فنزويلا... بؤرة قلق أميركا اللاتينية

انتخابات رئاسية مقبلة وسط ارتفاع أعداد النازحين وتفاقم الأزمات الإقليمية

فنزويلا... بؤرة قلق أميركا اللاتينية
TT

فنزويلا... بؤرة قلق أميركا اللاتينية

فنزويلا... بؤرة قلق أميركا اللاتينية

تعيش فنزويلا المضطربة اليوم أجواء تأجيل بسيط أُقرّ قبل أيام للانتخابات الرئاسية المقدّمة عن موعدها الأصلي. إذ أعلنت اللجنة العليا للانتخابات الفنزويلية أخيراً تأجيل موعد إجراء الانتخابات من مايو (أيار) المقبل إلى يونيو (حزيران) المقبل، وهذا مع العلم أن السلطات اليسارية برئاسة الرئيس نيكولاس مادورو كانت قبلاً قد قدّمت موعد الانتخابات الذي كان يفترض أن يكون في ديسمبر (كانون الأول) المقبل مع نهاية فترة ولاية مادورو.
تصرفات مادورو ضربت عرض الحائط بالمبادرات الدولية ومطالبات المعارضة لإجراء الانتخابات في يونيو المقبل، كما جاءت مطالبات الرئيس نيكولاس مادورو بالإسراع بالعملية الانتخابية لتنسف جهود حل الأزمة في جمهورية الدومينيكان التي تحتضن محادثات المعارضة الفنزويلية وأطراف الحكومة برعاية إقليمية ودولية، ويتعقد المشهد وتعلن الدولة الحاضنة للمفاوضات على لسان رئيسها دانيلو مادينا تعليق المحادثات إلى أجل غير مسمى.
أخذت أزمة فنزويلا حيزاً كبيراً من جولة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في أميركا اللاتينية، وجعلته يتحدث عنها في كل محطاته التي شملت كلاً من المكسيك والأرجنتين والبيرو وكولومبيا، واختتمت بجامايكا.
هذه الأزمة أصبحت تلقي بظلالها على كل دول الإقليم، وبخاصة كولومبيا «جارة فنزويلا» إلى الغرب التي تشارك فنزويلا حدوداً تتخطى مئات الكيلومترات، وعبر هذه الحدود يتدفق يومياً آلاف النازحين والفارين من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بها.
هذا الوضع دفع كولومبيا، وأيضاً البرازيل (إلى الجنوب)، إلى تعزيز مراقبة حدودهما مع فنزويلا، ونشر آلاف عناصر الأمن والهجرة لضبط الحدود وحركة النازحين، ولا سيما، مع وصول معدلات التضخم في فنزويلا إلى أرقام قياسية تخطت 4000 في المائة، وخسارة «البوليفر» (العملة الفنزويلية) أكثر من 85 في المائة من قيمتها في دولة تعد من أغنى بلدان العالم بالنفط.
بالطبع اختيار الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أساساً تقديم موعد الانتخابات من ديسمبر إلى مايو، ليس اعتباطياً، وبخاصة، أنه يأتي في وقت حساس. تحديداً، قبيل إعلان كوبا تولّي زعامة جديدة للجزيرة الشيوعية تحل محل عائلة كاسترو في الحكم، مع تنحي الرئيس الحالي راؤول كاسترو وابتعاده عن المشهد السياسي. والمعروف أن كوبا هي محرك اليسار الأميركي اللاتيني والدولة الداعمة لقيادة فنزويلا الحالية. كذلك، يتزامن التقديم بعد انعقاد «قمة الأميركتين» في البيرو، وهي القمة التي سيحضرها زعماء أميركا الشمالية والجنوبية بحضور الرئيس دونالد ترمب؛ ما سيمكن فنزويلا من الحضور بحلة جديدة وسط أزمتها السياسية الطاحنة.
المعارضة الفنزويلية اليمينية والليبرالية، من جانبها انتقدت التحركات الحكومية الأخيرة، ووصفت تقديم موعد الانتخابات من (ديسمبر إلى مايو - قبل التأجيل البسيط ليونيو) بـ«المناورة غير الشرعية»، من منطلق أن الفترة الرئاسية للرئيس مادورو ستنتهي في ديسمبر بنهاية العام الحالي. ومن ثم، فإنها ترى أن الغاية من تقديم الموعد مباغتة المعارضة، ومنعها من تنظيم صفوفها؛ ما يضعف إمكانية خوضها المعركة الانتخابية بالشكل المأمول. وبالفعل، أصابت خطوة السلطات اليسارية المعارضة بحالة من التوتر دفعتها للإقرار بأنها «تلقت ضربة أذهلتها»، على لسان كبير مفاوضي الفريق المعارض للحكومة خوليو بورغيس.

موقف أوروبي قاطع
نواب في البرلمان الأوروبي، من جهتهم، طالبوا بتوسيع العقوبات المفروضة على فنزويلا «لتطاول» الرئيس نيكولاس مادورو، وحذروا من أن الاتحاد الأوروبي لن يعترف بنتيجة الانتخابات الرئاسية المقبلة «إلا إذا كانت حرة».
وطلب النواب الأوروبيون خلال جلسة حضرها جميع الأعضاء في مقر البرلمان بمدينة ستراسبورغ (شمال فرنسا)، بتأييد 480 نائباً ومعارضة 51 وامتناع 70 عن التصويت، توسيع العقوبات المفروضة على أبرز المسؤولين الفنزويليين «بعد تفاقم الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية». وكان في طليعة المستهدفين بالعقوبات الرئيس مادورو ونائبه طارق العيسمي والمسؤولون العسكريون الرئيسيون.
وجاء في بيان للبرلمان: إن «الاتحاد الأوروبي لن يعترف بالانتخابات إلا إذا كانت حرة ومنصفة». كما أضاف البيان إن «الانتخابات الوحيدة التي سيعترف بها الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، بما في ذلك البرلمان، هي انتخابات تقوم على جدول زمني انتخابي واقعي، يتفق عليه في إطار حوار وطني بين كل الأطراف المعنيين والأحزاب السياسية، مع شروط مشاركة مماثلة للجميع تكون منصفة وشفافة».
ما تجدر الإشارة إليه أن الرئيس مادورو، وريث الرئيس اليساري العسكري الراحل هوغو تشافيز، مرشح في هذا الاقتراع. وكانت فيديريكا موغيريني، وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، قد قالت أمام النواب الأوروبيين، إنه «يجب تحاشي فرض ظروف مفتعلة للحد من مشاركة الأحزاب السياسية». وعلى جانب آخر، فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً أولياً بسبب تقارير تفيد بأن قوات الأمن في فنزويلا تستخدم العنف المفرط ضد المتظاهرين منذ عام 2017، وأعلنت المحكمة، التي تتخذ من لاهاي (هولندا) مقراً لها، أنها ستبحث في الادعاءات المتعلقة باعتقال الآلاف من أفراد المعارضة، بالإضافة إلى الانتهاكات التي يواجهونها خلال الاعتقال.

احتجاجات منذ سنة
تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تشهد احتجاجات منذ أبريل (نيسان) الماضي، حين تحرك الرئيس مادورو لتعزيز سلطاته. وكما سبقت الإشارة، رغم تمتع فنزويلا باحتياطيات نفطية تعد بين الأضخم في العالم بها، فإنها تعاني من التضخم ونقص السلع الأساسية. وفي تقرير صدر في أغسطس (آب) 2017، خلص مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن استخدام قوات الأمن القوة المفرطة بهدف وقف المظاهرات وعنف الجماعات المسلحة الموالية لمادورو كان وراء سقوط 70 قتيلاً على الأقل. ومن ثم، يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تقرر في مرحلة لاحقة، استناداً إلى المعلومات التي تم جمعها خلال التحقيق الأولي، فتح تحقيق رسمي بالواقعة.
بجانب هذا المشهد المعقد، تضاف حزمة العقوبات المفروضة على سلطات كاراكاس من كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. إذ فرضت واشنطن وعواصم الاتحاد الأوروبي عقوبات استهدفت قيادات بارزة في إدارة الرئيس مادورو كذلك طالت العقوبات قطاع النفط في البلاد، وبخاصة شركة النفط الوطنية. وهو ما دفع وزير الخارجية تيلرسون للقول إن الولايات المتحدة ستضع في اعتبارها تأثير أي حظر نفطي محتمل ضد فنزويلا، على دول أخرى في المنطقة. وأضاف تيلرسون، الذي كان يتكلم في مدينة كينغستون، عاصمة جامايكا - المحطة الأخيرة في جولته والدولة الوحيدة غير اللاتينية في برنامج جولته بأميركا اللاتينية، إن بلاده «ستأخذ في الاعتبار بشكل كامل التأثيرات على الدول الإقليمية، وسيصار إلى النظر في الإجراءات التي قد تتخذها واشنطن للتخفيف من الآثار السلبية». أيضاً، أشار تيلرسون إلى إنه بحث هذه المسألة مع رئيس الوزراء الجامايكي أندرو هولنيس. من ناحية أخرى، جاءت تصريحات تيلرسون بعدما كان قد أثار إمكانية فرض حظر نفطي على فنزويلا خلال زيارة للأرجنتين. وفي المقابل، قال الرئيس الفنزويلي مادورو، إن بلاده «ستواجه مثل هذا الحصار؛ لأن دولاً غير الولايات المتحدة مستعدة لشراء النفط منها».

واشنطن تزيد الضغط
كانت التركيز في محطات جولة تيلرسون في المكسيك والأرجنتين والبيرو وكولومبيا، وأخيراً جامايكا، على زيادة الضغط على فنزويلا. ومعلوم أن واشنطن تتهم السلطات اليسارية الحاكمة في العاصمة كاراكاس بالفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. وبجانب الموقف السياسي السلبي الأميركي أساساً من الحكم الفنزويلي، ابتداءً من الرئيس السابق الراحل تشافيز، والمستمر بعده في عهد خلفه مادورو، أسهم في معاناة فنزويلا الاقتصادية والسياسية تراجع أسعار النفط. كذلك، تتهم واشنطن وقوى المعارضة التي تدعمها واشنطن مادورو وحكمه – ومن قبله حكم تشافيز - بسوء الإدارة طال لسنوات. واليوم، أدى التضخم المتصاعد إلى نقص الغذاء والمعاناة المعيشية؛ ما دفع مئات الآلاف من الفنزويليين إلى عبور الحدود إلى كولومبيا.

روسيا والصين
تداعيات الأزمة الفنزويلية امتدت أكثر في الآونة الأخيرة، لتشمل علاقة كاراكاس مع كل من موسكو وبكين. إذ تتهم المعارضة اليمينية الفنزويلية المدعومة من واشنطن، حكومة الرئيس مادورو بالاستعانة بالصين لدعم الاقتصاد الفنزويلي. كذلك، تتهمها بشراء السلاح من روسيا بحيث تغدو فنزويلا محوراً إقليمياً أساسياً في القارة الأميركية للإقليم، يمكن أن يؤدي إلى احتكاك بين الصين والولايات المتحدة.
ولقد ردت وزارة الخارجية الصينية أخيراً على تهم المعارضة الفنزويلية، وكذلك اتهام وزارة الخزانة الأميركية لبكين بمساعدة حكومة مادورو «من خلال استثمارات غامضة قائمة على مبدأ النفط مقابل القروض»، فقالت: إن دعم الصين لفنزويلا «عاد على المواطنين الفنزويليين العاديين بالفائدة، ولاقى ترحيباً كبيراً». فلقد كان ديفيد مالباس، كبير الدبلوماسيين الاقتصاديين بوزارة الخزانة الأميركية، قد ادعى في خطاب ألقاه بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «أن تركيز الصين على السلع وصفقات التمويل الغامضة أضر بدول المنطقة بدلاً من أن يساعدها». وجاء انتقاد مالباس دور الصين في مساعدة سلطات كاراكاس بعد طرح وزير الخارجية تيلرسون «احتمال وقوع انقلاب عسكري» في فنزويلا.
غير أن المتحدث باسم الخارجية الصينية، تشينغ شوانغ، رد على المواقف الأميركية بالقول: إن «التعاون المالي بين الشركات والمؤسسات في البلدين يقوم على مبدأ تبادل المنفعة». وأردف المتحدث الصيني: إن «القروض تتماشى تماماً مع المعايير الدولية، وعادت بالنفع على شعب فنزويلا... وما قالته الولايات المتحدة لا أساس له ويتسم بانعدام مسؤولية شديد».
كذلك، أشار المتحدث الصيني إلى أن «التعاون بين الصين وفنزويلا ساهم في بناء أكثر من عشرة آلاف منزل منخفض التكلفة، وتوليد الكهرباء، وتوفير الأجهزة المنزلية لثلاثة ملايين أسرة فنزويلية منخفضة الدخل». واستطرد قائلاً: إن التعاون بين الصين وفنزويلا «دفع التنمية الاجتماعية الاقتصادية في فنزويلا إلى الأمام، وقوبل بالترحيب والدعم من كل المستويات في المجتمع». وضمن هذا الإطار، سبق للصين أن اتهمت من جانبها واشنطن بأنها «لا تحترم أميركا اللاتينية»، وذلك بعدما حذر الوزير تيلرسون دول أميركا اللاتينية «من الاعتماد الزائد على الروابط الاقتصادية مع الصين».

الهجرة أزمة لدول الجوار
أوضاع الشوارع والمباني في المدن الفنزويلية، وفق المصادر الغربية، موجع للغاية، وتزداد الأوضاع سوءاً يوماً بعد يوم. وقال أحد سكان العاصمة كاراكاس في مقابلة صحافية: «الحزن يعم الجميع هناك. لا أمل لأحد الآن، ولا يعرف أحد ما يجب القيام به. لقد سئم الجميع كل شيء، وخيبة الأمل منتشرة في كل مكان... يشعر الجميع بالضياع التام».
هذا المشهد يعبر عنه بوضوح منظر وصول الآلاف من رعايا فنزويلا في كل يوم إلى كولومبيا. بعضهم يبحث عن المواد الغذائية الأساسية أو عن الأدوية، وبعضهم الآخر يبحث عن مستقبل لحياته. لكن الواقع أنه، يستحيل الوقوف على الرقم الحقيقي للاجئين والنازحين الفنزويليين الذين يعيشون اليوم في المدن الكولومبية؛ إذ إن كثيرين منهم يعيشون هناك بصورة غير مشروعة أو بصفة مؤقتة.
وكالة «الهجرة في كولومبيا» تشير إلى أن عشرات الآلاف من رعايا فنزويلا يعيشون حالياً في البلاد. وتعكس هذه الأرقام حالة الدعم الاجتماعي التي توفرها الحكومة الكولومبية اليمينية للنازحين الذين يغادرون البلاد المأزومة، وهي السياسة التي تثير توتراً جديداً بين حكومتي البلدين. وبالمناسبة، كانت الولايات المتحدة أيدت تقديم الدعم المالي إلى كولومبيا لاحتواء الأزمة. غير أن كولومبيا ليست بالضرورة الوجهة الوحيدة للفنزويليين الراغبين بمغادرة بلدهم. فمن المقاصد الأخرى المفضلة للفنزويليين الولايات المتحدة وإسبانيا، ولا سيما بالنسبة لأولئك الذين لديهم صلات عائلية هناك. يضاف إلى ذلك، رصد ميل واضح للهجرة إلى الأرجنتين وتشيلي، في أقصى الطرف الجنوبي من قارة أميركا اللاتينية.

مادورو ابن «الطبقة العمالية»
- من هو الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وريث الزعيم اليساري السابق هوغو تشافيز؟
اسمه الكامل هو نيكولاس مادورو موروس، ويبلغ من العمر 55 سنة. وهو متزوج من سيليا فلوريس، التي هي أيضاً من وجوه الحركة التشافيزية وكانت مدعية عامة سابقة للجمهورية.
نشأ مادورو في حي تقطنه الطبقة الوسطى بالعاصمة كاراكاس، حيث ناضل في مرحلة الدراسة الثانوية، كما كان عازف غيتار في فرقة روك إبان فترة مراهقته. وفي المرحلة الجامعية، أمضى سنة في دراسة العلوم السياسية في كوبا. كما كان في شبابه سائق حافلات، كما كان قيادياً في نقابة مترو كاراكاس. ويقال إنه كان موضع سخرية في بداياته السياسية، لكنه حزم منذ 2013 تولى مقاليد الحكم في فنزويلا.
المحلل السياسي الأميركي مايكل شيفر، قال في معرض تقييمه تجربة مادورو وشخصيته: «كثيرون قللوا من شأنه، بل ثمة من نعاه سياسياً منذ أن أصبح رئيساً. لكن، على الرغم من تعدد المظاهرات المناوئة وشبه إفلاس البلاد وتدهور الشعبية، لا شيء كما يبدو يهز سلطته. وهذا، مع أنه لا يتمتع بجاذبية سلفه الراحل هوغو تشافيز ولا فصاحته».
من ناحية ثانية، يقول عنه فيليكس ساياس، مدير معهد ديلفوس للاستطلاعات: «مادورو شخص ماهر جداً في تحقيق التوازنات، ونجح في تقسيم السلطة داخل التيار التشافيزي الذي كانت له القبضة الحديدية في حكم البلاد إبان الرئيس الراحل تشافيز. هذا أكسبه السلطة اللازمة لفرض ترشحه للانتخابات الرئاسية». وأردف ساياس: إنه «يملك نوعاً من الجرأة السياسية. وبعدما رشحه الحزب الاشتراكي الموحد (الحاكم) رسمياً للانتخابات الرئاسية، من المتوقع أن يحكم نيكولاس مادورو في حال فوزه فنزويلا حتى عام 2025، وحين لا يكون في جولة ميدانية في العاصمة كاراكاس، فإنه يشاهد صباحاً عبر قناته على (يوتيوب) وبيده كأس من الشاي جلبته زوجته سيليا فلوريس، وهو يخاطب الفنزويليين».
ويتابع ساياس قراءته في شخصية الرئيس اليساري: «سلطته مصدرها تشافيز، الذي كان قد رشحه لخلافته قبل وفاته، إلا أننا الآن إزاء مادورو آخر مختلف... مادورو يدرك أنه أقوى؛ ولذا فهو هو أكثر شراسة». وحقاً، مع ظهور يومي وخطابات مطولة وتصريحات مناهضة للإمبريالية، يشبه مادورو كثيراً سلفه ومرشده تشافيز، الذي كان حكم فنزويلا بين 1999 و2013، إلا أن تصرفات مادورو دفعت رجال حقبة تشافيز لانتقاده ومن هؤلاء رافايل راميريز، سفير فنزويلا الأسبق لدى الأمم المتحدة، الذي أقيل من منصبه في ديسمبر 2017 من منصبه بتهمة الفساد. ومما قاله راميريز – الذي يدعي متابعون أن مادورو تخلص منه بعدما رأى البعض فيه منافساً محتملاً له: إن مادورو «أفرط في استغلال اسم تشافيز وصورته، لكنه مهما فعل فلن يشبه تشافيز».
مع هذا، فإن الرئيس اليساري الطموح والشعبوي عمل على تحسين صورته. فهو يصف نفسه دائماً بأنه رئيس «جاء من طبقة العمال»، ويقود سيارته الرباعية الدفع، ويسخر من لكنته حين يتحدث بالإنجليزية ويرقص «السالسا»، ثم إنه لا يكاد يغيب عن وسائل التواصل الاجتماعي.
وعنه قال مسؤول في القطاع الخاص، كان على اتصال به حين كان وزيراً للخارجية: إنه «يملك أسلوباً بسيطاً. وهو لا يفقد حسه الفكاهي حتى عندما تغرق البلاد. إنه خطيب جيد، لكنه ليس تشافيز».
جدير بالإشارة، أن مادورو تولى منذ 2006 وزارة الخارجية في عهد سلفه تشافيز، الذي عينه لاحقاً نائباً للرئيس في أعقاب بالانتخابات الرئاسية في 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2012، وعند وفاة تشافيز، أصبح مادورو رئيساً بالوكالة. ثم انتخب رئيساً.
هذا، وتشمل مسيرة مادورو أيضاً، توليه لفترة قصيرة رئاسة الجمعية الوطنية (البرلمان) في الفترة بين عام 2005 وعام 2006. وفي عام 1998 فاز بأول ولاية له نائباً في البرلمان تحت راية «حركة الجمهورية الخامسة» التي أسسها تشافيز الذي وصل إلى السلطة في العام ذاته. وكان الرجلان التقيا أيضاً في صلب «الحركة الثورية البوليفارية» التي أسسها تشافيز أيضاً، وقاد إبان رئاسته لها انقلاباً فاشلاً ضد الرئيس كارلوس أندرياس بيريز في 1992.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.