ترقب دولي لتسلم بومبيو مهام «الخارجية»... وسط أمل روسي وتمسك صيني بالمحادثات الكورية

الأسواق المالية تتجاوز مخاوفها عقب إقالة تيلرسون

بومبيو يتوسط مدير الـ«إف بي آي» كريستوفر راي (يسار) ومدير الاستخبارات الوطنية دانييل كوتس في جلسة استماع بالكونغرس في فبراير الماضي (واشنطن بوست)
بومبيو يتوسط مدير الـ«إف بي آي» كريستوفر راي (يسار) ومدير الاستخبارات الوطنية دانييل كوتس في جلسة استماع بالكونغرس في فبراير الماضي (واشنطن بوست)
TT

ترقب دولي لتسلم بومبيو مهام «الخارجية»... وسط أمل روسي وتمسك صيني بالمحادثات الكورية

بومبيو يتوسط مدير الـ«إف بي آي» كريستوفر راي (يسار) ومدير الاستخبارات الوطنية دانييل كوتس في جلسة استماع بالكونغرس في فبراير الماضي (واشنطن بوست)
بومبيو يتوسط مدير الـ«إف بي آي» كريستوفر راي (يسار) ومدير الاستخبارات الوطنية دانييل كوتس في جلسة استماع بالكونغرس في فبراير الماضي (واشنطن بوست)

تواصلت ردود الفعل الدولية أمس على إقالة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، وترشيح مدير وكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو ليحل محلّه، وكانت إيران في مقدمة المنتقدين للقرار، معتبرة أنها إشارة لتوجه واشنطن للانسحاب من الاتفاق النووي. إذ قال نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بحسب ما نقلت عنه وكالة أنباء «إيسنا»، إن «الولايات المتحدة مصممة على الانسحاب من الاتفاق النووي، والتغييرات داخل وزارة الخارجية أجريت لهذه الغاية، أو على الأقل هذا أحد أسبابها».
في المقابل، هناك اعتقاد في الأوساط الدبلوماسية العربية أن مقاربة وزير الخارجية المعيّن قد تكون أنجع من تلك التي انتهجها تيلرسون في كبح النشاط الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، ومواجهة سلوك طهران المزعزع للاستقرار في سوريا والعراق ولبنان واليمن. كما تترقب هذه الأوساط سياسة بومبيو تجاه أزمة قطر، بعد أن باءت مقاربة سلفه بالفشل.
وإلى جانب الملف النووي الإيراني، تنتظر بومبيو مهمات دولية في غاية التعقيد، تتقدمها الأزمة السورية والتوتر الغربي - الروسي، والمحادثات المرتقبة مع كوريا الشمالية، وشبح حرب تجارية دولية. وفيما يلي بعض أبرز ردود الفعل على ترشيح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مايك بومبيو لتسلم حقيبة الخارجية:

أمل روسي في تحسن العلاقات
رأى الكرملين أمس أن العلاقات مع الولايات المتحدة «لا يمكن أن تكون أسوأ في ظل ولاية وزير الخارجية المعيّن». وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، في رد على سؤال حول التغيرات في الإدارة الأميركية: «لا يمكن أن تصل الأمور إلى أدنى مما هي عليه، وبالتالي فإنه من غير المرجح أن تكون أسوأ».
وأضاف بيسكوف: «في مطلق الأحوال، يبقى الأمل قائما بمقاربة بناءة للعلاقات الثنائية، هناك أمل على الدوام».
وقبل أن يتولى الخارجية، عمل ريكس تيلرسون على مدى عشرين عاما بتعاون وثيق مع روسيا، في إطار مهامه كرئيس مجلس إدارة شركة النفط «إكسون موبيل»، وكان يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بانتظام.

تأجيل محتمل لاجتماع أميركي ـ تركي
في أول تعليق رسمي تركي على قرار إقالة تيلرسون، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، إن العلاقات القائمة بين أنقرة وواشنطن ليست مرتبطة بأشخاص، موضحاً أن موقف بلاده ثابت وواضح، وأن تركيا لا تولي أهمية بالغة إزاء ما يفكر به الوزير الأميركي الجديد تجاه تركيا.
وتشهد العلاقات التركية الأميركية توتراً بلغ ذروته، مع انطلاق عملية «غصن الزيتون» في عفرين السورية، وزار تيلرسون أنقرة في فبراير (شباط) الماضي، واتفق مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو على تشكيل لجان مشتركة من كلا البلدين لتطبيع علاقات البلدين، وكان مقررا أن يترأسا اجتماعا للجنة في 19 مارس (آذار) الجاري، إلا أن جاويش أوغلو أعلن أمس أن الاجتماع قد يتأجل بسبب إقالة تيلرسون.
وذكر وزير الخارجية التركي أمس أن تركيا تأمل في بناء علاقات طيبة مع وزير الخارجية الأميركي الجديد مايك بومبيو: «لكن عليه احترام أنقرة». وركزت وسائل إعلام تركية على تغريدة تزعم أن بومبيو كتبها بعد محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا في 2016، قبل أن يتولى منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وأشار فيها إلى تركيا على أنها «ديكتاتورية إسلامية مستبدة». وحُذفت التغريدة لاحقا، كما ذكرت «رويترز».

تمسك صيني بمحادثات مع كيم
من جانبها، عبّرت الصين أمس عن أملها في ألا تؤثر الإقالة المفاجئة لتيلرسون على العلاقات الثنائية، أو على المحادثات المقررة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون. وصرح المتحدث باسم الخارجية الصينية، لو تشانغ، للصحافيين في مؤتمر صحافي: «نأمل في ألا يكون لهذا التغيير أي تأثير على تطور العلاقات الصينية - الأميركية الثنائية، أو على التعاون الصيني - الأميركي في بعض المجالات المهمة»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
وقال لو إن الصين تأمل في أن تستطيع الولايات المتحدة «الحفاظ على الوضع الإيجابي الذي طرأ مؤخراً في شبه الجزيرة الكورية، بما في ذلك الرغبة الإيجابية التي أبداها الطرفان الأميركي والكوري الشمالي لإجراء محادثات مباشرة». وأضاف لو: «نقدر جهود تيلرسون في تطوير العلاقات الصينية - الأميركية»، مضيفا: «نأمل في أن يواصل تيلرسون الاهتمام بتطوير العلاقات الصينية - الأميركية ودعمها في المستقبل». وتابع بأن الصين «مستعدة للعمل» مع وزير الخارجية المعين مايك بومبيو، الرئيس السابق لـ«سي آي إيه»، من أجل مواصلة العلاقات القائمة على الاحترام والتعاون.
ويرى البعض أن تعيين بومبيو قد يقلق بكين من الناحية التجارية، لآرائه الصارمة في هذا الإطار. ويأتي اختياره لمنصب وزير الخارجية في وقت تضع فيه واشنطن اللمسات الأخيرة على فرض رسوم مرتفعة على واردات الصلب والألمنيوم، أغضبت عددا من شركائها الآسيويين في التجارة.

«أسف» ياباني
أما وزير خارجية اليابان تارو كونو، فقال أمس إنه شعر شخصيا بالأسف، لرحيل وزير الخارجية الأميركي المقال: «الصريح والجدير بالثقة» عن منصبه، قبل القمة المرتقبة بين ترمب وكيم. وأضاف كونو للصحافيين في طوكيو: «كان (تيلرسون) شريكا صريحا وجديرا بالثقة، واعتقدت أننا سنتعامل مع قضية كوريا الشمالية معا، ولكن على صعيد شخصي أشعر أن هذا الوضع الذي تطور مؤسف». وتابع كونو: «الأمر بالتأكيد في يد أميركا، لذا أريد لقاء خليفته في منصب وزير الخارجية قريبا، ونتبادل وجهات النظر بشأن كوريا الشمالية ومسائل أخرى».
من جهتها، قالت وزارة الخارجية في كوريا الجنوبية، في رسالة نصية، إن الوزيرة كانغ كيونغ – وها، قررت زيارة واشنطن لبحث قضية كوريا الشمالية رغم إقالة تيلرسون، بعد أن انتشرت شائعات حول إلغاء الزيارة.
وقال مسؤولون كوريون جنوبيون آخرون، مشترطين أيضا عدم الكشف عن هوياتهم وفق «رويترز»، إن بومبيو معروف بآرائه الصارمة إزاء كوريا الشمالية؛ لكنه سياسي مخضرم، ويبدو أنه يعرف كيف يساوم. وقال مسؤول كبير منهم: «ندرك أن بومبيو كان صاحب واحد من أقوى الأصوات عند الحديث عن تحرك عسكري، وغذى تقديرات ترمب المرتبطة بالأمر؛ لكن الأمور تغيرت كثيرا منذ ذلك الحين»، في إشارة إلى المحادثات المقبلة بين الرجلين.
وذكرت وزارة الخارجية في كوريا الجنوبية أن «تفاهمنا المشترك مع الولايات المتحدة هو الحفاظ على التعاون القوي من خلال التواصل الوثيق... بغض النظر عن تغيير الأفراد بالجانب الأميركي، وذلك نظرا لوجود قضايا مهمة، منها قضية كوريا الشمالية النووية والتحالف الأميركي - الكوري الجنوبي، ومسائل التجارة».
ورحبت أستراليا، الحليف الوثيق للولايات المتحدة والمعفاة من الرسوم التجارية الأخيرة، باختيار بومبيو.
وقال رئيس الوزراء مالكولم ترنبول للصحافيين: «نعرفه جيدا... إنه صديق رائع لأستراليا. سيكون الانتقال سلسا تماما».

ترحيب إسرائيلي
وفي إسرائيل، لاقى قرار ترمب تعيين بومبيو ترحيبا في أروقة الحكم الإسرائيلية، وذلك أن الإسرائيليين يعتبرون تيلرسون «عقبة أمام تطوير الموقف الأميركي ضد إيران»، ويرون في بومبيو «صديقا حميما لإسرائيل، وصاحب موقف حازم جدا أمام طهران».
وقالت مصادر مقربة من رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، إن «تيلرسون كان من القلائل في الإدارة الأميركية الجديدة الذي بدا باردا تجاه إسرائيل، ولم يتحمس للقرارات المؤيدة لها، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة، ولم يتحمس لمشروع (صفقة القرن) ولم يكن راضيا عن تعيين يهودي يميني متشدد، مثل ديفيد فريدمان سفيرا لبلاده في إسرائيل، وأراد أن تتم المحافظة على الاتفاق النووي مع إيران، بدعوى الإبقاء على حد أدنى من التفاهم مع الحلفاء في الاتحاد الأوروبي».
في المقابل، يعتبر كثيرون في إسرائيل أن بومبيو لا يتفق مع تيلرسون في كثير من هذه القضايا، إذ يعتبر الاتفاق النووي «كارثة للمصالح الأميركية ولجميع حلفائها في الشرق الأوسط»، ويؤيد الرئيس في كل مواقفه السياسية وبشكل خاص المواقف المؤيدة لإسرائيل.

ارتياح في الأسواق
بدورها، سجلت الأسواق الأوروبية والأميركية ارتفاعا أمس، متجاوزة المخاوف السياسية التي أثارها قرار الرئيس الأميركي المفاجئ بإقالة تيلرسون الثلاثاء. وأثارت هذه الأنباء مخاوف السوق من حدوث اضطرابات في البيت الأبيض وتبني سياسة خارجية متشددة، ما أدّى إلى هبوط الأسهم الأميركية، الثلاثاء، والأسهم الآسيوية في وقت مبكر أمس.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».