فرض الرقابة القضائية على ساركوزي بعد اتهامه رسمياً بالفساد

الرئيس الأسبق مستمر في النفي ويعتبر الفضيحة من تدبير «زمرة القذافي»

ساركوزي يغادر المكتب المركزي لمكافحة الفساد أول من أمس (رويترز)
ساركوزي يغادر المكتب المركزي لمكافحة الفساد أول من أمس (رويترز)
TT

فرض الرقابة القضائية على ساركوزي بعد اتهامه رسمياً بالفساد

ساركوزي يغادر المكتب المركزي لمكافحة الفساد أول من أمس (رويترز)
ساركوزي يغادر المكتب المركزي لمكافحة الفساد أول من أمس (رويترز)

قد يكون من المبكر التنبؤ بالمضاعفات المترتبة على توجيه الاتهام رسمياً لرئيس الجمهورية الأسبق نيكولا ساركوزي في موضوع التمويل الليبي لحملته الانتخابية لعام 2007، التي من أجلها تم توقيفه احترازياً ليومين، وهي سابقة في تاريخ الجمهورية الفرنسية الحديث. لكن الثابت أن هذه القضية التي تبدو الأخطر من جملة الفضائح المرتبطة باسم ساركوزي منذ أن كان وزيراً للميزانية وناطقاً باسم الحكومة منتصف التسعينات، وحتى تركه قصر الإليزيه وما بعده، ستقضي على حياة الرجل السياسية.
ساركوزي أعلن بعد هزيمته الرئاسية بوجه فرنسوا هولاند في عام 2012، أنه يضع حداً لمعاركه السياسية. لكن الرغبة كانت لديه أقوى، فعاد ليترأس حزب «الجمهوريون» ويحاول أن يكون مرشحه في رئاسيات العام الماضي. لكنه مُني بفشل ذريع؛ إذ فضّل المحازبون عليه فرنسوا فيون، رئيس الحكومة طيلة سنوات عهده (2007 ــ 2012)، واعتقد الكثيرون أن الفشل الثاني سيردعه عن الاستمرار في خوض المعارك السياسية. ورغم الفضائح المالية والقضائية العشرة المرتبطة باسمه، فقد بينت الأشهر الأخيرة، وفق مقربين منه، أنه يحنّ مجدداً للميدان السياسي، خصوصاً أن شعبيته بقيت مرتفعة لدى جمهور اليمين الفرنسي، بحيث تحوّل إلى «العراب» الذي يبارك ويزكي أو يحط ويستبعد.
ثمة قول فرنسي مفاده أن «الرجل السياسي لا يموت قبل أن يدفن»، ولا شك أنه يصح على حالة ساركوزي الذي أصبح رئيساً لبلدية نويي البورجوازية الملاصقة لغرب العاصمة، وهو في سن الـ28 عاماً. عايش العهود الرئاسية منذ الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران فأصبح وزيراً نافذاً في حكومة إدوار بالادور، الذي دعمه في معركته الرئاسية على حساب المرشح الرسمي للحزب الديغولي جاك شيراك. لكن هذا الأخير هو من فاز بالرئاسة، فاجتاز ساركوزي 7 سنوات عجاف قبل أن يرضى عنه شيراك ويأتي به مجدداً إلى الوزارة بأن أعطاه حقيبة الداخلية. وشيئاً فشيئاً، عادت شعبيته للارتفاع وتنامى نفوذه داخل الحزب الذي كان يسمى وقتها «الاتحاد من أجل حركة شعبية» إلى أن ترأسه وفرض نفسه مرشحاً رئاسياً لا ينازع ليحقق في ربيع عام 2007 فوزاً لا غبار عليه على المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال.
تعود متاعب ساركوزي الحالية إلى تلك الفترة، واتهامات التمويل الليبي مرتبطة بحملته الانتخابية. لكن جذورها، وفق الكثير من الشهادات انطلقت مع الاجتماعات غير الرسمية التي عقدها في زيارته لطرابلس عام 2006 ولقائه عبد الله السنوسي، وأحد كبار المسؤولين الأمنيين. وتم اللقاء بواسطة رجل الأعمال اللبناني ــ الفرنسي زياد تقي الدين الذي تحول لاحقاً إلى الشخص المركزي في فضيحة التمويل بسبب الشهادات التي أدلى بها، وفيها أنه نقل على ثلاث دفعات ما لا يقل عن خمسة ملايين يورو، سلم حقيبتين منها إلى مدير مكتب ساركوزي في وزارة الداخلية، والحقيبة الثالثة إلى ساركوزي شخصياً في شقته الوظيفية في الوزارة المذكورة. وإلى جانب تقي الدين، استندت أجهزة التحقيق في الفساد المالي والضريبي إلى شهادات ووثائق منها ليبية، ومنها فرنسية تتناول حركة أموال ضخمة غير مبررة لأشخاص يدورون في فلك ساركوزي، ومنهم كلود غيان الذي سجل على حسابه تحويل مالي قيمته 500 ألف يورو يدعي أنها ثمن لوحات باعها لمستثمر من شرق آسيا، بينما القيمة الفعلية للوحات التي باعها، وفق الخبراء، أقل من ذلك بعشرة أضعاف.
يضاف إلى ما سبق «مدونات» رئيس الوزراء الليبي، وآخر وزير للنفط في عهد القذافي التي وصلت إلى أيدي القضاء معطوفة على «مذكرة» نشرتها صحيفة «ميديا بارت» الإلكترونية والصادرة عن موسى كوسى، مدير جهاز المخابرات الليبية. ثم لا بد من الإشارة إلى ما صدر عن سيف الإسلام القذافي الذي أعلن مباشرة عقب بدء التدخل الفرنسي في ليبيا في مارس (آذار) من عام 2011، أنه يتعين على ساركوزي «إعادة» الأموال التي أخذها من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية.
جميع هذه العناصر وأخرى غيرها دفعت القضاء الفرنسي إلى توجيه تهم رسمية للرئيس الأسبق، وأهمها قبول الرشى و«الفساد السلبي» و«مخالفة القانون في تمويل حملة انتخابية»، وأخيراً «التستر على أموال عامة ليبية». وإذا ثبتت هذه التهم عليه، فإن عقوبتها 10 سنوات من السجن، فضلاً عن غرامات مالية. بيد أن ساركوزي نفى هذه الاتهامات نفياً مطلقاً. ووفق محضر التحقيق المسرب حرفياً لصحيفة «لو فيغاور» والذي نشرته أمس على موقعها الإلكتروني، فإن الأخير دفع بأن الاتهامات «لا تستند إلى أي دليل مادي»، وأعرب عن تألمه لأنه «يعيش جحيم الافتراء منذ 11 مارس»، أي منذ بدء انطلاق الشائعات حول هذه الفضيحة، مؤكداً أنها كانت السبب وراء هزيمته الانتخابية في عام 2012.
يؤكد ساركوزي، أن كل القضية ملفقة ومن تدبير «القذافي وزمرته»، ويهاجم زياد تقي الدين الذي «تبين مرات عدة أنه تلقى أموالاً من الدولة الليبية». وجاء في إفادة ساركوزي: «أريد أن أذكركم فيما يتعلق بتقي الدين أنه لا يقدم أي دليل على لقائه معي خلال هذه الفترة بين 2005 و2011». وسعى ساركوزي إلى تفادي أن يعمد القضاء إلى توجيه الاتهامات له رسمياً بأن يبقى «شاهداً» فقط. ومما جاء عليه من حجج قوله: «خلال توقيفي على ذمة التحقيق لمدة 24 ساعة، حاولت بكل سبل الإقناع المتوفرة لدي إثبات عدم توافر الظروف الخطيرة والمتطابقة التي تبرر توجيه الاتهام بالنظر إلى هشاشة الوثيقة التي كانت محور تحقيق قضائي؛ ونظراً إلى الخصائص المريبة وماضي تقي الدين الحافل». وأضاف: «الوقائع المنسوبة إليّ خطيرة، وأنا مدرك لذلك، لكن إذا كان الأمر كما واظبت على ترديده بثبات وبإصرار كبير، تلاعباً من الديكتاتور القذافي أو زمرته أو مقربين منه... عندها أطلب منكم حضرات القضاة أن تقدروا مدى عمق وخطورة وشدة الظلم اللاحق بي». والوثيقة التي يشير إليها هي التي نشرتها «ميديابارت» في مايو (أيار) 2012، المنسوبة إلى رئيس الاستخبارات الليبي السابق موسى كوسا، التي تشير إلى تمويل بنحو خمسين مليون يورو لحملة ساركوزي. لكن الأخير والمقربين منه أكدوا دوماً أنها مزورة.
لم يكتف القضاء بتوجيه الاتهامات رسمياً للرئيس الأسبق، بل وضعه تحت «الرقابة القضائية» التي لم تعرف كامل تفاصيلها باستثناء أنه يُمنع على ساركوزي لقاء عدد من الأشخاص المرتبطين بهذه القضية. وهذه أيضاً سابقة من نوعها في تاريخ الرؤساء الفرنسيين. وعادة يطلب من الشخص الخاضع لـ«الرقابة» أن يحضر يومياً أو أسبوعياً إلى مركز للشرطة لإثبات بقائه على الأراضي الفرنسية.
لا شك أن التطورات الحاصلة تربك اليمين وحزب «الجمهوريون» الذي كان ساركوزي رئيسه. ورغم «التضامن» الذي عبر عنه الكثير من شخصيات، فإن التركيز تمحور على «الطريقة» التي تم التعامل بها مع ساركوزي وتوقيفه احترازياً، ما اعتبره رئيس الحزب المذكور لوران فوكييه «مهيناً وغير مجدٍ». وفي أي حال، فإن توجيه الاتهامات رسمياً لا يعني أن ساركوزي مذنب؛ إذ يبقى في نظر القضاء بريئاً حتى إثبات إدانته. أما الخطورة القضائية التالية، فهي إحالة المسألة برمتها إلى قضاة تحقيق الذين سينظرون ما إذا كانوا سيرسلون ساركوزي إلى المحاكمة، أم أنهم سيسحبون القضية من التداول، وهو ما حصل له في قضايا أخرى.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.