المغرب يكرّم عبد الرحمن اليوسفي رئيس حكومة التناوب

بمناسبة صدور مذكراته

جانب من حفل تكريم اليوسفي في مسرح محمد الخامس بالرباط مساء أول من أمس ({الشرق الأوسط})
جانب من حفل تكريم اليوسفي في مسرح محمد الخامس بالرباط مساء أول من أمس ({الشرق الأوسط})
TT

المغرب يكرّم عبد الرحمن اليوسفي رئيس حكومة التناوب

جانب من حفل تكريم اليوسفي في مسرح محمد الخامس بالرباط مساء أول من أمس ({الشرق الأوسط})
جانب من حفل تكريم اليوسفي في مسرح محمد الخامس بالرباط مساء أول من أمس ({الشرق الأوسط})

إن «الأجيال الجديدة تعلم أن قوة الأمم تكمن في تصالحها مع ماضيها وحاضرها، وفي حسن قراءتها لذلك الماضي والحاضر؛ حتى يسهل عليها بناء المستقبل بأفضل قدر ممكن من النجاح والتقدم»... بهذه العبارات خاطب الزعيم الاشتراكي المغربي عبد الرحمن اليوسفي الحضور الوازن من الشخصيات السياسية والدبلوماسية، التي حضرت حفل تكريمه، الذي أقيم مساء أول من أمس على مسرح محمد الخامس بالرباط، وذلك بمناسبة صدور مذكراته «أحاديث فيما جرى».
وتؤرخ هذه المذكرات، التي أعدها رفيقه الاتحادي مبارك بودرقة، لمسار سياسي حافل، قاد أكبر معارض لنظام الملك الراحل الحسن الثاني لكي يتولى تجربة رئاسة التناوب السياسي التوافقي في بلاده عام 1998، في تجربة سياسية فريدة في العالم العربي خلال تلك الفترة.
اليوسفي الذي كرم في يوم ميلاده الـ94، قال أيضاً في المناسبة، إن ما تتضمنه الأجزاء الثلاثة من مذكراته «هو بعض من خلاصات تجربة سياسية، شاء قدره أن يكون طرفاً فيها من مواقع متعددة، سواء في زمن مقاومة الاستعمار، أو في مرحلة بناء الاستقلال، وسواء من موقع المعارضة أو من موقع المشاركة في الحكومة»، وهي «تشكل جزءاً من إرث مغربي غني نعتز أننا جميعاً نمتلكه، عنواناً عن ثروة حضارية صنعتها أجيال مغربية متلاحقة»، مشيراً إلى أنها «ستكون بلا شك مجالاً لاشتغال أهل الاختصاص من علماء التاريخ والسياسة والقانون والاجتماع، مثلما ستشكل أيضاً مادة لتأويلات وتفسيرات إعلامية متعددة».
من جهته، قال بودرقة: إن اليوسفي كان يرفض منذ سنوات كتابة مذكراته رغم إلحاح أصدقائه ومقربيه، لكن هذا لم يمنعه من أن يتحدث عما جرى للكثير من أصدقائه؛ ولهذا جاءت هذه المذكرات بعنوان «أحاديث فيما جرى».
بدوره، تحدث فيليبي غونزاليس، رئيس الوزراء الإسباني الأسبق، عن اليوسفي رفيقه في منظمة الاشتراكية الأممية، وقال عنه: إنه «مقاوم كبير من أجل الاستقلال والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والوحدة الترابية لبلاده».
وأعرب غونزاليس، الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، عن اعتقاده أن الاشتراكية الديمقراطية ما زالت تشكل حلاً في ظل الأزمات الكبرى التي يشهدها العالم.
أما الأخضر الإبراهيمي، الدبلوماسي الجزائري الأسبق، فقال إنه جمعته باليوسفي هواجس مشتركة حول المشروع المغاربي، الذي ما زال مطروحاً، وقضية فلسطين التي يتعين أن تبقى أم القضايا العربية، مشيراً إلى أن هذا الحفل التكريمي يشكل فرصة لمجموع محبي اليوسفي للالتفاف حوله، وأنه لا مناص من مواصلة الحلم، والسير على الطريق نفسها من أجل تحقيق الأمل المنشود للمنطقة المغاربية».
من جهته، أشاد محمد فائق، الحقوقي المصري ووزير الإعلام في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، بخصال اليوسفي واصفاً إياه «بأنبل فرسان التحرير في العالم العربي والأفريقي، ولأجل ذلك جاء محبوه من أماكن كثيرة ليشاركوه حفل إصدار مذكراته».
ترعرع اليوسفي وسط عائلة متعددة الأبناء والبنات، وكان والده المتزوج من سيدتين، يتقن الكثير من اللغات، وملماً بمبادئ الشريعة الإسلامية؛ وهو ما أهّله ليعمل وكيلاً معترفاً به لدى السلطات المحلية للدفاع عمن يطلبون خدماته للإنابة عنهم أمام القضاء، وقد فارق الحياة في السنة التي حصل فيها اليوسفي على الشهادة الابتدائية، لتبدأ مكابدة أمه معه ومع إخوانه، لكن معاناتها معه، وباعترافه هو شخصياً، كانت هي الأكبر، نتيجة غيابه الطويل والمتكرر عنها.
يذكر اليوسفي أنه بعد سنوات المنفى الطويلة في الخارج، التي اعتبر نفسه ضحية لها، استقبل الملك الراحل الحسن الثاني في القصر الملكي، في نهاية السبعينات من القرن الماضي والدة اليوسفي، وتناول معها الشاي، وقبل انصرافها سألها إن كانت في حاجة إلى أي شيء، لتجيبه بلهجتها الطنجاوية «بغيت ولدي» (أريد ولدي)، فأجابها الملك: «يمكن لابنك أن يعود إلى بلده متى شاء، والوطن سيرحب به»، وفي هذا السياق، قال اليوسفي «ظلت أمي متشبثة بالحياة إلى أن عدت سنة 1980، بعد غياب دام 15 سنة لتنتقل إلى عفو الله سنة 1981».
أدى اليوسفي «ضريبة النضال» على صحته من خلال مخلفات السجون، وقد أجريت له نحو منتصف الخمسينات من القرن الماضي عملية جراحية في مدريد استأصل فيها الطبيب نصف رئته اليمنى، فعاش من حينها بنصف رئة إلى اليوم.
يستعرض اليوسفي في مذكراته مجمل الأحداث السياسية والحزبية، التي كان المغرب مسرحاً لها خلال الفترة الاستعمارية، وبعد الاستقلال، متوقفاً عند كل المحطات المفصلية في تطورها من خلال علاقته مع الزعماء السياسيين، أمثال عبد الرحيم بوعبيد، والمهدي بنبركة وغيرهما، وما واجهه من متاعب جراء محاكماته واعتقالاته.
ولأن أول حكومة للتناوب الديمقراطي شكلت تجربة استثنائية خاصة في مسار المغرب السياسي المعاصر، فقد خصها اليوسفي بحيز وافر من مذكراته، وهو الذي قادها منذ أن كلفه الملك الراحل الحسن الثاني بتشكيلها، بعد تعيينه وزيراً أول في الرابع من فبراير (شباط) 1998، بعد أن نوه به وبكفاءته.
ونظراً لما كانت تجتازه قضية الصحراء المغربية في مجلس الأمن، فقد عبر الملك الحسن الثاني عن الحاجة إلى بقاء إدريس البصري، وزير الداخلية آنذاك، وعبد اللطيف الفيلالي، وزير الخارجية في منصبيهما، تاركاً لليوسفي حرية اختيار باقي أعضاء الفريق الحكومي. وقبل وداعه اقترح عليه أن يلتزما معاً أمام القرآن الكريم على العمل لمصلحة البلاد: «وأن نقدم الدعم لبعضنا البعض».
يحكي اليوسفي، أنه عند بدء الاستشارات الأولى لتكوين حكومة التناوب، تم توفير شقة له من طرف أعضاء حزبه بحي أكدال في الرباط لعقد اللقاءات المتعلقة بالمشاورات، لكن سرعان ما تم اكتشاف أجهزة للتجسس وتسجيل محتوى المشاورات داخل الشقة، وبالتالي تم التخلي عنها، واللجوء إلى أماكن أخرى متعددة للغرض نفسه. وقد ضمت الحكومة وقتها عدداً من الوزراء صحافيين، وقال اليوسفي، إن أحد الزملاء علق على هذه الظاهرة بقوله «إننا سعداء جداً لأن العالم العربي، وبعد حكم الجنرالات، جاء دور الصحافيين ليكونوا في الحكم، كما أنهم نشطاء في حقوق الإنسان».
وكانت المعركة حول الإعلام من أشرس المعارك، التي تمت فيها المواجهة مع البصري، حسب تعبيره، لدرجة أن محمد العربي المساري، وزير الاتصال آنذاك، قدم استقالته مرتين، وتراجع عنها بعد النقاش معه، وحثه «على الاستمرار في مواجهة جيوب المقاومة».
في7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1999، جرت مكالمة هاتفية بين الملك محمد السادس واليوسفي، الذي كان موجوداً آنذاك خارج المغرب، ليخبره بقرار إقالة إدريس البصري من منصبه وزيراً للداخلية، وهو ما تم بالفعل يوم التاسع من الشهر نفسه. وبعد أن تحدث عن الجهود التي بذلتها أول حكومة للتناوب التوافقي، والمسار التي سلكته في ترسيخ الخيار الديمقراطي، ومنها إجراء الانتخابات التشريعية يوم 27 سبتمبر (أيلول) سنة 2002، وكانت أول استحقاقات انتخابية في عهد الملك محمد السادس، بطريقة «نزيهة غير مطعون فيها»، وحصول حزبه (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) على المرتبة الأولى، التقى العاهل المغربي وعرض عليه تقديم استقالته من الوزارة الأولى حتى يتمكن من تعيين الوزير الأول، الذي سيتولى تدبير المرحلة المقبلة.
وعقب ترؤس الملك المجلس الوزاري في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 2002 بمدينة مراكش، وكان آخر مجلس وزاري لحكومة التناوب التوافقي، استقبله الملك ونوه بالمجهودات التي بذلها خلال تحمّله مسؤولية الوزارة الأولى، سواء في عهد والده الراحل الحسن الثاني، أو خلال العهد الجديد، رغم حالته الصحية التي لم تحل دون إنجاز الكثير من المشروعات الكبرى، قبل أن يعفيه من المسؤولية، ويخبره بقرار تعيين إدريس جطو على رأس الوزارة الأولى.
يقول اليوسفي، إنه شكر الملك على تلبية رغبته في إعفائه من المسؤولية، نظراً لظروفه الصحية، وعبّر له عن أن الدستور الحالي (1996) يمنحه حق تعيين من يشاء وزيراً أول، «لكن المنهجية الديمقراطية تقضي تعيين الوزير الأول من الحزب، الذي احتل المرتبة الأولى في عدد المقاعد البرلمانية، كما أسفرت عنها الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهو حزب الاتحاد».
ورغم انسحاب اليوسفي من الحياة السياسية، فإنه يؤكد أن «حبل التواصل» مع عاهل البلاد ما زال مستمراً، حيث يستدعيه للمشاركة في أفراح العائلة الملكية، أو بعض اللقاءات الرسمية، أو مع بعض الرؤساء والأصدقاء المشتركين، وفي بعض الحالات مع عائلته الصغيرة.



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.