فنزويلا... بؤرة قلق أميركا اللاتينية

انتخابات رئاسية مقبلة وسط ارتفاع أعداد النازحين وتفاقم الأزمات الإقليمية

فنزويلا... بؤرة قلق أميركا اللاتينية
TT

فنزويلا... بؤرة قلق أميركا اللاتينية

فنزويلا... بؤرة قلق أميركا اللاتينية

تعيش فنزويلا المضطربة اليوم أجواء تأجيل بسيط أُقرّ قبل أيام للانتخابات الرئاسية المقدّمة عن موعدها الأصلي. إذ أعلنت اللجنة العليا للانتخابات الفنزويلية أخيراً تأجيل موعد إجراء الانتخابات من مايو (أيار) المقبل إلى يونيو (حزيران) المقبل، وهذا مع العلم أن السلطات اليسارية برئاسة الرئيس نيكولاس مادورو كانت قبلاً قد قدّمت موعد الانتخابات الذي كان يفترض أن يكون في ديسمبر (كانون الأول) المقبل مع نهاية فترة ولاية مادورو.
تصرفات مادورو ضربت عرض الحائط بالمبادرات الدولية ومطالبات المعارضة لإجراء الانتخابات في يونيو المقبل، كما جاءت مطالبات الرئيس نيكولاس مادورو بالإسراع بالعملية الانتخابية لتنسف جهود حل الأزمة في جمهورية الدومينيكان التي تحتضن محادثات المعارضة الفنزويلية وأطراف الحكومة برعاية إقليمية ودولية، ويتعقد المشهد وتعلن الدولة الحاضنة للمفاوضات على لسان رئيسها دانيلو مادينا تعليق المحادثات إلى أجل غير مسمى.
أخذت أزمة فنزويلا حيزاً كبيراً من جولة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في أميركا اللاتينية، وجعلته يتحدث عنها في كل محطاته التي شملت كلاً من المكسيك والأرجنتين والبيرو وكولومبيا، واختتمت بجامايكا.
هذه الأزمة أصبحت تلقي بظلالها على كل دول الإقليم، وبخاصة كولومبيا «جارة فنزويلا» إلى الغرب التي تشارك فنزويلا حدوداً تتخطى مئات الكيلومترات، وعبر هذه الحدود يتدفق يومياً آلاف النازحين والفارين من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بها.
هذا الوضع دفع كولومبيا، وأيضاً البرازيل (إلى الجنوب)، إلى تعزيز مراقبة حدودهما مع فنزويلا، ونشر آلاف عناصر الأمن والهجرة لضبط الحدود وحركة النازحين، ولا سيما، مع وصول معدلات التضخم في فنزويلا إلى أرقام قياسية تخطت 4000 في المائة، وخسارة «البوليفر» (العملة الفنزويلية) أكثر من 85 في المائة من قيمتها في دولة تعد من أغنى بلدان العالم بالنفط.
بالطبع اختيار الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أساساً تقديم موعد الانتخابات من ديسمبر إلى مايو، ليس اعتباطياً، وبخاصة، أنه يأتي في وقت حساس. تحديداً، قبيل إعلان كوبا تولّي زعامة جديدة للجزيرة الشيوعية تحل محل عائلة كاسترو في الحكم، مع تنحي الرئيس الحالي راؤول كاسترو وابتعاده عن المشهد السياسي. والمعروف أن كوبا هي محرك اليسار الأميركي اللاتيني والدولة الداعمة لقيادة فنزويلا الحالية. كذلك، يتزامن التقديم بعد انعقاد «قمة الأميركتين» في البيرو، وهي القمة التي سيحضرها زعماء أميركا الشمالية والجنوبية بحضور الرئيس دونالد ترمب؛ ما سيمكن فنزويلا من الحضور بحلة جديدة وسط أزمتها السياسية الطاحنة.
المعارضة الفنزويلية اليمينية والليبرالية، من جانبها انتقدت التحركات الحكومية الأخيرة، ووصفت تقديم موعد الانتخابات من (ديسمبر إلى مايو - قبل التأجيل البسيط ليونيو) بـ«المناورة غير الشرعية»، من منطلق أن الفترة الرئاسية للرئيس مادورو ستنتهي في ديسمبر بنهاية العام الحالي. ومن ثم، فإنها ترى أن الغاية من تقديم الموعد مباغتة المعارضة، ومنعها من تنظيم صفوفها؛ ما يضعف إمكانية خوضها المعركة الانتخابية بالشكل المأمول. وبالفعل، أصابت خطوة السلطات اليسارية المعارضة بحالة من التوتر دفعتها للإقرار بأنها «تلقت ضربة أذهلتها»، على لسان كبير مفاوضي الفريق المعارض للحكومة خوليو بورغيس.

موقف أوروبي قاطع
نواب في البرلمان الأوروبي، من جهتهم، طالبوا بتوسيع العقوبات المفروضة على فنزويلا «لتطاول» الرئيس نيكولاس مادورو، وحذروا من أن الاتحاد الأوروبي لن يعترف بنتيجة الانتخابات الرئاسية المقبلة «إلا إذا كانت حرة».
وطلب النواب الأوروبيون خلال جلسة حضرها جميع الأعضاء في مقر البرلمان بمدينة ستراسبورغ (شمال فرنسا)، بتأييد 480 نائباً ومعارضة 51 وامتناع 70 عن التصويت، توسيع العقوبات المفروضة على أبرز المسؤولين الفنزويليين «بعد تفاقم الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية». وكان في طليعة المستهدفين بالعقوبات الرئيس مادورو ونائبه طارق العيسمي والمسؤولون العسكريون الرئيسيون.
وجاء في بيان للبرلمان: إن «الاتحاد الأوروبي لن يعترف بالانتخابات إلا إذا كانت حرة ومنصفة». كما أضاف البيان إن «الانتخابات الوحيدة التي سيعترف بها الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، بما في ذلك البرلمان، هي انتخابات تقوم على جدول زمني انتخابي واقعي، يتفق عليه في إطار حوار وطني بين كل الأطراف المعنيين والأحزاب السياسية، مع شروط مشاركة مماثلة للجميع تكون منصفة وشفافة».
ما تجدر الإشارة إليه أن الرئيس مادورو، وريث الرئيس اليساري العسكري الراحل هوغو تشافيز، مرشح في هذا الاقتراع. وكانت فيديريكا موغيريني، وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، قد قالت أمام النواب الأوروبيين، إنه «يجب تحاشي فرض ظروف مفتعلة للحد من مشاركة الأحزاب السياسية». وعلى جانب آخر، فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً أولياً بسبب تقارير تفيد بأن قوات الأمن في فنزويلا تستخدم العنف المفرط ضد المتظاهرين منذ عام 2017، وأعلنت المحكمة، التي تتخذ من لاهاي (هولندا) مقراً لها، أنها ستبحث في الادعاءات المتعلقة باعتقال الآلاف من أفراد المعارضة، بالإضافة إلى الانتهاكات التي يواجهونها خلال الاعتقال.

احتجاجات منذ سنة
تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تشهد احتجاجات منذ أبريل (نيسان) الماضي، حين تحرك الرئيس مادورو لتعزيز سلطاته. وكما سبقت الإشارة، رغم تمتع فنزويلا باحتياطيات نفطية تعد بين الأضخم في العالم بها، فإنها تعاني من التضخم ونقص السلع الأساسية. وفي تقرير صدر في أغسطس (آب) 2017، خلص مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن استخدام قوات الأمن القوة المفرطة بهدف وقف المظاهرات وعنف الجماعات المسلحة الموالية لمادورو كان وراء سقوط 70 قتيلاً على الأقل. ومن ثم، يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تقرر في مرحلة لاحقة، استناداً إلى المعلومات التي تم جمعها خلال التحقيق الأولي، فتح تحقيق رسمي بالواقعة.
بجانب هذا المشهد المعقد، تضاف حزمة العقوبات المفروضة على سلطات كاراكاس من كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. إذ فرضت واشنطن وعواصم الاتحاد الأوروبي عقوبات استهدفت قيادات بارزة في إدارة الرئيس مادورو كذلك طالت العقوبات قطاع النفط في البلاد، وبخاصة شركة النفط الوطنية. وهو ما دفع وزير الخارجية تيلرسون للقول إن الولايات المتحدة ستضع في اعتبارها تأثير أي حظر نفطي محتمل ضد فنزويلا، على دول أخرى في المنطقة. وأضاف تيلرسون، الذي كان يتكلم في مدينة كينغستون، عاصمة جامايكا - المحطة الأخيرة في جولته والدولة الوحيدة غير اللاتينية في برنامج جولته بأميركا اللاتينية، إن بلاده «ستأخذ في الاعتبار بشكل كامل التأثيرات على الدول الإقليمية، وسيصار إلى النظر في الإجراءات التي قد تتخذها واشنطن للتخفيف من الآثار السلبية». أيضاً، أشار تيلرسون إلى إنه بحث هذه المسألة مع رئيس الوزراء الجامايكي أندرو هولنيس. من ناحية أخرى، جاءت تصريحات تيلرسون بعدما كان قد أثار إمكانية فرض حظر نفطي على فنزويلا خلال زيارة للأرجنتين. وفي المقابل، قال الرئيس الفنزويلي مادورو، إن بلاده «ستواجه مثل هذا الحصار؛ لأن دولاً غير الولايات المتحدة مستعدة لشراء النفط منها».

واشنطن تزيد الضغط
كانت التركيز في محطات جولة تيلرسون في المكسيك والأرجنتين والبيرو وكولومبيا، وأخيراً جامايكا، على زيادة الضغط على فنزويلا. ومعلوم أن واشنطن تتهم السلطات اليسارية الحاكمة في العاصمة كاراكاس بالفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. وبجانب الموقف السياسي السلبي الأميركي أساساً من الحكم الفنزويلي، ابتداءً من الرئيس السابق الراحل تشافيز، والمستمر بعده في عهد خلفه مادورو، أسهم في معاناة فنزويلا الاقتصادية والسياسية تراجع أسعار النفط. كذلك، تتهم واشنطن وقوى المعارضة التي تدعمها واشنطن مادورو وحكمه – ومن قبله حكم تشافيز - بسوء الإدارة طال لسنوات. واليوم، أدى التضخم المتصاعد إلى نقص الغذاء والمعاناة المعيشية؛ ما دفع مئات الآلاف من الفنزويليين إلى عبور الحدود إلى كولومبيا.

روسيا والصين
تداعيات الأزمة الفنزويلية امتدت أكثر في الآونة الأخيرة، لتشمل علاقة كاراكاس مع كل من موسكو وبكين. إذ تتهم المعارضة اليمينية الفنزويلية المدعومة من واشنطن، حكومة الرئيس مادورو بالاستعانة بالصين لدعم الاقتصاد الفنزويلي. كذلك، تتهمها بشراء السلاح من روسيا بحيث تغدو فنزويلا محوراً إقليمياً أساسياً في القارة الأميركية للإقليم، يمكن أن يؤدي إلى احتكاك بين الصين والولايات المتحدة.
ولقد ردت وزارة الخارجية الصينية أخيراً على تهم المعارضة الفنزويلية، وكذلك اتهام وزارة الخزانة الأميركية لبكين بمساعدة حكومة مادورو «من خلال استثمارات غامضة قائمة على مبدأ النفط مقابل القروض»، فقالت: إن دعم الصين لفنزويلا «عاد على المواطنين الفنزويليين العاديين بالفائدة، ولاقى ترحيباً كبيراً». فلقد كان ديفيد مالباس، كبير الدبلوماسيين الاقتصاديين بوزارة الخزانة الأميركية، قد ادعى في خطاب ألقاه بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «أن تركيز الصين على السلع وصفقات التمويل الغامضة أضر بدول المنطقة بدلاً من أن يساعدها». وجاء انتقاد مالباس دور الصين في مساعدة سلطات كاراكاس بعد طرح وزير الخارجية تيلرسون «احتمال وقوع انقلاب عسكري» في فنزويلا.
غير أن المتحدث باسم الخارجية الصينية، تشينغ شوانغ، رد على المواقف الأميركية بالقول: إن «التعاون المالي بين الشركات والمؤسسات في البلدين يقوم على مبدأ تبادل المنفعة». وأردف المتحدث الصيني: إن «القروض تتماشى تماماً مع المعايير الدولية، وعادت بالنفع على شعب فنزويلا... وما قالته الولايات المتحدة لا أساس له ويتسم بانعدام مسؤولية شديد».
كذلك، أشار المتحدث الصيني إلى أن «التعاون بين الصين وفنزويلا ساهم في بناء أكثر من عشرة آلاف منزل منخفض التكلفة، وتوليد الكهرباء، وتوفير الأجهزة المنزلية لثلاثة ملايين أسرة فنزويلية منخفضة الدخل». واستطرد قائلاً: إن التعاون بين الصين وفنزويلا «دفع التنمية الاجتماعية الاقتصادية في فنزويلا إلى الأمام، وقوبل بالترحيب والدعم من كل المستويات في المجتمع». وضمن هذا الإطار، سبق للصين أن اتهمت من جانبها واشنطن بأنها «لا تحترم أميركا اللاتينية»، وذلك بعدما حذر الوزير تيلرسون دول أميركا اللاتينية «من الاعتماد الزائد على الروابط الاقتصادية مع الصين».

الهجرة أزمة لدول الجوار
أوضاع الشوارع والمباني في المدن الفنزويلية، وفق المصادر الغربية، موجع للغاية، وتزداد الأوضاع سوءاً يوماً بعد يوم. وقال أحد سكان العاصمة كاراكاس في مقابلة صحافية: «الحزن يعم الجميع هناك. لا أمل لأحد الآن، ولا يعرف أحد ما يجب القيام به. لقد سئم الجميع كل شيء، وخيبة الأمل منتشرة في كل مكان... يشعر الجميع بالضياع التام».
هذا المشهد يعبر عنه بوضوح منظر وصول الآلاف من رعايا فنزويلا في كل يوم إلى كولومبيا. بعضهم يبحث عن المواد الغذائية الأساسية أو عن الأدوية، وبعضهم الآخر يبحث عن مستقبل لحياته. لكن الواقع أنه، يستحيل الوقوف على الرقم الحقيقي للاجئين والنازحين الفنزويليين الذين يعيشون اليوم في المدن الكولومبية؛ إذ إن كثيرين منهم يعيشون هناك بصورة غير مشروعة أو بصفة مؤقتة.
وكالة «الهجرة في كولومبيا» تشير إلى أن عشرات الآلاف من رعايا فنزويلا يعيشون حالياً في البلاد. وتعكس هذه الأرقام حالة الدعم الاجتماعي التي توفرها الحكومة الكولومبية اليمينية للنازحين الذين يغادرون البلاد المأزومة، وهي السياسة التي تثير توتراً جديداً بين حكومتي البلدين. وبالمناسبة، كانت الولايات المتحدة أيدت تقديم الدعم المالي إلى كولومبيا لاحتواء الأزمة. غير أن كولومبيا ليست بالضرورة الوجهة الوحيدة للفنزويليين الراغبين بمغادرة بلدهم. فمن المقاصد الأخرى المفضلة للفنزويليين الولايات المتحدة وإسبانيا، ولا سيما بالنسبة لأولئك الذين لديهم صلات عائلية هناك. يضاف إلى ذلك، رصد ميل واضح للهجرة إلى الأرجنتين وتشيلي، في أقصى الطرف الجنوبي من قارة أميركا اللاتينية.

مادورو ابن «الطبقة العمالية»
- من هو الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وريث الزعيم اليساري السابق هوغو تشافيز؟
اسمه الكامل هو نيكولاس مادورو موروس، ويبلغ من العمر 55 سنة. وهو متزوج من سيليا فلوريس، التي هي أيضاً من وجوه الحركة التشافيزية وكانت مدعية عامة سابقة للجمهورية.
نشأ مادورو في حي تقطنه الطبقة الوسطى بالعاصمة كاراكاس، حيث ناضل في مرحلة الدراسة الثانوية، كما كان عازف غيتار في فرقة روك إبان فترة مراهقته. وفي المرحلة الجامعية، أمضى سنة في دراسة العلوم السياسية في كوبا. كما كان في شبابه سائق حافلات، كما كان قيادياً في نقابة مترو كاراكاس. ويقال إنه كان موضع سخرية في بداياته السياسية، لكنه حزم منذ 2013 تولى مقاليد الحكم في فنزويلا.
المحلل السياسي الأميركي مايكل شيفر، قال في معرض تقييمه تجربة مادورو وشخصيته: «كثيرون قللوا من شأنه، بل ثمة من نعاه سياسياً منذ أن أصبح رئيساً. لكن، على الرغم من تعدد المظاهرات المناوئة وشبه إفلاس البلاد وتدهور الشعبية، لا شيء كما يبدو يهز سلطته. وهذا، مع أنه لا يتمتع بجاذبية سلفه الراحل هوغو تشافيز ولا فصاحته».
من ناحية ثانية، يقول عنه فيليكس ساياس، مدير معهد ديلفوس للاستطلاعات: «مادورو شخص ماهر جداً في تحقيق التوازنات، ونجح في تقسيم السلطة داخل التيار التشافيزي الذي كانت له القبضة الحديدية في حكم البلاد إبان الرئيس الراحل تشافيز. هذا أكسبه السلطة اللازمة لفرض ترشحه للانتخابات الرئاسية». وأردف ساياس: إنه «يملك نوعاً من الجرأة السياسية. وبعدما رشحه الحزب الاشتراكي الموحد (الحاكم) رسمياً للانتخابات الرئاسية، من المتوقع أن يحكم نيكولاس مادورو في حال فوزه فنزويلا حتى عام 2025، وحين لا يكون في جولة ميدانية في العاصمة كاراكاس، فإنه يشاهد صباحاً عبر قناته على (يوتيوب) وبيده كأس من الشاي جلبته زوجته سيليا فلوريس، وهو يخاطب الفنزويليين».
ويتابع ساياس قراءته في شخصية الرئيس اليساري: «سلطته مصدرها تشافيز، الذي كان قد رشحه لخلافته قبل وفاته، إلا أننا الآن إزاء مادورو آخر مختلف... مادورو يدرك أنه أقوى؛ ولذا فهو هو أكثر شراسة». وحقاً، مع ظهور يومي وخطابات مطولة وتصريحات مناهضة للإمبريالية، يشبه مادورو كثيراً سلفه ومرشده تشافيز، الذي كان حكم فنزويلا بين 1999 و2013، إلا أن تصرفات مادورو دفعت رجال حقبة تشافيز لانتقاده ومن هؤلاء رافايل راميريز، سفير فنزويلا الأسبق لدى الأمم المتحدة، الذي أقيل من منصبه في ديسمبر 2017 من منصبه بتهمة الفساد. ومما قاله راميريز – الذي يدعي متابعون أن مادورو تخلص منه بعدما رأى البعض فيه منافساً محتملاً له: إن مادورو «أفرط في استغلال اسم تشافيز وصورته، لكنه مهما فعل فلن يشبه تشافيز».
مع هذا، فإن الرئيس اليساري الطموح والشعبوي عمل على تحسين صورته. فهو يصف نفسه دائماً بأنه رئيس «جاء من طبقة العمال»، ويقود سيارته الرباعية الدفع، ويسخر من لكنته حين يتحدث بالإنجليزية ويرقص «السالسا»، ثم إنه لا يكاد يغيب عن وسائل التواصل الاجتماعي.
وعنه قال مسؤول في القطاع الخاص، كان على اتصال به حين كان وزيراً للخارجية: إنه «يملك أسلوباً بسيطاً. وهو لا يفقد حسه الفكاهي حتى عندما تغرق البلاد. إنه خطيب جيد، لكنه ليس تشافيز».
جدير بالإشارة، أن مادورو تولى منذ 2006 وزارة الخارجية في عهد سلفه تشافيز، الذي عينه لاحقاً نائباً للرئيس في أعقاب بالانتخابات الرئاسية في 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2012، وعند وفاة تشافيز، أصبح مادورو رئيساً بالوكالة. ثم انتخب رئيساً.
هذا، وتشمل مسيرة مادورو أيضاً، توليه لفترة قصيرة رئاسة الجمعية الوطنية (البرلمان) في الفترة بين عام 2005 وعام 2006. وفي عام 1998 فاز بأول ولاية له نائباً في البرلمان تحت راية «حركة الجمهورية الخامسة» التي أسسها تشافيز الذي وصل إلى السلطة في العام ذاته. وكان الرجلان التقيا أيضاً في صلب «الحركة الثورية البوليفارية» التي أسسها تشافيز أيضاً، وقاد إبان رئاسته لها انقلاباً فاشلاً ضد الرئيس كارلوس أندرياس بيريز في 1992.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.