أنسي الحاج صياد البروق التي لا تخبو

بعد أربع سنوات على غيابه

أنسي الحاج
أنسي الحاج
TT

أنسي الحاج صياد البروق التي لا تخبو

أنسي الحاج
أنسي الحاج

الذين يعتقدون أن معاصرتنا للمبدعين هي نوع من الحجاب الرمزي الذي يمنعنا من قراءتهم بشكل موضوعي وتحديد القيمة الحقيقية لما أنتجوه، وأن قيمة المبدعين لا تتحدد إلا في ضوء الشغور الذي يخلفونه وراءهم بعد الرحيل، ليسوا مخطئين تماماً. ذلك أن الكثير من الأسماء تنتزع لمعانها الخلبي من عناصر خارجة عن الإبداع، ومتصلة بسلطة السياسة أو الآيديولوجيا المهيمنة، أو المنبر الثقافي الذي تشغله وتسخره للترويج لنفسها وتضخيم حجمها الإبداعي الفعلي.
لذلك يبدو الترجل عن مسرح العيش ضرورياً أحياناً لقياس الحمولات الإعلامية الزائدة للكتاب والفنانين، وللوقوف على الأحجام الحقيقية لنصوصهم ولنتاجاتهم العزلاء. وإذا التفتنا قليلاً إلى الوراء لن يعوزنا الاستدلال على هذه المقولة بالعديد من الأسماء التي تمّ تضخيمها وإعلاء شأنها ومنحها أرفع الجوائز والأوسمة من قبل «حاضنات» آيديولوجية متباينة، حتى إذا تبدلت الأزمنة وانهارت العقائد، تبخرت تلك الأسماء التي شغلت الدنيا وملأت الناس، واضمحل حضورها وخرجت أعمال أصحابها من التداول.في حين أننا لا نُعدم في الخانة المقابلة قامات من نوع آخر ما تزال رغم غيابها راسخة في وجدان القراء والمتابعين وحاضرة بقوة في المشهد الثقافي العربي.
في ضوء هذه التوطئة يحق لنا أن نسأل، وبعد مرور أربع سنوات على غياب أنسي الحاج، عما إذا كان الصدى الذي خلّفه صاحب «ماضي الأيام الآتية» وراءه هو بحجم «الدوي» الذي أحدثه في حياته، وهو الذي تبوأ سلطات ومناصب ثقافية شتى، منذ دوره الريادي في مجلة «شعر» وترؤسه لملحق «النهار» الثقافي وإشرافه على مجلة «الحسناء» وعلى «النهار العربي والدولي» وكتابته في مجلة «الناقد» وتوليه رئاسة تحرير «النهار»، وصولاً إلى زاويته الأسبوعية في جريدة «الأخبار». أعرف أن لا إجابة واحدة على السؤال إياه، باعتبار أن الأدب مسألة ذوقية وحمالة أوجه، ولكنني أعتقد أن أنسي لم يبن قصوره قبل ستة عقود على رمال السلطة والترويج الإعلامي والمناصب العابرة، لكي تطيح بما بناه أمواج الزمن وأنواؤه، بل هو مقترن بالجنون وروح التمرد شيد بنيانه فوق أكثر الصخور صلابة وقدرة على مقارعة الزمن.
فمن غير الممكن أن نستذكر صورة لبنان في حقبته الوردية الزاهية دون أن يكون أنسي الحاج حاضراً فيها. وحيث تستعاد بين حين وآخر الصورة شبه اليوتوبية للبنان ما قبل الحرب، يبدو حضور صاحب أنسي فريداً وشديد السطوع داخل تلك الصورة التي تكاد الآن أن تضمحل، بفعل التصحر والعقم الفكري وتفريغ الكيان من معناه.
لقد حظي صاحب «الرأس المقطوع» بجملة من الصفات والمزايا التي مكنته من منح الحياة الثقافية اللبنانية كل ما تحتاجه من أسباب الجدة والتنوع والحيوية الدائبة. ورغم أنه كان ركناً أساسياً من أركان مجلة «شعر» التي خاضت مع «الآداب» صراعاً لا هوادة فيه حول طبيعة الشعر ووظيفته وشروطه، إلا أن طبيعته السجالية واطّلاعه الواسع على الثقافة الغربية لم يمنعاه أبداً من التعمق في قراءة التراث والوقوف على أسرار اللغة الأم، وهو الذي اعتبر أن معرفة التراث هي الشرط الضروري لأي تجاوز له.
لقد بدا أنسي في غير مكان وكأنه يخوض الحرب على جبهتين اثنتين، أولاهما مع الجدار السميك للتقاليد الشعرية، حيث يعلن في مقدمة «لن» بأن علينا إذا ما أردنا أن يتم لنا خلاص أن «نقف أمام هذا السد ونبجّه»، وثانيتهما مع نفسه حيث لم يكن يأنس إلى يقين، وحيث الحقيقة عنده نص غير مكتمل ينبغي أن نعيد تنقيحه باستمرار. كانت «لن» بهذا المعنى تعبيراً صارخاً عن ضيق الشاعر بتصنيم الشعر واستهلاك أشكاله وجمالياته إلى حد الابتذال، أكثر من كونها النموذج الأكمل لمشروع صاحبها الحداثي. لقد حذا أنسي حذو سوزان برنار في اعتبار الإيجاز والتوهج والمجانية الشروط الثلاثة الأبرز لكتابة قصيدة النثر، وعمل في ديوانه الأول على تقويض البنية النحوية والأسلوبية المعروفة للغة الشعر، وعلى ضرب العلاقات التقليدية بين الكلمات والجمل، وعلى انتهاك الأخلاقيات المتوارثة للكتابة، بحيث أطلق عليه البعض لقب القديس الملعون.
ولأن جحيم أنسي المأهول بالشكوك كان الضريبة التي لا بد من دفعها للوصول إلى الضفة الأخرى للطمأنينة. فهو لم يتردد في الإعلان «فليذهب ملكوت القشعريرة \ أبا الهول، خذ صمتي وامنحني يسوع».
على أن أنسي المتبرم من بلادة الأشكال وتكرارها السقيم، والذي أعلن ذات مرة «أن الشاعر لا ينام على لغة»، لم يشأ أن يأسر نفسه في نمط أو أسلوب، بل راح ينتقل من شاعرية التقويض والهدم إلى شاعرية الانبثاق والرجاء والشغف بالجمال. ففي مجموعته المميزة «ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة» تحول الشعر إلى نداء لاهث الأنفاس للمنادى الأنثوي المدفوع إلى أقاصي الغياب. لقد أشاح الشاعر بوجهه في هذا الديوان عن كل ما يتصل بنداءات العدم وتسويغ الفوضى وهدم الهيكل على من فيه، ورأى في الحب المغامرة الأعتى التي تجعل الحياة جديرة بأن تعاش. ولهذا فهو لم يتردد في تحويل المرأة المعشوقة إلى أيقونة وملاذ وقِبلة للكتابة، ولا في إشهار حبه العاصف على الملأ: «انقلوني إلى جميع اللغات لتسمعني حبيبتي \ انقلوني إلى جميع الأماكن لأحصر حبيبتي..\ فحبي لا تكفيه أوراقي \ وأوراقي لا تكفيها أغصاني \ وأغصاني لا تكفيها ثماري \ وثماري هائلة لشجرة \ أنا شعوب من العشاق.».. وهذا الإعلاء للمرأة لم يتوقف عند حدود عمل واحد أو قصيدة بعينها، بل راح يتنقل من مجموعة إلى أخرى، متخففاً من وطأة التكلف وإغواء الترصيع اللفظي ومتجها إلى جوهر الهدف. كما بدا الفارق شاسعاً بين لغة «لن» المتصادية مع الانعكاسات السادو - مازوشية لتصدعات النفس «إن جلدي مشطور كالقلعة \ عميق بالشظف والعسكر \ كل ما أذكر أنني في الخندق ألتهم جسدي فيموت \ فأحشو جثتي ندماً فيحيا»، وبين لغة «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» حيث كل حب حقيقي هو سفْر آخر للتكوين، وحيث يتخفف أنسي من تعريفاته السابقة لقصيدة النثر، ليكتب ملحمة حبه الطويلة ونشيد إنشاده الجديد «أنا الململم ألفاظ صداكِ \ اقرأيني قبل أن يعرفوني فأصل باكراً إلى الحب \ هذه رؤياكِ بلغتي المنحنية \ هذا كنزك بلصوص يدي \ أنت التي تغير الحياة بجهْل صاعق \ هي قصتكِ \ قصة الوجه الآخر من التكوين». وفي «الوليمة «، آخر أعماله الشعرية، يستكمل أنسي ميله إلى الحكمة والتأمل واستكناه الباطن الإنساني المشرع على ملابساته المعقدة. أما المرأة التي أفرد لها معظم كتاباته السابقة، فستخلي مكانها بشكل جزئي لقضايا أخرى متعلقة بالحرب وخراب المكان ووحشة الكائن والوطن المعطل. صحيح أن الحب في وجهه العاطفي سيظل ماثلاً في قصائد المجموعة، لكن الشاعر المقبل على كهولته سيشرعه على المحبة، وسيجعل من جسده وليمة رمزية لكل جائع.
إلا أن الكتابة عن أنسي لن تستقيم بأي حال دون التوقف قليلاً عند نثره الأخاذ الذي يضاهي شعره في النضارة والليونة وإصابة الهدف. وإذا كان إليوت قد أشار في أحد كتبه إلى أن النثر هو أحد المعايير الأكثر دقة لقياس أحجام الشعراء، فإن هذه الإشارة أكثر ما تصح على صاحب «كلمات، كلمات». فاللغة في «خواتم» ليست واقعة تحت وطأة الرطانة والخشونة اللفظية والميوعة الإنشائية، ولكنها تخرج من مناجمها بريئة وطازجة ومثقلة بالمعرفة وشديدة التوهج. ومع أنها تحمل نبرة نبوية وفلسفية واضحة، ولكنها ليست لغة لتربية الآخرين وتبشيرهم وتلقينهم دروساً في الأخلاق، لأن محورها الأهم هو الحرية. ثمة جُمل شبيهة بالرُّقَع والتوقيعات والخلاصات الأخيرة لأغوار المعاني. وثمة تعريفات موجزة للعالم وجنونه السادر، تذكّرنا بشذرات بودلير نيتشه وسيوران من ناحية، وتردّنا إلى المقدس الديني ومراثي إرميا واعترافات أوغسطين من جهة أخرى. وفي الأحوال كلها ثمة انحياز لا هوادة فيه لدينامية الحياة في بعدها الديونيزي الذي رأى فيه نيتشه أساساً لكل عمل فني أو إبداع خلاق. وهو ما يعززه قول إنسي في أحد نصوصه «المميت هو ما لا يترك بينك وبينه مسافة تسمح لك بإعادة اختراعه». أو وصفه للفصاحة المفرطة بأنها «العدوان الأكثر تشويهاً لعذرية الفراغ»، وبأنها «جثث الكلام وقد رقّيَتْ إلى مصاف المومياءات».
لا أستطيع، أخيراً، أن أختم هذه المقالة دون أن أشير إلى شخصية أنسي الحاج ذات الجاذبية اللافتة التي تجمع بين قوة الحضور والتواضع النبيل، إضافة إلى نوع من الكاريزما الخاصة التي لم ينفك وجهه النوراني وجبينه الواسع وعيناه المغرورقتان بسراب الجمال الدامع، عن رفدها بأسباب الرقة والحنو والحدب على كل من يلتقيه.
كانت ابتسامته الخفرة تسبق يده إلى ملاقاة أصدقائه وزواره ومعجبيه الكثر. حتى إذا ما آنس من أحد تعليقاً ساخراً أو طرفة لماحة، انقلبت ابتسامته إلى قهقهة عالية تطيح بكل ما ادخره في لحظات اللقاء الأولى من رصانة ظاهرة.
على أن الرقة المتناهية التي ميزت سلوك الشاعر لم تكن سوى الجزء العلني من صلابته النادرة في وجه المرض المقيت الذي فتك به في سني حياته الأخيرة، وهو الذي لم يعمد يوماً إلى التذمر والأنين والشكوى. ولطالما تساءلت في قرارتي وأنا أقرأ «لن»، مقدمة ونصوصاً، عما إذا كان أنسي الحاج قد حدس في أعمق أعماقه بالمرض القاتل الذي سيذهب ضحيته بعد خمسين عاماً من قوله «نحن صيدليو عشبة الهلاك الباتّة \ لا وجهة.. لا وجهة \ أسرْطن العافية \ وأهتك الستر عن وجه السرطان»!.



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.