عبوة غزة المفخخة... الدوافع والثمن

آخر ما يحتاج إليه الفلسطينيون المختلفون على سياسات اليوم... والقلقون من شظايا الغد

عبوة غزة المفخخة... الدوافع والثمن
TT

عبوة غزة المفخخة... الدوافع والثمن

عبوة غزة المفخخة... الدوافع والثمن

ما كانت المشكلة في الانفجار الذي طال أخيراً موكب رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور رامي الحمد الله، في قطاع غزة، إذ نجا الحمد الله وكل رفاقه ومساعديه وحراسه وحتى سياراته، بل كانت في شظايا عبوة الـ15 كيلوغراماً التي أدمت جسد المصالحة الفلسطينية، وحفرت أعمق في جسد الانقسام، مُنذِرة ربما بانقسامات أخرى أصغر وأصغر، ثم إن الفلسطينيين ما كانوا بحاجة إلى كمائن مفخّخة... وهم المتقاتلون حول كل شيء تقريباً، السلطة والمنظمة والانتخابات والسلام والحرب والمقاومة والأمن والقضاء والمال والمعابر والسيادة والبرنامج السياسي، وكذلك حول المستقبل.
ولكن، ربما أسوأ ما في الانفجار أنه جاء في وقت يبدو المستقبل أمام «الكل الفلسطيني» ضبابياً إلى حد كبير مع توقعات بانتهاء مرحلة وبداية أخرى، أما أكثر ما يقلق في الأمر برمته فهو أن تكون العبوة المتفجرة أسلوباً للمرحلة المنتظرة.
لم يتردد الرئيس الفلسطيني محمود عباس في وصف محاولة الاغتيال التي استهدفت في قطاع غزة رئيس الوزراء الدكتور رامي الحمد الله، ورئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج، بـ«جريمة منسجِمة مع كل المحاولات للتهرّب من تمكين الحكومة الفلسطينية من ممارسة عملها في قطاع غزة، وإفشال المصالحة»، وملتقية كذلك مع «الأهداف المشبوهة لتدمير المشروع الوطني وإقامة دولة مشبوهة في القطاع».
أراد عباس القول إن الجهة التي تحكم قطاع غزة، أو جهات تتحالف معها تقف بشكل أو بآخر وراء محاولة الاغتيال.
وإضافة للرئيس، لم يتردد أي مسؤول فلسطيني في منظمة التحرير والسلطة وحركة فتح في مهاجمة حماس، محملين الحركة المسؤولية الكاملة، ووحدها، عن محاولة الاغتيال، إذ دانت الرئاسة الفلسطينية بشدة «الهجوم الجبان» الذي استهدف موكب الحمد الله في قطاع غزة، وحمّلت حركة حماس المسؤولية الكاملة عن هذا العدوان. واتفقت حركة فتح مع الرئاسة على أن حماس تتحمل مسؤولية محاولة الاغتيال. ومن ثم، دعا معظم أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، حركة حماس إلى العودة عن انقلابها. وطالبت مركزية فتح، حماس، بـ«إنهاء انقلابها الدموي وقبول الشراكة السياسية بالاحتكام لإرادة الشعب». وحمّلت حماس مسؤولية الانقلاب، وأكدت أن البراءة مرتبطة باستعداد «حماس» لنبذ العنف الداخلي والتخوين والتكفير لتبرير استمرار جريمة انقلابهم.
ولاحقاً طالب مسؤولون فلسطينيون، من كل مكان، حركة حماس بتسليم كل نتائج التحقيقات بشكل كامل إلى القيادة الفلسطينية في محاولة، كما يبدو، للتشكيك في طبيعة التحقيق.
كان هذا غيضاً من فيض الهجوم على حماس بصفتها الجهة المتحكّمة في قطاع غزة، الجهة التي ترفض تسليم الأمن للسلطة الفلسطينية. لكن ما الذي أرادته السلطة وفتح من الهجوم على حماس... وهما اللتان تعرفان - على الأغلب - أن محاولة الاغتيال تضر بحماس كذلك، وأن الحركة لا تقف خلف ذلك (على الأقل بشكل رسمي)... أولاً لأنها مسؤولة عن الأمن. وثانياً لأن المحاولة فيما لو تعمدتها كانت ستنجح على الأرجح، قياساً بالإمكانات التي تملكها الحركة في غزة.
- مسؤولية... لا تنفيذ
مسؤول مكتب الإعلام في حركة فتح منير الجاغوب الذي حاورته «الشرق الأوسط» قال موضحاً: «لم نتهم حماس. لا أحد اتهمهم بتنفيذ العملية، لكن حماس مسؤولة بالتأكيد... لماذا؟ لأنها تحكم قطاع غزة وترفض تسليم الأمن للسلطة الفلسطينية. إذن هناك فشل في منظومة حماس الأمنية في القطاع وهي المنظومة التي سمحت لجماعات إرهابية ومتطرفة وقاتلة بالنمو والعمل».
وأضاف الجاغوب: «ثانياً من حقنا أن نسأل ونعرف كيف استطاع منفذو العملية زرع العبوات خلال ليلة واحدة في مربع أمني مراقَب جيداً. الإعلان للناس عن زيارة رئيس الوزراء كانت قبل ليلة أو حتى ساعات من وصوله. فمَن الذي تمكن من زرع العبوات بهذه السرعة؟ أم أن جهات في غزة مطلعة مسبقاً على تفاصيل الزيارة سرّبت معلومات؟... هناك أسئلة كثيرة وكبيرة تحتاج إلى إجابات».
من ناحية أخرى، أكد الجاغوب أن فتح لا تتهم أحداً بعينه، بانتظار نتائج التحقيق، لكنها «تريد من حماس معلومات كاملة بما في ذلك رفع أي غطاء عن أي جماعات تعمل في قطاع غزة». وفي حين لم يُشِر الجاغوب إلى جماعات محدّدة، فإن ماجد الفتياني، أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح، لمح إلى «متحالفين مع حماس معارضين لعباس». وطالب الفتياني حركة حماس بـ«ألا تحرف الأنظار عما جرى» في غزة. ثم دعا قادة حركة حماس لـ«إثبات أنهم يدعمون تحقيق الوحدة من خلال تقديم الحقيقة». وبحسب الفتياني، فإن «التحقيقات الأولية تؤكد بوضوح تام أن هناك أطرافاً في قطاع غزة تعمل بوجود غطاء داخلي من حماس يدعم تحركاتها أو يغض النظر عن وجودهم وعملهم وأنشطة تسلحهم».
وعملياً، يشير المسؤول في المجلس الثوري لفتح إلى معارضين معروفين لعباس، وهذه فرضية إذا صحّت، فستعني بالتأكيد مزيداً من الانقسامات الداخلية والخارجية كذلك. فهل ستجرؤ حماس على إعلان النتيجة كيفما جاءت؟
- الفرضيات... البداية والنهاية
في منطقة مثل غزة، التي تُعدّ «ملعباً» جيداً لكثير من التنظيمات والجماعات المسلّحة المرتبطة بجهات داخلية وخارجية كذلك، توجد فصائل... كما يوجد منشقون عن فصائل، ومتشدّدون ومنشقون عن متشددين، وجماعات مسلحة صغيرة تلقى دعماً من الداخل والخارج. ويبدو أن الكل متهم مع أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
وكما سبقت الإشارة، يستبعد كثيرون من المراقبين أن تكون حماس تقف خلف العملية، لأنها ببساطة لو أرادت فعلها لكانت نجحت في ذلك بنسبة تصل إلى 100 في المائة، قياساً بالإمكانات الهائلة التي تتمتع بها الحركة على أرض تسيطر عليها. فبالإضافة إلى الآلاف من رجال الأمن التابعين للحركة، فإنها تملك جناحاً مسلحاً يعدّ القوة الرئيسة الأولى في القطاع بلا منافس. وهي قوة مهيبة إلى حد كبير وتملك إمكانات استثنائية.
ثم أن حماس نفت رسمياً التهمة، كما رفضت أي تلميحات. وقال زعيم الحركة إسماعيل هنية إن الحركة «تفرّق بين الخصومة السياسية والأعمال المدانة». ووصف الحمد الله بأنه «ضيف على أهل القطاع». وتعهد هنية أيضاً بأن أمن غزة سيلاحق الفاعلين. لكن إذا لم تكن حماس تقف خلف ذلك، فما هي السيناريوهات الممكنة؟
ثمة نقاش عالٍ النبرة في الشارع الفلسطيني حول الجهة التي نفذت... ودوافعها.
- أصابع إسرائيلية؟
يعتقد كثيرون أن إسرائيل مستفيدة بطريقة مباشرة، وأن عملاء تابعين لها قد يقفون خلف الأمر. أما الهدف فقد يكون خلط الأوراق من جديد، وتخريب المصالحة لإدامة أمد الانقسام الذي يُعدّ أكبر هدية قدمها الفلسطينيون لإسرائيل طيلة سنوات الصراع.
حتى اللحظة، لم يتهم أحد إسرائيل مباشرة. ولم يعقّب مسؤولون إسرائيليون على الحادث. غير أن الإعلام الإسرائيلي ركّز على أن الحادثة «قد تكون إشارة إلى ما يمكن أن يكون عليه الأمر في مرحلة ما بعد عباس».
أيضاً، هناك مَن يذهب باتجاه اتهام «جماعات متشدّدة» داخل القطاع قد يكون هدفها إحراج حماس وضرب علاقتها أكثر بالسلطة، بالنظر إلى العلاقة المتوترة بين هذه الجماعات وحماس نفسها. ويعتقد أن هذه الجماعات حاولت في مرات سابقة اغتيال توفيق أبو نعيم، مسؤول قوى الأمن في غزة، عبر عبوة مفخخة تحت سيارته كذلك. وذهب آخرون إلى القول إن جهات ما، أو تيارات ما، داخل حماس... أرادت إرسال رسائل لعباس من دون علم قيادة حماس.
كذلك هناك آخرون لا يستبعدون أن يكون معارضون داخل فتح - الحركة التي يتزعمها عباس - ربما أرادوا إرسال رسائل له، وهذه النظرية يلمّح لها مسؤولو فتح أنفسهم، وإن كان بطريقة غير مباشرة. وبخلاف هذه النظريات التي تؤشر إلى «متهمين محدّدين»، فضّل بعض الذين يؤمنون بـ«نظرية المؤامرة» تبني فكرة أنها مسرحية معدة سلفاً، وليست من تنفيذ جهات معارضة للسلطة.
على أي حال، لا يتوقع أن تأخذ حماس وقتاً طويلاً قبل إعلان نتائج التحقيقات، لا سيما أنها تُعد من المتضررين من المحاولة، وبالتالي لنفي اتهامات لها بالمسؤولية، ومن أجل إثبات قدراتها الأمنية في القطاع. وبطبيعة الحال من غير المعروف كيف ستتعامل الحركة إذا ما ثبت أن جهات متحالفة مع حماس أو تابعة لها تقف خلف المحاولة.
الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله، يتساءل في هذا الصدد: «لماذا لم تتشكل لجنة تحقيق مشتركة؟ وهل الفصائل والجانب المصري على اطلاع على مجريات التحقيق؟ وكيف لنا أن نضمن عدالة التحقيق؟ وكيف سنثق بأن النتائج الصحيحة ستكون بين يدي المواطن؟».
ثم يتابع: «ماذا لو توصل التحقيق إلى نتائج صادمة... هل سيصار إلى إعلانها بشفافية؟ أم يجري البحث عن كبش فداء مثل المتشددين أو غيرهم. أغلب الظن أن هذا خطأ كبير إن حصل. إذ لا يجوز التستر على جريمة بهذا الحجم مهما كلف الثمن، ومهما كانت المصلحة... التستر في القانون هو مشاركة في الجريمة، ومن حقنا أن نعرف من الذي استهدفنا جميعاً إلى هذا الحد»؟
وبغض النظر عن كل هذه التساؤلات، تواصل حماس التحقيق في محاولة الاغتيال متعهِّدة بكشف الجناة.
- طرف خيط في ساحة بنادق
أثبت التحقيقات حتى الآن، بحسب بلاغ رسمي تسلمه الحمد الله من مسؤول قوى الأمن الداخلي في غزة اللواء توفيق أبو نعيم أن «المنفذين زرعوا عبوتين زنة كل منهما نحو 15 كلغ، وهما محليتا الصنع ومعدتان للتفجير عن بُعد». وبحسب البلاغ المقدَّم من غزة، نجح تفجير العبوة الأولى بينما أدى خلل فني لتعذر انفجار العبوة الثانية التي زُرِعت على بعد 37 متراً عن الأولى. وعن العملية، قال وكيل وزارة الداخلية اللواء محمد منصور إن «العمل كان مُدبَّراً بشكل جيد ونُفِّذ بدقة». وأردف أن «الانفجار الذي أصاب سيارة مصفحة من بين 3 سيارات كان يستهدف الحمد الله على فرض أنه موجود بداخلها»
وبينما تحقق قوى الأمن التابعة لحماس الآن بكيفية تمكن الجناة من الوصول إلى منطقة يُفترض أنها خاضعة لرقابة متواصلة وتعدّ مربعاً أمنياً بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين، أعلن أبو نعيم أن الأجهزة الأمنية «توصلت لطرف خيط قوي».
وأكد أبو نعيم شنّ قوى الأمن عدة عمليات اعتقال ومداهمة. كما أبلغت مصادر مطلعة «الشرق الأوسط» أن الأجهزة الأمنية توصلت إلى أرقام الجوّالات التي نفذت عملية التفجير من خلالها، وذلك عبر العبوة التي لم تنفجر. وأضافت المصادر: «الأرقام لم تكن مسجَّلَة باسم أي شخص، ولذا بدأ البحث في دائرة تجار وبائعي أرقام غير مسجلة، وتم اعتقال بعضهم واستجوابهم حول الأرقام وعلاقتهم بها ولمن بيعت».
وبحسب المصادر، فإن كل الذين اعتقلتهم الأجهزة الأمنية مشتبه بهم، وليسوا متهمين. وتابعت: «كل مشتبه به أو تعتقد الأجهزة أنه يملك معلومات تم استجوابه».
أيضاً اقتحمت الأجهزة الأمنية بيوت لعناصر أمن سابقين، من دون أن يتضح ما إذا كانت لهم علاقة بالعملية أو بسبب امتلاكهم معلومات. وذكرت المصادر أنه «لا يمكن اتهام أحد حتى الآن. بسبب أنه حتى مع وصول المنفذين فقد لا يكونون تلقوا تعليمات رسمية».
وأكدت المصادر أن طبيعة العبوات المستخدمة والتقنية كذلك متوفرة لدى كل الجماعات والفصائل في غزة، ثم أوضحت أن «الولاءات بالنسبة للبعض متغيرة أو متعددة في غزة، وهذه إحدى المشكلات».
- أسباب ودوافع..
يرى الدكتور صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أن محاولة اغتيال الحمد الله وفرج ليست عملاً فردياً «وإنما جريمة خُطط لها لزرع ثقافة الإجرام والفوضى والفلتان في ذهن شعبنا الذي يقاوم الاحتلال ويبني الدولة». وأضاف أن «الجهة التي قامت بمحاولة الاغتيال تسعى من وراء جريمتها لشقِّ الصف الوطني من جهة، وللالتفاف على القيادة الفلسطينية وإيجاد قيادة بديلة».
وطالب عريقات، من ثم، حركة حماس بإنهاء الانقلاب والانقسام بشكل فوري، مؤكداً أنه لا عذر لها بعد هذه الجريمة. وجاءت إشارة عريقات إلى العلاقة بين العملية وخلق «قيادة بديلة»، بينما السلطة الفلسطينية الولايات المتحدة، وربما جهات إقليمية، بالعمل على خلق هذه «القيادة»، بعدما رفض عباس «صفقة القرن» الأميركية.
فهل يحاول عريقات الإشارة إلى تورط جهات خارجية؟ يستبعد المحلل السياسي طلال عوكل ذلك، ويرى فقط أن المحاولة «كانت رسالة داخلية لم يرد منها حتى الاغتيال بمعنى القتل».
وبعيداً عن كل ذلك يعتقد فوزي برهوم، الناطق باسم حماس، أن العملية ليست سوى «مسرحية»، إذ قال: «مسرحية تفجير موكب الحمد الله وفرج استهدفت الأمل الفلسطيني في تحقيق المصالحة، وهروب واضح من تحمل استحقاقاتها. وفي الوقت نفسه كشفت مواقف حركة فتح الحقيقية منها. وانعكس ذلك من خلال الحملة الإعلامية المبرمجة على حركة حماس المتشبّعة بثقافة الحقد والإقصاء».
أما الحمد الله نفسه فتعهد بالرد على محاولة قتله بالإصرار على المصالحة وطلب تسلم الأمن. وقال إن التفجير لن يخيفه لكن «لا يمكن للحكومة أن توجَد في غزة دون أمن فعلي». وأضاف: «كيف لحكومة أن تتسلَّم غزة ولا تقوم بتحمل مسؤولية الأمن، نطالب حماس بتمكين الحكومة وتسليم الأمن الداخلي، نريد سلاحاً واحداً وشرعية واحدة».
كالعادة يختلف الفلسطينيون حول قراءة الدوافع والأسباب. ويبدو الاختلاف منسجماً مع الخلاف السياسي والعقائدي والحياتي كذلك. وأغلب الظن أنه سيستمرّ، وربما يتعمّق، بعدما وضعت في طريق المصالحة المترّنحة عبوتان، واحدة انفجرت والثانية تعطلت... لكنها قد تنفجر في طريق آخر في يوم آخر وبأشخاص آخرين.
- الحمد الله... الأكاديمي الذي تجاوز ألغام السياسة
> ولد رامي الحمد الله يوم 10 أغسطس (آب) 1958 في بلدة عنبتا القريبة من مدينة طولكرم بغرب الضفة الغربية، وهو ابن عائلة عريقة وكبيرة في قضاء طولكرم، وكان جده نائباً في البرلمان الأردني.
أمضى الحمد الله الفتى والشابّ والرجل جل حياته في التعلم والتعليم، قبل أن يدخل إلى عالم السياسة من أوسع الأبواب. وتخرج بدرجة بكالوريوس آداب في الجامعة الأردنية، وبعدها تابع دراسته العليا في بريطانيا حيث حاز الماجستير من جامعة مانشستر، والدكتوراه من جامعة لانكاستر في اللغويات التطبيقية.
عينه الرئيس الراحل ياسر عرفات رئيسا لجامعة النجاح الوطنية - نابلس عام 1998، وما زال، وهو عضو هيئة التدريس فيها بقسم اللغة الإنجليزية، إضافة إلى كونه الأمين العام للجنة المركزية للانتخابات منذ 2002. وشغل منصب نائب رئيس جامعة النجاح للشؤون الأكاديمية والكليات الإنسانية، في الفترة بين سنتي 1995 و1998، وعميد كلية الآداب، بالجامعة نفسها في الفترة بين 1992 و1995. ورئيس قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، من 1988 و1992 وكان مدرساً في القسم نفسه من 1982 و1985.
وخارج الجامعة، فإن الحمد الله عضو في اللجنة التوجيهية لصندوق إقراض الطلبة بمؤسسات التعليم العالي، وعضو في اللجنة التوجيهية المشرفة على إدارة برنامج دعم الجامعات والمؤسسات التعليمية بفلسطين لدى الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. ويشغل أيضاً مناصب لا حصر لها في كثير من المؤسسات الحكومية والأهلية المحلية والإقليمية والدولية.
كلفه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 3 يونيو (حزيران) 2013 تشكيل حكومة فلسطينية جديدة خلفاً للدكتور سلام فياض. قيل وقتها إن الأكاديمي المرموق سيتورط في حقل الألغام السياسية، لكنه أثبت قدرة على السير في هذا الحقل المفخخ، وفي 29 مايو (أيار) 2014 كُلِّف بتوافق بين فتح وحماس تشكيلَ حكومة الوفاق الفلسطينية، واستمر في تجاوز الأفخاخ بما في ذلك العبوة التي وُضِعت له هذا الأسبوع في طريقه إلى غزة.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».