انهض.. فأنت لم تمت!

جيلان ورؤيتان عن الثورة المصرية

غلاف «سيجارة سابعة»
غلاف «سيجارة سابعة»
TT

انهض.. فأنت لم تمت!

غلاف «سيجارة سابعة»
غلاف «سيجارة سابعة»

توقظ البنت والدها..
تلبسه ثيابه..
البنت، تحضّر الشاي والإفطار لوالدها.. تأخذه إلى شقتها الخاصة وترعاه بعيدا عن شقة العائلة..
ثم تأخذه معها إلى ميدان التحرير بعد أن وافقت على إلحاحه. هي خائفة عليه، وهو يريد أن يرى الثورة التي حلم بها وحاكمته أنظمة سياسية متلاحقة بسبب هذا الحلم..
وها هي الثورة الآن في ميدان التحرير في القاهرة. الأيام الأخيرة من يناير (كانون الثاني) عام 2011.
البنت هي الكاتبة دنيا، والأب هو والدها كمال القلش، والرواية اسمها «سيجارة سابعة» (دار «ميريت» - القاهرة).
لكن لعل القراء لا يعرفون إلا في نهاية الرواية أن الأب كان قد رحل عن عالمنا قبل ذلك بسنوات. أعرف أنا ذلك لأني رافقته رحلة حياة ومرض وموت. هو كان زميل زنزانتي في معتقل الواحات الخارجة (1962 - 1964) بعد محاكمات عسكرية لكلينا.. هو سبق بسنوات خمس متواصلة في السجون والمعتقلات المصرية.. لم يكن قد تزوج بعد، ولم تكن دنيا قد ظهرت إلى «الدنيا». من هنا شكلت لي الرواية وبشكل خاص نستولوجيا معقدة وأحاسيس مركبة مرتبطة بالابنة التي أعرفها منذ طفولتها، وبالثورة التي نحاول أن نفهم ما جرى لها، وبالكتابة عن الثورة بطريقة فيها كثير من الحميمية، وإعادة بعث علاقة خاصة بين ابنة ووالدها بكل ما في هذه العلاقة من تناقضات ومتاعب ومباهج وأحزان.
بعد الإفراج عن المعتقلين السياسيين اليساريين والماركسيين في أبريل (نيسان) 1964 بمناسبة زيارة الزعيم السوفياتي خروشوف إلى مصر.. خرجنا جميعا من المعتقلات وتفرق معظمنا «إيدي سبا» عدا قلة تواصلت طويلا وكثيرا. من هذه القلة كان كمال القلش الذي تواصل معي ومع آخرين.
بقيت متواصلا معه سنوات حياته كلها بعد المعتقل، حتى رحيله قبيل الثورة بسنوات قلائل. في البداية حينما كنت أزوره بعد أن تزوج كلانا وأنجب كنت أرى البنت دنيا في أرجاء الشقة.. ثم سافرت ورجعت إلى مصر لأسافر مرات أخرى إلى بلاد مختلفة لتكبر دنيا ابنة صديقي وأعرف أنها تدرس الأدب الإنجليزي في الجامعة. كنا نلتقي بالصدفة في بيت الأب حينما أكون في زيارة لمصر.. وكانت تحب الجلوس إلينا وتستمع إلى حواراتنا وجدلنا.
لألتقي بها بعد وفاة الوالد مرة بالصدفة في الطريق العام، لأعرف أنها تعمل «فري لانس» في قناة فضائية شهيرة وأنها تسافر كثيرا. قالت إنها كتبت رواية قصيرة أعطتني إياها وطالبتني بأن اقرأها وأن أبعث برأيي فيها إليها. ثم تختفي مرة أخرى وتظهر مع صدور هذه الرواية، التي أعطتني إياها - أيضا - وطلبت رأيي - أيضا - فقرأتها باهتمام وقلت لها رأيي.
اهتمامي بالرواية نابع من اهتمامي بالشخصيتين الأساسيتين في الرواية أيضا وفي الحياة: صديقي ورفيقي كمال الذي رحل، والذي تقوم ابنته «بإيقاظه» من نومته الطويلة تأخذه معها إلى الميدان. واهتمامي بالابنة.. ابنة السياسي والكاتب القصصي والروائي (رواية واحدة هي «صدمة طائر غريب» وبضع مجموعات لقصص قصيرة)، فهي تهتم بالسياسة مثل والدها وتكاد تحترف الكتابة الإبداعية مثله أيضا.
اهتمامها؛ حرفي أيضا، يتمركز حول رغبة البنت في أن يشاركها والدها (المتوفى) بضعة أمور.. هي أيضا تريد أن تقدمه لأصدقائها، ولعل هناك صديقا محددا له وضع خاص، تريد من والدها أن يتعرف عليه!
أن تعرف موقفه من ثورة جديدة الطابع لا علاقة لها بالثورات التقليدية (من وجهة نظري)، فهو المشارك في التنظيمات السرية تحت الأرضية لكن ليس في ثورة علنية..
أن تقدمه «لأصدقائها» الشباب الذكور من ثوار ومن مبدعين ومن محبين، وهي التي لم تكن تستطيع (ولعلها لم تجرؤ) على أن تقدم هذا النمط من الأصدقاء لوالدها حينما كان حيا يُرزق.
إذن أجد نفسي في وضع غريب ومبهج ويدعو للأسى أيضا بعض الشيء.. فها هو رفيق درب عاجلته المنية قبل أن يرى «الثورة» التي ضحى من أجلها والتي كنا - صراحة - لا نعتقد أننا سنراها.. لكن الأقدار وفرت بعضنا، وأبقت على بعضنا لكي يشاهد أعجوبة مصرية خالصة وخاصة..
وها هي ابنة رفيقي تشارك في الثورة التي حضّرت لها أجيال متعاقبة من المناضلين المصريين ومنهم والدها وجيله. ولما لم تجد والدها بجوارها، أخرجته من أكفانه وألبسته ثيابه وأخذته إلى شقتها الخاصة والى «الثورة والشباب».
قرأت الرواية منبهرا بالفكرة.. فهي تطبخ لوالدها الطعام الذي يحبه، وتصف التحضير للطعام بدءا بالتسوق واختيار حبات الطماطم والباذنجان.. إلخ.. مرورا بعملية الطبخ وانتهاء بتقطيع السلاطة بالطريقة التي يفضّلها. تحضر له دواءه، وتذكره بتناوله.. تقول له على برنامج يومها في الميدان وأين سيكونان. هي خائفة عليه من الغازات الخانقة فهو مصاب بأزمة قلبية مع ضيق تنفس.. كان قد أجرى عملية القلب المفتوح قبيل وفاته بسنوات قلائل. تخشى أن يصيبه حجر طائر أو رصاصة طائشة.
سوف نسمع تعليقات والدها.. إعجابه بالثوار الشباب.. وقفاته معهم في ميدان طلعت حرب. سوف نقلق معه حينما تتأخر دنيا عن موعد عودتها إلى الشقة التي «أخذته» إليها.. سيفتح لها الباب صائحا فيها معبرا عن قلقه وترتمي هي في حضنه باكية وهو أيضا لا يستطيع مغالبة دموعه. سوف نفهم موقف الأب من الثورة.. بالتحديد ما تعتقده دنيا، الابنة الراوية؛ ما سيكون موقف والدها من الثورة.
لم أعرف بالطبع ماذا سيكون موقف كمال القلش الوالد من الثورة.. لأن جيلنا اتخذ عدة مواقف من الثورة وحاول أن يطبق على هذه الظاهرة الثورية القوانين الماركسية التقليدية.. وبالطبع فهو أمر خاطئ، لأن هذا معناه وضع العربة أمام الحصان وليس العكس.
تحادثنا كثيرا أنا ودينا كمال عن الثورة.. لم أقل لها رأيي، لكني كنت أريد أن اسمعها هي. فهي كانت «تداوم على الحضور» إلى التحرير مرة في الأسبوع في البداية حينما تركب الطائرة من البلد الذي تعمل فيه وتحضر إلى القاهرة لتقضي الـ«ويك إند» مع الثوار في الميدان. ثم تركت عملها في النهاية والتحقت بدوام يومي بالتحرير.
بالطبع حدث لها ما حدث للكثيرين من إحباط وهي ترى الثورة يتم اختلاسها، وترى الثوار ينشغلون بخلافاتهم الصغيرة ثم ينصرفون إلى بيوتهم.. إلخ
أهمية هكذا عمل أنه غير مسبوق في الإبداع المصري المعاصر من أكثر من ناحية.. فهو عن الثورة وقد ساح مداد كثير في كتابات إبداعية عنها، قليل منها موفق.. وهو عن بنت ووالدها والعلاقة الدقيقة بين الاثنين وفارق عمر نحو نصف قرن بينهما..
ثم هو إنجاز لفعل «المشاركة» الخاصة بين جيلين ورؤيتين عن الثورة.. تفصل بينهما عدة أجيال ومياه كثيرة تجري بلا انقطاع. ثم تجربة «رفض الموت»، وهي تجربة أيضا نادرة في الثقافة العربية لم تظهر بوضوح إلا في ألف ليلة وليلة باعتبارها فعلا فانتازيا له علاقة بالسحر والجان. لأن دينا المؤمنة لم تستطع أن تقبل فكرة أن يغادرها والدها بدون سابق إنذار هكذا.. فقررت استدعاءه وتطييب خاطره بعد أن كانت لا تحب له أن يتدخل في حياتها الخاصة.
ها هي تدخله معها في الثورة وفي أصدقائها وتؤمن بأنه لا يزال حيا يرزق ويتنفس ويقول رأيه في ما يحدث حوله وحولها ولها!



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.