الأكراد عاتبون في الذكرى الـ30 لـ مذبحة {الكيماوي} في حلبجة

العبادي يعد كردستان بمفاجأة سارة قبل أعياد النوروز

TT

الأكراد عاتبون في الذكرى الـ30 لـ مذبحة {الكيماوي} في حلبجة

ارتدوا ملابسهم السوداء وحملوا صور أبنائهم وشاركوا في إحياء الذكرى الثلاثين لمقتل نحو 5 آلاف كردي عراقي، معظمهم من النساء والأطفال في هجوم كيماوي على مدينة حلبجة، القريبة من الحدود مع إيران.
حمل الآلاف صور نساء وأطفال قتلوا في 16 مارس (آذار) 1988، بقنابل الغاز التي ألقتها طائرات عراقية بأمر من نظام صدام حسين، فيما يعد أسوأ هجوم كيماوي يستهدف مدنيين في التاريخ.
ثلاثة عقود مرت على مجزرة «حلبجة» الفريدة من نوعها؛ إذ كانت المرة الأولى التي يستخدم فيها نظام حكم الأسلحة الكيماوية المحظورة دولياً، بحق العزل من أبناء شعبه، دون رحمة أو شفقة.
فقبل 30 عاماً، ومع اقتراب نهاية الحرب العراقية – الإيرانية، شنت أسراب من طائرات مقاتلة تابعة لسلاح الجو العراقي، غارات مكثفة، على بلدة حلبجة، 83 كلم جنوب شرقي محافظة السلمانية، مستخدمة غازات الخردل والسيانيد السامة، بذريعة طرد القوات الإيرانية التي كانت قد احتلت البلدة قبل وقوع الفاجعة بثلاثة أيام فقط، بالتعاون مع إحدى الفصائل الكردية المعارضة، للنظام العراقي وقتذاك؛ ما أسفر- حسب إحصاءات رسمية لدى السلطات الكردية، وبعض المنظمات الدولية - عن سقوط خمسة آلاف قتيل، وعشرة آلاف جريح.
ومنذ عام 1992 وتشكيل حكومة إقليم كردستان، يحيي في الإقليم وخارجه بحزن وألم، ذكرى تلك الحادثة المروعة عند النصب التذكاري الذي أقيم عند مدخل البلدة، مقروناً بمتحف كبير يضم مجسمات لعدد من أبرز الضحايا، وفي مقدمتهم «عمر خاور» الذي ملأت صوره معظم صحف العالم آنذاك، وهو يحتضن طفله الرضيع صريعاً، عند بوابة منزله أثناء محاولته النجاة عبثاً من آفة الغازات القاتلة، فضلاً عن أسماء الضحايا والمفقودين، ومن بينهم عائلات فقدت عشرة أو أكثر من أبنائها في تلك الحادثة التي يصفها الأكراد بـ«هولوكوست الكرد».
وجرياً على المعتاد، أقيمت أمس (الجمعة) مراسم إحياء الذكرى الثلاثين، لتلك الفاجعة الإنسانية المؤلمة بحضور «مهدي العلاق» أمين عام مجلس الوزراء العراقي، ممثلاً عن رئيس الحكومة حيدر العبادي، الذي قال في كلمة له «إن الحكومة العراقية ستجعل من كارثة حلبجة أساساً للتعايش المشترك في البلاد»، مؤكداً أن حكومته ستزف لسكان الإقليم بشائر سارة قبل حلول أعياد النوروز لهذا العام».
فاطمة محمد، التي كانت في السابعة عشرة حينها، وتنشقت غاز الخردل، تقول في تصريحات صحافية: «أعاني من ضيق التنفس. ما زلت حتى اليوم أعاني من الألم وأتناول الأدوية». شاركت فاطمة في إحياء ذكرى الضحايا، أمس، مع غالبية سكان حلبجة الواقعة ضمن إقليم كردستان العراق، وعددهم نحو 200 ألف نسمة. وسار المشاركون في المراسم الحزينة من ناجين وأقارب للضحايا ومسؤولين عراقيين، عرب وأكراد، ودبلوماسيين أجانب على سجادة حمراء باتجاه نصب تذكاري، حيث وضعوا أكاليل الزهور.
بعدها، توجهت عائلات الضحايا لزيارة المقبرة الكبيرة المخصصة لضحايا الهجوم المروع، حيث وضع على شواهد القبور علم إقليم كردستان المميز بألوانه الأحمر والأخضر والأبيض والأصفر. وأحيت أربيل عاصمة إقليم كردستان الذكرى بالوقوف دقيقة صمت توقفت خلالها الحركة في الشوارع.
وقال لقمان عبد القادر، مدير منظمة ضحايا كارثة حلبجة: «لقد وجهنا اليوم خطاباً شديد اللهجة إلى الحكومة العراقية، التي كنا نأمل أن تعمل بعد زوال النظام السابق، إلى تضميد جراحاتنا وتتعامل مع سكان حلبجة بالأسلوب الذي يتناسب وتضحياتهم وآلامهم، لكن ما حصل للأسف الشديد هو مجرد تغيير في الوجوه والأسماء؛ إذ صارت سياسات بغداد بحق مدينتنا أشد وأقسى من سياسات النظام السابق».
وتابع لـ«الشرق الأوسط»: «خطابنا للمجتمع الدولي، عبارة عن عتب وملام بسبب الصمت المطبق الذي يتخذه العالم، حيال تلك المجزرة المروعة، ويتجاهل عن عمد معاناة الضحايا الذين ما زال العشرات منهم يعانون من آثار ومضاعفات تلك الغازات السامة»، موضحاً أن اللوم والمسؤولية الأكبر تقع على عاتق حكومة إقليم كردستان، التي تجاهلت هذا العام أسر الضحايا، وكذلك الجرحى والمصابين أكثر من عام مضى.
وقال: «توفي من المصابين اثنان آخران منذ مطلع العام الحالي متأثرَين بجراحهما ليرتفع العدد الكلي للضحايا من الجرحى الذين ماتوا بسبب إصاباتهم، إلى مائة وأربعة أشخاص». وأشار عبد القادر إلى عزم الحكومة المحلية في حلبجة، تحريك دعاوى قضائية ضد خمس وعشرين شركة أوروبية، متهمة بتزويد النظام العراقي السابق بتكنولوجيا صناعة الأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً، لكننا في حاجة إلى دعم مادي ومعنوي لتحريك هذه الدعاوى.
وشدد محمد الحاج محمود، سكرتير الحزب الاشتراكي الديمقراطي الكردستاني، على ضرورة أن تؤدي الحكومة الاتحادية، مسؤولياتها الأخلاقية حيال ضحايا حلبجة. وقال في تصريحات صحافية بالمناسبة: «للأسف، لم تبادر الحكومة العراقية الحالية، التي تعتبر وريثة النظام، السابق إلى تقديم حتى الاعتذار لسكان حلبجة»، موضحاً أن بغداد خلطت أوراق الصراعات السياسية، مع ملف حلبجة الكارثي، ولم تتعاط مع حلبجة بصفتها محافظة عراقية في مسألة الموازنة السنوية.
وأكد محمود الحاج صالح، وزير شؤون أسر الشهداء والضحايا، في كلمة بالمناسبة أن المادة 132 من الدستور العراقي تحتم على الحكومة الاتحادية رعاية ضحايا كارثة حلبجة وأسرهم، لكن بغداد تتجاهل تلك المادة الدستورية ولا تعمل بها.
وكانت السلطات العراقية قد تعهدت عام 2010، وفي ذكرى السنوية للحادث، بتحويل بلدة حلبجة إلى المحافظة التاسعة عشرة، وجرت المصادقة على ذلك من قبل مجلس النواب العراقي عام 2015، وأعلنت سلطات الإقليم ذلك رسمياً، لتغدو المحافظة الرابعة في إقليم كردستان، إلا أنها ما زالت لا تحظى كما تقول إداراتها المحلية بصفة المحافظة، سواء على صعيد الإقليم أو العراق.
ودعت حكومة إقليم كردستان في بيان الحكومة العراقية لتعويض الضحايا وإعادة إعمار حلبجة، وناشدت العالم بأن «لا يسمح بتكرار ارتكاب مثل هذه الجرائم مرة أخرى في أي بقعة من الكرة الأرضية».
في يناير (كانون الثاني) 2010، أعدم الفريق علي حسن المجيد، ابن عم صدام حسين المعروف بلقب «علي الكيماوي» شنقاً. وهو لم يبد أي ندم على ما فعله بعد إدانته والحكم عليه بالإعدام أربع مرات، بل قال إنه تصرف بدافع من حرصه على أمن العراق.
وفي سنة 2012، سلمت الحكومة العراقية بلدية حلبجة الحبل الذي استخدم لشنقه. وأعدم صدام حسين في 2006 بعد إدانته في مجزرة الدجيل الشيعية التي قتل فيها 148 شخصاً. وانتهت بذلك الملاحقات ضده فيما يعرف بقضية الأنفال، حيث كان يحاكم بتهمة الإبادة بحق الأكراد.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.