب صداعا للحكومات ويفضح ممارسات الشركات.
* وما ضرورة علم الاجتماع إذا كان «مزعجا» لهذه الدرجة؟
- لدي إيمان تام بضرورة علم الاجتماع، بل أعد وجوده مطلبا أخلاقيا وشرعيا واقتصاديا وتنمويا وسياسيا، فهو يقدم النصح للحكومة ويساعد متخذي القرار ويفضح أساليب الشركات التي تسوق لمنتجاتها على حساب استنزاف المجتمع وتفكيك الأسرة وتوسيع الفجوة بين الأجيال وتشويه تقاليدنا تحت شعارات الموضة والعصرنة، ويكشف الوعي الزائف الذي يمارسه الإعلام على المجتمع، ويسهم في تفسير مشكلات المجتمع التي يتعامل معها الأفراد يوميا مثل قضايا المرأة والبطالة والعمالة وأوقات الفراغ وعدم انعكاس تعاليم الدين في الحياة اليومية وغيرها آلاف القضايا وليس المئات.

* الحالة السعودية
* دعنا نتساءل عن واقع علم الاجتماع في السعودية..
- للأسف يواجه حقل علم الاجتماع في السعودية، سواء بمقارنته مع علم الاجتماع العربي أو بمقارنته بالعلوم الاجتماعية السعودية، مرحلة ركود علمي ونشاطات بحثية وثقافية هشة، وغياب الندوات وحركة الترجمة. وعلى مستوى التدريس فمعروف أن العلوم الاجتماعية صممت مناهجها على يد الاستعمار لتكون تبعيتها للغرب، وصار علم الاجتماع العربي عالة على علم الاجتماع الغربي، ولكن علم الاجتماع السعودي لا يزال عالة على علم الاجتماع المصري، ولم يستقل أو يطور مقرراته ومناهجه حتى الآن، ولم يحتك مباشرة بعلم الاجتماع الغربي إلا بحدود بعثات طلابية صادفت مرحلة الطفرة وحاجة البلد آنذاك إلى الكم وليس الكيف. ومع ذلك فقد برز منهم علماء مميزون لهم نشاطات علمية مستقلة لها تأثير في الفكر الاجتماعي وتحظى بالتقدير أمثال أبو بكر باقادر وسعد الصويان وغيرهما.
* ما أسباب ذلك الركود في نظرك؟
- الأسباب كثيرة ومتنوعة، منها أن علم الاجتماع لا يزال يصنف من العلوم الأكاديمية المتخصصة، وليس علما شعبيا وثقافيا مثل التاريخ والأدب واللغة وبعض العلوم الشرعية، مما أضعف إثراءه من قبل الباحثين المستقلين والهواة، وكذلك غياب حركة النقد التي تعتبر وظيفته الأساسية، وسيطرة الأساتذة التقليديين على الأقسام العلمية بالجامعات وفرضهم لهذا الركود ومحاربتهم للأساتذة المتميزين.
ومن المعروف أن جودة جميع العلوم وسمعتها في المجتمع، ومنها علم الاجتماع، ترتبط بعمليات الإنتاج العلمي وتعتبر الجامعات من أكبر وأهم المحاضن العلمية التي تسهم في تغير المجتمع وتطوره أو ركوده. ولذلك خضع لنفوذ الصحوة في الثمانينيات وتغلغلها في الجامعات وفرْض كثير من آيديولوجياتها على المؤسسة الأكاديمية، حيث استطاعت أن تمنع تدريس الفلسفة والأنثربولوجيا، وهما العلمان الشقيقان لعلم الاجتماع، وحل محلها مشروع محاولة توطين وأسلمة علم الاجتماع الذي بدأ في جامعة الإمام وكان يمكن أن يكون واعدا ويعيد صياغة التراث الإسلامي بنظريات ويؤكدها بدراسات ميدانية، لكنه توقف.
* وماذا يمكن أن يقدم علم الاجتماع للمجتمع السعودي؟
- يستطيع علم الاجتماع تقديم مفاهيم ونظريات ودراسات ميدانية تكشف عن فهم حقيقة الواقع وتسهم في النمو الاقتصادي والتنمية وتحسين مستوى المعيشة، وتقديم النصح لراسمي السياسات ومتخذي القرار بتصور بدائل الواقع، ويستطيع مساعدة الفرد على التكيف الاجتماعي في ظل عالم مشحون بالتوترات والتناقضات وسرعة التغير، ويمنحه الثقة في نفسه وفي مجتمعه وقيمه ويساعده في تطوير ذاته، كما يسهم فكريا في مواجهة المشكلات بواقعية وبتجديد دراسة الخطاب الديني والتنبؤ بمستقبل المجتمع ورصد تاريخ الأفكار المتداولة فيه وتوجيهها.
ويمكن أن يقدم من الناحية البحثية الإنتاج العلمي المميز، إذ يعتبر المجتمع السعودي أحد أهم وأكبر المعامل الاجتماعية في العالم، ويمكن تنفيذ دراسات ميدانية لها ثلاثة مستويات، أبسطها الاستكشافية وتكون للموضوعات الجديدة التي لم تكتشف بعد، وذلك باستخدام منهج المسح الاجتماعي بالاستبانة، والمستوى المتعمق في الموضوعات المطروقة باستخدام مناهج دراسة الحالة بالمقابلة وتحليل المضمون، وثالثا، التعمق بدقة عالية للموضوعات التي تحتاج فهمها من داخلها برؤية الباحث باستخدام المنهج «اﻹثنوجرافي» وأداته الملاحظة من خلال مشاركة المجتمع الذي يدرسه وكأنه واحد منهم، مثل مجتمع السجناء والفقراء والمنحرفين والمشردين وهكذا، ويمكن تطبيق الدراسات على كثير من الظواهر مثل التفاعلات في مواسم الحج والعمرة، وأسباب تأثير القبيلة في مجتمع عصري متعلم، وكذلك ظاهرة الوهابية وعمق تأثيرها عالميا وجاذبيتها الشعبية، والثقافات الفرعية والمجتمعات الحدودية، والهوية، وصورتنا الذهنية في الخارج، وظاهرة استخدام الشركات لجسد المرأة وصوتها وملامحها كسلعة لها قيمة تبادلية ووضعها في التسويق والاستقبال، بينما استخدام ملامح الرجل الصارمة في استخلاص الحقوق والمطالبات وفي إدارة المواجهة التصادمية مع الجمهور، إضافة إلى ما تمثله بلادنا من تراث تاريخي وأدبي واجتماعي.
* وماذا بشأن دراسة الظواهر الاجتماعية؟
- هناك ظواهر اجتماعية جديرة بالدراسات المعمقة، وهي مغيبة أو تدرس بشكل سطحي مثل: البروز السريع لظاهرة الرفاهية كالمقاهي ومحلات المساج والأندية الرياضية والتفاعلات داخلها، أو الاتفاق الجمعي على «تويتر» كملتقى اجتماعي يومي كبديل شكلي عن ملتقى الأسرة وعن الإعلام الرسمي، وانتشار بدائل الزواج التقليدي كالمسيار والزواج بنية الطلاق، وقدرة الهويات المغيبة والطبقات المهمشة على أن تعرف بنفسها عبر التقنية ووسائل الاتصال، وتأثير تحول المباني في المدن الكبيرة من أفقية إلى عمودية، ونحوها.
كذلك، من الناحية التدريسية هناك فروع جديدة لعلم الاجتماع يحتاجها المجتمع وسوق العمل، مثل علم اجتماع المستقبل، والمعرفة، والعلم، والنقد، والتقنية ووسائل الاتصال ونحوها من فروع علم الاجتماع التي تحتاج تدريبا وممارسة بحثية وتعلم مهارات، فهذه الاهتمامات هي التي تجعل منه علما واقعيا ويلامس الحياة اليومية ويؤدي دوره الفكري والتنموي والأخلاقي الذي أسس من أجله، ومن ناحية المسؤولية الاجتماعية يمكن أن ينفتح علم الاجتماع على المجتمع ويشارك أفراده المعرفة بتنفيذ دورات ومحاضرات ومجلات غير محكمة وتبسيط النظريات وإعداد برامج تفاعلية عبر التقنية ووسائل الاتصال، فغالبية كتب تطوير الذات إنما هي نظريات اجتماعية مبسطة.
* وما الذي يمنع من تحقيق ذلك؟
- مثل هذه المطالبات والتطلعات تعد بعيدة المنال قياسا بواقع أقسام وأساتذة علم الاجتماع، على الرغم من وجود جيل من الباحثين الشباب المتحفزين للإبداع في تنويع المناهج وطرق موضوعات جديدة. ومن أهم مشكلات علم الاجتماع في السعودية هو الصراع بين تقليدي متنفذ ومبدع بلا نفوذ، وهذا أحد أبرز موانع الإبداع العلمي في جامعاتنا، ومنها أن السعودية لا تملك مركزا للدراسات الاجتماعية الفكرية المتخصصة في صناعة القرار المعروفة باسم «ثينك تانك»، وإنما تملك مراكز للدراسات الاجتماعية التقليدية، ولذلك نلحظ أن الدراسات الاجتماعية تأتي نتيجة تفاعل مع الطرح الإعلامي واستجابة لضغوطه وليست بمبادرات استباقية.
* لكن الأبحاث الاجتماعية تحظى بالدعم ولا تزال المؤسسات الحكومية تستعين بالأكاديميين؟
- إذا طالعنا حجم ما أنفق على الدراسات الاجتماعية للاحظنا بون المسافة بين ضعف المخرجات من كفاءات بحثية ومن دراسات ومؤتمرات ومجلات وما أنفق عليها من أموال. فالأطروحات العلمية وكثير من مؤلفات الأكاديميين ضعيفة المحتوى، وغالبيتها لا تعدو اختيار موضوعات عادية تقوم على المنهج المسحي عبر توزيع استبانات، ثم تخرج بنتائج عادية يمكن أن يلاحظها رجل الشارع العادي من دون دراسة، وهذا المنهج مع أنه وضع لأغراض علمية معينة وله عيوب واضحة، إﻻ أن جعله المنهج المهيمن على دراسات الباحثين والأطروحات يعد نقصا علميا وخللا أكاديميا.
وانعكس على ذلك عدم ثقة المؤسسات الحكومية والخاصة في كثير من إنتاجها العلمي ولا في نتائجها لعدم فاعليتها وانخفاض حرية التعبير ومحاولة إرضاء المسؤولين بنتائج متلاعب فيها بإحصاءات مضللة، مما أضعف محتواها، لذلك حلت محلها كثافة الدراسات الأكاديمية والصحافية في أميركا وأوروبا والتي تتناول مجتمعنا بالدراسات الميدانية المستمرة وبخاصة التاريخ الآني، ومعروف أن المجتمع السعودي يحظى باهتمام دولي وبخاصة المؤسسة الدينية، وصارت المؤسسات الحكومية تستعين ببيوت الخبرة العالمية إذا أرادت اتخاذ قرار مبني على دراسة جادة.
* إذن، ما الأسلوب الأمثل للنهوض بعلم الاجتماع لكي يؤدي دوره في المجتمع؟
- يحتاج واقع علم الاجتماع السعودي إلى مواجهة نفسه بشفافية وعقد الندوات للبحث عن الخلل، ونشر مبادئ «التفكير الناقد» في البيئة الجامعية، ورفع سقف الحرية في اختيار الموضوعات العصرية والمناهج المتنوعة للأطروحات العلمية، أسوة بالأطروحات المتميزة المعمول بها في أقسام التربية وعلم النفس، وهي تمتاز بالجدية في ضبط الإجراءات المنهجية والعمق في التعامل مع النظريات، ومن ثم فعلم الاجتماع يحتاج إلى قرارات جريئة لا تكتفي بالبحث في سبل النهوض بها، من أهمها الدعم الحكومي ودعم القطاع الخاص وبخاصة دعم جيل من الباحثين يملكون الخيال الاجتماعي والحس البحثي، فعلم الاجتماع يعتمد بشكل رئيس على ملكة النقد والخيال الاجتماعي والتحليل وليس على التعليم البنكي القائم على إيداع المعلومات وسحبها.
ومن أهم الإصلاحات تصحيح مسار علم الاجتماع في الجامعات وفصله عن «الخدمة الاجتماعية» لعدم وجود مبرر منطقي يجمع بينهما، فعلم الاجتماع فكر ومفاهيمه مفتوحة، و«الخدمة الاجتماعية» رغم تطوره وقدرته على مواجهة المشكلات الاجتماعية، فإن تطوره لم يدخل أقسام الخدمة وصار مجرد ممارسة مفاهيمها مغلقة ومحدودة، وكذلك تطوير مناهج علم الاجتماع وإضافة مسارات خاصة بالأنثربولوجيا وبالفلسفة والنقد، وإلغاء فروع علم الاجتماع القديمة التي يمكن تحصيلها بالقراءة واستبدالها فروع علم الاجتماع العصرية بها. ومن مظاهر التطوير الالتزام بتقاليد الجامعات وأعرافها بعقد مؤتمرات سنوية وتأسيس مجلات علمية محكمة وغير محكمة موجهة لغير المتخصص والدخول في شراكات مع المراكز العالمية المتخصصة.



أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.


وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر
رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر
TT

وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر
رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر

خرج فن التصوير الأموي من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، حين نشر العالم التشيكي ألويسس موزيل بحثاً تناول فيه جداريات بناء في بادية الأردن، يُعرف باسم قصير عمرة. تبيّن يومها أن هذه الجداريات تمتدّ على مدى ثلاثمائة وثمانين متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسّطي؛ مّا يجعلها مادة لدراسة تطور الرسم التصويري بتقاليده الراسخة في القرن الثامن، ونشوء الفن الأموي المنبثق من هذه التقاليد. تواصلت الاكتشافات خلال العقود التالية، وظهرت أبنية أموية أخرى حوى بعض منها جداريات مشابهة، بقيت منها شواهد معدودة، وقد عمدت البعثات الأثرية المختصة إلى جمعها وحفظها. تبرز في هذا الميدان مجموعة شواهد محفوظة في متحف دمشق الوطني، مصدرها قصر يقع جنوب غربي تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي.

تمّ اكتشاف هذه الشواهد خلال أعمال المسح والتنقيب التي أجرتها بعثة فرنسية في موقع قصر الحير الغربي بين عامَي 1936 و1938. وهي بدت أشبه بشذرات مبعثرة، تمّ جمعها وتوثيقها، قبل العمل على حفظها وتثبيت كلّ منها على لوح مستقل. هكذا تحوّلت هذه الشذرات عينات تشكيلية، منها ما جاء على شكل زخارف متعدّدة الأشكال والأنماط، ومنها ما جاء على شكل عناصر نباتية محوّرة، ومنها ما جاء على شكل تصاوير آدمية تتمثّل في وجوه وقامات فقدت الكثير من مكوّناتها. يعرض متحف دمشق الوطني وجهين من هذه الوجوه، حلّ كلّ منهما على لوح خاص به. يتشابه هذان اللوحان في الحجم بشكل عام، وهما مربّعان، وأكبرهما طوله 39 سنتيمتراً، وعرضه 41 سنتيمتراً، ويحوي بقايا وجه أنثوي صُوّر في وضعيّة نصف جانبية. في المقابل، يبلغ طول اللوح الآخر 37 سنتيمتراً، وعرضه 34 سنتيمتراً، ويحوي بقايا وجه رجولي صُوّر كذلك في وضعيّة نصف جانبية.

تحني المرأة وجهها انحناءة بسيطة، وتبدو شاخصة، محدّقة بعينين واسعتين. الرأس دائري ومكتنز، يعلوه منديل أبيض عريض يلتف من حوله بثناياه الموشّحة باللون الأحمر القاني، كاشفاً عن غرّة قصيرة تعلو الجبين، وخصلتين متعرجتين تتدليّان على الخدّين. العينان ضخمتان، وهما لوزيتّان، وهدباهما مكحّلان باللون الأسود. الجفنان ظاهران، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان سُطرا كذلك بالأسوَد الحالك. صلبة العين بيضاء، تتوسّطها قزحية سوداء أشبه ببؤبؤ ضخم. الأنف ناتئ وقصير، وتكوينه محدّد بخيط جليّ يخلو من التظليل والتجسيم. الثغر ضائع للأسف، وما بقي منه يقتصر على طرف شفة ترسم كما يبدو ابتسامة خجولة. تخرج الأذنان من خلف الخصلتين الطويلتين، ويزيّن كلّا منهما حلق تتدلّى منه حبّتان لؤلؤيتان. يظهر طرف الصدر الأعلى، ويكسوه رداء كحلي. يبين أعلى الكتفين، ويكشف عن قامة ترفع ذراعيها نحو الأعلى. تظهر اليد اليمنى، وهي تقبض بأصابعها على مروحة تتكون من قضيب تعلوه قماشة مستطيلة زُيّنت بشبكة زخرفية. وتظهر راحة اليد اليسرى التي تساقطت، وبات من الصعب تحديد حركتها. تحضر هذه القامة الأنثوية وسط فضاء تزيّنه سلسلة من الأوراق النباتية المسطّحة، صيغت باللون النبيذي، وتظهر في أعلى اللوح بقايا إطار يتكوّن من سلسلة من الحبات اللؤلؤية.

في اللوح الثاني، وجه رجل يعتمر خوذة مقبّبة، توحي بأنّه ينتمي إلى ما يُعرف بـ«مجتمع الجيش». الوجه بيضاوي، وعيناه واسعتان وشاخصتان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. ينسل خيط الأنف المستقيم من بين هذا الحاجبين، ويتصل بشارب كثيف ينسدل طرفاه حول الفم المطبق. يرفع هذا الجندي يده في اتجاه ذقنه، في حركة تعكس حالة تأمليّة. يطل هذا الوجه سط فضاء ملبّد، تزيّنه في الأصل كتل نباتية بقي منها طيفها. يحيط بهذا الفضاء إطار على شكل شريط عريض مجرّد، بقي منه الجزء الأعلى، في موازاة الخوذة المقبّبة. يعكس الأسلوب المتبع في صياغة هذا الوجه أثر التقليد الهلنستي الشرقي الذي ساد في بقاع من الشرق الأدنى. ويماثل في زيّه العسكري وجهين يحضران في جداريات قصير عمرة. من جهة أخرى، يعكس الأسلوب المتبع في صياغة الوجه الأنثوي أثر الطراز الساساني، ويكشف عن نموذج تشكيلي مبتكر، اتّضحت ملامحه في مرحلة لاحقة، في مطلع الحقبة العباسية.

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوح ثالث يحمل وجوهاً أشبه بمسوخ بشرية... والثابت أن هذه الوجوه تعود إلى لوحة جامعة

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوح ثالث يحمل وجوهاً أشبه بمسوخ بشرية، والثابت أن هذه الوجوه تعود إلى لوحة جامعة، احتار أهل الاختصاص في تحديد هويّة موضوعها. يبلغ طول هذا اللوح 35 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً، ويجمع بين وجهين متقابلين، يعلوهما وجه ثالث يحضر بشكل أفقي. يظهر في الطرف وجه رابع تميّز ببشرته الداكنة. ويكشف الرسم التوثيقي الخاص بهذه الجدارية عن وجه خامس، يحمل الملامح نفسها. في التقليد الروماني، برز طراز خاص يعمد إلى تصوير شعوب أقاصي الأرض كمسوخ، ويبدو أن هذه الجدارية الأموية تنتمي بشكل ما إلى هذا الطراز، غير أن هذه القراءة التأويلية تبقى افتراضية.

إلى جانب هذه الألواح، ألواح أخرى من الحجم الصغير، تمثّل عينات من قاموس الفن التشكيلي الأموي، ومنها على سبيل المثل لوح صغير، طوله 17 سنتيمتراً وعرضه 21 سنتيمتراً، يحوي شبكة زخرفية تتبنّى الطراز الذي ساد في صياغة الألواح المنقوشة التي حفلت بها المواقع الأموية. تأخذ الوحدات الهندسية المجدولة هنا طابعاً تشكيلياً، وتعكس نمطاً يندمج في قوالب مسبكة، تجمع بين العناصر الهندسية المجرّدة، والعناصر التصويرية المتعدّدة الأشكال والأنواع.