لندن وواشنطن وبروكسل تطالب بالتحقيق في عمل شركة استشارات انتخابية

بريطانيا بصدد إصدار مذكرة قانونية لتفتيش مكاتب «كامبريدج أناليتيكا»

الرئيس التنفيذي لـ«كامبريدج أناليتيكا» ألكسندر نيكس لدى وصوله إلى مكاتبها في لندن أمس (رويترز)
الرئيس التنفيذي لـ«كامبريدج أناليتيكا» ألكسندر نيكس لدى وصوله إلى مكاتبها في لندن أمس (رويترز)
TT

لندن وواشنطن وبروكسل تطالب بالتحقيق في عمل شركة استشارات انتخابية

الرئيس التنفيذي لـ«كامبريدج أناليتيكا» ألكسندر نيكس لدى وصوله إلى مكاتبها في لندن أمس (رويترز)
الرئيس التنفيذي لـ«كامبريدج أناليتيكا» ألكسندر نيكس لدى وصوله إلى مكاتبها في لندن أمس (رويترز)

تواجه شركة «كامبريدج أناليتيكا» البريطانية للأبحاث، اتهامات باستخدامها معلومات وبيانات عشرات الملايين من مستخدمي موقع «فيسبوك» للتواصل الاجتماعي، دون موافقتهم خلال 2016. وتسعى المفوضة إليزابيث دينهام رئيسة لجنة المعلومات في بريطانيا، لاستصدار مذكرة لتفتيش مكاتب المؤسسة الاستشارية بعد أن كشف تحقيق استقصائي عن المؤسسة أنها جمعت معلومات خاصة عن ملايين المستخدمين لدعم حملة ترمب الرئاسية في 2016. وقالت دينهام لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «نبحث إن كانت (فيسبوك) أمّنت ووفرت الحماية للمعلومات الشخصية على منصتها، وإن كانت تحركت بشكل إيجابي عندما علمت بفقدان البيانات، وهل أخطرت الناس أم لا».
وذكرت وكالة «برس أسوسيشن» الإخبارية، أن مكتب مفوض المعلومات سيستخدم الإذن القضائي في تفتيش الشركة المتهمة باستخدام معلومات عن 50 مليون مستخدم من «فيسبوك» دون موافقتهم، من أجل العمل لصالح حملة انتخابات الرئاسة الأميركية.
وأعلن رئيس البرلمان الأوروبي أنتونيو تاجاني من جهته أن النواب الأوروبيين «سيحققون بشكل كامل» في هذا «الانتهاك غير المقبول للحق في سرية المعطيات» الذي كانت قد كشفته صحيفتا «نيويورك تايمز» و«ذي أوبزرفر» البريطانية.
وانتقد نواب معارضون، الحكومة البريطانية لإعلانها عن إصدار مذكرة التفتيش، حيث قالوا إن الإعلان عن المذكرة قد يسمح للشركة بمحو الدليل بشأن ما يتردد عن إساءة استخدامها بيانات مستخدمي موقع «فيسبوك». وكتب النائب المعارض ديفيد لامي على صفحته على «تويتر»، أمس (الثلاثاء): «لماذا تخبر مفوضة المعلومات العالم أنها سوف تذهب إلى المحكمة وتسعى لاستصدار مذكرة تفتيش لمكتب كامبريدج أناليتيكا؟». وأضاف: «هل يتم ذلك لتحذير الشركة و(فيسبوك) لكي يقوما بمحو الملفات والأدلة؟».
وقالت دينهام إنها تريد «التوصل لتفهم كامل للحقائق والبيانات واستخداماتها»، مضيفة أن «فيسبوك» وافق على التنازل عن تفتيش منشآت كامبريدج أناليتيكا، لأن «مثل هذا البحث يمكنه تقويض تحقيق نظامي». وأوضحت أن المحققين البريطانيين سوف يفحصون استخدام البيانات الشخصية في الحملات الانتخابية السياسية. وبدأت بريطانيا التحقيق بعد أن عرضت القناة الرابعة التلفزيونية البريطانية تحقيقاً استقصائياً حول عمل مؤسسة الاستشارات السياسية «كامبريدج أناليتيكا»، التي تتخذ من لندن مقراً لها. وفي تقرير القناة مساء الاثنين، بدا أن ألكسندر نيكس، الرئيس التنفيذي لشركة «كامبريدج أناليتيكا»، يعترف بأساليب مخادعة غير أخلاقية تخص الانتخابات قامت بها الشركة لصالح عملائها. وسُمع نيكس في مقطع فيديو يقول إن الشركة يمكن أن «ترسل بعض الفتيات إلى منزل المرشح»، وذلك رداً على سؤال بشأن كيفية جمع معلومات استخباراتية عن الفريق المنافس لحملة ترمب. كما تبين أن الشركة استخدمت أيضاً حيلاً أخرى غير أخلاقية في تلك الحملة، مثل نشر تقارير كاذبة على الإنترنت وتوظيف مقاولين من الباطن بشكل غير معلن، وإنشاء مؤسسات وهمية ومواقع إلكترونية لجمع البيانات. لكن من جانبها، رفضت الشركة الادعاءات الواردة في التقرير، وقالت في موقعها على الإنترنت: «تم تحرير التقرير وكتابته على نحو يحرّف بشكل صارخ طبيعة تلك المحادثات وكيف تدير الشركة أعمالها». وأضافت أنها لا تستخدم الرشى أو المواد غير الصحيحة لأي غرض من الأغراض. وكانت شركة «فيسبوك» قد أعلنت يوم الجمعة أنها علقت علاقتها مع «كامبريدج أناليتيكا» وشركتها الأم، «ستراتيجك كوميونيكاشن لابراتوريز» (إس سي إل)، بسبب مزاعم قيام «كامبريدج أناليتيكا» باستخدام بيانات تم الحصول عليها بشكل غير صحيح من مستخدمي الشبكة الاجتماعية. وطلب رئيس لجنة الإعلام في البرلمان البريطاني من مارك زوكربرغ الرئيس التنفيذي لـ«فيسبوك» مزيداً من المعلومات. وقال المشرع داميان كولنز: «نود أن نتلقى ردك بحلول الاثنين 26 مارس (آذار)».
وهوت أسهم شركة «فيسبوك» قرابة 7%، أول من أمس (الاثنين)، لتنخفض قيمتها السوقية بنحو 40 مليار دولار، فيما يشعر المستثمرون بالقلق من أن يؤدي تضرر سمعة أكبر شبكة للتواصل الاجتماعي في العالم إلى انصراف المستخدمين والمعلنين. وطالب مشرعون أميركيون وأوروبيون بتفسير لكيفية حصول المؤسسة الاستشارية على المعلومات في 2014، ولماذا تقاعست «فيسبوك» عن إبلاغ مستخدميها، الأمر الذي أثار تساؤلات أكبر بشأن خصوصية المستهلك.
وفي واشنطن أرسل رئيس لجنة التجارة والعلوم والنقل بمجلس الشيوخ الأميركي، رسالة إلى مارك زوكربرغ الرئيس التنفيذي لـ«فيسبوك» طالباً معلومات وإفادة بشأن بيانات المستخدمين في «فيسبوك».
وجاء في الرسالة التي وُجهت أيضاً إلى نايغل أوكس الرئيس التنفيذي لشركة (إس سي إل) التابعة لـ«كامبريدج أناليتيكا»: «احتمال أن (فيسبوك) لم تكن شفافة مع المستهلكين أو أنها عجزت عن التحقق من أن طرفاً ثالثاً من مطوري التطبيقات لم يكن شفافاً مع المستهلكين، هو أمر مقلق».
وطالبت السيناتورة الديمقراطية إيمي كلوبوشار، والجمهوري جون كينيدي، بأن يمْثل زوكربرغ أمام الكونغرس مع المديرَين التنفيذيَّين لـ«غوغل» و«تويتر». وقالا إن شركات التواصل الاجتماعي «جمعت كميات غير مسبوقة من المعلومات الشخصية»، وإن غياب المراقبة «يثير القلق إزاء نزاهة الانتخابات الأميركية وكذلك حق الخصوصية». وقال مسؤول الأمن في «فيسبوك» أليكس ستاموس، إن دوره تحول إلى التركيز على المخاطر المستجدة وأمن الانتخابات في شبكة التواصل الاجتماعي العالمية. وكشف ستاموس عن التغيرات بعد أن أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه يغادر «فيسبوك» في أعقاب خلافات داخلية حول كيفية التعاطي مع المنصة المستخدمة لنشر أخبار مضللة. وقال ستاموس في رسالة نُشرت على حسابه على «تويتر»: «رغم الشائعات، ما زلت أقوم بعملي بشكل كامل في (فيسبوك)». وأضاف: «صحيح أن دوري تغيّر. فأنا حالياً أمضي وقتاً أطول في دراسة المخاطر الأمنية المستجدة والعمل على أمن الانتخابات». وذكرت شبكة «بلومبيرغ» الإخبارية، أن لجنة التجارة الاتحادية الأميركية تحقق في أمر «فيسبوك». وشهدت أسهم الشركة تراجعاً جديداً أمس، بواقع 1.8%.


مقالات ذات صلة

«ميتا» تعلن نتائج قوية وتكشف إنفاقاً ضخماً على الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد تظهر تطبيقات «فيسبوك» و«ماسنجر» و«إنستغرام» و«واتساب» على شاشة هاتف ذكي تعكس شعار تطبيق الذكاء الاصطناعي «ميتا» (د.ب.إ)

«ميتا» تعلن نتائج قوية وتكشف إنفاقاً ضخماً على الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «ميتا بلاتفورمز»، المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، عن نتائجها المالية للربع الرابع، والتي جاءت متفوقة على توقعات المحللين.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
تكنولوجيا «ميتا» قالت إن الخطوة ستساعد في تحسين قدراتها في الذكاء الاصطناعي من خلال إتاحة ما يُعرف بـ«الوكلاء» للمستخدمين(رويترز)

«ميتا» تختبر اشتراكات مدفوعة لـ«إنستغرام» و«فيسبوك» و«واتساب»

تستعد شركة «ميتا»، عملاق التكنولوجيا، لتجربة إطلاق اشتراكات مدفوعة لمستخدمي «إنستغرام» و«فيسبوك» و«واتساب» خلال الأشهر المقبلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العلامة التجارية لشركة «ميتا» (أ.ف.ب)

بسبب الحظر… «ميتا» تحذف 540 ألف حساب في أستراليا

أعلنت شركة «ميتا»، اليوم الاثنين، أنها عطّلت أكثر من نصف مليون حساب بأستراليا نتيجة أول حظر في العالم لوسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق قطاع السياحة المصري يروّج لمقاصده (المتحف المصري بالتحرير على «فيسبوك»)

الحكومة المصرية تلجأ لمؤثري «السوشيال ميديا» للترويج لأنشطتها وحل الأزمات

الاستعانة بالمؤثرين تتركز غالباً في الوزارات الخدمية التي تتطلب دعاية واسعة وانتشاراً جماهيرياً أكبر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)

دراسة جديدة: «فيسبوك» يتصدر منصات الاحتيال الرقمي عالمياً

أصبحت منصة «فيسبوك» الآن مسؤولة عن الغالبية العظمى من عمليات الاحتيال على وسائل التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟